LOGINبالعودة إلى العاصمة إيلثارا، وفي قصر الإمبراطور إيليدار، كان الإمبراطور جالسًا على عرشه يستمع إلى كبار الأطباء والحكماء وهم يشرحون له الحالة التي وصل إليها الأمير كايلان، ويحدثونه عن آخر الخلطات الطبية التي استخدموها معه، والنتائج التي ظهرت بعد تجربتها. كان إيليدار يستمع إليهم في صمت، وعيناه تحملان ذلك الحزن الذي أصبح لا يفارقه منذ سنوات. وبينما كان أحد كبار الأطباء يشرح له تفاصيل آخر خلطة جرى إعدادها، عادت إلى ذهن الإمبراطور ذكرى قديمة، ذكرى تعود إلى السنوات الأولى التي بدأت فيها لعنة ابنه. في ذلك الوقت، وعندما اشتدت حالة الأمير وبدأ الجميع يبحث عن أي طريقة يمكن أن تساعد في شفأه، كان كبير الحكماء قد حاول استطلاع مستقبل كايلان، علّه يرى شيئًا يمكن أن يقودهم إلى علاجه. لم يستطع رؤية الكثير من مستقبل الأمير، لكن ما رآه كان كافيًا ليجعل الإمبراطور يتمسك بالأمل حتى هذه اللحظة. لقد رأى شيئًا بسيطًا من مستقبله. كان يعلم أن سبب مرض الأمير هو اللعنة التي أصابته، تلك اللعنة التي ألقتها عليه ساحرة الغابة السوداء، وأن الظلال السوداء الموجودة داخل جسده هي نتيجة تلك اللعنة، وهي التي تت
انتهت ميرا من كلماتها، وأخذت نفسًا عميقًا حاولت به أن تستعيد بعض تماسكها. كانت تشعر أن الحديث طال أكثر مما ينبغي، وأنها قالت لألدريان من مشاعرها أكثر بكثير مما كانت تنوي قوله. نهضت من مقعدها بهدوء، ثم قالت وهي تحاول أن تجعل صوتها طبيعيًا: — أستأذنك يا سيدي الحاكم... أريد العودة إلى غرفتي. رفع ألدريان عينيه إليها، ولاحظ أنها تتجنب النظر إليه، وكأنها تخشى أن يطرح عليها سؤالًا آخر. أرادت ميرا أن تنهي اللقاء قبل أن يفتح فمه من جديد. لم تكن مستعدة لسماع المزيد. ولم تكن تريد أن تضطر إلى الإجابة عن أي سؤال آخر يتعلق بمشاعرها أو حياتها أو بما تفكر فيه. أومأ ألدريان بهدوء. — يمكنكِ الذهاب. — شكرًا لك. انحنت له انحناءة صغيرة، ثم استدارت وغادرت الغرفة سريعًا. لكن ما إن أغلقت الباب خلفها حتى تغيرت ملامحها. كانت تحاول التماسك بصعوبة. خطت في الممر بخطوات سريعة، وعيناها ممتلئتان بالدموع التي رفضت أن تسمح لها بالسقوط. لم تكن تريد أن يراها أحد. لم تكن تريد أن تتحدث مع أماريل أو أي شخص آخر. كل ما كانت تريده هو الوصول إلى غرفتها. فقط غرفتها. كان صدرها يضيق أكثر مع كل خطوة، وكأن الكلمات
انعقد حاجبا ألدريان في صدمة ثم قال — حتى لو كان يحبكِ بصدق؟ — حتى لو كان يحبني بصدق. — وحتى لو أراد أن يفعل كل شيء من أجلكِ؟ هزت ميرا رأسها ببطء. — لا أعتقد أنني سأستطيع منحه فرصة. ظل ينظر إليها غير مصدق. — لماذا؟ ساد الصمت للحظات. شعرت ميرا بثقل كبير في صدرها. ثم قالت: — لأن هناك شيئًا واحدًا فقط يشغل تفكيري الآن... شيء واحد أسعى إليه منذ اللحظة التي جئت فيها إلى هنا. توقفت، وأخذت نفسًا عميقًا. — أريد أن أعود إلى والدي. كانت نبرتها هذه المرة مختلفة. لم تكن مجرد إجابة. كان فيها شيء من الألم، وشيء من الخوف، وإصرار لا يمكن كسره. — آخر مرة رأيت فيها والدي... كان مريضًا. انخفض صوتها قليلًا. — كان في حالة سيئة جدًا، وكان تقريبًا على حافة الموت. سكتت لحظة، وكأن مجرد تذكر ذلك المشهد يؤلمها. ثم قالت: — لا أعرف ماذا حدث لة بعد أن تركته. تشابكت أصابعها فوق حجرها. — لا أعرف إن كان الطبيب قد وصل إليه في الوقت المناسب وأنقذه... أم أنه وصل متأخرًا ولم يستطع فعل شيء. ابتلعت ريقها بصعوبة. — لا أعرف إن كان والدي ما زال حيًا الآن أم... توقفت الكلمات في حلقها. لم تستطع إكمال
انتهيا من العشاء أخيرًا، وانتقلا إلى القسم الآخر من الغرفة، حيث وُضعت مقاعد مريحة حول طاولة صغيرة، وقد أُعد المشروبات لتقدَّم لهما بعد الطعام. جلست ميرا في أحد المقاعد، بينما جلس ألدريان في المقعد المقابل لها. كانت هادئة للغاية. هادئة إلى درجة أثارت انتباهه. لم تتحدث، ولم تسأله عن شيء، ولم تحاول حتى أن تفتح حديثًا عابرًا كما كانت تفعل أحيانًا. كانت تجلس ويداها في حجرها، وعيناها منخفضتان نحو الأرض، وكأنها غارقة في أفكارها. لكن داخلها كان كل شيء عكس ذلك تمامًا. كانت الأسئلة تتزاحم في رأسها بلا توقف. كانت ميرا تشعر بانزعاج شديد كلما تذكرت أسئلته. لم تكن سعيدة بهذا الحوار. ولم تكن مرتاحة على الإطلاق لما اكتشفته من خلاله. فلقد أصبح شكها يقينا لقد أصبح ما كانت تخشاه حقيقة واضحة أمامها. ألدريان مهتم بها. وربما أكثر مما كانت تتخيل. ولهذا كانت تتمنى في أعماقها أن ينتهي هذا اللقاء بأسرع وقت ممكن. لم تكن تريد أن تجلس أمامه أكثر. ولا أن تسمع المزيد من الأسئلة. ولا أن تُضطر إلى الإجابة عن أمور شخصية لم تكن تريد الحديث عنها معه. أما ألدريان، فكان يراقبها بصمت. لاحظ توترها. لاحظ
ظلت ميرا صامتة لعدة لحظات، وكأن السؤال قد أفقدها القدرة على الرد. كانت تنظر إلى ألدريان بدهشة واضحة، بينما راحت الكلمات التي قالها تتردد داخل عقلها من جديد. هل كان لديكِ حبيب؟ هل وقعتِ في الحب من قبل؟ هل كان هناك شخص تحبينه؟ لم يكن سؤالًا عابرًا. ولم يكن من النوع الذي يمكن أن يطرحه شخص بدافع الفضول فحسب. بدأت أفكارها تتسارع، وراحت تربط بين كل المواقف التي حدثت خلال الأشهر الماضية. اهتمامه المتزايد بها... نظراته التي كانت تشعر بها حتى عندما لا يتحدث... محاولاته المتكررة للبقاء إلى جوارها... لطفه الزائد معها... والآن، سؤاله عن حياتها العاطفية! شعرت ميرا بقلبها ينقبض قليلًا. إذًا... لم أكن أتوهم. كان ذلك هو الاستنتاج الذي حاولت طوال الفترة الماضية الهروب منه. لم تكن تسيء فهم تصرفاته. ولم يكن عقلها يختلق شيئًا من فراغ. كان اهتمام ألدريان بها حقيقيًا بالفعل. والآن، ها هو بنفسه يؤكد شكوكها دون أن يقصد، حين بدأ يبحث عن تفاصيل حياتها السابقة، ويسألها إن كان هناك رجل أحبته أو ارتبطت به. لم تعرف ميرا ماذا تفعل. كان عليها أن تجيب، وفي الوقت نفسه لم تكن تريد أن يظهر على وجهها أ
لم يكن في صوتها شوق. ولا عتاب. ولا حتى سؤال عن سبب غيابه. فقط اهتمام طبيعي بحال المملكة. أشار إليها بالجلوس. — تفضلي. جلست ميرا، وبدأ الاثنان تناول الطعام. ساد الصمت بينهما. لم يكن يُسمع سوى صوت أدوات الطعام وهي تلامس الأطباق بين حين وآخر. كانت ميرا تأكل بهدوء، دون أن ترفع عينيها كثيرًا، ودون أن تحاول فتح أي حديث. أما ألدريان فكان يراقبها من وقت إلى آخر. كان ينتظر أن تسأله شيئًا. عن غيابه. عن أعماله. عن سبب عدم مجيئه إليها طوال تلك الأسابيع. أي شيء. لكنها لم تفعل. مر بعض الوقت، وشعر ألدريان بأن صمتهما بدأ يطول أكثر مما يحتمل. لم يكن قد دعاها إلى العشاء لمجرد تناول الطعام. كان يريد أن يعرف الحقيقة. ولهذا قرر أن يبدأ الحديث بطريقة غير مباشرة. قال: — أخبريني، كيف حالك هذه الأيام يا ميرا؟ سمعت أنك بدأت تندمجين مع الناس في القصر، وأنك بدأت تحبين المكان أيضًا. هل أحببتِ المكان فعلًا؟ رفعت ميرا عينيها قليلًا، ثم أعادتهما إلى طبقها. — نعم، أحببت المكان. الناس هنا رائعون، وقد اعتدت وجودهم كثيرًا، كما أنني بدأت أشعر بأنني اندمجت معهم. ثم صمتت للحظة، قبل أن تضيف: — ولكن