LOGINظل يوسف ساكنًا لا يتحرك، بينما كانت يد ميرا ما تزال تمسك بكتفه تهزه برفق، وكأنها تنتظر منه أن يفتح عينيه في أية لحظة ويبتسم ابتسامته الهادئة التي اعتادت أن تطمئنها. لكن شيئًا لم يحدث. كانت الغرفة ساكنة بصورة مخيفة، حتى إن صوت أنفاسها المتسارعة أصبح أعلى من أي صوت آخر. شعرت بأن قلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها، وأخذت تناديه مرة بعد أخرى بصوت يزداد ارتفاعًا ورجاءً.
"أبي... أرجوك، انظر إلي... لا تفعل هذا بي. لقد وعدتني أننا سنرحل معًا... ألم تقل إننا سنغادر هذه القرية؟ أرجوك، افتح عينيك." لكن يوسف ظل مغمض العينين، ولم يصدر عنه سوى أنفاس ضعيفة بالكاد تُسمع. ارتجفت ميرا، ثم وضعت أذنها فوق صدره، تحاول أن تسمع دقات قلبه. وبعد لحظات شعرت بنبضات خافتة جدًا، ضعيفة إلى حد جعلها تنتفض خوفًا. رفعت رأسها سريعًا، وقد اختلطت دموعها بأنفاسها المتلاحقة، وهمست وهي تكاد تختنق من البكاء: "الحمد لله... ما زلت حيًا." لكنها أدركت في اللحظة نفسها أن الوقت لم يعد في صالحها، وأن كل ثانية تمر قد تقربها من فقدان والدها إلى الأبد. قفزت من مكانها، وأخذت تدور بعينيها في أنحاء الغرفة، تتذكر ما قاله قبل قليل عن المال الذي ادخره من أجل الهرب من القرية. كانت الكلمات تتردد داخل رأسها بوضوح: "إن حدث لي شيء... خذي المال واهربي." هزت رأسها بقوة وهي تصرخ في الفراغ: "لن يحدث لك شيء... لن أهرب وحدي أبدًا." ثم اندفعت نحو الخزانة الخشبية القديمة الموجودة في زاوية الغرفة، وفتحت بابها بسرعة حتى أصدر صريرًا حادًا. بدأت تقلب الملابس والأغطية بعصبية، حتى وقعت يدها على كيس صغير من القماش كان مخبأً في مؤخرة الخزانة. فتحته بيدين مرتجفتين، فظهرت داخله مجموعة من العملات المعدنية وعدد قليل من الأوراق النقدية القديمة. لم تستطع حتى أن تعدها، بل أخذت قبضة منها وأعادت ربط الكيس بسرعة، ثم وضعته في مكانه كما كان. ألقت نظرة أخيرة على والدها، فوجدته ما يزال فاقدًا للوعي. اقتربت منه، وأمسكت بيده الباردة، ثم قبلت جبينه وهي تبكي. "سامحني يا أبي... سأعود بالطبيب، ولن أسمح لك أن تتركني." استدارت في اللحظة التالية، وخرجت من الكوخ مسرعة. كان الليل قد بسط عباءته السوداء فوق القرية كلها، ولم يكن القمر سوى هلال صغير يرسل ضوءًا باهتًا بالكاد يكشف الطريق. كانت معظم البيوت غارقة في الظلام، ولم يكن يُسمع سوى صوت الريح وهي تعبر بين الأكواخ، ونباح كلب بعيد كسر سكون الليل للحظات. أخذت ميرا تركض بكل ما تملك من قوة، حتى شعرت بأن الهواء يحرق صدرها. كانت قدماها تصطدمان بالأرض الترابية بقوة، بينما كانت دموعها تنهمر دون توقف. كانت تتمتم بين كل خطوة وأخرى: "اصمد يا أبي... أرجوك اصمد... سأعود بالطبيب." لم تشعر بالحجارة التي جرحت قدميها، ولم تنتبه إلى أغصان الأشجار التي خدشت ذراعيها وهي تمر بجوارها، فقد كان عقلها منشغلًا بشيء واحد فقط... إنقاذ الرجل الذي لم تعرف في الدنيا سواه. مرت بجوار عدة منازل، وفكرت للحظة أن توقظ أحد الجيران ليساعدها، لكنها تراجعت سريعًا. كانت تعلم أن الطبيب وحده هو من يستطيع إنقاذ والدها، وأن إضاعة الوقت في طرق الأبواب لن تفيد بشيء. واصلت الركض حتى بدأت أنفاسها تتقطع، وشعرت بألم شديد في صدرها، لكنها لم تتوقف. وأخيرًا، ظهر أمامها منزل الطبيب، وهو كوخ أكبر قليلًا من بقية الأكواخ، تحيط به حديقة صغيرة من الأعشاب الطبية التي كان يزرعها بنفسه. صعدت الدرجات الحجرية بسرعة، ثم بدأت تطرق الباب بكلتا يديها. طرقات متتالية وعنيفة مزقت هدوء الليل. "أيها الطبيب... افتح الباب... أرجوك." لكن لم يجبها أحد. ازدادت ضرباتها على الباب، حتى شعرت بأن يديها بدأتا تؤلمانها. "أيها الطبيب... أرجوك، استيقظ." ظل الصمت يخيّم على المكان. لم تيأس، بل أخذت تصرخ بأعلى صوتها. "أرجوك... أبي يموت... افتح الباب." وبعد لحظات، سمعت صوت خطوات بطيئة تقترب من الداخل، ثم فُتح الباب قليلًا، وظهر الطبيب، وهو رجل تجاوز الخمسين من عمره، يلف كتفيه بعباءة صوفية، وقد بدت الدهشة واضحة على وجهه حين رأى ميرا واقفة أمامه في ذلك الوقت من الليل. قال وهو يحدق في وجهها المبلل بالدموع: "ميرا؟ ما الذي حدث؟ ولماذا أنتِ هنا في هذا الوقت؟" حاولت أن تتكلم، لكن أنفاسها كانت متقطعة من شدة الركض والبكاء. وضعت يدها فوق صدرها، ثم قالت بصعوبة: "أرجوك... أنقذ أبي." تغيرت ملامح الطبيب فورًا. "ما الذي أصابه؟" قالت وهي تكاد تنهار: "إنه يسعل دمًا... ثم فقد وعيه... ودقات قلبه أصبحت ضعيفة جدًا." اتسعت عينا الطبيب في ذهول، ثم قال بجدية: "هل يبصق دمًا منذ الليلة فقط؟" هزت رأسها وهي تبكي. "لا أعلم... لقد كان يخفي مرضه عني، واكتشفت الليلة أن دواءه قد نفد منذ مدة، وكان يتظاهر أمامي بأنه يتناوله." أطرق الطبيب رأسه لحظة، ثم قال بصوت منخفض: "إذن... لقد فعلها يوسف." نظرت إليه ميرا باستغراب. "ماذا تقصد؟" تنهد الطبيب وقال بأسف: "كنت أخشى أن يفعل ذلك." ازدادت حيرة ميرا، لكنها لم تجد وقتًا لتسأله. تشبثت بطرف عباءته وقالت برجاء: "أرجوك... تعال معي الآن." أفاق الطبيب من شروده، ثم أومأ برأسه قائلًا: "لا تخافي يا ابنتي، سأذهب معك." استدار نحو الداخل وهو يقول: "أمهليني دقيقة واحدة فقط، سأبدل ثيابي، وأحضر حقيبتي والأدوية التي قد يحتاج إليها." هزت ميرا رأسها بسرعة، ثم مدت يدها إليه، ووضعت فيها ما أخذته من المال. قالت وهي تبكي: "خذ هذه النقود... وإن احتجت إلى المزيد فسأدفع. المهم أن تنقذ أبي." نظر الطبيب إلى النقود، ثم إلى وجهها، وأخذ المال بهدوء وهو يقول: "احتفظي بقوتك يا ميرا... ستحتاجين إليها." ثم دخل إلى منزله مسرعًا. أما ميرا، فلم تستطع البقاء في مكانها. كانت تشعر أن كل ثانية تمر قد تكون الفارق بين الحياة والموت. استدارت دون تفكير، وبدأت تركض عائدة نحو كوخها، وقلبها يردد دعاءً واحدًا لا يتوقف: "اللهم لا تحرمني من أبي... لا تجعلني أعود فأجده قد رحل." ولم تكن تعلم... أن الخطر الذي ينتظرها في طريق العودة، سيكون أشد قسوة من كل ما عاشته في حياتها.مرَّ شهرٌ كامل منذ أن استقرت ميرا في قصر الحاكم ألدريان، ومع مرور الأيام بدأت تشعر بأن الهدوء الذي أحاط بها لم يعد راحة كما كان في البداية، بل تحول شيئًا فشيئًا إلى مللٍ ثقيل يضغط على صدرها.لم تكن تخرج من غرفتها ، بل إن معظم أيامها كانت تتشابه بصورة تكاد تكون متطابقة؛ تستيقظ، تتناول طعامها، تغتسل، تبدل ملابسها، ثم تجلس لساعات طويلة أمام النافذة تتأمل الحديقة الواسعة الممتدة أمامها.وفي البداية لم تكن تهتم كثيرًا بمرور الوقت.أما الآن...فقد بدأت تتساءل عن السبب.لماذا لم يسمح لها الحاكم ألدريان بمقابلته حتى الآن؟لقد مر شهر كامل.شهر كامل وهي في القصر نفسه، وهو يعلم أنها تريد الحديث معه.وكانت قد أرسلت مع أماريل طلبًا لمقابلته، ثم أرسلت بعدها طلبًا آخر، ثم ثالثًا، وفي كل مرة كانت تنتظر الرد... ولا يأتي شيء.وضعت ميرا يدها أسفل ذقنها، وحدقت في الحديقة بشرود.«لماذا كل هذا التعقيد؟»كانت لا تزال عاجزة عن فهم الأمر.هي لا تريد سوى دقائق قليلة.ستجلس أمام الحاكم، وتخبره بما تريده بوضوح.إنها تريد العودة إلى عالمها.هذا كل شيء.فلماذا يبدو الأمر وكأنها تطلب شيئًا مستحيلًا؟تنهدت ميرا، ثم
بعد مرور أسبوع كامل على وجود ميرا داخل قصر الحاكم ألدريان، بدأت الأيام تتشابه إلى درجة يصعب معها تمييز يوم عن آخر. كان الصباح يأتي، ثم يمتد النهار ببطء، وبعده يحل المساء، وفي كل مرة كانت ميرا تجد نفسها في المكان ذاته، داخل الغرفة التي خصصت لها، جالسة أمام النافذة، تراقب الحديقة الواسعة من خلف الزجاج، دون أن تفكر حتى في فتح النافذة أو الخروج إلى الشرفة.لم تكن تشعر بالملل كما قد يتوقع أي شخص.فقد اعتادت الوحدة.اعتادت أن تقضي الساعات الطويلة دون أن يتحدث إليها أحد، واعتادت أن تكون الجدران أقرب إليها من البشر. كانت الأيام التي قضتها في سجون أكاديمية الطب، ثم في السجن الآخر الذي نُقلت إليه، قد علمتها كيف تجعل من الصمت رفيقًا، ومن الانتظار عادة، ومن الوحدة شيئًا لا يخيفها.بل إن غرفتها الحالية، رغم فخامتها واتساعها وجمالها، لم تكن في نظرها مختلفة كثيرًا عن الزنزانة من حيث المعنى.نعم، كانت أجمل بكثير.وكان سريرها ناعمًا، وطعامها جيدًا، وملابسها نظيفة وجميلة، وكانت تستطيع أن تغتسل متى أرادت، وتجلس أمام نافذة تطل على حديقة ساحرة بدلًا من جدار حجري بارد.لكنها كانت لا تزال تشعر بأنها محتجزة.
نظرت ميرا إلى الملابس المعلقة الموضوعة أمامها مرة أخرى، ثم عادت ببصرها إلى أماريل. ظلت للحظات صامتة، وكأنها تجمع شجاعتها لطلب شيء تخشى أن يُرفض.ثم قالت بهدوء:«سيدة أماريل... أريد أن أطلب منك شيئًا.»التفتت أماريل إليها، وقد كانت ترتب إحدى قطع الملابس بعناية، ثم ابتسمت وقالت:«تفضلي يا ميرا، ماذا تريدين؟»ترددت ميرا لحظة، ثم قالت:«الفستان الذي جئت به... لا أريدك أن ترميه أو تتخلصي منه.»توقفت أماريل عن الحركة، ونظرت إليها باستغراب.«ذلك الفستان؟»أومأت ميرا.«نعم.»نظرت أماريل إليها ثم إلى الفستان القديم، وكأنها تحاول أن تفهم سبب تعلقها بقطعة قماش ممزقة ومتسخة إلى هذا الحد.قالت:«لكنه في حالة سيئة جدًا يا ميرا. إنه ممزق ومتسخ، ولم يعد صالحًا للاستخدام تقريبًا. ثم إن الفساتين التي أحضرناها لك أجمل بكثير.»خفضت ميرا عينيها قليلًا، ثم قالت:«أعرف ذلك... لكنني أريده.»اقتربت أماريل منها.«ولماذا؟»لم تجب ميرا مباشرة.لم تستطع أن تقول لها إن ذلك الفستان لم يكن مجرد ملابس بالنسبة إليها.كان آخر شيء بقي من حياتها القديمة.آخر قطعة تحمل رائحة عالمها، وذكريات قريتها، وأيامها مع أبيها.كان ا
في الصباح الباكر...استيقظت ميرا على صوت طرق خفيف على باب الغرفة.فتحت عينيها ببطء.احتاجت إلى لحظات حتى تتذكر أين هي.نظرت حولها.الغرفة.السرير.الستائر.الأزهار.ثم تذكرت كل شيء.جلست على السرير، وقالت بصوت متعب:«من؟»جاءها صوت أماريل من خلف الباب:«أنا، أماريل.»ثم فُتح الباب.دخلت أماريل، وخلفها خادمة أخرى تحمل صينية الإفطار.ابتسمت أماريل وقالت:«صباح الخير يا ميرا.»ابتسمت ميرا رغم نعاسها وقالت:«صباح النور يا أماريل.»ثم أضافت بأدب:«صباح النور يا سيدتي.»ضحكت أماريل.«لا داعي لكل هذا يا ميرا.»ثم أشارت إلى الحمام.«هيا، اذهبي واغتسلي وبدلي ثيابك قبل أن يبرد الإفطار، وبعدها تناولي طعامك.»أومأت ميرا.نهضت من السرير، ثم دخلت إلى الحمام واغتسلت سريعًا، وبعدها عادت وارتدت الفستان الأخضر الذي أحضرته لها أماريل في الليلة السابقة.فلم يكن لديها غيره حتى الآن.جلست أمام الطعام، وبدأت تتناول إفطارها.وبعد أن انتهت، عادت أماريل إلى الغرفة، ومعها خادمة أخرى أخذت صينية الطعام وخرجت بها.لكن ميرا لم تتوقع أن تعود أماريل بعد لحظات ومعها عدد من الخدم.كان كل واحد منهم يحمل مجموعة من الملاب
انتهت أماريل من تصفيف شعر ميرا، ثم تراجعت خطوة إلى الخلف، وظلت تحدق في انعكاسها داخل المرآة بإعجاب واضح. كانت قد رتبت خصلات شعرها الطويل بعناية، وتركت تموجاته تنساب حول كتفيها وظهرها بصورة طبيعية، دون أن تحاول تغيير طبيعته الغريبة التي أثارت دهشتها منذ اللحظة الأولى.ابتسمت أماريل أخيرًا وقالت:«لقد انتهيت.»أومأت ميرا برأسها، ثم نهضت من أمام المرآة.كانت لا تزال تشعر بشيء غريب وهي تنظر إلى نفسها. لم تكن معتادة على أن يهتم أحد بمظهرها بهذه الطريقة، ولا أن تجلس امرأة لتصفف شعرها وكأنها فتاة من سيدات القصور.لكن قبل أن تسترسل في أفكارها، قالت أماريل:«هيا، قبل أن يبرد الطعام.»ما إن سمعت ميرا كلمة الطعام حتى شعرت بمعدتها تؤلمها من شدة الجوع.لقد مرت ساعات طويلة منذ تناولت آخر وجبة لها، بل إن اليوم بأكمله كان قد انقضى تقريبًا دون أن يدخل جوفها شيء. كانت الأحداث التي مرت بها قد جعلتها تنسى الجوع، لكن بمجرد أن تذكرت الطعام، شعرت فجأة بمدى حاجتها إليه.تقدمت نحو الطاولة وجلست، بينما جلست أماريل بعيدًا عنها تراقبها باهتمام.مدت ميرا يدها إلى الطعام.وفي اللحظة التي تذوقت فيها أول لقمة، اتسعت
انتهت ميرا من اغتسالها، وظلت جالسة في الماء الدافئ للحظات أخرى، وكأنها لا تريد أن تنهي تلك اللحظة بسرعة. كان جسدها قد استعاد شيئًا من راحته بعد أيام طويلة من التعب والخوف والبرد، وشعرت وكأن المياه السحرية لم تنظف جسدها فقط، بل غسلت عنها جزءًا من الإرهاق الذي التصق بها منذ أن دخلت ذلك العالم الغريب.لكنها في النهاية اضطرت إلى الخروج.وقفت ببطء، ثم خرجت من حوض الاستحمام، ولفت حول جسدها قطعة من القماش الناعم كانت موضوعة بالقرب من الحوض، ثم التفتت إلى ملابسها القديمة.توقفت أمامها.كانت ملابسها لا تزال في حال يرثى لها.متسخة، ممزقة، فقدت الكثير من شكلها الأصلي، حتى إن أي شخص يراها قد يظن أن أفضل مكان لها هو سلة القمامة.ومع ذلك...لم تستطع ميرا أن تنظر إليها بهذه الطريقة.اقتربت منها، ومدت يدها ولمست طرف الثوب بأصابعها.هذه الملابس كانت آخر شيء بقي معها من عالمها.آخر شيء يربطها بالقرية.بوالدها.بلياليها القديمة.بذلك الكوخ الصغير الذي كان يجمعها بأبيها.لذلك لم تستطع أن تتخلى عنها.لا... لن أتركها.قالتها في داخلها.سأطلب من الخادمة أن تغسلها فقط... ثم تعيدها إليّ.كانت تعرف أنها قد تبد