Home / المراهقة / أواخر مارس يا عائلتي / الفصل الثلاثون: صدمة البهو ومواجهة الدم

Share

الفصل الثلاثون: صدمة البهو ومواجهة الدم

Author: liro
last update publish date: 2026-09-24 05:20:51

كان صرير البوابات الحديدية الضخمة لقصر فان أستور يشبه صوت إعلان حرب صامت ودموي، يتردد صداه بين الجدران الحجرية العالية كأنه نذير شؤم يسبق العاصفة الكبرى. دخلت مارس باحة القصر الفسيحة بخطوات متزنة ومدروسة بعناية فائقة، رغم أن كل نبضة قلب كانت تضرب في رأسها كالمطرقة الفولاذية الثقيلة، وكل حركة بسيطة لذراعها الأيمن المكسور كانت ترسل ومضات حارقة ومروعة من الألم الحاد حتى أطراف أصابعها، تكاد تفقدها السيطرة التامة على وعيها واستقرارها الذهني. كانت تضغط على شفتيها بقوة مفرطة حتى كادت تدميان من شدة ا

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الرابع والثلاثون: ضيوف العرين وظلال الحبيبة

    مرت الأيام الثلاثة التالية في عزلة شبه مطلقة داخل الجناح الشرقي. لم تكن مجرد استراحة لتلتئم العظام المحطمة تحت الجبيرة السميكة، بل كانت فترة صمت مطبق وضعت فيها مارس كل خيوط اللعبة نصب عينيها. كانت تقضي ساعاتها الطويلة في تأمل الغابات المظلمة والكثيفة المحيطة بالقصر من خلف الزجاج السميك والمصفح، تفكر في جيسيكا وزوي اللتين تركتهما خلف أسوار "سينت بول"، وفي الهاتف المغلق الذي قطع ارتباطها بالعالم الخارجي، وفي تلك الرسالة التي تركها راينر والتي كانت بمثابة نبوءة تحققت بحذافيرها.لم تجلس يوماً لتندب حظها أو تبكي ذراعها المكسورة؛ فالضعف البشري لم يكن مسموحاً في قاموس عائلة فان أستور، ومارس كانت تعرف تماماً أن إظهار أي أثر للوجع أمام عائلتها هو بمثابة منحهم سلاحاً جديداً لتقييد حريتها. كانت تمارس تمارين التنفس الهادئة، وترتب أفكارها بدقة تسويقية حادة، وتنتظر اللحظة المناسبة لتوجيه ضربتها المضادة، بغض النظر عن مدى قسوة الحصار المفروض حولها.لكن هذا الهدوء الجليدي انكسر صباح يوم الجمعة بصخب خفيف وأصوات محركات سيارات رياضية فارهة وباهظة الثمن، كانت تتواكب بانتظام وهي تخترق بوابات القص

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الثالث والثلاثون: مائدة العائلة والابتسامات المسمومة

    في المساء، أُجبرت مارس على النزول لتناول العشاء في غرفة الطعام الكبرى، حيث تتصدر المائدة العائلية الطويلة والباردة. كانت الإضاءة خافتة صادرة من ثريات غرفة الطعام الكبرى، حيث تتصدر المائدة العائلية الطويلة والباردة. كانت الإضاءة خافتة صادرة من ثريات الكريستال الضخمة، والفضيات تلمع ببريق مزعج، ورائحة الأطباق الفاخرة تمتزج بصمت مطبق لا يكسره سوى صوت اصطدام الشوكات بالصحون الخزفية ببطء مقصود وعناية بالغة.جلس راينر في رأس المائدة ببدلته الرسمية الأنيقة، وإيلينا إلى مقعدها القريب بملابسها المصممة بعناية، بينما جلست الأم في المنتصف كتمثال حريري صامت. لم يكن هناك أي نقاش عائلي دافئ؛ فالأحاديث، إن وجدت، كانت مقتصرة تماماً على شؤون الاستثمار، الميراث، والمظاهر الاجتماعية التي تضمن تفوق اسم فان أستور على الجميع، دون أي اعتبار للمشاعر الإنسانية أو الدفء العائلي المفقود وسط هذه الجدران الفارهة.قطعت إيلينا هذا الصمت المطبق بابتسامة صفراء ومستفزة للغاية، وهي تقطع قطعة اللحم ببطء أمامها لتلفت الأنظار نحو مارس:— "من المضحك حقاً، بل والمثير للشفقة، أن ترى شخصاً كان يتحدث طوال

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الثاني والثلاثون: صقيع الجناح الشرقي وجليد الملامح

    كان الصباح في الجناح الشرقي لقصر "فان أستور" يأتي بطيئاً، كثيفاً، وخالياً تماماً من أي بهجة تخص شروق الشمس. النوافذ هنا لم تكن مجرد زجاج عادٍ، بل كانت مصفحة، معتمة بطبقة سميكة تحجب العالم الخارجي، وتترك الغرفة غارقة في رمادية باردة تشبه لون الرخام المصقول الذي يكسو الأرضيات الواسعة. لم يكن هناك صوت يخرق هذا السكون سوى دقات الساعة القديمة المعلقة على الجدار، والتي كانت تقيس الزمن ببطء مقصود، كأنها تحصي أنفاس مارس في قفصها الجديد.استيقظت مارس على نبضات ألم خفي وثقيل يتردد في ذراعها اليمنى. الجبيرة البيضاء السميكة كانت تحاصه كقيد إسمنتي، تمنع أي حركة عفوية وتذكرها كل ثانية بتلك اللحظة العنيفة على الطريق المقطوع. لم تصرخ، ولم تطلق أي تنهيدة شكوى؛ فالقاعدة الأولي التي تشربتها في هذا القصر منذ طفولتها هي أن الألم علامة ضعف، والضعف جريمة لا تُغفر في قاموس عائلة فان أستور.جلست على حافة السرير الفخم ببطء شديد. عيناها الداكنتان كانتا تستقران على الفراغ بهدوء تام، بينما كان عقلها يعمل بسرعة البرق. كانت تستعرض خياراتها، وتقارن بين حرية السكن الطلابي في "سينت بول" حيث كانت تضحك مع جيسي

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الحادي والثلاثون: العاصفة الداخلية

    لم يمضِ وقت طويل على تلك المواجهة الصادمة والدموية في البهو الفخم حتى وُضعت مارس تحت إقامة شبه جبرية صارمة ومشددة في الجناح الشرقي العتيق للقصر. لم يكن جناحاً عادياً للضيافة الفاخرة، بل كان أشبه بزنزانة فاخرة ومحكمة الإغلاق؛ النوافذ مغلقة بإحكام شديد ومصفحة بزجاج سميك، والحراس يقفون بانتظام حديدي خارج الباب الخشبي الضخم بأوامر صارمة ومباشرة من راينر بعدم السماح لأحد بالدخول أو الخروج أو حتى تقديم المساعدة الطبية دون إذن خطي منه.دخل طبيب العائلة العجوز، وهو رجل ذو وجه متجهم ومقطب، يحمل حقيبة طبية جلدية ثقيلة ومتهالكة، يرافقه حارس شخصي ضخم كالجبل المنيع. اقترب الطبيب بحذر وخوف واضح من السرير حيث كانت مارس جالسة ببرود تام، ممسكة بذراعها المصابة بعناية وثبات يعكس صلابتها.— "دعيني أرى الذراع يا آنسة مارس، من فضلكِ لا تقاومي أو تتحركي، فالإصابة تبدو بليغة ومقلقة للغاية وتستدعي الحذر." قال الطبيب بصوت مهتز ومرتعب تماماً من نظراتها.أومأت مارس ببرود مقتضب وصارم، وسمحت له بقطع كم قميصها الداخلي بحذر شديد لتكشف عن الورم الزورقي الكبير والتشوه البسيط والواضح في عظم

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل الثلاثون: صدمة البهو ومواجهة الدم

    كان صرير البوابات الحديدية الضخمة لقصر فان أستور يشبه صوت إعلان حرب صامت ودموي، يتردد صداه بين الجدران الحجرية العالية كأنه نذير شؤم يسبق العاصفة الكبرى. دخلت مارس باحة القصر الفسيحة بخطوات متزنة ومدروسة بعناية فائقة، رغم أن كل نبضة قلب كانت تضرب في رأسها كالمطرقة الفولاذية الثقيلة، وكل حركة بسيطة لذراعها الأيمن المكسور كانت ترسل ومضات حارقة ومروعة من الألم الحاد حتى أطراف أصابعها، تكاد تفقدها السيطرة التامة على وعيها واستقرارها الذهني. كانت تضغط على شفتيها بقوة مفرطة حتى كادت تدميان من شدة الضغط، مانعة نفسها تماماً من إطلاق أي صوت ضعف أو أنين وجع قد يستغله الحراس المحيطون بها من كل جانب أو المتربصون خلف النوافذ المعتمة والقاتمة. كان السائق الشخصي يسير خلفها بخطوات مترددة ومرعوبة من ردة فعل أسياده المنتظرة، بينما رئيس الحراس يهرول متخبطاً أمامهما ليفتح الأبواب الخشبية العملاقة والمزخرفة المؤدية إلى البهو الرئيسي الفخم والبارد.ما إن انفتح الباب الكبير ببطء حتى استقبلتهم برودة القصر المزمنة والمعهودة، تلك الرائحة القوية والمميزة لشمع العسل الفاخر، والعطور الفرنسية الباردة وا

  • أواخر مارس يا عائلتي   الفصل التاسع والعشرون: ظلال الكمين ووهج الألم

    ترجلت مارس من السيارة بهدوء حذر، محاولة استعادة رباطة جأشها وسط غبار الاصطدام ورائحة الدخان الخفيف التي تعبئ المكان وتلتف حول أشجار الغابة الكثيفة المقفرة التي تحف بطريق مقاطعة فان أستور النائي. كان الجو المحيط يوحي بوحشة عميقة تنذر بالسوء، وكأن الطبيعة نفسها تحبس أنفاسها بانتظار كارثة وشيكة.التفتت حولها بسرعة لتتفقد محيطها بدقة عقلانية معتادة، واقتربت بخطوات متزنة من السائق الذي كان يحاول الخروج من مقعده الأمامي المتهشم، وهو يئن بصوت خافت من آثار الصدمة والرضوض الطفيفة التي تعرض لها جراء الارتطام المفاجئ. قالت مارس بصوتها الرزين الذي يخفي خلفه عاصفة من التوتر والترقب:— "هل أنت بخير؟ هل تستطيع تقييم حجم الضرر في السيارة، أو محاولة تشغيل نظام الاتصالات للاستعانة بالحراس من القصر؟"أومأ السائق برأسه بالإيجاب بصعوبة بالغة، وهو يحاول التقاط أنفاسه المتقطعة ويمسح آثار دماء خفيفة انسابت على جبينه:— "أنا بخير يا آنسة مارس.. لا تقلقي عليّ، الإصابة طفيفة. لكن يبدو أن الأمور أسوأ مما تتصورين؛ نظام الاتصالات في هذه المنطقة المقطوعة معطل تماماً بفعل فاعل، ويبدو أن موجة تشويش

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status