Masukكانت تاليا تجلس إلى جوار والدتها في المطبخ، وقد بدا المكان مختلفًا تمامًا عن أي مطبخ عرفته في حياتها.
لم يكن مجرد غرفة لإعداد الطعام، بل مساحة واسعة أقرب إلى مطبخ فندق فاخر؛ خزائن طويلة بلون عاجي تمتد على الجدران، وأسطح رخامية ناصعة لا تكاد تحمل بقعة واحدة، وأجهزة حديثة موزعة في أماكنها بعناية شديدة، حتى إن كل شيء بدا وكأنه وُضع وفق مخطط دقيق لا يسمح لشيء بأن يخرج عن موضعه.
كانت عدة خادمات يتحركن في المكان بهدوء.
إحداهن تقطع بعض الخضروات فوق لوح خشبي، وأخرى تقف أمام الموقد تراقب قدرًا يغلي على نار هادئة، بينما كانت ثالثة ترتب الأطباق التي ستُنقل إلى غرفة الطعام لاحقًا.
أما والدتها، فكانت تقف بالقرب من منتصف المطبخ، تتابع كل شيء بعين دقيقة.
لم تكن بحاجة إلى رفع صوتها، ولم تكن مضطرة إلى تكرار أوامرها.
كانت تكتفي بإشارة صغيرة من يدها أو ملاحظة هادئة، فتفهم الخادمة ما تريده فورًا.
قالت وهي تشير إلى مجموعة من الأطباق التي كانت إحدى الخادمات تحملها:
_"لا تضعي هذه الأطباق في الخزانة الرئيسية، بل رتبيها في الخزانة الجانبية؛ فالسيد فاروق يفضل أن تكون أدوات الإفطار قريبة من غرفة الطعام."
ثم التفتت إلى خادمة أخرى كانت تضع فناجين القهوة فوق صينية فضية.
_"ولا تنسي إعداد القهوة الخاصة بالسيد فاروق بالطريقة التي طلبها منكِ بالأمس، فهو لا يحب أن تكون قوية أكثر من اللازم."
أجابت الخادمة باحترام:
_"حاضر، سيدتي."
أومأت والدتها برضا، ثم عادت إلى مكانها.
كانت تاليا تراقبها بصمت.
منذ أن دخلت هذا المنزل، لم تستطع التخلص من شعورها بأن والدتها تغيرت.
ليس في شخصيتها، بل في الطريقة التي تتحرك بها داخل المكان.
في منزلهم القديم، كانت أمها تستيقظ كل صباح لتعد الإفطار بنفسها، وتغسل الأطباق أحيانًا، وتظل تتحرك في أرجاء البيت طوال اليوم وكأن الراحة رفاهية لا تملك حق الحصول عليها.
أما هنا، فكانت تقف في مطبخ يتولى فيه آخرون كل شيء عنها.
ومع ذلك، لم تبدُ مرتاحة تمامًا.
كانت تاليا تلاحظ أنها لا تزال تتدخل في التفاصيل الصغيرة، وتسأل عن الطعام، وتتأكد من نظافة المكان، وتراجع كل شيء بنفسها.
وكأنها لم تتعلم بعد كيف تجلس وتترك الآخرين يخدمونها.
أسندت تاليا ذقنها إلى كفها، ثم قالت وهي تراقب والدتها تتحرك بين الخادمات:
_"لقد بدأتِ يومكِ منذ وقت مبكر جدًا، أليس كذلك؟ يبدو أنكِ اعتدتِ على هذا المنزل أسرع مني."
التفتت والدتها إليها، وابتسمت ابتسامة خفيفة وهي تمسح يديها بمنشفة صغيرة كانت إلى جوارها.
_"وأنتِ أيضًا استيقظتِ مبكرًا، مع أنكِ كنتِ بالأمس تشكين من شدة الإرهاق وتؤكدين أنكِ لن تغادري فراشكِ قبل الظهر."
هزت تاليا كتفيها، ثم مالت قليلًا إلى الخلف.
_"لم أستيقظ بإرادتي، بل استيقظت لأنني لم أستطع النوم أصلًا. لا أظن أنني سأعتاد هذا المكان بهذه السرعة، فكل شيء هنا مختلف، حتى الصمت له طابع غريب يجعلني أشعر بأنني ما زلت ضيفة."
اقتربت والدتها منها، وسحبت كرسيًا وجلست إلى جوارها.
_"أنتِ فقط بحاجة إلى بعض الوقت، وبعد أيام قليلة ستصبح هذه الأشياء كلها عادية بالنسبة إليكِ. المنزل جديد عليكِ، والناس هنا غرباء، ومن الطبيعي أن تشعري بعدم الارتياح في البداية."
نظرت تاليا حولها، ثم قالت بنبرة فاترة:
_"ربما، ولكنني لا أظن أنني سأعتاد فكرة وجود هذا العدد من الأشخاص حولي طوال الوقت. في منزلنا القديم كنت أستطيع أن أفتح الثلاجة بنفسي، وأعد كوبًا من الشاي دون أن أشعر أنني ارتكبت جريمة لأنني فعلت شيئًا يفترض أن تقوم به الخادمة."
ضحكت والدتها بخفة.
_"أنتِ تبالغين كعادتكِ. لا أحد سيمنعكِ من فعل شيء بنفسكِ، وإذا أردتِ إعداد الشاي بيدكِ فافعلي، ولن يحاسبكِ أحد."
_"إذن هذا جيد، لأنني بدأت أشعر أنني نسيت كيف أعيش حياة طبيعية."
تأملتها والدتها للحظة، ثم قالت بهدوء:
_"ستجدين حياتكِ الطبيعية هنا أيضًا، يا تاليا. لا أريدكِ أن تنظري إلى هذا المنزل وكأنه سجن أو مكان لا يخصكِ، بل أريدكِ أن تشعري بأنه بيتكِ مثلما أشعر أنا الآن بأنه بيتي."
سكتت تاليا.
لم تجد ردًا مناسبًا.
فهي تعرف أن والدتها لم تكن تتحدث عن الأثاث والخدم والمال.
كانت تتحدث عن الأمان.
ذلك الشيء الذي افتقدتهما طويلًا.
خفضت تاليا عينيها إلى الكوب أمامها، ثم قالت بعد لحظات:
_"هل أنتِ سعيدة حقًا؟ أعني... بعيدًا عن كل هذا المنزل والمال وما يقوله الناس، هل أنتِ سعيدة مع فاروق فعلًا؟"
تغيرت ملامح والدتها قليلًا.
لم تجب فورًا.
مررت أصابعها على حافة الكوب الموضوع أمامها، وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة، ثم ابتسمت ابتسامة هادئة لم ترها تاليا على وجهها منذ فترة طويلة.
_"نعم، أنا سعيدة. ربما للمرة الأولى منذ سنوات أشعر أنني أستطيع أن أتنفس دون أن أخشى ما سيحدث غدًا. فاروق رجل جيد معي، ويحترمني، ولم يجعلني أشعر ولو للحظة واحدة أنني أقل منه بسبب حياتي السابقة أو بسبب المال الذي يملكه. وهذا بالنسبة إليّ أهم بكثير من أي شيء آخر."
بقيت تاليا تنظر إليها.
ثم قالت بصوت أكثر هدوءًا:
_"إذن طالما أنكِ مرتاحة، فلا يهمني شيء آخر. قد لا أحب المكان في البداية، وقد أظل أشعر أنني غريبة عنه لبعض الوقت، لكنني أستطيع تحمل ذلك ما دمتِ أنتِ سعيدة."
ابتسمت والدتها، ومدت يدها تربت على ظهر كفها بحنان.
_"لهذا السبب أحبكِ يا تاليا، ولأنكِ رغم كل عنادكِ لا تزالين تفكرين بي قبل أن تفكري في نفسكِ. لكنني أريدكِ أن تمنحي نفسكِ فرصة أيضًا، لا أن تعيشي هنا وأنتِ تنتظرين اللحظة التي ستعودين فيها إلى حياتكِ القديمة."
ابتسمت تاليا ابتسامة صغيرة.
_"سأحاول، ولكن لدي شرط واحد."
ضحكت والدتها.
_"كنت أعلم أنكِ ستطلبين شيئًا في النهاية. أخبريني، ما شرطكِ؟"
قالت تاليا بجدية مصطنعة:
_"ألا يحاول أحد إجباري على الاستيقاظ مبكرًا كل صباح. لقد انتقلت إلى قصر، وأرى أن من حقي أن أستمتع بواحدة من مزايا الحياة الجديدة."
انفجرت والدتها بالضحك.
_"يا لكِ من فتاة كسولة! لقد انتقلتِ إلى منزل جديد ولم يمضِ على وجودكِ فيه يوم واحد، وكل ما يشغلكِ هو النوم."
رفعت تاليا حاجبًا بثقة.
_"النوم ليس كسلًا، بل ضرورة صحية، وأنا أرفض أن أتنازل عن حقوقي الأساسية."
استمرت ضحكة والدتها، حتى التفتت إحدى الخادمات نحوهما مبتسمة قبل أن تعود إلى عملها.
وبقي الحديث بينهما يتنقل بين أمور صغيرة؛ الغرفة الجديدة، والملابس التي تحتاج تاليا إلى شرائها، والجامعة، والأشياء التي تركتها في منزلهم القديم، وحتى بعض الكتب التي وعدتها والدتها بأن تطلب من أحد الموظفين إحضارها.
كان حديثًا بسيطًا، عاديًا، لا يحمل أهمية حقيقية في ظاهره، لكنه منح تاليا شعورًا بالراحة لم تشعر به منذ وصولها.
إلى أن سكتت والدتها فجأة.
نظرت إليها لثوانٍ، ثم قالت بنبرة مختلفة قليلًا:
_"بالمناسبة، هناك أمر آخر أردت أن أخبركِ به."
رفعت تاليا رأسها.
_"ما الأمر؟"
ابتسمت والدتها ابتسامة صغيرة، ثم قالت:
_"سيأتي إلينا اليوم بعض الضيوف، وأردت أن تكوني مستعدة حتى لا تفاجئي بهم حين يصلون."
رفعت تاليا حاجبها.
_"ومن هؤلاء الضيوف؟"
أجابت والدتها ببساطة:
_"حبيبة كيفن، ومعها أختها. ستأتيان لتهنئتي أنا وفاروق بالزواج، وربما تجلسان معنا لبعض الوقت."
توقفت يد تاليا فوق الطاولة.
تعلقت عيناها بوجه والدتها.
_"حبيبته؟ تقصدين الفتاة التي أخبرتني عنها بالأمس؟ ابنة عمه؟"
أومأت والدتها.
_"نعم، هي نفسها. اسمها سمر، وعائلتها قريبة جدًا من عائلة فاروق، وهي تعرف كيفن منذ سنوات طويلة. لذلك لا أريدكِ أن تشعري بالغرابة حين ترينها أو أن تظني أنها تتصرف بتكبر معكِ، فقد تكون فقط متوترة لأنها تدخل إلى منزلنا لأول مرة بعد الزواج."
ظلت تاليا صامتة لحظات.
كانت كلمة حبيبته وحدها كافية لتوقظ في رأسها صورة الشاب الذي رأته بالأمس.
كيفن.
ثم تذكرت تحذير والدتها.
هي تغار عليه فوق ما تتصورين.
قالت والدتها:
_"وأريد منكِ أن تكوني لطيفة معها، فهي فتاة جيدة، وعلاقتها بكيفن قديمة جدًا."
رفعت تاليا عينيها إليها، وقالت ببرود هادئ:
_"لا داعي لأن تقلقي، يا أمي. أنا لا أملك أي سبب يجعلني أتعامل معها بطريقة سيئة، كما أنني لا أهتم بكيفن أصلًا حتى أفكر في منافستها عليه."
ابتسمت والدتها وكأنها اطمأنت.
_"أعرف ذلك، ولهذا أخبركِ دون قلق. لكنكِ ستعيشين هنا، ومن الأفضل أن تكون علاقتكِ جيدة بكل من يدخل هذا المنزل."
أومأت تاليا.
ثم سألت، بعد لحظة قصيرة من التردد:
_"وهل تعرف أنني سأعيش هنا؟"
_"بالطبع تعرف. كيف يمكن ألا تعرف؟"
خفضت تاليا عينيها إلى كوبها.
_"حسنًا."
لم تضف شيئًا.
لكن فضولًا خفيًا بدأ يتسلل إلى ذهنها رغمًا عنها.
كانت تريد أن ترى تلك الفتاة.
تريد أن تعرف كيف تبدو.
كيف تتحدث.
وكيف تتصرف حين تكون بجوار كيفن.
وبالأخص...
هل كانت حقًا تلك الفتاة التي رأتها بالأمس في الحمام؟
رفعت تاليا الكوب إلى شفتيها، وأخذت رشفة هادئة، بينما كانت والدتها قد عادت إلى متابعة الخادمات وكأن الأمر انتهى.
أما هي، فلم يعد الإفطار يشغل تفكيرها كما كان قبل دقائق.
كان في طريقه إلى هذا المنزل اليوم ضيفتان.
إحداهما أختها .
والأخرى...
المرأة التي يُفترض أنها تملك قلبه.
بعد انتهاء الغداء، لم يتفرقوا كما توقعت تاليا.اقترح فاروق أن يتناولوا الشاي في الصالة المطلة على الحديقة، فانتقل الجميع إليها على مهل، وتوزعوا فوق الأرائك الوثيرة في جلسة عائلية أكثر راحة من مائدة الطعام الرسمية.كانت الصالة في ذلك الوقت من النهار تبدو مختلفة تمامًا.الشمس أخذت تميل تدريجيًا نحو الغرب، وأشعتها الذهبية عبرت الواجهات الزجاجية الكبيرة لتنسكب فوق الأرضية اللامعة، فتنعكس على أطراف الأثاث وعلى الأكواب الزجاجية الموضوعة فوق الطاولة. وكانت الحديقة خلف الزجاج ساكنة إلا من حركة خفيفة لأغصان الأشجار التي تداعبها نسمة باردة.جلست والدة تاليا إلى جوار فاروق، وانشغلا في الحديث عن بعض تفاصيل المنزل والزوار الذين سيأتون خلال الأيام المقبلة، بينما جلست تاليا في الطرف الآخر من الأريكة المقابلة، تحمل كوب الشاي بين يديها وتراقب الجميع دون أن تشارك كثيرًا.أما كيفن وسمر...فقد بدا واضحًا منذ الدقائق الأولى أن وجودهما معًا لا يحتاج إلى أي مجهود.لم يجلس كيفن بعيدًا عنها كما يجلس شخصان يحاولان الحفاظ على مسافة رسمية أمام العائلة.بل ما إن استقرا حتى اقتربت سمر منه بصورة عفوية، وكأن المسافة
شعر كيفن بشيء يشبه القلق يتسلل إلى صدره، لكنه لم يسمح له بالظهور على وجهه.ظل واقفًا في مكانه، محافظًا على ملامحه الهادئة، وإن كانت عيناه قد أصبحتا أكثر حذرًا من قبل. كان يعرف أن كلمة واحدة إضافية من تاليا قد تقلب الموقف كله إلى شيء لا يستطيع السيطرة عليه، لذلك ظل يراقبها بصمت، منتظرًا أن يتضح ما الذي تقصده تحديدًا.أما تاليا، فلم تفهم سبب ذلك الصمت المفاجئ.لم يخطر ببالها أن جملتها البسيطة قد أحدثت كل هذا الارتباك.بل ظنت أنها قالت شيئًا طبيعيًا تمامًا.قالت وهي تبتسم لليان:— أعني، لقد بدا واضحًا أن بينكما علاقة في ذلك اليوم.اتسعت عينا كيفن أكثر.وفي الجهة الأخرى، تقدمت سمر خطوة صغيرة، وقد انعقد حاجباها في حيرة واضحة.— عفوًا؟التفتت تاليا إليها.— ماذا؟قالت سمر ببطء، وكأنها تحاول أن تتأكد من أنها سمعت الكلمات بصورة صحيحة:— ما الذي تقصدينه بأن بينهما علاقة؟نظرت تاليا إليها باستغراب حقيقي، ثم انتقلت عيناها بين سمر وليان.لم تفهم سبب هذه الصدمة.— أليس كذلك؟كان السؤال موجهًا إلى سمر هذه المرة.ابتلعت سمر ريقها، وبقيت تحدق فيها دون أن تعرف ماذا تقول.أما ليان، فبدأت تنظر بين الاثن
لم تكن تاليا قد اعتادت بعد على فكرة أن هذا المنزل أصبح جزءًا من حياتها.حتى الجدران، رغم جمالها، كانت لا تزال تبدو لها كأنها تنتمي إلى حياة امرأة أخرى؛ امرأة أكثر ثراءً، وأكثر ألفةً مع هذا النوع من الرفاهية، تعرف أي باب يقود إلى أي غرفة، وأي درج يخفي خلفه ماذا، وأي وجه من الوجوه التي تمر في الممرات يستحق ابتسامة وأيها لا يستحق حتى الالتفات.ومع ذلك، في ذلك الصباح تحديدًا، قررت تاليا أن تتوقف عن التصرف وكأنها ضيفة مؤقتة.كانت واقفة أمام المرآة الكبيرة في غرفتها، بينما تناثرت فوق السرير عدة قطع من الملابس التي أخرجتها من خزانتها دون أن تعرف في البداية أيًّا منها ستختار.ثم استقرت عيناها على فستان ناعم بلون أزرق فاتح، يصل إلى ما أسفل ركبتيها بقليل، ينسدل على جسدها بانسيابية هادئة دون أن يكون ضيقًا أو مبالغًا في إظهار تفاصيله.كان تصميمه بسيطًا، لكن بساطته زادت من أناقته.فتحة عنقه مستديرة، وأكمامه قصيرة تنتهي عند أعلى ذراعيها، بينما حزام رفيع يلتف حول خصرها ليحدد تناسق جسدها دون ابتذال. كانت ساقاها متناسقتين مع طولها المتوسط، وجسدها يحمل امتلاءً أنثويًا رقيقًا لا يخلو من الرشاقة، كما بدا
كانت تاليا تجلس إلى جوار والدتها في المطبخ، وقد بدا المكان مختلفًا تمامًا عن أي مطبخ عرفته في حياتها.لم يكن مجرد غرفة لإعداد الطعام، بل مساحة واسعة أقرب إلى مطبخ فندق فاخر؛ خزائن طويلة بلون عاجي تمتد على الجدران، وأسطح رخامية ناصعة لا تكاد تحمل بقعة واحدة، وأجهزة حديثة موزعة في أماكنها بعناية شديدة، حتى إن كل شيء بدا وكأنه وُضع وفق مخطط دقيق لا يسمح لشيء بأن يخرج عن موضعه.كانت عدة خادمات يتحركن في المكان بهدوء.إحداهن تقطع بعض الخضروات فوق لوح خشبي، وأخرى تقف أمام الموقد تراقب قدرًا يغلي على نار هادئة، بينما كانت ثالثة ترتب الأطباق التي ستُنقل إلى غرفة الطعام لاحقًا.أما والدتها، فكانت تقف بالقرب من منتصف المطبخ، تتابع كل شيء بعين دقيقة.لم تكن بحاجة إلى رفع صوتها، ولم تكن مضطرة إلى تكرار أوامرها.كانت تكتفي بإشارة صغيرة من يدها أو ملاحظة هادئة، فتفهم الخادمة ما تريده فورًا.قالت وهي تشير إلى مجموعة من الأطباق التي كانت إحدى الخادمات تحملها:_"لا تضعي هذه الأطباق في الخزانة الرئيسية، بل رتبيها في الخزانة الجانبية؛ فالسيد فاروق يفضل أن تكون أدوات الإفطار قريبة من غرفة الطعام."ثم الت
في صباح اليوم التالي، غادرت تاليا فراشها وهي تشعر وكأنها لم تنم أصلًا.لم تحظَ سوى بساعات قليلة من النوم المتقطع؛ استيقظت أكثر من مرة خلال الليل دون سبب واضح، وفي كل مرة كانت تحدق في سقف الغرفة الغريب للحظات قبل أن تتذكر أين هي.في بيت جديد.غرفة جديدة.حياة جديدة لم تطلبها.والأسوأ من ذلك كله...جارها الجديد في هذا المنزل.كيفن.ذلك الأحمق الذي استطاع خلال ساعات قليلة أن يستفزها إلى الدرجة التي جعلتها تحطم كأسًا فوق رأسه.رفعت يدها إلى وجهها، ومسحت عينيها المتعبتين، ثم جلست على طرف السرير.كانت خصلات شعرها البندقي قد تناثرت حول وجهها أثناء النوم، وبعضها التصق بخدها، بينما بدت ملامحها شاحبة قليلًا من الإرهاق.تثاءبت، ثم نهضت بتثاقل.لم تكن لديها طاقة للبحث عن ملابس أنيقة، لذلك ارتدت سروالًا بيتيًا داكنًا واسعًا، وكنزة من القماش نفسه بلون قريب، فضفاضة بما يكفي لتجعلها تشعر بالراحة.جمعت شعرها على عجل، ثم تركته ينسدل من جديد حين لم يعجبها شكله، فاكتفت بأن أبعدت بعض الخصلات عن وجهها بأصابعها.نظرت إلى نفسها في المرآة._"ممتاز... أبدو كمن خاض حربًا."ثم تذكرت أنها خاضت حربًا بالفعل.مع ك
حاولت تاليا أن تنام، لكن النوم كان آخر شيء يفكر في الاقتراب من عينيها.تقلبت تحت الغطاء أكثر من مرة، وسحبت الوسادة أسفل رأسها، ثم دفنت وجهها فيها محاولة أن تخنق أفكارها، لكن الغرفة الجديدة ظلت تفرض نفسها عليها بكل تفاصيلها الغريبة.رائحة المكان لم تكن رائحتها.السرير لم يكن سريرها.حتى صوت الرياح وهي تضرب زجاج النافذة بدا مختلفًا.كان كل شيء مرتبًا بصورة مثالية، هادئًا بصورة جعلت الصمت نفسه يبدو ثقيلًا، وكأن الجدران لا تزال تراقبها، تنتظر منها أن تعترف بأنها غريبة عن هذا المكان.فتحت عينيها.حدقت في السقف للحظات، ثم زفرت بضيق ونهضت من فراشها.لم تعرف ماذا تريد أن تفعل، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا...أنها لا تستطيع البقاء هنا.اقتربت من حقائبها الموضوعة بجوار الخزانة، وبدأت تقلب محتوياتها بلا هدف؛ فستان هنا، قميص هناك، ثم بعض الكتب التي ألقتها في حقيبتها على عجل.إلى أن توقفت يدها.تسللت أصابعها إلى قاع إحدى الحقائب، وتحسست شيئًا صلبًا أخفته بعناية بين طبقات الملابس.سحبت الحقيبة الصغيرة.جلست على الأرض، وأسندت ظهرها إلى طرف السرير، ثم فتحتها بحذر.أخرجت إطارًا صغيرًا كانت قد لفّته بق







