كان رنين الهاتف المشؤوم هو الجحيم الذي دفع بمراد للركض صعودًا إلى سيارته، قبل أن ينطلق بها كالرصاصة باتجاه موقع الحادث.
كان قلبه يخفق بضربات متلاحقة تشبه طلقات متفجرة، وأنفاسه تتزاحم في صدره باضطراب ، شدّ قبضته على المقود حتى تجمع الدم في أظافره، وعيناه مسمّرتان على الطريق يصارع بهما جنون ظنونه ، مرر كفه المرتجفة على فمه محاولًا كبح اضطرابه،، ثم ألقى نظرة خاطفة على عقارب ساعته؛ كانت تشير إلى 11:49 ليلاً ، وقتٌ متأخرٌ أكثر مما يُسمح به لايهم بالخروج عادةً، لكن سفر مراد الطارئ كان الفرصة التي استغلها الابن ليفلت من ذلك الحصار الأبوي الصارم.
ازداد هدير المحرك مع كل ضغطة على دواسة الوقود، بينما كانت السيارة السوداء تشق الطريق كالسهم، ينعكس بريقها تحت الأضواء الصفراء المتناثرة على جانبي الشارع
أبطأ السرعة فجأة حين أومضت في أفق الطريق أضواء سيارة الإسعاف والشرطة بلهفة جارفة، لفّ المقود بقوة واستوقف السيارة على جانب الطريق، ثم قفز منها مسرعًا في تلك اللحظة، توقفت خلفه سيارة رفيقه الذي تبعه طوال الطريق، ليهبط منها صائحًا بنبرة محذرة:—سيد مراد! على مهلك.. انتظر
لكن مراد لم يكن يسمع شيئًا أخذ يزاحم الجمع الغفير بهلع، يدفع الأجساد ويمزق التجمهر بيده ليفتح لنفسه طريقًا نحو المركز وعندما كاد يخترق الطوق الأمني، اعترضه أحد رجال الشرطة، لولا أن مرافقه المهرول خلفه تدخل سريعًا وشرح للشرطي هويته ونفوذه.
تباطأت خطوات مراد فجأة... وكأن الزمن يتمدد بشكل مرعب
لقد رآه كان "ايهم" ملقى هناك، ودمه ينزف من بين خصلات شعره ليخضب الإسفلت باردًا.
هرع مراد وجثا على ركبتيه بانهيار، غير أبه بالدماء التي لوثت ثيابه ضم رأس ابنه الوحيد إلى صدره بلوعة، وهمس بصوت مرتجف تخنقه العبرات:—أيهم .. يا صغيري..
أبعده قليلاً، وراحت يداه تهزّ كتفيه ببطء ورعب، بحثًا عن أي علامة للحياة:— افتح عينيك.. أبُوك هنا.. أيهم!
لم يتلقَّ إجابة، فضمّه مجددًا بقوة إلى صدره وكأنه يحاول إعادته إلى داخل جسده ليحميه من الموت، قبل أن يطلق صرخة شقت سكون الليل، صرخة رجل يتهاوى عالمه بالكامل:— "ايههااااام"
-***-
في المستشفى...
كان المكان يغرق في سكون ثقيل، لا يقطعه سوى صوت الأجهزة الطبية المتقطعة، وقطرات المحلول المعلق التي تتساقط ببطء حذر لتنساب في وريد ابنه ، كانت رائحة المعقمات النافذة تملأ الجو وتزيد من خنق الأنفاس ، على السرير الأبيض، كان أيهم ممددًا بلا حراك، والضماد الأبيض يلف جبينَه بإحكام.
بينما كان مراد واقفًا قرب السرير، يراقبه في صمت ، انحنى قليلاً ومسح بكفه على شعر ابنه برفقٍ شديد كأنه يخشى أن يجرحه باللمس، ثم هبط ليجلس على الكرسي المجاور ، أخذ يتأمل ملامحه الشاحبة بحنوٍّ جارف، وجالت نظراته الخائفة بين الضماد الملتف حول رأسه وبين الأنبوب المتصل بكفه، قبل أن يمد يده ليقبض على كف أيهم الأخرى بين يديه، وانحنى بجسده نحوها وهمس بنبرةٍ متوسلة:—كن بخير.. أباك ينتظرك.
عمّ السكون الغرفة من جديد، قبل أن تُطرق الدقات الخفيفة للممرضة على الباب، ردّ مراد بصوت خافت دون أن يرفع جبينه عن كف ابنه، خائفًا أن يغفل عنه لثانية واحدة فيختفي:
— تفضل
دخلت الممرضة وهي تدفع أمامها طاولة العلاج متحركة حتى وقفت قرب ايهم رفعت نظرها نحو زجاجة المحلول لتفحصها، ثم التفتت إلى مراد وقالت بلهجة مهنية :— لو سمحت سيدي.. هل يمكنك الانتظار في الخارج بضع دقائق؟
رفع نظره نحوها للحظة، ثم أعاده فورًا إلى أيهم قبل ان يضع كف ابنه برفق على السرير، ووقف يتأمله برهة في صمت، ثم انحنى وطبع قبله خفيفة على رأسه، قبل أن ينسحب خارج الغرفة ويغلق الباب خلفه بهدوء شديد.
بمجرد خروجه، تحرك مرافقه الخاص نحوه بخطوات سريعة، مطأطئًا رأسه إلى الأرض باحترام، وقال بصوت منخفض:
— سيدي.. لقد تابعتُ تفاصيل الحادثة بدقة.
ثم مدّ الهاتف الذكي نحو مراد ، ألقى مراد نظرة طويلة وثقيلة على الهاتف قبل أن يلتقطه، وسأل بنبرة خالية من المشاعر: —الأخبار لم تصل إلى أم أيهم.. أليس كذلك؟
أومأ المرافق برأسه بسرعة:—نعم سيادتك ، لم تعلم بعد
هز مراد رأسه ببطء دون أن يعلّق، ثم استدار ومشى بخطوات متهالكة نحو مقاعد الانتظار في الممر وقبل أن يجلس، استوقفه صوت المرافق من جديد وهو يستدرك باهتمام: — سيدي.. ما رأيك أن نحجز لك غرفة في الفندق القريب؟
توقف مراد، وأمال رأسه جانباً دون أن ينظر إليه، وقال بصوت قاطع:—لا داعي.. سأبقى قرب ابني
تردد المرافق ثم أردف محاولاً إقناعه:—ولكنك.. تحتاج إلى القليل من الراحة، لقد عدت من السفر ومباشرة وقع الحادث، ولم تنم منذ ليلة الأمس.. وثيابك أيضًا...
سكت المرافق فجأة، إذ وقعت عيناه على القميص الذي يرتديه مراد؛ كان لا يزال ملوثًا ببقع دماء ابنه الجافة ، رفع مراد كفه في الهواء بحركة حاسمة، فصمت الحارس فورًا ولم يتجرأ على النطق بكلمة أخرى.
جلس مراد على كرسي الانتظار الحديدي البارد، وأسند مؤخرة رأسه إلى الجدار الرخامي خلفه ، أغمض عينيه واستسلم للسواد المعتم، بينما الجدار البارد يمتص بعض حرارة رأسه المشتعل بالخوف والشكوك
-***-
في مكانٍ مهجور بعيد، داخل ورشة سيارات قديمة ومتهالكة...
وقف الشباب مرتجفين يتبادلون نظرات الخوف، وهمسُ الاستفهام عن مصيرهم المجهول يتردد بينهم ، في صدر المكان، كان مراد يجلس على كرسي خشبي بكامل أناقته، واضعًا ساقًا فوق أخرى، بينما يقف مرافقه واثنان من رجاله خلفه في صمت
كان مراد يشاهد مقطع فيديو على الهاتف؛ ظهر فيه ابنه أيهم واقفًا ينظر إلى الكاميرا مبتسمًا، يشبك يديه على صدره ويضحك، قبل أن تقتحم الكادر سيارة وتصدمه بقوة.
أغمض مراد عينيه للحظة يبتلع مرارة الصدمة، ثم أدار شاشة الهاتف نحو الشباب وقال بنبرة حادة:— من كان يقود؟
ارتفعت الأصوات متداخلة في تدافع خائف:
— كان مجرد تحدٍّ يا عم مراد
— أقسم لك، حتى ايهم شاركنا وتحدى معنا
— لم نكن نعلم أن مكابح السيارة معطلة
رفع مراد كفه في الهواء بحركة خاطفة، فعمّ الصمت المكان كأنما على رؤوسهم الطير ، عاد يسأل بنبرة أصعب: — من كان يقود السيارة؟!!، تبادل الشباب النظرات في هلع، ثم خفضوا رؤوسهم يرفضون الإفصاح ، هنا فقد مراد سيطرته، وانفجر فيهم بصوت هزّ أرجاء الورشة:— افتحوا افواهكم وتحدثوا!
انتفض الشباب جميعًا، وتراجع ثلاثة منهم خطوات إلى الخلف تلقائيًا، تاركين من كان يقود في المقدمة وحدَه ، نظر الشاب إلى أصدقائه بذعر وخيانة، ثم أطرق رأسه يرتجف.
ظل مراد يرمقه بنظرات صلبة، ثم وقف ومدّ الهاتف خلفه تحرك مرافقه سريعًا التقطه من يده من ثم تراجع للخلف، دفن مراد يديه في جيوب بنطاله، وخطا بثبات حتى وقف أمام الشاب مباشرة.
رفع الشاب عينيه المتوسلتين، فاستقبلته عينا مراد المشتعلتان بالغضب، ليخفض رأسه سريعًا ، خرج صوت مراد باردًا وحادا كحافة السكين:— لماذا دهست ابني؟
ارتجف الشاب وقال بصوت متلعثم:— عمي.. عم مراد.. كنا نقوم بتحدي الثقة على "تيك توك" و... قاطعه صفعة صاعقة هوت على وجهه، ارتجت لها ملامحه واحمرّ خده فورًا ، ابتلع الشاب ريقه بشفتين ترتجفان، ورفع كفه يتحسس وجهه بالمهانة.
كرر مراد بصوت أخفض وأكثر خطورة:— آخر مرة أسألك.. لماذا دهست ابني؟ أطرق الشاب رأسه مجددًا والدموع في عينيه:
— صدقني.. كانت مجرد لعبة
هوت صفعة ثانية أقوى على خده الآخر، جعلت بقية الشباب ينتفضون رعبًا في أماكنهم ، أرقبهم مراد ثم قال صارخًا بغضب عارم: —لعبة؟! تحدٍّ؟! بل وتقول لي بثقة "تحدي ثقة"؟!
أمسك مراد بياقة قميص الشاب وجذبه نحو وجهه بقوة:—يعني ابني وثق بك.. وأنت دهسته؟! ، هز الشاب رأسه نفيًا بذعر:
— أنت لم تفهم يا عمي..!
صرخ مراد في وجهه بقسوة جعلت الشاب يغمض عينيه رعبًا:
— هل أروَاح الناس لعبة؟! لماذا تخوضون أمثال هذه التحديات أساسًا؟!
سكت الشاب عاجزًا عن الرد، فزاد مراد من صراخه:
— ها؟! تتحدث أم لا؟!
جفل الشاب وأجاب بتلعثم شديد:
— نحن.. نحن فقط...
دفعه مراد بقوة فترنح الشاب للخلف وكاد يسقط التفت مراد إلى مرافقه وقال بصوت قاطع:—ناولني العصا يا عدنان
تحرك عدنان فورًا ومدّ عصا خشبية ثقيلة إلى مراد تراجع الشاب إلى الخلف وهو يهز رأسه ويتوسل ، خلغ مراد سترته وألقاها ، ثم طوى أكمام قميصه وهو يقول بصرامة لا ترحم:
— العصا لمن عصى.. وأنتم طغَيتم لم تعصوا فقط
تبادل الشباب النظرات برعب، بينما أخذ الشاب يتوسل ويبكي، لكن مراد انهال عليه بالعصا ضربًا بلا رحمة، وصراخ الشاب يملأ الورشة، والآخرون يغمضون أعينهم مع كل ضربة تسقط على جسده.
أخيرًا، ألقى مراد العصا على الأرض وهو يتنفس بسرعة من الإرهاق تناول سترته من أحد الحراس ، ثم أخذ يرتب لياقة قميصه بهدوء شديد، وقبل أن يغادر، قال دون أن يلتفت:
— لقّنوا البقية درسًا أيضًا...
ثم أضاف بعد لحظة:— وادفعوا تكاليف علاجهم كاملة.
ارتفعت أصوات الشبان خلفه:— لا... يا عم مراد... بالله عليك
لكن مراد تابع خطاه إلى الخارج ببرود، بينما كانت أصوات الصراخ والتوسل تعلو خلفه وتضيع تحت سقف الورشة المهجورة.
***
في القصر الواسع الذي يخترق نوره من خلال النوافذ الزجاجية العملاقة، وتتدلى من سقوفه العالية ثريات الكريستال اللامعة...
كانت في غرفة نومها الفاخرة، جالسةً على كرسيها الخشبي قرب النافذة المطلة على الحديقة، تُسرح بفكرها بعيدًا في صمتٍ ممتد
أضاءت شاشة هاتفها الموضوع على الطاولة المجاورة، فرفعتها ببطء كانت الرسالة من ابنها أيهم مفادها :
"أعتذر منك يا أمي.. لقد رأيت اتصالاتك المتكررة لكنني لم أستطع الرد أعلم أنك قد تغضبين مني، لكنني خارج المدينة حاليًا برفقة أصدقائي.. أعلم، أعلم أنه كان ينبغي عليّ إجابتك منذ أيام، ولكن دعيني أستغل فرصة غياب أبي القليلة لأتنفس."
ظلت تتأمل الكلمات بصمت لم تكتب ردًا ، اكتفت بإغلاق الشاشة، وتنهدت بروحٍ أضناها الجفاف، قبل أن ترفع صوتها الخافت وتنادي:— "شروق.."
فتحت الخادمة الباب سريعًا ودخلت الغرفة باحترام ، اقتربت من سيدتها وسحبت الكرسي المتحرك لتضعه بجانبها، ثم ساعدتها برفق على الانتقال إليه ، جلست الأم بثبات، فدفعتها شروق برفق ونقلتها نحو السرير لتستريح.
****
بعد ايام ...في غرفة المستشفى...
كان أيهم يجلس نصف جلسةٍ متكئًا بظهره على الوسائد، والعبوس المرتسم على وجهه يفضح قلة رغبته في الطعام، بينما تطعمه الممرضة بهدوء وصبر لف وجهه إلى الجانب وهو يتمتم بتذمر:— شبعت... لم أعد أستطيع.
ابتسمت الممرضة ابتسامة متفهمة ؛ — هذا ما قلته قبل خمس ملاعق أيضًا ، هز رأسه بضيق، فجمعت الأطباق فوق الطاولة الصغيرة، ثم خفضت السرير ليستلقي براحة.
ما إن خرجت حتى زفر بملل، وأخذ يتأمل الغرفة من حوله:
— لقد سئمت البقاء هنا حقًا.. سأخرج!
أزاح الغطاء عنه، ودلي ساقيه ليدخلهما في خُفَّيه الخفيفين، ثم تحرك بخطوات متثاقلة نحو الباب ، وما إن مسك المقبض وفتحه، حتى تفاجأ بوالده واقفًا أمامه مباشرة ، كان مراد يرفع قبضته مستعدًا لطرق الباب، بينما يحمل باليد الأخرى باقة ورد زاهية.
ارتبك أيهم فورًا وأطرق رأسه إلى الأسفل، بينما يرمقه مراد بملامح باردة هادئة ، خطا مراد خطوة إلى الداخل، فتراجع أيهم خطوة إلى الخلف من الذعر ، وكلما تقدم الأب خطوة، تراجع أيهم خطوات، والأفكار تتزاحم في رأسه برعب: (يا إلهي.. أبي غاضب مني بالتأكيد.. سوف يقتلني!)
وقف أيهم ورأسه مخفوض، يشد على قبضته بتوتر ، تأمله مراد للحظات في صمت، ثم تجاوز بخطوات حازمة نحو الطاولة الجانبية، ووضع باقة الورد داخل المزهرية الزجاجية، وأيهم يراقبه بوجل وتوجس.
التفت مراد إليه، وما إن التقت أعينهما حتى أطرق أيهم رأسه مجددًا إلى الأرض ، اقترب مراد منه بخطوات واثقة حتى وقف أمامه مباشرة ، رفع يده في الهواء، فأغمض أيهم عينيه بقوة وشدّ على أسنانه مستسلمًا لصفعة مؤلمة يعرف أن والده لن يتردد في إعطائها له...
لكن كفّ مراد لم تصدم وجهه ، بل أمسكت بخديه برفقٍ حنون، ورفعت وجهه ببطء، كما لو أنه ما زال يرى فيه الطفل الصغير الذي كان يحمله بين ذراعيه ، قال مراد بصوت دافئ يطفح بالخوف والارتياح:—الحمد لله على سلامتك يا ولدي..
فتح أيهم عينيه ببطء، ونظر إلى والده بذهولٍ واندهاش، وسأل بتلعثم:— أولست... غاضبًا مني؟ ، تأمله مراد برهة في صمت، ثم قال بنبرة هادئة تحمل عتابًا عاطفيًا:— بلى.. غاضبٌ منك، وغاضبٌ جدًا أيضًا!
خفض أيهم رأسه بأسف، لكن مراد رفع وجهه بكفه مجددًا وتابع بابتسامة دافئة:—لكن حُبي لك يغلب غضبي دائمًا
اتسعت ابتسامة أيهم بارتياح وشعر بوطأة الخوف تزول عن صدره ، سحبه مراد برفق إلى أحضانه، وراح يربت على شعره
وهو يهمس بصدق:— لا تفعل هذا بأبيك مجددًا.. لا تخفني عليك هكذا ، هل تريد أن تصيبني بسكتة قلبية يا بني؟ هل تريد أن يموت أبوك؟ هز أيهم رأسه نفيًا بسرعة، ثم بادل والده العناق بقوة، وشدّ على ظهره وهو يهمس بنبرة نادمة: — آسف...
وسكت لحظة قبل أن يكررها بانكسار:— آسف يا أبي
***
جلست الأسرة حول مائدة العشاء بعد أن عاد أيهم إلى البيت أخيرًا ، كانت والدته فيروز لا تزال توبخه وتعاتبه بحرقة، ممتعضةً من اتفاقه مع والده على إخفاء أمر الحادث عنها ، كان مراد يأكل بهدوء ورزانة، وكأن الضجيج واللوم الدائر حوله لا يعنيه في شيء، بينما جلس أيهم مخفوض الرأس، يشبك بين أصابعه بتوتر
تنهدت فيروز تنهيدة طويلة محمّلة بالتعب، ثم قالت بنبرة حنونة تشوبها الحصرة:— عزيزي.. أنت لا تزال في السادسة عشرة من عمرك، فلا تسبب لنفسك ولي كوارث أكبر منك يا ولدي.
ابتسم أيهم بخجل وهز رأسه مطأطئًا:— أنا آسف يا أمي.. لن أسبب أي مشكلة مجددًا، أعدك ، ابتسمت الأم ومسحت على خده برفق لتهدئته، ثم، دون قصد، اختلست نظرة سريعة نحو مراد
لكنه بقي منشغلًا بطعامه، وكأنه لم يلاحظ شيئًا .
انتهى العشاء في سكون متقطع، وعاد كل منهم إلى حجرته
وفي غرفة النوم الفاخرة، كان صوت فيروز يعلو بحدة وهي تعاتب مراد الذي كان يقف ببرود أمام النافذة الزجاجية يتطلع إلى العتمة:—هل تسمي هذا انتباهًا ورعاية؟! ألم.. ألم تقل إن عينك لن تغيب عن ابننا لحظة واحدة؟! انظر ماذا حدث.. ماذا لو خسرناه؟! ماذا لو...!؟
توقفت كلماتها في حلقها عندما استدار مراد نحوها ببطء
خطا نحوها بخطوات هادئة دون أن ينبس بكلمة، ثم انحنى وبرفق شديد حملها بين ذراعيه شبكت يدها حول عنقه تلقائيًا، فرفعها عاليًا وتحرك بها نحو السرير ، وعلى الرغم من ذلك، ظلت تحاسبه بنبرة متوترة:—مراد.. أنا أكلمك.
أنزلها على السرير بعناية فائقة، ومدد ساقيها المصابتين بجفاء ثم سحب الغطاء القطني وستر به كامل جسدها انحنى قبالة وجهها وقال بصوت خفيض ودافئ يُتقن التهدئة:— أنا أعتذر منكِ.. كان يجب أن أكون أكثر انتباهًا، خاصةً مع الحالة المرضية الخاصة لابننا.
ظلت تتأمل عينيه بريبة، فتابع بثقة:— لكنني تابعت القصة بنفسي، وعاقبت المتسببين أشد عقاب ، ردت معترضة بضيق:—هذا البلد أصبح مليئًا بالمشاكل والانتفاس...
قاطعها مراد بابتسامة هادئة:—حتى هذا الأمر أعددتُ له حلاً.. سننهي ترتيباتنا ونستقر قريبًا في كندا كما اتفقنا.
نظرت إليه فيروز برهة، ثم خفضت بصرها مستسلمة للهدوء الذي يفرضه عليها دائمًا ، مسح مراد على شعرها برفق، ثم انحنى وطبع قبله دافئة على أعلى جبينها:— تصبحي على خير.. نامي الآن، حسناً؟
هزت رأسها موافقة بقلة حيلة ، ابتسم بخفوت، ثم استدار وخرج من الغرفة بهدوء ، تبعت خروجه بنظراتها المحتارة حتى أغلق الباب، ثم رفعت عينيه نحو السقف العالي، وغرقت في بحر من الأفكار والشكوك التي لا تجد لها إجابة.
***
بعد مرور أربع سنوات...
كندا — مدينة تورونتو، حي "برايدل باث"
لفت يده المقود الجلدي بسلاسة، لتنحرف سيارته الضخمة من نوع كاديلاك إسكاليد السوداء نحو البوابة الحديدية العملاقة للقصر
وما إن تعرّفت الكاميرات الذكية والمستشعرات إلى رخصة السيارة، حتى انفرجت البوابة تلقائيًا وبصوتٍ ميكانيكي خفيت، كاشفةً عن ممر عريض وطويل تحفّه الأشجار المشذبة بعناية فائقة، يقود نحو قصرٍ فخم تتلألأ واجهته الزجاجية الكبيرة تحت أضواء الليل الدافئة.
كانت خطوط النور الصفراء تنعكس الصقيل على هيكل سيارته اللامعة وهي تشق العتمة الكندية الباردة ، انفتحت أبواب المرآب الإلكتروني ببطء، لتنساب السيارة إلى الداخل بتأدب، قبل أن ينطفئ هدير محركها القوي في هدوءٍ تام.
داخل المرآب الواسع والحديث، اصطفت سيارتان فاخرتان أخريان: الأولى من طراز بي إم دبليو والأخرى رينج روفر
ترجّل مراد من سيارته بكامل أنقاطه وهيبته المعتادة ، أغلق الباب الإلكتروني خلفه بزر ضغطة خفيفة، ثم اتجه بخطواتٍ هادئة وواثقة نحو المصعد الداخلي الخاص المؤدي مباشرة إلى أروقة القصر.
****
في غرفته الدافئة التي تصنع تناقضًا صارخًا مع برد كندا القارس خارج الجدران... كان أيهم يجلس أمام شاشة حاسوبه، خائضًا في مكالمة فيديو جماعية مع رفاقه ، كانت ضحكاتهم تتصاعد وأحاديثهم تفيض بالحماس مع اقتراب بداية الدوام الجامعي وشوقهم للالتقاء مجددًا
لم يشعر أيهم بالباب الذي انفتح بهدوء خلفه، ولا بوالده الذي وقف يراقبه بصمتٍ ثقيل ، استمر يضحك حتى أشار له أحد أصدقائه في الشاشة قائلاً:—أيهم.. والدك يقف خلفك!
قطب أيهم حاجبيه والتفت للخلف بفزع خفيف:— أبي؟!
كان مراد يقف بصلابة، يدفن يديه في جيوب بنطاله، ويرمقه بنظرات ثابته هادئة لا تُفصح عن شيء ودّع أيهم أصدقاءه سريعًا وأغلق الحاسوب، ثم وقف واقترب من والده مبتسمًا:
—مرحبًا بك يا أبي
ابتسم مراد بخفوت، وقال بصوته الرزين: — لقد أنهيتُ إجراءات تسجيلك الجامعي اليوم ، استنار وجه أيهم بالفرحة، وقال ضاحكًا بلهفة:—حقًا؟!
أغمض مراد عينيه وأومأ برأسه إيماءة خفيفة تؤكد الخبر ، وفي لحظة حماس عارمة، قفز أيهم ليعانق والده بامتنان:
— شكراً لك يا أبي!
ظل مراد واقفًا على حاله دون أن يبادله العناق أو يخرج يديه من جيوبه، ثم قال بنبرة هادئة وقاطعة:—لقد سجلتك في جامعة يورك (York University)
ارتخت يدا أيهم تدريجيًا، وابتعد عن والده ببطء ، نظر إليه باستنكار وصدمة، ثم قال بنبرة متلعثمة:—لكن.. لكن يا أبي، جميع أصدقائي سيدرسون في جامعة تورونتو!!
ظل مراد ثابتًا كالجماد لا تتغير ملامحه، بينما تابع أيهم والحرقة تصعد في نبرته:— لقد أخبرتك مسبقًا بالجامعة التي أريدها! وانت... سكت أيهم لحظة يبتلع غصته، ثم أردف بغضب مكتوم:
— كيف تريدني أن أدرس وحدي يا أبي؟! هاه؟ لقد تركت أصدقائي القدامى هناك عندما سافرنا، والان بعد أن استطعت بصعوبة تكوين صداقات جديدة في كندا، تريد مجددًا أن أبقى وحيدًا؟!
رفع مراد سبابته بصرامة حازمة، وتغيرت نبرته إلى التحذير: —لا ترفع صوتك في وجه أباك يا أيهم! ابتلع أيهم غضبه بصعوبة، وأطرق رأسه إلى الأسفل باعتذار:—لم أقصد.. آسف.
نظر إليه مراد مطولاً بنظرات معاتبة، قبل أن يتحرك بخطوات متزنة نحو الخزانة الجانبية قرب السرير ، أخرج علبة الأدوية اليومية الخاصة بأيهم وهو يقول برزانة: — ليس وكأنني تعمدت رفض رغبتك! لقد قيل لي في مكتب التسجيل إن المقاعد في التخصص الذي تريده قد اكتملت.
التفت أيهم نحو والده يتابعه بعينين مغرورقتين بالحزن، بينما مدّ مراد القرص الدوائي إليه تابع مراد وهو يناوله كاس الماء—ليس وكأنني تعمدتُ ذلك يا عزيزي..
تناول أيهم الحبة وابتلعها مع الماء، بينما أخذ مراد الكأس منه بعد أن فرغ، ووضعه على الدرج بجانب السرير ثم أردف بنبرة أبوية حنونة تُغلف سلطته:—جامعة "يورك" جامعة ممتازة للغاية، ولن تمنعك من تحقيق ما تريده ، أعلم أن الأمر مزعج بالنسبة لك الآن، لكن ما باليد حيلة نام مبكرًا لا ترهق عينيك بالسهر
استدار مراد وتحرك خارج الغرفة بهدوء، مغلقًا الباب خلفه
ظل أيهم واقفًا في منتصف الغرفة، ينظر إلى الباب المغلق باستياء وعجز وشعور بالتقييد ، زفر بضيق ثقيل، ثم تحرك ببطء وألقى بجسده على السرير، وسحب الغطاء ليغطي به كامل رأسه، غارقًا في عتمة خيبته.
***
اتكأت بظهرها على طرف الأريكة الفاخرة، بينما امتدت ساقاها على طول قماشها الناعم ، كانت تمسك كتابًا بيدٍ تقرأ صفحاته بتركيز، وتعبث بأصابع يدها الأخرى بخصلات شعرها بشغفٍ هادئ كانت فاخرة إلى حدٍّ تجعلك تشعر أن مرور السنوات لم يزدها إلا وقارًا وسحرًا.
دخل مراد الغرفة بهدوء، وأغلق الباب خلفه دون أن يصدر أي صوت ، فكّ أزرار سترته ونزعها، ثم خلع ساعة معصمه الثمينة سحب الأدراج المخصصة لساعاته، ووضعها في مكانها المنظم بين صفوف الساعات الأخرى ، ألقى نظرة من بعيد على فيروز؛ لم ترفع نظرها عن كتابها، وظلت تداعب خصلات شعرها وكأنه لم يطأ الغرفة أصلاً.
اقترب منها بخطوات متزنة، وتأمل ساقيها الممددتين على الأريكة جلس ببطء على طرف الأريكة، ثم رفع ساقيها برفق ووضعهما في حجره، وراح يدلكهما بكفيه الدافئتين بحنو.
رفعت فيروز نظرها عن الصفحات، وتطلعت إليه بملامح باردة، ثم قالت بنبرة ملؤها الجفاء والتهكم:—هل هذه خدمة ؟ أن تدلك قدمًا قد ماتت وشُلّت الحركة فيها منذ زمن؟! يبدو أنك تهوى القيام بالأعمال المنجزة سلفًا
توقفت يدا مراد عن التدليك، ورفع نظره نحوها ببطء ، كانت قد أعادت كتابها أمام وجهها تركز على السطور وكأنها لم تقل شيئًا ، خفض بصره مجددًا، وسألها بصوته الهادئ: — وما الذي لم يُنجَز بعد؟
خفضت الكتاب عن وجهها ونظرت إليه مباشرة، ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة لا دفء فيها:—الكثير.. عمومًا، أظن أنني أريد قراءة هذا الكتاب بشدة، لكنني أجد صعوبة في التركيز، وهذا أمر مزعج جدًا
رفع مراد رأسه إليها مجددًا، ومدّ يده بثبات وتناول الكتاب من بين يديها ، شهقت فيروز بدهشة وكانت على وشك الاعتراض، إلا أنه قاطعها حين بدأ يقرأ السطور بصوتٍ جليٍّ ودافئ.
تأملته فيروز للحظات، ثم أسندت رأسها على كفها ومرفقها يستند إلى طرف الأريكة، وراحت تتابعه بنظرها وهو يقرأ بتركيز وحرفية، بينما يده الأخرى تواصل تدليك ساقها بإيقاعٍ منتظم
مرت الدقائق ثقيلة بأحاسيسها الصامتة، حتى ثقلت جفونا فيروز وتغيرت أنفاسها إلى الهدوء ، التفت مراد نحوها، فوجد أنها قد غطت في نومٍ عميق.
أغلق الكتاب بهدوء، ووضعه جانباً على طرف الطاولة المجاورة ، رفع ساقيها برفقٍ من حجره، ثم وقف وانحنى ليحملها بين ذراعيه، وضعها على السرير، وسحب الغطاء وستر به جسدها جيدا.
استدار مراد بخطوات صامتة، ووقف أمام النافذة الزجاجية الضخمة، يتأمل سماء تورونتو الباردة والعتمة المخيمة عليها، صامتًا كتمثالٍ يخفي تحته بركانًا من الأسرار.
****
هناك بعيدًا.. وتحديدًا في مطار تورونتو بيرسون الدولي
هبطت الطائرة القادمة من البعيد، تتهادى على المدرج البارد، وهي تحمل في جوفها زائرة تحمل في قلبها ثقلاً يزن جبالاً من الأسى والذكريات
تدلت قدمُها لتطأ أرضية المطار الصقيلة، وسحبت مقبض حقيبة سفرها السوداء تجرها خلفها بخطوات سريعة وواثقة ، كانت عينها السودوان تختبئان خلف نظارات شمسية داكنة تنافس عينيها في السواد والعمق
وقفت عند بوابات الخروج، ورفعت رأسها نحو سماء تورونتو الرمادية الباردة، وطفحت على شفتيها ابتسامة خفيفة، هادئة وخطيرة، وهي تهمس لنفسها:—مرحبًا كندا.. مرحبًا بكل الأحداث والقضايا القادمة.
في تلك اللحظة، تعالت نغمة هاتفها ، رفعت الهاتف وردّت ببرود بينما تواصل سيرها نحو الخارج بخطواتٍ موزونة: — نعم.. لقد وصلتُ الآن.....