LOGIN
لا أصدق حتى أنا نفسي ما أقترفه في هذه اللحظة!
أقف الآن أمام رجل غريب تماماً، أحجب بجسدي الممر الممتد خلفي، ممسكة بطرف ياقة سترته بأصابع مرتجفة، ومائلة برأسي نحو وجهه بزاوية مدروسة تجعل أي ناظر من الطرف الآخر يظن أن بيننا سراً لا ينبغي لأحد أن يراه. والمصيبة أن كل هذا الجنون يحدث على مقربة شديدة من حمامات النساء، وفي المكان نفسه الذي كان ينتظر فيه هذا الرجل حبيبته لتخرج. أما أنا، فقد قررت أن أستغله كأداة في أكثر خطة طائشة خطرت لي في حياتي كلها. خلفي مباشرة، كان حبيبي وصديقتي على وشك الخروج من الغرفة الخاصة، وبمجرد أن يرفع أحدهما عينيه... سينتهي كل شيء، أو بالأحرى، سيبدأ كل شيء من جديد. كيف وصلت إلى هذه اللحظة؟ لأروي لكم ما حدث، علينا أن نعود خمس عشرة دقيقة فقط إلى الوراء، وتحديداً إلى اللحظة التي انهار فيها عالمي واكتشفت خيانتهما. لم أكن مدعوة إلى تلك الحفلة أصلاً. كانت صديقتي المقربة تالا تحتفل بعيد ميلادها، ولسبب لم أفهمه حينها، لم تصلني منها أي دعوة. وحدها صديقتنا الأخرى أخبرتني بالموعد والمكان، فأقنعت نفسي بأن الأمر مجرد سهو، ربما انشغلت تالا بالتحضيرات أو نسيت. لذلك اشتريت لها هدية أنيقة، وذهبت إلى الحفلة وأنا أحتفظ بفكرة واحدة: سأفاجئها. لكن المفاجأة كانت من نصيبي أنا. ما إن وصلت حتى عرفت أنها حجزت غرفة خاصة داخل القاعة. توجهت نحوها والهدية لا تزال بين يدي، ووقفت أمام الباب. مددت أصابعي نحو المقبض، لكنني لم أفتحه. وصلني صوت ضحكة تالا أولاً، ثم صوت آخر أعرفه جيداً... زياد. تجمدت يدي فوق المقبض، واقتربت قليلاً دون أن أشعر. سمعته يقول لها الجملة نفسها التي اعتاد أن يهمس بها في أذني ليرسم ابتسامة على وجهي. ضحكت تالا، ثم قالت بدلال: «أنت تعرف كيف تجعلني أضحك». بقيت واقفة لثوانٍ طويلة. لم أفتح الباب، ولم أقتحم الغرفة. فقط أنزلت يدي ببطء، ونظرت إلى الهدية المغلفة بعناية، فوضعتها على أقرب طاولة، واستدرت عائبة إلى القاعة. جلست وحدي في إحدى الطاولات البعيدة، لم أطلب شيئاً، ولم أتصل بأحد. كلما حاولت استيعاب ما سمعته، عاد صوت زياد ليصدع في رأسي. بعد دقائق، نهضت لأغادر. أخذت حقيبتي واتجهت نحو المخرج، لكن أحد النادلين اصطدم بكتفي وانسكب العصير على قميص فتاة قريبة. توقفت مكاني، نظرت إلى البقعة ثم إلى النادل، ولم أعتذر. لم أكن أسمع سوى الضجيج داخل جمجمتي. نهض الرجل الجالس بجانب الفتاة، واقترب مني بخطوتين، ثم أمسك بذراعي قائلاً بحدة: «ألا تعرفين الاعتذار؟» رفعت عيني إليه. كان طويل القامة، ملامحه مشدودة، ونظرته لا تحمل ذرة صبر. قلت بهدوء: «اترك يدي». رد بصوت آمر: «اعتذري أولاً». شد فكه، وقبل أن يقول شيئاً آخر، أمسكت الفتاة بذراعه وقالت: «اتركها، الأمر مجرد عصير». ظل ينظر إليّ للحظات، ثم أفلت ذراعي بضيق وهمس: «تصرف غريب»، واستدار معها مغادراً باتجاه الممر المؤدي إلى الحمامات. تنفست ببطء، وعدت أدراجي لأعتذر للفتاة قبل أن أغادر، لكنني توقفت عند مرورها بجوار الغرفة الخاصة. كان الباب موارباً هذه المرة، ووصلني صوت تالا: «حبيبي، تعال معي أعدل مكياجي قبل أن نلتقط صورة، لا أستطيع الذهاب وحدي». توقفت. نظرت إلى الباب، ثم إلى الممر حيث يقف الرجل الذي تشاجرت معه. وفجأة خطرت لي فكرة. لم تكن جيدة ولا عاقلة، لكنني في تلك اللحظة لم أبحث عن العقل، بل عن طريقة أجعل بها زياد يشعر ولو للحظة واحدة بما شعرت به. خطوت نحو الممر. كان الرجل واقفاً بالقرب من المدخل، وما إن رآني حتى عقد حاجبيه وسأل باستياء: «أنتِ مرة أخرى؟» توقفت أمامه دون إجابة، ونظرت خلفي بسرعة. في تلك اللحظة، وصلتني أصوات خطوات قادمة من الغرفة. لم يبقَ لدي وقت. تقدمت خطوة، وجعلت جسدي ساتراً بينه وبين الممر، ومددت يدي بسرعة أمسكت بطرف ياقة سترته. نظر إليّ بدهشة وسأل: «ماذا تفعلين؟» خفضت صوتي وأنا اقترب برأسي من جانبه: «لا تتحرك... أرجوك، خمس ثوانٍ فقط». تجمد في مكانه وهمس: «أنتِ مجنونة». «أعرف،» رددت وأنا أرفع عيني إليه للحظة، «فقط لا تتحرك». لم يفهم شيئاً، لكنه لم يدفعني. ومن زاوية الممر، كان المشهد مختلفاً تماماً: فتاة تمسك بطرف سترته وتخفي وجهها بالقرب منه. وصلت الخطوات وتوقفت. ساد الصمت. عرفت دون أن ألتفت أنهما وصلا. تراجعت ببطء، وأفلتُّ طرف سترته، ورفعت عيني أخيراً. كان زياد واقفاً في الممر وبجانبه تالا. توقفت عينا زياد عند الرجل أمامي، ثم انتقلتا إليّ ببطء، بينما بقيت تالا ممسكة بحقيبتها وعيناها معلقتان بنا. لم أشرح شيئاً، فالصدمة كانت واضحة على وجهيهما. ابتسمت ابتسامة صغيرة، وكدت أستدير لأغادر، لكن باب الحمام انفتح خلفنا. خرجت الفتاة التي كان الرجل ينتظرها، وتوقفت فور أن رأتنا. نظرت إليه، ثم إليّ، ثم إلى يدي القريبة من سترته. ساد صمت قصير، رفعت حاجبها وقالت ببرود: «ماذا تفعلين؟» تجمدت. لم يكن زياد ولا تالا هما المشكلة، فهما رأيا ما أردت. لكن هذه المرأة كانت تعرف الرجل الذي أقف أمامه، وكان عليها الآن أن تصدق تفسيراً واحداً فقط. خطوت نحوها بابتسامة هادئة، وفتحت فمي لأجيب، لكنها سبقتني بسؤال جعل الدم يتجمد في عروقي: «ولماذا كنتِ تمسكين بخطيبي؟»لم أتحمل بروده الاستفزازي طوال الطريق. كان يقود بصمت، يد واحدة على المقود والأخرى مسترخية على فخذه، وعيناه مثبتتان على الطريق المظلم أمامه كأنني غير موجودة. لا كلمة. لا نظرة. لا اعتراف بأننا توشاركنا كارثة قبل ساعة. كأنني حقيبة نسيتها على المقعد الخلفي. والبرقع. ذلك البرقع المزعج الذي أصرّ المنظمون على وضعه فوق طرحتي بحجة التقاليد. كان يخنقني. قماشه الثقيل يحكّ بشرتي، ودبابيسه تغرز في شعري كإبر صغيرة تذكرني بأنني مقيدة. مقيدة بفستان. مقيدة بزواج. مقيدة برجل لم أختره واختارني دون أن يعرف اسمي. بدأت أنزعه. بأصابع مرتجفة أولاً، ثم بعنف. سحبت الدبابيس واحدة تلو أخرى وألقيتها على أرضية السيارة. شدّيت القماش عن وجهي كأنني أنتزع جلداً ثانياً لم أختره. ثم الحجاب. ثم الطرحة. كل طبقة كانت قيداً أخلعه عن روحي. «ماذا تفعلين؟» قال بصوت مسطح دون أن يلتفت. لم أجب. فتحت نافذة السيارة الجارية بقوة. الهواء البارد اقتحم المقصورة كصفعة، بعثر شعري المنسدل وأعمى عيني للحظة. لم أهتم. أمسكت البرقع والطرحة بكلتا يدي، ورأيتهما للحظة الأخيرة في ضوء أعمدة الشارع المتقطع، ثم أفلتهما. تطايرا في مهب الريح. أب
استمرت مراسم زفافنا الصامتة وكأن شيئاً لم يكن. كأن الكون لم ينقلب قبل دقائق. كأن قلبي لم يتوقف عن النبض ثم عاد بعنف يهدد بكسر أضلاعي. جلسنا جنباً إلى جنب على طاولة الاستقبال الضيقة، كتفانا يتلامسان كعدوين أُجبرا على تقاسم زنزانة واحدة، وأمامنا أفراد العائلتين القلائل الذين لا يعرفون أننا نعيش كارثة صامتة. كان يحاول الحفاظ على هدوئه. رسم ابتسامة دبلوماسية باردة للكاميرات القليلة التي سمح بها؛ لم تكن هناك صحافة، لكن والدته أصرت على وجود مصور عائلي واحد لتوثيق المراسم. ابتسامة لا تصل إلى عينيه الزرقاوين اللتين كانتا تقدحان شرراً مكبوتاً. كنت أراه من زاوية عيني، كل عضلة في وجهه مشدودة بجهد خارق، وكل نفس يأخذه محسوب بدقة لكي لا ينهار القناع. أما أنا؟ الدماء كانت تشتعل في عروقي غضباً من هذا الفخ. فخ نصبته لنفسي بيدي. فخ وقعت فيه بكلتا قدمي. فخ جعلني زوجة الرجل الذي اتهمني بالسرقة أمام الملأ، والذي خططتُ لأن أرث ثروته بعد موته المفترض. ابتسمت أنا أيضاً. ابتسامة عروس سعيدة. ابتسامة قتيلة. والدتي كانت تجلس في الصف الأول، تصفق بسعادة غامرة وتذرف دموع الفرح، لا تدري أن ابنتها تحترق من الداخل
وصلت أخيراً إلى منصة المذبح، وكل خطوة كانت ثقيلة كالحديد، كأن الأرض تسحبني نحوها وتمنعني من التقدم. مددت يدي ببطء، بأصابع ارتجفت رغم كل محاولات السيطرة عليها، لأرفع طرحة الزفاف البيضاء عن وجهي. أبقيت عيني نحو الأرض باحترام مزيف، دور العروس الخجولة الذي أتقنت تمثيله طوال الطريق. كنت جاهزة. كنت مستعدة لرؤية وجه تجاعيد الزمن وشعر الشيب وعينين ذابلتين تنتظران الموت. رائحة الشموع الثقيلة ملأت أنفي. صوت الموسيقى الكلاسيكية الخافتة كان يتسلل إلى أذني كأنه لحن جنازة لا لحن عرس. شعرت بأنفاس الحضور القلائل خلفي، صامتة، منتظرة، كأنهم يشهدون مسرحية لا يعرفون نهايتها.ارتجفت أصابعي وأنا أمسك بباقة الورد، وقلبي يخفق بعنفٍ يشبه صوت طبولٍ بعيدة. كل شيءٍ حولي بدا جميلاً... باستثناء الحقيقة التي أحملها في صدري همست لنفسي للمرة الأخيرة: «ابتسمي يا سيلين. ابتسمي للثروة القادمة.» رفعت الطرحة. قماشها الحريري انزلق عن وجهي كستارة تُرفع عن مسرح. الهواء البارد لامس بشرتي. ثم رفعت عيني. تجمد العالم. الكلمات ماتت في حلقي قبل أن تولد. قلبي نبض بعنف كأنه يريد اختراق أضلاعي والهروب من صدري. ليس عجوزاً. ليس ر
وقفت أمام مرآة غرفة الفندق الفاخرة، أتأمل انعكاسي في زجاجها الصافي كأنني أنظر إلى غريبة. فستان الزفاف الأبيض كان تحفة من الدانتيل والحرير، يلف جسدي بوقار ملكي لم أشعر به يوماً. شعري مرفوع بعناية، ومكياجي هادئ يخفي شحوب وجهي الحقيقي. كنت جميلة. كنت مثالية. وكنت ميتة من الداخل. لم يكن هذا زفافاً. كان صفقة. وكان أملي الوحيد أن ينتهي هذا اليوم سريعاً لأقابل "العجوز المفترض" الذي سيجعلني أرملة ثرية قبل أن ايبلغ الثلاثين من عمري حتى همست لنفسي وأنا أعدّل طرحة الحرير فوق رأسي: «القليل من الأيام يا سيلين. العجوز سيموت، وتأخذين كل ثروته.» كررت الجملة ثلاث مرات. أربع. حتى أصبحت تعويذة تحمي قلبي من أي شعور قد يتسلل إليه بالخطأ. لا حب. لا أمل. فقط صبر وثراء قادم. الحفل كان عائلياً ضيقاً وصامتاً تماماً. لا كاميرات، لا صحافة، لا ضيوف كثر. فقط أفراد العائلة المقربين يجلسون في صفوف متباعدة كأنهم في جنازة لا في عرس. هذا كان شرط العريس: الخصوصية التامة. وكم باركتُ هذا الشرط في سري؛ فلا أحد يحتاج أن يرى وجهي وهو يبتسم ابتسامة مزيفة لرجل لا أعرف حتى لون عينيه. في الجانب الآخر من الفندق، وفي غرفة ل
عدتُ إلى المنزل وجسدي لا يزال يشتعل غضباً، ورائحة الدخان العالقة في ثيابي تختلط مع مرارة هزيمةٍ رفضتُ أن أعترف بها. دفعتُ الباب بقوة، متوقعةً أن أغرق وجهي في الوسادة وأصرخ حتى ينهار صوتي، لكنّ المشهد الذي استقبلني جمّد الدم في عروقي. كان والدي جالساً على الأريكة القديمة في غرفة المعيشة، يداه ترتجفان وهو يمسك بأوراق رسمية صفراء، ووجهه يعلوه توترٌ غريب لم أره فيه من قبل. لم يقل شيئاً حين دخلتُ؛ فقط رفع عينيه المحمرّتين ونظر إليّ نظرة رجل يقف على حافة الهاوية.منذ أشهرٍ ونحن نغرق في الديون، والمرض ينهش جسد أبي أكثر فأكثر. كان يسهر لياليَ طويلة يبحث عن مخرج، يقلّب الأوراق بيدين متعبتين، وعيناه تحملان إرهاق رجلٍ حاول كل شيء ولم يعد يملك حيلة. جلستُ أمامه ببطء، وقلتُ بصوت حاولتُ أن يكون ثابتاً: «أبي؟ ماذا حدث؟» ابتلع ريقه بصعوبة، ووضع الأوراق على الطاولة بيننا كأنّها قنبلة موقوتة: «يا بنيتي... لقد وصل اليوم عرض زواج غير معتاد.» تجمّدتُ. نظرتُ إلى الأوراق ثم إليه: «عرض زواج؟ لمن؟» تنهّد تنهيدة ثقيلة، وقال بصوت متردّد يتقطّع مع كل كلمة: «من رجل أعمال ثريٍّ جداً. مستعدٌّ لتسديد ديون ا
أمسكت تالا بمعصمي، بأصابع ناعمة الملمس تخفي تحتها مخالب حديدية، وسحبتني إلى وسط القاعة كأنّني دمية تُعرَض في مزاد علنيٍّ لا رحمة فيه. كانت كعوب صديقاتها تقرع الأرض بإيقاع طبول حرب خفيّة، والضحكات الخافتة تتصاعد من كلّ زاوية كسمٍّ يتسرّب عبر الشقوق، يخنق الأنفاس ببطء. «تعالَي يا عزيزتي، لا تخجلي. الجميع هنا أصدقاء.» نطقت بها وهي تشدّني نحو الدائرة التي شكّلتها صديقاتها؛ فساتين لامعة، وحقائب تساوي راتب سنة كاملة لعائلة متوسطة. نظرنَ إليّ كما ينظر المرء إلى حشرة علقت في كأس كريستال: بشمٍّ خفيّ، وفضول بارد. وقفت تالا في المنتصف، رفعت كأسها، وقرعت الملعقة على الزجاج برنين اخترق القاعة كالسكين: «يا أصدقائي الأعزاء، لحظة من فضلكم.» ساد صمت مصطنع. التفتت كل العيون نحونا: أنا بابتسامتي المتجمدة، وهي بابتسامتها المتوهجة التي تخفي أنياباً. «صديقتنا سيلين تمرّ بظروف مالية صعبة جداً بعد إفلاس عائلتها. ونحن كأصدقاء أوفياء، جمعنا لها هنا مبلغاً بسيطاً لتدبير أمورها. أليس هذا جميلاً؟» انفجر التصفيق. ضحكات مكتومة. همسات ساخرة تزحف كالأفاعي: «يا لها من مسكينة.» «إفلاس؟ يا للعار.» «كم هو كريم







