Share

الفصل 2

Author: هيرو
last update publish date: 2026-08-18 13:06:46

فتحت فمي لأجيب، لكن كلماتي ماتت في حلقي.

لأنه لم يدعني أتكلم.

الرجل الذي اتهمتُه قبل دقائق بأنه ينتظر حبيبته، تجاوزني بخطوة واحدة، ومدّ يده نحو الفتاة التي خرجت من الحمام. أمسك أصابعها بلطف غريب، ثم استدار إليها بوجه هادئ تمامًا، وقال بصوت لا يحمل ذرة تردد:

"لا شيء يا عزيزتي. هذه الفتاة كانت تحاول سرقة محفظتي، لكنني أمسكت بها في الوقت المناسب."

توقف العالم.

نظرت إليه.

ثم إلى الفتاة.

ثم إليه مرة أخرى.

*ماذا؟*

*سارقة؟*

*أنا؟*

شعرت بدمي يصعد إلى وجهي دفعة واحدة. فتحت فمي، أغلقته، فتحته من جديد. لم أجد كلمة واحدة.

أما صاحبة الموعد المدبر، فاستدارت إليّ ببطء.

وتغيرت ملامحها تمامًا.

"أنتِ..." رفعت ذقنها، ونظرت إليّ من أعلى إلى أسفل كأنني بقعة على حذائها. "أتسرقين في الاماكن الراقية؟ هل تعلمين من أنا؟ هل تعلمين من هو هذا الرجل؟"

"أنا لم—"

"اسكتي." قاطعتني بحدة. "لا تتكلمي. لا تبرري. أنتِ سارقة، وهذه هي الحقيقة الوحيدة التي أراها."

اقتربت خطوة، وخفضت صوتها، لكن كل حرف منها كان كصفعة:

"مثلك لا ينبغي أن يكنّ في هذا المكان. اخرجي قبل أن أستدعي الأمن."

شعرت بشيء يشتعل في صدري. ليس غضبًا. شيء أبشع. إهانة صامتة، باردة، كأن أحدهم لطمني أمام الجميع وأنا لا أستطيع الرد.

لكن قبل أن أنطق بحرف واحد، شدّ الرجل يد الفتاة بلطف وسحبها خلفه.

"دعينا نذهب. الأمر لا يستحق."

"لكن—"

"قلت دعينا نذهب."

استدارا. ومشيا.

بخطوات هادئة. واثقة. كأن شيئًا لم يحدث.

كأنني لم أكن موجودة.

بقيت واقفة في الممر. وحدي. ياقة سترته لا تزال تحمل أثر أصابعي.

*سارقة.*

*قال إنني سارقة.*

أنا، التي لم أمدّ يدي على شيء في حياتي. أنا، التي كنت قبل ساعة أحمل هدية عيد ميلاد لصديقتي.

*سارقة.*

استدرت ببطء.

كان زياد لا يزال واقفًا في مكانه. ينظر إليّ. لكن نظرته هذه المرة لم تكن صدمة. كانت شيئًا آخر. شيئًا يشبه... التقزز.

وبجانبه تالا، واضعة يدها على فمها، وعيناها تلمعان بفرحة لا تحاول إخفاءها.

لم أعد أهتم.

لم أعد أهتم بأي منهما.

كل ما أردته هو اللحاق بذلك الرجل.

الإمساك بياقة سترته مرة أخرى. لكن هذه المرة لأقول له: *كيف تجرؤ؟*

خطوت نحوه. لكن أصابع زياد أمسكت بمعصمي.

شدها.

أدارني.

ألصق ظهري بالجدار.

"من هذا؟" سأل بصوت خافت، لكن كل حرف فيه كان أمرًا.

نظرت إلى عينيه. العينان اللتان أحببتهما لثلاث سنوات.

لم أعد أرى فيهما شيئًا.

رفعت يدي الحرة.

وصفعته.

صوت الصدى ملأ الممر.

"دعنا ننفصل."

سحبت الخاتم من إصبعي. رميته على صدره. سقط على الأرض بطنين صغير.

"انتهينا يا زياد."

تراجعت خطوة. ثم خطوة.

لكن صوت تالا أوقفني.

"حبيبتي..." اقتربت بخطوات صغيرة، ويداها مرفوعتان كأنها تهدّئ طفلاً. "أنا آسفة. أنا أعلم كيف يبدو هذا. لكن الأمر ليس كما تظنين. نحن فقط—"

"لا."

"اسمعيني—"

"قلت لا."

لكنها لم تتوقف. اقتربت أكثر. فمها يفتح ويغلق بكلمات لا أريد سماعها. أعذار. تبريرات. أكاذيب مغلفة بصوت ناعم.

لم أتحمل.

مددت يدي. أمسكت حقيبتي البيضاء.

وضربتها على وجهها.

صرخة قصيرة. ثم صمت.

ثم دم.

خط أحمر رفيع ينزلق من أنفها إلى ذقنها.

تراجعت تالا. يداها على وجهها. عيناها واسعتان من الرعب.

"أنفي... أنفي ينزف!"

لم أهتم.

"أنتِ!" صرخ زياد، ممسكًا بتالا من كتفيها. "هل فقدتِ عقلك؟!"

لم أجب.

نظرت إلى حقيبتي.

البيضاء.

التي اشتريتها بثلاثة أشهر من مصروفي.

بقعة حمراء صغيرة على جلدها الناعم.

"لا..." همست. "لا لا لا لا..."

مسحتها بأصابعي. ازدادت.

"هذه الحقيبة تساوي أكثر من راتبك الشهري يا تالا!"

"حبيبي، أنفي—"

"وأنتِ!" التفتّ إلى زياد. "لا تتكلم معي. لا تنظر إليّ. لا تتنفس في الاتجاه نفسه الذي أتنفس فيه."

استدرت.

مشيت.

لم أنظر خلفي.

---

خرجت من القاعة بخطوات سريعة. الهواء البارد ضرب وجهي.

رأيته.

سيارته السوداء. محركها يعمل. الأضواء تشتعل.

*سيغادر.*

ركضت. وقفت أمام السيارة. فردت ذراعيّ.

توقفت السيارة.

زجاج النافذة نزل ببطء.

وجهه. تلك النظرة الباردة.

"أنتِ." قالها كأنني حشرة على زجاج سيارته.

"اسمعني." وضعت يديّ على حافة النافذة. "أنا لم أسرق محفظتك. أنا—"

"أعرف."

توقفت.

"تعرف؟"

"أعرف أنكِ لم تسرقي." قال بهدوء. "لكنني لم أكن أستطيع شرح موقفنا أمامها. فقلت ما قلت."

"إذن اعتذر."

"لا."

"ماذا؟"

"لا أعتذر." أغلق النافذة.

"انتظر!" ضربت الزجاج. "انتظر يا—"

نظر إليّ نظرة واحدة.

باردة. صامتة.

ثم ضغط على دواسة الوقود.

تراجعت. قفزت إلى الخلف. السيارة مرّت من جانبي بسرعة.

وقفت على الرصيف. ألهث.

"لعنة عليك." همست. "لعنة عليك وعلى محفظتك وعلى موعدك المدبر."

تنفست. مرة. مرتين.

ثم مشيت.

خطوتان. ثلاث.

صوت محرك خلفي. سريع.

استدرت.

سيارة تندفع نحوي. لم أتبين ملامحها. فقط رأيت بركة ماء وطين على جانب الطريق.

والإطار الأمامي يدوس عليها.

لم يكن لديّ وقت للقفز.

الطين والماء ضرباني كصفعة باردة. من رأسي إلى قدميّ.

تجمدت.

قطرات بنية تنزلق من شعري. من وجهي. من حقيبتي البيضاء التي أصبحت... ليست بيضاء.

رفعت عيني.

السيارة لم تتوقف.

لكنني رأيت لوحة أرقامها.

ورأيت من خلف الزجاج الخلفي يدًا تلوّح.

يد زياد.

*هو.*

*مرّ فوق البركة عمداً.*

مسحت الطين عن عينيّ. نظرت إلى ثيابي. إلى حقيبتي. إلى كرامتي المبعثرة على الإسفلت.

وفتح فمي.

"زياد..."

لكنه كان قد اختفى.

---

*وفي مكان آخر، في سيارة سوداء تتحرك بهدوء، نظر الرجل إلى مرآة الرؤية الخلفية.*

*رآها واقفة على الرصيف. مغطاة بالطين.*

رفع حاجبه.

ثم ابتسم.

التقط هاتفه. وكتب رسالة واحدة:

"ابحثوا لي عن اسمها."

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اتهمني بالسرقة... فأصبح زوجي   الفصل 159

    لترحب بها أمي بابتسامة دافئة قائلة: «أجل، من الجيد أن تجدي من يرافقك للتسوق!». تبدأ أمي وتالا في تبادل أطراف الحديث بأريحية تامة وسلاسة مرعبة. كأنهما تعرفان بعضهما منذ سنوات. كأنهما صديقتان قديمتان. تضحكان. تتكلمان. تميلان برأسيهما. وأنا واقفة مكاني. وقد تسلل الرعب الخالص إلى عروقي. وبدأ عقلي يعمل بسرعة فائقة. كأنني ثعلبة محاصرة. «عمتي، هل تبحثين عن شيء معين اليوم؟» تسأل تالا بصوتها العذب المسموم. «نعم يا بنيتي، نبحث عن ملابس لسيلين. موسم جديد وكل شيء.» «آه، جميل جداً! هذا المتجر ممتاز للملابس النسائية. هل أساعدكم؟» «هذا لطيف منك يا تالا. شكراً لكِ.» «لا تشكريني عمتي. أنا سعيدة أنني معكم.» سعيدة. سعيدة أنها معنا. سعيدة أنها ستقضي ساعتين معي ومع أمي. سعيدة أنها ستمشي بجانبي وتبتسم لأمي وتضحك. سعيدة أنها ستجلس معنا وتختار ألواناً وتقول: هذا جميل يا عمتي. وهذا لا يليق يا سيلين. وهذا أفضل. أقف. وأبتسم. وأبتسم. وأبتسم.

  • اتهمني بالسرقة... فأصبح زوجي   الفصل 158

    تسحبني أمي ورائها بعنف إلى قسم الألوان البنفسجية والزهرية المزركشة. أصابعها حول معصمي. تجرني كما تجر طفلة عنيدة بعيداً عن متجر الحلوى. وأنا ألتفت ورائي بخنوع. أودع فستاني الأسود بنظرات حزينة ومكسورة. «وداعاً يا فستان،» أقول بصوت خافت. «ماذا تقولين؟» تسأل أمي. «لا شيء. فقط.. وداعاً.» «وداعاً لماذا؟» «للفستان الأسود.» «انسِيه. انظري إلى هذا. بنفسجي جميل.» «لا أريد بنفسجياً.» «انظري فقط.» «لا أريد أن أنظر.» «سيلين.» «حسناً. أنظر.» أنظر. ولا أرى شيئاً. فقط أقمشة ملونة وعلاقات ملابس وأم تقلب كل شيء بسرعة. وألتفت مرة أخيرة نحو فستاني الأسود. نحو الواجهة. نحو الدانتيل الأسود الفاخر. لكن وداعي ا

  • اتهمني بالسرقة... فأصبح زوجي   الفصل 157

    نزلت الأم الدرج بخطوات ثابتة وحازمة، وتوقفت أمام الأريكة التي لا تزال سيلين ممددة عليها بلا حراك. نظرت إليها من فوق وقالت بجدية لا تقبل النقاش: «انهضي يا سيلين وتجهزي، سنذهب للتسوق معاً الآن!» أجابتها سيلين بكسل قاتل ووجه متبلد، دون أن تحرك حتى إصبعاً واحداً: «لا يا أمي.. اذهبي وحدك، لدي عطلة اليوم ولن أتحرك خطوة واحدة من هذه الأريكة!» رفعت الأم حاجبها ونظرت إليها نظرة طويلة. «ماذا قلتِ؟» «قلت لن أتحرك.» «سمعتكِ في المرة الأولى.» «إذاً لماذا تسألين؟» «لأنني أردتُ أن أسمعها مرة ثانية لأتأكد.» «حسناً، تأكدتِ. الجواب لا.» «سيلين...» «أمي...» «قومي.» «لا.» «سيلين، لا تجبريني.» «على ماذا؟ أنا راشدة. متزوجة. لا يمكنكِ إجباري على شيء.» * صمتت الأم للحظة، ثم ابتسمت ابتسامة لم تر سيلين مثلها من قبل، ابتسامة أم تعرف شيئاً لا تعرفه ابنتها. التفتت ببطء وذهبت نحو زاوية المطب

  • اتهمني بالسرقة... فأصبح زوجي   الفصل 156

    وسط تلك الأفكار الإجرامية المشتعلة في رأسي، أضرب الصحون في مغطس غسل الأطباق بقوة وعنف شديدين. يداي ممتلئتان برغوة سائل التنظيف الثقيلة. الرغوة البيضاء تتطاير في كل مكان. على حافة المغطس. على ثيابي. على وجهي. لا أهتم. كل ما أهتم به هو هذا الصحن الذي بين يدي. هذا الصحن الذي يمثل وجه زياد. أفركه. أفركه بقسوة. بقسوة لم أفرك بها شيئاً في حياتي. كأنني أحاول أن أمحو وجهه من على سطحه. كأنني أحاول أن أكسره. ليس الصحن. زياد. زياد اللعين. صفار البيض. الرجل الذي أهدر سنة من عمري. أتحسر بمرارة على الفرصة الذهبية التي ضاعت من بين يدي للتخلص منه إلى الأبد. لو دعسته. لو فقط دعسته. لكان كل شيء انتهى. لكانت حياتي أسهل. لكانت الجامعة خالية من وجهه. لكانت هذه الصحون تغسل بهدوء. لكانت أمي لا تصرخ عليّ. «سيلين!» صوت والدتي الحاد والغاضب من الخلف يقطع أفكاري كسكين. «سيلين! انتبهي إلى الأطباق جيداً ولا تقومي بكسر صحوني الصينية العزيزة!»

  • اتهمني بالسرقة... فأصبح زوجي   الفصل 155

    أجزّت سيلين على أسنانها بغضب من غباء أخيها الصامت. يوسف الذي فتح برطمان المربى ونسي أن أخته تختنق بكذبة أمام والديها. عادت لتنظر إلى أمها بوجه ملائكي مبتسم، وقالت بسرعة واندفاع: «لقد اتصل بي البارحة وأخبرني أن العمل قد يطول لمدة لم يحددها بسبب تأخير بعض الاجتماعات المهمة!» أطالت أمها النظر إليها بانتظار التفاصيل، عيناها تبحثان عن شيء، عن أي تأكيد أو نفي. تحركت عينا سيلين بسرعة نحو أي شيء لتختلق كذبة إضافية، نحو النافذة، نحو الساعة، نحو طبق البيض. ثم تابعت: «وفي الواقع يا أمي.. هو الآن في بلد أوروبي، ولديهم موجة تساقط أمطار غزيرة! أعلم أن الفصل صيف، لكن كما تعلمين.. الوضع الجوي يختلف من بلد إلى آخر.. أليس كذلك يا يوسف؟!» ضربت كتف يوسف بقسوة تحت الطاولة، ضربة لا يراها والداها، ضربة تقول: تكلم، الآن، فوراً. هتف يوسف مذهولاً وهو يكاد يسقط ملعقته: «أجل، أجل يا أمي! كل ما تقوله سيلين صحيح مئة بالمئة!» ثم همس لنفسه بخفوت تام وهو ينظر إلى طبقه: «مع أنني لا أعلم بحق الجحيم عن أي هراء تتحدث أو عن أي بلد تتحدث به يتساقط فيه الأمطار في

  • اتهمني بالسرقة... فأصبح زوجي   الفصل 154

    «لا لكن! لا تفهم! أنت لا تفهم! أنا في الجامعة! الجامعة يا يوسف! محاضرات! امتحانات! أساتذة ينظرون إليك كأنك لا شيء!» «سيلين، أنتِ تبالغين.» «لا أبالغ! أنا أصف الواقع! الواقع المرير!» «الواقع المرير أنكِ ستدرسين.» «نعم! وهذا مرير!» «هناك من يقتل ليحصل على مقعد جامعة.» «لا أريد أن أسمع هذا الكلام الآن يا يوسف!» زفر يوسف، ثم نظر إليها نظرة طويلة، نظرة أخ يرى أخته تنهار على شيء تافه لكنه يعرف أنه لا يستطيع أن يقول ذلك. «حسناً،» قال أخيراً، «الجامعة. فهمت. والآن؟» «والآن؟ والآن سأذهب وأحضر الفطور. لأنني جائعة، ولأنني لا أستطيع أن أنهار على معدة فارغة.» «جيد. هذا قرار حكيم.» «اصمت.» «حسناً. سأصمت. لكن تعالي. الفطور يبرد.» رمت سيلين الوسادة عليه. أمسكها في الهواء وابتسم ابتسامة أخ صغير يعرف أن أخته مجنونة لكنه يحبها رغم ذلك. * لكنه لم يذهب، لم يتحرك من مكانه، وقف في إطا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status