LOGINترك معصمي بغتة، كأنه سحب يده من على نار.
استدار ببطء وغادر الغرفة دون كلمة، خطواته منتظمة، ثقيلة، تبتعد في الممر حتى اختفى صوتها تماماً. وبقيت وحدي. وقفت في الشرفة، الهواء البارد يضرب وجهي، ومعصمي لا يزال يحمل أثراً أحمر خفيفاً، أثر يقول: كان هنا، كان غاضباً، وكان قريباً جداً من أن يقول شيئاً لا يمكن التراجع عنه. * نظرت إلى الأسفل، إلى مكان سقوط اللابتوب. لم أستطع أن أرى الحطام من هنا، لكنتنهدت بعمق محاولةً خفض نبضات قلبي المتسارعة التي كادت أن تخترق ضلوعي وتسمعها الطاولة كلها، وحدثت نفسي بصوت داخلي مرتجف: "حسناً يا سيلين، لم تفعلي شيئاً خاطئاً حقاً، أنتِ زوجته السابقة قريباً وسننفصل عما قريب بحكم الأمر الواقع، ثم ما شأنه بمن أحضر؟ لست أنا من جلب هذا اللعين إلى هنا بل والدتكِ، أقسم أنها والدتكِ هي من دعتْه وأصرّت على حضوره!" حاولت أن أتماسك قبل أن أفتح فمي لأتحدث وأبرر موقفي بكلمات منطقية قد تنقذ ما تبقى من كرامتي، لكن صوت والدة أريان السريع تدخل قبل أن أنطق بحرف واحد وهي تسكب له الطعام في صحنه بحنان أمومي قاتل: "أجل عزيزي، وجدتهما في المول يتحدثان، وعندما اقتربتُ علمت أنه صديق العائلة من أيام الطفولة.. أليس من الجميل الاقتراب من أقارب زوجتك والتعرف عليهم جيداً؟ في المرة القادمة سأقوم بدعوة عائلتك جميعها يا حبيبتي سيلين حتى نكمل التعارف بشكل رسمي!" شعرت بانهدام كامل في داخلي، انهيار تام لا يمكن إصلاحه بأي كذبة بيضاء أو تبرير سريع، وحدثت نفسي بيأس مطبق: "حسناً، لقد فُضح أمري بالكامل وسأصبح خائنة قبل الطلاق،
جلست سيلين إلى طاولة الغداء في منزل عائلة أريان، تلك الطاولة الخشبية الطويلة التي جلست حولها عشرات المرات من قبل، لكن وجودها عليها في ذلك اليوم كان مختلفًا تمامًا. امتلأت الأطباق بالسمك المشوي والأرز بالزعفران والسلطة الطازجة، وانتشرت رائحة الطعام الدافئة في الغرفة، إلا أن سيلين لم تشعر بأي دفء. كان البرد يتسلل إلى عظامها من مكان آخر تمامًا. كان زياد يجلس مقابلها مباشرة. هناك، في المكان الذي لا ينبغي له أن يكون فيه. في المنزل الذي لم يكن يجب أن يدخله أصلًا، وعلى الطاولة التي لم تتخيل يومًا أنه سيجلس إليها. كان ينظر إليها بصمت مستفز، صمت لا يحمل كلمة واحدة، لكنه يرسل عشرات الرسائل. ارتسمت على ملامحه ابتسامة صغيرة توحي بثقة رجل وجد نفسه فجأة في قلب المكان الذي لا ينتمي إليه، وكأن عينيه تسألانها بسخرية: ماذا ستفعلين الآن يا سيلين؟ هل ستصرخين؟ هل ستعترفين؟ هل ستهربين؟ أم ستجلسين هنا وتبتسمين وتأكلين السمك وكأن شيئًا لم يحدث؟ أبقت سيلين عينيها عليه، تحاول كبح الغيظ الذي يضغط على صدرها
حاولت سيلين تغيير الموضوع بسرعة، وكأنها تريد الهروب من سؤال قبل أن يأتي السؤال التالي. نظرت إلى الأكياس البلاستيكية الثقيلة التي تمسكها والدة أريان، والمليئة بالخضار واللحوم والتوابل، فوجدت فيها فرصة مناسبة لتحويل الحديث. كانت أكياس امرأة تخطط لطبخة كبيرة، ولا تحمل في ظاهرها أي شك أو ريبة. «هل أتيتِ للتسوق هنا اليوم أيضاً يا أمي؟» سألت بابتسامة متوترة لا تصل إلى عينيها. كانت تحاول أن تبدو طبيعية، وكأنها تقول لها: انظري إلى الأكياس، إلى الخضار، إلى أي شيء غير زياد، وغير يده التي كانت على كتفها، وغير وجهها الشاحب. نظرت والدة أريان إلى الأكياس في يديها، ثم إلى سيلين. بدت بعض شكوكها الأولى أقل حدة، وإن لم تختفِ تماماً؛ ربما كانت المسألة صدفة، وربما كان زياد صديقاً قديماً كما قالت. «أجل، كنت أخطط لطهي الغداء اليوم بنفسي،» قالت بهدوء وهي ترفع أحد الأكياس قليلاً، «اشتريت سمكاً طازجاً وأرزاً وسلطة. أريد أن أطبخ شيئاً جيداً اليوم. أحياناً يحتاج المرء أن يطبخ بيديه لينسى كل شيء.» «رائع يا أمي! سمك! أحب السمك!»
اقتربت والدة أريان بحذر. بحذر امرأة لا تريد أن تُكتشف قبل أن ترى كل شيء. بخطوات ناعمة لا تصدر صوتاً على أرضية المول اللامعة. بخطوات أم تعرف أن المفاجأة أقوى من أي سؤال. امرأة تحمل في جعبتها سنوات من الخبرة في قراءة الوجوه وقراءة الكذب وقراءة الصمت. حتى أصبحت خلف سيلين مباشرة. خلف ظهرها. خلف كل ما كانت تقوله لزياد. خلف كل شتيمة. خلف كل صرخة. خلف كل كلمة قالتها ولم تكن تريد أن يسمعها أحد. ثم تكلمت. «مرحبا سيلين ابنتي،» قالت بصوتها الهادئ والرصين، صوت لا يحمل صراخاً ولا غضباً ولا حتى دهشة، صوت امرأة ألقت قنبلة يدوية بابتسامة، «لم أكن أظن أنني سأرى زوجة ابني هنا بالصدفة!» تجمدت سيلين. تجمدت كل خلية في جسدها. تجمد الهواء في رئتيها. تجمدت الكلمة التي كانت على طرف لسانها. تجمدت يدها التي كانت تلوح في الهواء. تجمد كل شيء. لأنها عرفت هذا الصوت. عرفته من ألف صوت. عرفته من كل عشاء عائلي. من كل اتصال. من كل مرة قالت فيها: سيلين حبيبتي، هل تحتاجين شيئاً؟ عرفته. عرفته وهي لا تريد أن تعرفه. واستدارت بسرعة. بج
أبعدت سيلين يده عن كتفها بعنف وتقزز، ودفعته بعيداً عنها كأن يده تحمل مرضاً معدياً، ثم تراجعت خطوة وهي تتلفظ باستهجان لا يحمل أي ذرة من اللطف: «لا تمسكني بأيديك القذرة أبداً! أبداً يا زياد! لا في هذه الحياة ولا في أي حياة أخرى! لا تمسكني ولا تنظر إليّ ولا تتكلم معي ولا تتنفس نفس الهواء الذي أتنفسه!» «سيلين، أرجوكِ، فقط اسمعيني—» «لا أسمعك! لا أريد أن أسمع صوتك! لا أريد أن أرى وجهك! لا أريد أن أعرف أنك موجود في نفس المدينة التي أعيش فيها! اذهب! اذهب بعيداً! اذهب إلى تالا! اذهب إلى أي مكان غير هذا المكان! غير هذا الهواء! غير هذه الأرض!» «سيلين، أنتِ لا تفهمين. أنا أحببتكِ. لا أزال أحبكِ. لم أتوقف يوماً عن—» «أحببتني؟!» صرختها جعلت ثلاثة من الزبائن يلتفتون نحوها. نظرت إليه، وعيناها تلمعان من شدة ما تحاول حبسَه. «أحببتني وخنتني؟ كيف تقول إنك أحببتني وأنت فعلت كل ذلك؟» سكتت لحظة، ثم تابعت بصوت يرتجف: «أتذكر يوم خنتني؟ أنا لم أستطع حتى أن أكر
رفع الشخص رأسه ببطء، ورفع معه الخاتم الذهبي الذي التقطه من الأرض، ونظر حوله ليرى من يبحث في الأرض بقلق شديد. رأى امرأة تنحني وتصرخ وتفتش كل شبر من الممر، امرأة شعرها مبعثر ووجهها محمر من التوتر والذعر، امرأة لا تشبه أي امرأة يعرفها. ثم اقترب. بخطوات ثابتة. هادئة. خطوات رجل لا يتعجل. خطوات رجل يعرف بالضبط إلى أين يذهب. حتى توقفت قدماه بجانب رأسها تماماً. بجانب رأسها المنحني نحو الأرض. بجانب رأسها الذي يبحث عن خاتم. شعرت سيلين بالقدمين. شعرت بهما قبل أن تراهما. ظهر حذاء جلدي أسود لامع داخل مجال رؤيتها. وشعرت بظل رجل يقف فوقها. شعرت بشيء في الهواء يتغير. شيء بارد. شيء مألوف. شيء لم تكن تريد أن تعرفه. شيء يعرفه جسدها قبل عقلها. شيء جعل شعر رقبتها يقف. شيء جعل قلبها يتوقف عن النبض لثانية واحدة. ثم رفعت رأسها. ببطء. ببطء شديد. ببطء امرأة تعرف أن ما ستراه لن يعجب







