LOGINكانت أميرة تقف على بعد خطوات، خلف آدم، تراقب العناق بعينين امتلأتا بالدموع، وحين رفعت نظرها إلى مراد، لم ترَ الرجل الذي عاد إلى القصر بعد سنوات من الغربة، بل رأت الطفل الذي عاش في ذاكرتها طوال تلك السنوات.ذلك الطفل الذي كان يقف على مسافة قريبة، يراقبها هي وآدم بصمت، ويتأكد دائمًا من أنهما بخير. كان مراد أكبر منهما، وكان يتصرف كما لو أن سلامتهما مسؤولية تقع على عاتقه. إذا ابتعد آدم كثيرًا، كان أول من يلاحظ، وإذا ركضت أميرة نحو مكان خطر، كان صوته أول ما يصل إليها. وحتى عندما ينشغلان باللعب وينسيان العالم من حولهما، كان هو الطفل الذي يرفع عينيه بين الحين والآخر، فقط ليتأكد أنهما ما زالا أمامه.لم تكن أميرة تفهم وقتها لماذا كان يفعل ذلك، أما الآن، وهي تنظر إليه، فقد فهمت أخيرًا. كان يحبهما، وكان يحرسهما، وكان يعتبر نفسه مسؤولًا عنهما، رغم أنه لم يكن أكثر من طفل.ثم تغيرت الصورة في رأسها.لم تعد ترى الحديقة.رأت النار.رأت نفسها طفلة، مذعورة، عاجزة عن الحركة. رأت آدم، ثم رأت مراد؛ ذلك الطفل الذي تحول في لحظة واحدة إلى شخص يركض نحوهما دون أن يفكر في نفسه.لم يتردد، ولم يخَف، ولم يبحث
كان القصر بأكمله ينتظر مراد.لم يكن ينتظر عودة رجل غاب لسنوات فحسب، بل كان ينتظر عودة قطعة كاملة من عائلته ظلت ناقصة منذ اليوم الذي رحل فيه. منذ الصباح، امتلأت أرجاء القصر بالحركة؛ الزهور تزين المداخل، الطاولات أُعيد ترتيبها، والخدم يتنقلون بين القاعات، بينما تجمع أفراد العائلة في قاعة الاستقبال وكأن الجميع يخشى أن يفوته شيء من اللحظة التي طال انتظارها.كانت سلمى أكثرهم اضطرابًا.وقفت عند المدخل منذ وقت طويل، لا تجلس مهما حاولوا إقناعها، وكلما سمعت صوت سيارة قادمة رفعت رأسها بسرعة، ثم تخفي خيبة أملها عندما تمر السيارة دون أن يكون مراد بداخلها.كانت تبكي حتى قبل أن تراه.إلى جانبها وقف أحمد، يحاول الحفاظ على هدوئه المعتاد، لكن عينيه كانتا تفضحان شوقًا لم تستطع سنوات الغياب أن تمحوه. خلفهما وقفت سيرين وياسمين، تتبادلان النظرات والحماس والدموع، بينما كانت بلقيس تقف إلى جانب زوجها إدريس وابنهما منير.وعلى مقربة منهم وقفت فاطمة الزهراء، تحمل طفلتها بين ذراعيها، تراقب الباب بصمت وهي تحاول أن تتخيل الرجل الذي سمعت عنه كثيرًا وعاد أخيرًا إلى القصرثم وصل صوت السيارات على الحصى، وتوقفت الأحا
في الصباح التالي، استيقظت جوليا على دفء غريب يحيط بها.كانت رأسها ما تزال مستندة إلى ذراع مراد العارية، ويده الثقيلة مرتاحة على خصرها فوق قميص النوم الحريري. للحظة لم تتحرك، واكتفت بالإصغاء إلى تنفسه العميق المنتظم خلفها.ثم تحرك هو.رفع مراد يده ببطء، وانسحب من السرير دون أن يوقظها تمامًا. سمعت وقع قدميه الحافيتين على الأرض، ثم صوت الخزانة وهي تُفتح وحفيف الملابس.بعد دقائق، عاد إليها برائحة الصابون الرجالي تسبقه، وجلس على حافة السرير قبل أن يمرر أصابعه في شعرها برفق."جوليا... استيقظي، نغادر اليوم."رفعت جوليا رأسها ببطء، وما تزال ملامح النوم تغطي وجهها.لم يشرح أكثر.استدعى رقية، وبعد دقائق دخلت المرأة بهدوء وساعدت جوليا على النهوض، ثم قادتها إلى الحمام لتستعد. اختار لها مراد فستانًا بيج طويلًا وخفيفًا، وغطت رقية كتفيها بشال حريري ناعم.خلال الساعات التالية، امتلأت الفيلا بحركة صامتة وسريعة.أُغلقت الحقائب، واصطف الحراس، وانتظرت السيارات السوداء أمام المدخل، بينما ظهرت رقية تحمل حقيبة صغيرة، وكأنها اعتادت منذ سنوات أن تتعامل مع قرارات مراد المفاجئة دون أن تسأله كثيرًا.عند العصر
استدار مراد وخرج من الغرفة، ثم اتجه إلى الممر قبل أن يرفع صوته: "دادا رقية."جاءه صوتها من مكان قريب: "نعم يا ولدي؟"توقف لحظة، ثم قال بهدوء: "جهزي أمتعتك."توقفت رقية عن الحركة، والتفتت إليه بسرعة. "هل سنغادر؟"أجاب مراد دون تردد: "غدًا، إلى المغرب."ظلّت تنظر إليه لثوانٍ، وكأنها تنتظر أن يكمل الجملة، وبالفعل أضاف بعد لحظة: "وجوليا ستأتي معنا."رفعت رقية حاجبيها بدهشة. "جوليا أيضًا؟"نظر مراد نحو الباب الذي تركه خلفه، ثم أجاب ببساطة: "نعم."لم تسأله رقية عن السبب. بعد ستين عامًا من الحياة، وسنوات طويلة قضتها وهي تربي هذا الرجل منذ كان طفلًا، كانت تعرف متى يسأل المرء، ومتى يكون السؤال مجرد إزعاج لقرار اتخذه مراد بالفعل، لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من الابتسام.ثم اتسعت ابتسامتها أكثر، ورفعت يديها إلى وجهها وهي تهتف بفرحة صادقة: "يا ربّي! أخيرًا!"وقبل أن يمنحها مراد فرصة أخرى، انطلقت منها زغرودة طويلة ارتدت أصداؤها في الممر.حدق فيها مراد بذهول. "دادا..."لم تهتم. صفقّت بيديها وهي تضحك: "أخيرًا قررت ترجع للمغرب! كنت أظن أنك ستدفن نفسك في إيطاليا إلى آخر عمرك!"تنهد مراد، لكنه لم يس
لم يكد مراد يخلع سترته حتى اهتز هاتفه فوق الطاولة. كان الصوت حادًا بما يكفي ليقطع هدوء الغرفة، فتوقف لحظة قبل أن يمد يده إلى الهاتف ويخرجه من جيبه. ألقى نظرة عابرة على الشاشة، لكن تلك النظرة وحدها كانت كافية لتبدل ملامحه بالكامل."والدي."لم يكن أحمد يتصل به في هذا الوقت من دون سبب، والأهم من ذلك أن اسم والده على الشاشة حمل معه ذلك الشعور القديم الذي لم يستطع مراد التخلص منه طوال سنوات؛ شعور بأن مكالمة واحدة من أحمد قد تقلب كل شيء.أجاب دون مقدمات: "أبي."جاء صوت أحمد من الطرف الآخر منخفضًا، لكنه لم يحمل نبرة حديث عائلي عادي. "اسمعني جيدًا مراد، ما سأخبرك به لا أريد أن يخرج من هذه المكالمة."تغيرت نظرة مراد فورًا، واستدار نحو النافذة، بينما بقيت جوليا واقفة قرب السرير بصمت. قال مراد ببرود: "تكلم."جاءه صوت أحمد من الطرف الآخر أكثر جدية من المعتاد، حتى إن مراد اعتدل في وقفته دون أن يشعر."مراد، أين أنت؟""في إيطاليا.""هل أنت وحدك؟"توقفت عينا مراد عند جوليا الواقفة قرب السرير. كانت أصابعها متشابكة أمامها، ورأسها مائلًا قليلًا، تحاول أن تفهم من نبرة صوته وحدها ما الذي يحدث.قال مرا
أخرجها مراد من القاعة دون أن ينطق كلمة إضافية. كانت يده تطوق معصمها بثبات لا يؤلمها، لكنه لا يترك لها أي مجال للتراجع. مشت جوليا إلى جواره بخطوات قصيرة حذرة، وأصابعها متشبثة بقماش بدلته السوداء كأنها الخيط الوحيد الذي يبقيها واقفة. خلفهما كانت أصوات القاعة تخفت تدريجيًا حتى لم يبقَ سوى صدى خطواتهما، وكلما ابتعدا ازداد الظلام حولها، بينما ظل حضوره هو الشيء الوحيد الذي تستطيع الإحساس به بوضوح.عند الباب الخلفي كانت السيارة السوداء جاهزة. أدار مراد جسدها برفق نحو الباب المفتوح وقال بصوت منخفض قريب من أذنها: "ادخلي." صعدت ببطء وجلست على المقعد الجلدي، وأغلق الباب خلفها، دار حول السيارة، وصعد إلى المقعد المجاور لها. فهم السائق الإشارة وأغلق الفاصل الزجاجي، وانطلقت السيارة في شوارع الليل.ساد الصمت داخل المقصورة، وجلست جوليا مستقيمة، يداها فوق ركبتيها، ورأسها مائل نحو مصدر تنفسه. كانت تسمع كل شيء حولها: تنفسه الهادئ، حفيف القماش، ورائحة عطره الخشبي الثقيل التي ملأت المساحة بينهما.وبعد لحظات تحرك مراد، لم يقل شيئًا، واكتفى بأن يمد ذراعيه، فأمسك بخصرها بقوة هادئة وحازمة في آن واحد، ثم







