Share

الفصل الرابع والخمسون

Author: Rosalia
last update publish date: 2026-10-03 11:17:40

انطفأت الأنوار الجانبية دفعة واحدة، وغرقت القاعة في عتمة كاملة، ولم يبقَ سوى ضوء واحد مسلط على المنصة، كأنها جزيرة صغيرة معزولة وسط بحر أسود من الظلام.

في تلك اللحظة، ارتفع صوت مقدم المزاد عبر الميكروفون، عميقًا وواضحًا، يحمل نبرة احترافية باردة لا تشبه خطورة ما يُعرض أمام الحاضرين.

"القطعة رقم سبعة عشر... جوليا، إيطالية، في الحادية والعشرين، عمياء منذ الولادة، صحية تمامًا، عذراء لم يمسسها أحد."

انتشرت همهمة خافتة بين الطاولات.

مال بعض الرجال إلى الأمام، بينما تبادل آخرون نظرات سريعة، وكأن الإ
Continue to read this book for free
Scan code to download App
Locked Chapter

Latest chapter

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل الخامس والخمسون

    أخرجها مراد من القاعة دون أن ينطق كلمة إضافية. كانت يده تطوق معصمها بثبات لا يؤلمها، لكنه لا يترك لها أي مجال للتراجع. مشت جوليا إلى جواره بخطوات قصيرة حذرة، وأصابعها متشبثة بقماش بدلته السوداء كأنها الخيط الوحيد الذي يبقيها واقفة. خلفهما كانت أصوات القاعة تخفت تدريجيًا حتى لم يبقَ سوى صدى خطواتهما، وكلما ابتعدا ازداد الظلام حولها، بينما ظل حضوره هو الشيء الوحيد الذي تستطيع الإحساس به بوضوح.عند الباب الخلفي كانت السيارة السوداء جاهزة. أدار مراد جسدها برفق نحو الباب المفتوح وقال بصوت منخفض قريب من أذنها: "ادخلي." صعدت ببطء وجلست على المقعد الجلدي، وأغلق الباب خلفها، دار حول السيارة، وصعد إلى المقعد المجاور لها. فهم السائق الإشارة وأغلق الفاصل الزجاجي، وانطلقت السيارة في شوارع الليل.ساد الصمت داخل المقصورة، وجلست جوليا مستقيمة، يداها فوق ركبتيها، ورأسها مائل نحو مصدر تنفسه. كانت تسمع كل شيء حولها: تنفسه الهادئ، حفيف القماش، ورائحة عطره الخشبي الثقيل التي ملأت المساحة بينهما.وبعد لحظات تحرك مراد، لم يقل شيئًا، واكتفى بأن يمد ذراعيه، فأمسك بخصرها بقوة هادئة وحازمة في آن واحد، ثم

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل الرابع والخمسون

    انطفأت الأنوار الجانبية دفعة واحدة، وغرقت القاعة في عتمة كاملة، ولم يبقَ سوى ضوء واحد مسلط على المنصة، كأنها جزيرة صغيرة معزولة وسط بحر أسود من الظلام. في تلك اللحظة، ارتفع صوت مقدم المزاد عبر الميكروفون، عميقًا وواضحًا، يحمل نبرة احترافية باردة لا تشبه خطورة ما يُعرض أمام الحاضرين."القطعة رقم سبعة عشر... جوليا، إيطالية، في الحادية والعشرين، عمياء منذ الولادة، صحية تمامًا، عذراء لم يمسسها أحد."انتشرت همهمة خافتة بين الطاولات.مال بعض الرجال إلى الأمام، بينما تبادل آخرون نظرات سريعة، وكأن الإعلان وحده كان كافيًا لإشعال فضول القاعة. أما مراد، فبقي في مكانه دون أن يتحرك، جالسًا كتمثال أسود في الصف الأمامي، طويلًا ومهيبًا، لكن عينيه لم تفارقا الفتاة الواقفة تحت الضوء.كانت جوليا تقف في منتصف المنصة، رأسها مرفوع قليلًا، وأصابعها ترتعش بمحاذاة فخذها. لم تكن ترى شيئًا من حولها، لكنها كانت تسمع كل شيء؛ أنفاس الرجال المتقطعة، حفيف الملابس، احتكاك الكؤوس بالطاولات، وحتى الهمسات التي كانت تتسلل من بين المقاعد، لم تكن ترى الوجوه، لكنها شعرت بالعيون تحيط بها من كل جانب، كأنها أيدٍ غير مرئية ت

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل الثالث والخمسون

    لم يمضِ وقت طويل حتى انفتح الباب بعنف، ودخل رجل مخنث متأنق بملامح متغنجة وحركات مسرحية مبالغ فيها، وهو يصفق بيديه بضجر مصطنع بينما يجول ببصره بين الفتيات والخادمات."هل انتهيتن أخيرًا؟" قال وهو ينظر إلى ساعته، ثم أضاف بنبرة آمرة: "موعد صعودكن إلى المنصة اقترب، ولا أريد أي تأخير." ساد الارتباك للحظة، قبل أن تعود الخادمات إلى عملهن بسرعة: هنا تعديل أخير، وهناك خصلة شعر تُثبت، وفتاة تُسحب من مقعدها لتُرتب ملابسها للمرة الأخيرة.أما جوليا، فكانت لا تزال جالسة أمام المرآة، عاجزة عن رؤية الصورة التي انعكست أمامها. كانت العاملة قد انتهت للتو من وضع اللمسات الأخيرة على مكياجها، ثم تركت شعرها البني الداكن منسدلًا فوق كتفيها العاريين في موجات ناعمة لامعة تتحرك مع كل التفاتة. بدت بشرتها السمراء دافئة تحت ضوء الثريا، بينما أضاف المكياج إلى ملامحها هدوءًا غريبًا يتناقض مع التوتر المحيط بها. كانت لديها ملامح طفولية، العيون البنية الكبيرة والرموش الطويلة الكثيفة ترسم ظلالاً ناعمة على خديها المرتفعين، والشفاه الممتلئة بلون الكرز الناضج نصف مفتوحة كأنها تنتظر قبلة أو همسة.مدت العاملة الفستان نحو

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل الثاني والخمسون

    فيلّا نيرا، إحدى المناطق النائية في توسكانا، إيطاليا.كان المبنى قائمًا في مكان لا تصل إليه الأضواء، معزولًا خلف طريق ضيق تبتلعه أشجار السرو الكثيفة، في إحدى المناطق النائية من إيطاليا.من الخارج بدا كفيلا قديمة فاخرة، بجدران حجرية رمادية ونوافذ طويلة مغلقة بإحكام، لكن الأسوار العالية والكاميرات المنتشرة حولها كانت تقول شيئًا آخر تمامًا.في الداخل، كانت الأضواء البيضاء القوية تغمر غرفة واسعة اصطفّت فيها مجموعة من الفتيات أمام مرايا كبيرة. لم تكن هناك موسيقى، ولا أحاديث طبيعية، ولا ضحكات خافتة كما يحدث عادة خلف كواليس حفلة أو مناسبة فاخرة. كان الصمت ثقيلًا، لا يقطعه سوى صوت مجففات الشعر، واحتكاك فرشاة بخصلة شعر، ووقع خطوات الخادمات اللواتي يتحركن بسرعة وكأنهن يخشين أن يتأخرن عن موعد لا يجرؤ أحد على السؤال عنه.كانت الخادمات يصففن شعر الفتيات واحدة تلو الأخرى، يثبتن الخصلات بدقة، ويضعن آخر اللمسات على وجوههن، بينما تتولى أخريات تجهيز الفساتين والأحذية والإكسسوارات. كل شيء كان مرتبًا بعناية مبالغ فيها، من طول الفستان إلى لمعان الأقراط، وكأن الموجودات في الغرفة لم يكنّ فتيات يستعددن لل

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل الواحد والخمسون

    انهارت سلمى تمامًا عند سماع سؤال ريم، وخرجت منها شهقة مختنقة، وكأن الكلمات أصابتها في أعمق مكان داخلها، فلم تفكر في إجابة مناسبة، ولم تبحث عن كلمات تخفف الألم أو تشرح سنوات الغياب، بل اندفعت نحو ريم واحتضنتها بقوة حتى ارتجف جسدها بين ذراعيها."لم نترككِ..." اهتز صوتها وهي تضغط عليها أكثر، ثم أغمضت عينيها وانهمرت دموعها فوق شعر ريم وهي تتابع بصوت متقطع: "والله يا أميرة... لم نترككِ."راحت يدها تمرر على شعرها بحركة مرتجفة، كأنها تحاول تعويض سنوات كاملة من اللمس الغائب، ثم قالت وهي تحاول التقاط أنفاسها بين شهقاتها: "بحثنا عنكِ. بحثنا عنكِ طوال هذه السنوات.. في المستشفيات، في مراكز الشرطة، في القرى، في المدن... سألنا كل من يمكن أن يعرف شيئًا عنكِ."ازداد احتضانها لها، وأضافت بصوت مكسور: "لم يمر يوم واحد لم نفكر فيه أين أنتِ."كانت ريم ساكنة بين ذراعيها، لا تعرف كيف ترد. كانت تسمع بكاء سلمى وتشعر بارتجاف جسدها، لكنها رغم ذلك لم تستطع أن تشعر بالأمان الكامل بعد. كان قلبها لا يزال يحمل سنوات من الوحدة والخوف، وكل ما عرفته طوال تلك السنوات لم يكن قادرًا على الاختفاء في لحظة واحدة لمجرد أنها

  • اشتغلتُ خادمة في قصره.. فوجدت صورتي في غرفته   الفصل الخمسون

    استيقظت ريم ببطء، وكأنها تصعد من قاع نوم عميق أثقل من المعتاد. كان الصباح قد تسلل إلى الغرفة دون ضجيج، وأشعة الشمس الناعمة تتسلل من بين الستائر وتنساب فوق وجهها الهادئ، فتضيء ملامحها التي أرهقها ليل طويل لم تعرف فيه شيئًا سوى الصدمة والدموع.تحركت رموشها قليلًا، ثم فتحت عينيها.بدتا أكثر صفاءً من أي وقت مضى.كانتا زرقاوين صافيتين، بلون السماء بعد المطر، تحيط بهما رموش طويلة وكثيفة جعلت زرقة عينيها تبدو أكثر عمقًا. انعكس ضوء الصباح داخلهما، فكشف اللون الأزرق النادر الذي أخفته خلف العدسات البنية طوال السنوات الماضية، وكأن كل ما حاولت إخفاءه عن العالم قد قرر أخيرًا أن يظهر أمامهم دون خوف.بقيت ساكنة لثوانٍ، تحدق في السقف دون أن تفهم أين هي تمامًا، ثم تحركت عيناها ببطء نحو أطراف الغرفة. توقفتا أولًا عند امرأة تجلس قرب السرير.سلمى.وعلى الجانب الآخر كان أحمد واقفًا بصمت، وخلفهما وقف آدم وبلقيس وإدريس.توقفت ريم عن الحركة.لم تفهم في البداية سبب وجودهم جميعًا حول سريرها، لكن نظراتهم كانت كافية لتجعل شيئًا غريبًا ينقبض في صدرها. لم تكن نظرات رب عمل إلى خادمة، ولا نظرات أفراد عائلة إلى فت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status