LOGINداخل المنتجع، كان الهدوء قد عاد تدريجيًا إلى المكان، لكن القلق ظل عالقًا في وجوه أفراد العائلة، خصوصًا الحاجة خديجة التي لم تتوقف منذ اختفاء أميرة عن السؤال عنها والبحث بعينيها بين الموجودين. ما إن ظهرت أميرة عند المدخل برفقة آدم، حتى نهضت خديجة من مكانها وكأنها استعادت أنفاسها دفعة واحدة. "أميرة!" تقدمت نحوها بسرعة، وأمسكت بيديها تتحسسها بقلق، ثم قالت وهي توبخها برقة: "أين كنتِ يا ابنتي؟ لقد أخفتِني عليكِ كثيرًا، ظننت أن مكروهًا أصابك." ابتسمت أميرة وحاولت تهدئتها، فأجابت بهدوء: "أنا بخير يا جدتي، لا تقلقي، كنت في الحديقة فقط." نظر آدم إليهما للحظة، ثم أضاف مطمئنًا: "كانت معي، ولم يحدث لها شيء." رفعت خديجة عينيها إليه، ثم تنفست براحة وهي تقول: "الحمد لله، هذا هو المهم." تلفت آدم حوله، وكأنه يبحث عن بقية أفراد العائلة، قبل أن يسأل: "وأين والداي؟ ومراد؟ وجوليا؟" تغيرت ملامح خديجة قليلًا، ثم أجابته: "ذهبوا إلى المصحة." عقد آدم حاجبيه وسأل بقلق: "المصحة؟ لماذا؟" أجابته خديجة بهدوء: "جوليا شعرت بتعب وألم في بطنها، فأخذها مراد إليها، وذهب أحمد وسلمى معهما." توقفت عينا آدم للحظة،
كان الليل قد أرخى ستائره على حديقة المنتجع، ولم يعد يُسمع سوى حفيف الأشجار الخفيف وصوت الأمواج البعيد. كانت أميرة لا تزال جالسة على المقعد الحجري، وقد أسندت ظهرها إليه بحذر، بينما استقر رأس آدم في حجرها، وغرقت ملامحه أخيرًا في سكون لم تعرفه على وجهه منذ أن وجدته في تلك الحالة المروعة. كانت أصابعها تمر بين خصلات شعره السوداء ببطء، تتوقف أحيانًا لتزيح خصلة عن جبينه، ثم تعود إلى مداعبتها برفق. لم تكن تعرف ما الذي حدث له بالضبط، ولا لماذا بدا خائفًا إلى ذلك الحد، لكنها لم تستطع أن تتركه وحيدًا وهو يرتجف بين ذراعيها وينادي اسمها كما لو كان يخشى أن تختفي إن أغمض عينيه. وبعد وقت لم تنتبه إلى طوله، تحرك آدم قليلًا. تقلص حاجباه، ثم انفرجت جفناه ببطء، فظهرت عيناه الزرقاوان اللتان اعتاد الجميع أن يروهما باردتين، حادتين، ومتعاليتين في أغلب الأحيان. بقي ساكنًا لثوانٍ، يحاول استعادة وعيه، بينما كان أول ما شعر به هو دفء غريب يحيط به، ونعومة يستند إليها رأسه، وأصابع تمر بين خصلات شعره بحركة هادئة. لم يفهم أين هو. رفع عينيه قليلًا، فوجد نفسه في حضن أميرة. اتسعت عيناه فجأة، وتجمدت أنفاسه في ص
"يوسف! لا تجرؤ!" صاحت وهي تسرع مبتعدة، لكنه رد عليها ضاحكًا: "توقفي إذن!" فالتفتت إليه للحظة، وهتفت متحدية: "لن أتوقف!" ركضت وهي تضحك، ممسكة بحذائها في يدها، وقد تطاير شعرها حول وجهها مع نسيم البحر. لم تكن تلتفت إلا لتتأكد من أنه يلاحقها، وكلما رأته يقترب، أسرعت أكثر، حتى كادت تتعثر بطرف فستانها من شدة الضحك. كان يوسف يلاحقها مبتسمًا، وقد نسي كل تحفظاته القديمة. لم تعد بينهما المسافة التي اعتاد فرضها، ولا الألقاب الرسمية التي كان يتمسك بها حتى في أكثر اللحظات عفوية. كانت سيرين تضحك باسمه، وتهرب منه كما لو أنها تعرفه منذ الأزل، لا كما لو أنها اعترفت له بحبها قبل ساعات قليلة. التفتت إليه وهي تواصل الركض، وصاحت متحدية: "سأنتقم منك!" فأجابها دون أن يتوقف عن ملاحقتها: "سأكون في انتظار ذلك، حبيبتي." كادت الكلمة تجعلها تتوقف في منتصف ركضها، لكنها واصلت الهرب وهي تضحك، بينما تسارع قلبها كلما سمعتها منه. حبيبتي... لم تكن تتخيل أن كلمة بسيطة كهذه يمكن أن تجعلها تشعر بأنها أخف من الهواء. غير أن يوسف كان أسرع منها. في لحظة، لحق بها وأحاط خصرها بذراعه، ثم رفعها عن الأرض بذراع
في مكان غير بعيد عن المصحة، كانت سيرين تسير إلى جوار يوسف على شاطئ البحر، ويدها الصغيرة تستقر داخل كفه، كأنها وجدت أخيرًا المكان الذي ظلت تبحث عنه دون أن تعرف. كان الليل هادئًا، والسماء مرصعة بالنجوم، بينما ينساب ضوء القمر فوق صفحة الماء فيرسم طريقًا فضيًا يمتد نحو الأفق. خلعت سيرين حذاءها العالي وحملته بيدها الحرة، ثم رفعت طرف فستانها قليلًا حتى لا يلامس الماء، فيما كانت قدماها العاريتان تغوصان في الرمال الناعمة. أما يوسف، فكان يسير إلى جوارها مبتسمًا ابتسامة لم تعتد رؤيتها على وجهه بهذا الوضوح. لطالما عرفته سائقها الهادئ الذي يفتح لها باب السيارة، وينتظرها بصبر، ويتأكد من أنها وصلت إلى المكان الذي تريده بأمان، لكنه الليلة لم يكن الرجل الذي يقف على مسافة محسوبة منها، بل الرجل الذي يمسك يدها أمام العالم كله، حتى لو لم يكن العالم سوى بحر وقمر وسماء. نظرت إليه من طرف عينها، فوجدته يتأملها بدلًا من النظر إلى الطريق أمامهما، الأمر الذي جعلها تبتسم بخجل قبل أن تسأله: "لماذا تنظر إليّ هكذا؟" حاولت أن تبدو أكثر ثباتًا مما تشعر به، لكن ارتباكها كان واضحًا في نبرة صوتها. ابتسم يوسف، وش
"أنا بخير، لا تقلق." تبادلت سلمى وأحمد نظرة دافئة. كانا يعرفان مراد جيدًا؛ يعرفان بروده، وعنادَه، وقدرته على السيطرة على أصعب المواقف دون أن يسمح لمشاعره بالتدخل، لكنهما لم يشاهدا هذا الجانب منه بهذه الوضوح من قبل. لقد صار كل اهتمامه منصبًا على امرأة واحدة، وعلى طفل لم يره ولم يسمع نبضه بعد. وفي تلك اللحظة، عادت الطبيبة إلى الغرفة، تحمل ملف جوليا، بينما تبعتها الممرضة التي كانت تستعد لاستكمال الفحوصات. نهض مراد على الفور. "هل ظهرت النتائج؟" ابتسمت الطبيبة ابتسامة مهنية هادئة، ثم طلبت منهم الجلوس حتى تتمكن من شرح ما توصلت إليه. "ظهرت نتائج الفحوصات الأولية، ولدينا الآن معلومات أكثر وضوحًا. وفقًا للتقييم والتصوير بالموجات فوق الصوتية، تبدو جوليا في نهاية الشهر الثالث من الحمل تقريبًا." ساد الصمت لثانية، ثم استدارت سلمى نحو أحمد، ووضعت يدها على فمها وهي تهمس: "ثلاثة أشهر!" أما أحمد، فقد أغمض عينيه للحظة، ثم أطلق ضحكة خافتة من شدة التأثر. "ثلاثة أشهر، وكان هذا الطفل يعيش بيننا دون أن نعرف شيئًا عنه." ابتسمت الطبيبة، ثم تابعت: "هذا يفسر لماذا لم يكن الحمل واضحًا من مظهرها الخار
لم يكن مراد قادرًا على التوقف عن الابتسام. جلس إلى جوار جوليا، ممسكًا بيدها بين كفيه، بينما راحت إبهامه تتحرك فوق أصابعها بحركة لا إرادية، وكأنه يحتاج إلى لمسها باستمرار حتى يصدق أن الخبر الذي سمعه قبل دقائق لم يكن حلمًا عابرًا. زوجته حامل. كان هناك طفل صغير ينمو داخلها، قطعة منهما معًا، سر صغير لم يكن أي منهما يعلم بوجوده حتى ذلك الصباح. انحنى نحوها وقبّل جبينها، ثم أسند جبهته إلى جبهتها وهمس: "هل تعلمين؟ لقد قضيت سنوات أظن أن لا شيء في هذا العالم قادر على مفاجأتي، ثم جئتِ أنتِ لتجعلي قلبي يرتجف بسبب خطين صغيرين على قطعة من البلاستيك." ضحكت جوليا بخفة، وأدارت وجهها نحوه مستعينة بصوته، ثم رفعت يدها تتحسس خده. "أظن أنك تبالغ قليلًا يا مراد." "قليلًا؟" كرر باستنكار مصطنع، قبل أن يقبّل راحة يدها. "حبيبتي، لو طلبتِ مني الآن أن أشتري لكِ القمر، لبدأت بالفعل في الاتصال بالمهندسين لمعرفة كيفية نقله إلى حديقتنا." انفجرت جوليا ضاحكة، ثم أخفت ابتسامتها وهي تهز رأسها. "وماذا سنفعل بالقمر في الحديقة؟" "سأضعه بالقرب من نافذتك، حتى لا تحتاجي إلى مرٱة في الغرفة." خفتت ضحكتها تدريجيًا، وحل







