LOGINفتحت ملاك الباب، فوجدت عمها واقفًا هناك بوجه شاحب، يتنفس بسرعة وكأنه أتى راكضًا. لم تبتسم له، ولم تدعُه للدخول بحرارة كما كانت تفعل مع بقية أهل القرية. قالت ببرود لم تخفِه: ـ ماذا تريد في هذا الوقت؟ لاحظ عمها نبرتها الجافة، لكنه تجاهلها ودخل مباشرة، وجلس دون أن يُدعى. ـ القرية كلها تتحدث منذ الصباح يا ملاك، صوت الحادث سمعه نصف السكان، وسيارة الإسعاف رآها الجميع تمر من الشارع الرئيسي، وأحدهم يقول إنه رأى جزءًا مما حدث في الممر الخلفي قبل أن يخرج مالك مسرعًا من الحفل. وقفت أمامه دون أن تجلس، ذراعاها مكتوفتان، ونظرة باردة لا تشبه أي نظرة عرفها منها من قبل. ـ وماذا يقولون بالضبط؟ أريد كل كلمة. ـ يقولون إن حياة خانت مالك مع أحمد، وإن الحادث كان نتيجة صدمته، وإنكِ أنتِ من كشفتِ الأمر، وبعضهم يربط ذلك بمطاردته لكِ في الأسابيع الماضية، ويقول إنكِ ربما دبّرتِ الأمر لتحصلي عليه بعد أن يتخلص من زوجته. ابتسمت ملاك ابتسامة باردة لم يفهم معناها. ـ وهل يزعجك هذا الكلام الظالم يا عمي؟ أم يزعجك فقط أن اسم العائلة سيُذكر في القيل والقال؟ توقف عمها، مندهشًا من حدة كلامها التي لم يعتدها منها
خرجت ملاك إلى شرفة غرفتها، وضغطت على زر الاتصال بيد لا تزال متعبة. أجاب سعد بعد رنة واحدة فقط، وكأنه كان ينتظر بجانب هاتفه. ـ ملاك، أخيرًا. ـ ماذا حدث؟ رسالتك أخافتني. ـ أنتِ أولًا، صوتك متعب جدًا، هل كل شيء بخير؟ ترددت للحظة، ثم قررت أن تكون صادقة. ـ لا، الليلة كانت صعبة جدًا. ـ ماذا حدث؟ حكت له باختصار، عن اكتشاف الخيانة، وهروب أحمد، وحادث مالك. استمع سعد بصمت تام حتى انتهت. ـ يا إلهي يا ملاك، كان يجب أن تتصلي بي فورًا. ـ لم يكن هناك وقت للتفكير في أي شيء آخر. ـ هل أنتِ بخير الآن؟ ـ متعبة، لكنني بخير. صمت للحظة، ثم قال: ـ هذا بالضبط سبب اتصالي بكِ الليلة. ـ ماذا تقصد؟ ـ منذ يومين، اتصل بي صديق قديم يعمل في مجال المقاولات، يتابع بعض المشاريع الحكومية الصغيرة في المناطق الريفية. ـ وما علاقة هذا بي؟ ـ ذكر لي اسم قريتك بالصدفة، وحين سألته عن السبب، أخبرني أن هناك شكاوى وصلت من أهل القرية بخصوص أموال جُمعت لمشروع مياه، ولم تصل بالكامل إلى وجهتها. توقفت ملاك عن الحركة. ـ مشروع المياه الذي يشرف عليه مالك؟ ـ نعم، بالضبط. ـ هل أنت متأكد؟ ـ لست متأكدًا من التفاصيل الك
نظرت ملاك إلى حياة بدهشة. ـ يريد أن يراني أنا؟ ـ نعم، طلب ذلك بوضوح.لم تكن تريد حياة ذلك لكن الموقف التي هي فيه لا يسمح لها بعمل مشكلة او تصرف بطريقة اخرى . ترددت ملاك للحظة. ـ ألا يزعجكِ هذا؟ هزت حياة رأسها ببطء، وقالت بصوت متعب: ـ لم يعد لدي حق في الانزعاج من شيء الليلة. دخلت ملاك الغرفة . كان مالك مستلقيًا على السرير، رأسه معصوب بضمادة بيضاء، ويده مثبتة بجبيرة خفيفة. فتح عينيه حين سمع الباب. ـ ملاك. اقتربت منه ببطء، ووقفت على مسافة قصيرة من السرير. ـ كيف حالك؟ ـ أفضل مما تستحق ليلتي أن تكون. لم تعلق. نظر إليها طويلًا، ثم قال: ـ أردت أن أشكرك. ـ على ماذا؟ ـ لو لم توقفيني في ذلك الطريق، لكنت ذهبت مباشرة إلى بيت أحمد، وربما فعلت شيئًا لا يمكن التراجع عنه. ـ ومع ذلك انتهى بك الأمر في المستشفى. ـ نعم، لكن بسببي أنا وحدي، لا بسبب قرار متسرع كان سيدمر حياتي بشكل مختلف تمامًا. ساد صمت قصير. قال بعده بصوت أهدأ: ـ حين فتحت عيني في السيارة، أول ما فكرت فيه لم يكن حياة، ولا أحمد. نظرت إليه ملاك بحذر. ـ كان أنتِ. ـ مالك... ـ أعرف أن هذا ليس الوقت المناسب لقول ذلك.
وصلت السيارات الأولى بعد ثوانٍ قليلة، وترجل منها عمها ورجال آخرون من القرية. ركض عمها نحوهم بسرعة. ـ ماذا حدث؟ قالت ملاك بسرعة: ـ فقد السيطرة على السيارة عند المنعطف، هو مصاب، اتصلت بالإسعاف. نظر الرجل إلى مالك، الذي كان قد أغمض عينيه من جديد. ـ هل يتنفس؟ ـ نعم، لكنه فقد وعيه مرة أخرى. بدأ الرجال يحاولون إخراجه من السيارة بحذر، خوفًا من أن يكون هناك أذى في العمود الفقري. وقفت حياة على مسافة قصيرة، تراقب المشهد بصمت، بينما كانت عيناها لا تزالان مثبتتين على ملاك من حين لآخر. لم تنسَ الكلمة التي قالها مالك قبل أن يفقد وعيه. لم تنسَ يده وهي تمسك بمعصم ملاك، لا معصمها هي. وصلت سيارة الإسعاف بعد دقائق، ونقل الطاقم مالك بسرعة، ووضعوه في السيارة، بينما صعدت حياة معه دون تردد. قبل أن تغلق الباب، نظرت إلى ملاك نظرة سريعة، كانت تحمل لها عداء واضح . انطلقت سيارة الإسعاف نحو المستشفى في المدينة القريبة، تتبعها بعض سيارات أهل القرية. بقيت ملاك واقفة في الطريق، تشعر بالإرهاق يجتاح جسدها كله. اقتربت منها مريم، التي وصلت مع بقية السيارات بعد أن سمعت بما حدث. ـ ملاك، هل أنتِ بخير؟ ـ
ظلت ملاك وحياة واقفتين في مكانهما لثوانٍ طويلة، عاجزتين عن الحركة، وكأن صوت الاصطدام الذي سمعتاه للتو جمّد كل خلية في جسديهما. كانت حياة أول من تحركت، وقد اتسعت عيناها برعب حقيقي، وبدأت تركض بلا تفكير نحو مصدر الصوت، صارخة باسم مالك بصوت يمزق حنجرتها. ـ مالك! مالك! لحقت بها ملاك على الفور، وهي تحاول في الوقت نفسه الاتصال بأي شخص يمكن أن يساعدهما في هذه اللحظة الحرجة، لكن يديها كانتا ترتجفان بشدة لدرجة أنها كادت تُسقط الهاتف مرتين متتاليتين. كان الطريق نحو منحنى التلة يبدو أطول من أي وقت مضى، وكل خطوة كانتا تخطوانها بدت وكأنها تستغرق دقيقة كاملة من فرط الخوف الذي يعتصر قلبيهما. وحين وصلتا أخيرًا إلى المنعطف، توقفتا فجأة أمام المشهد الذي واجههما. كانت سيارة مالك قد اصطدمت بحاجز حجري على جانب الطريق، وانحرفت نصفها إلى الجهة المقابلة، بينما كان أحد المصباحين الأماميين محطمًا تمامًا، وسط دخان خفيف يتصاعد من تحت غطاء المحرك. لم تكن هناك سيارة أخرى في المكان. لم يكن أحمد قد اصطدم به، بل يبدو أن مالك، وهو في قمة غضبه وتشتت انتباهه، فقد السيطرة على المقود عند المنعطف الحاد وحده، دون أ
بقي مالك واقفًا في مكانه لثوانٍ طويلة، وكأن جسده تجمد تمامًا رغم أن الليل كان دافئًا نسبيًا في تلك الساعة المتأخرة. لكنه لم يعد يشعر بأي شيء آخر حوله، سوى صوت قلبه الذي كان يدق بعنف كأنه يحاول أن يخرج من صدره. قال أخيرًا بصوت متهدج، لا يشبه صوته الحاد المعتاد على الإطلاق: ـ أثبتي ما تقولينه. نظرت إليه ملاك بهدوء موجع، وأدركت أن هذه اللحظة لا تحتمل أي تردد آخر. ـ لدي دليل يا مالك، سجلته بنفسي منذ قليل في الحفل. أخرجت هاتفها من جيبها، ويداها ترتجفان قليلًا رغم محاولتها الظاهرة للتماسك أمامه. فتحت الفيديو الذي التقطته في الممر المظلم خلف الخيمة، ومدت الهاتف نحوه بصمت. أخذه مالك بيد مرتعشة، ونظر إلى الشاشة الصغيرة. شاهد المشهد كاملًا: حياة وأحمد، الأيدي المتشابكة، الاحتضان القصير، الكلمات التي سُمعت بوضوح تام لا يقبل أي تأويل آخر. كانت كل ثانية من ذلك الفيديو أشبه بسكين تُغرس في صدره ببطء شديد ومؤلم. حين انتهى المقطع، رفع عينيه ببطء نحو حياة، التي كانت لا تزال جالسة على الأرض، تتوقع أسوأ ما يمكن أن يحدث. قال بصوت منخفض للغاية، أخطر من أي صراخ ممكن: ـ منذ متى؟ لم تجب حياة،
وأضافت مريم: — ولا يوجد أحدٌ أقرب إلى مالك مني. صدقيني، لو كانت هناك فتاة في حياته لكنت أول من يخبرك. فاطردي هذه الوساوس من رأسك. هيا بنا إلى المطبخ لنحضّر كل شيء، ولا تنسي أن نتائج البكالوريا ستُعلن اليوم. قلت لها: — بالطبع، سيحصل عليها. لقد أمضى سنواتٍ طويلة وهو يجتهد فقط ليحصل على أعلى الدرجات
أنا ملاك، بنت القرية ، كما كانوا يقولون عني: بنات المدينة. كنت طفلةً وحيدةً وسط أربعة رجال. كان والدي إنسانًا ميسور الحال ماديًا، نملك البساتين على مساحاتٍ واسعة، لكنها لم تكن ملكًا لأبي وحده، بل كان يشاركه فيها أعمامي وعمّاتي أيضًا، فهي ميراث جدي رحمه الله. منذ صغري وأنا أحب ابن عمي مالك، لأن والد
اشتعلت المشادة بين والدة رضوان ووالدة ملاك حتى كادت النيران تتطاير من أعينهما. كانت كل واحدة منهما تدافع عمن يخصها بكل ما تملك من قوة، بينما وقف الحاضرون يتابعون ذلك الانفجار العائلي الذي لم يكن أحد يتوقع نهايته.ضربت والدة رضوان صدرها بكفها وهي تقول بانفعال شديد:— مستحيل! أقسم بالله أن ابني لا يم
رفعتُ رأسي بثبات ونظرتُ إليه قائلةً:— أعلم جيدًا ما أقوله، ولستُ أتحدث عن ظنون أو أوهام، بل عن أمر رأيته بعينيّ. إن كنت لا تصدقني، فاذهب واسأل رضوان بنفسك، واسأله عمّا كان يفعله معها في الزاوية المعتمة فوق السطح ليلة البارحة.ما إن أنهيتُ كلماتي حتى اشتعل غضبها كالنار في الهشيم، فانطلقت نحوي محاول







