Se connecterتخرج ريحانة من القاعة بسرعة، بينما كانت دموعها تنهمر فوق وجنتيها دون توقف. شعرت أن كلمات يلسر ما تزال تتردد داخل رأسها بقسوة، وكأنها سهامٌ تخترق قلبها مرارًا. كانت تتنفس بصعوبة، بينما الألم داخل صدرها يزداد أكثر فأكثر، حتى شعرت وكأن قلبها لم يعد قادرًا على التحمّل. خرجت إلى الشارع الخارجي للحفل، ثم جلست فوق الرصيف ببطء، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها...بدت تائهة تمامًا...لا تسمع شيئًا حولها، ولا تشعر بمن يمرّ بجانبها. فقط أفكارها المؤلمة كانت تلتهمها من الداخل. كيف وثقت به بهذه السرعة؟ وكيف سمحت لقلبها أن يقترب منه أصلًا؟ وضعت يدها فوق فمها تحاول كتم شهقاتها، لكن دموعها استمرت بالانهمار رغمًا عنها. وفجأة...شعرت بيدٍ دافئة تُوضع فوق كتفها. انتفض جسدها بفزع، ثم أبعدت اليد بسرعة ونهضت من مكانها بتوتر، لتجد سليم يقف أمامها. تغيّرت ملامحها فور رؤيته، وامتلأت عيناها بالنفور والغضب مسحت دموعها بسرعةٍ محاولة إخفاء ضعفها أمامه، ثم قالت بحدّة: "ماذا تريد يا سليم؟! ألا تستطيع تركي وشأني؟" ابتسم سليم ابتسامة خبيثة، بينما كانت عيناه تتفحصانها بطريقةٍ جعلتها تشعر بالاشمئزاز. ثم
"خطيبته...؟"ترددت الكلمة داخل عقل ريحانة مرارًا، وكأنها صدى مؤلم يضرب قلبها بلا رحمة.ماذا تعني هذه المرأة بكلامها؟هل هي خطيبته حقًا؟ولماذا... لماذا لم يخبرها؟بدأت الأفكار تتزاحم داخل رأسها بعنفٍ حتى شعرت أنها تكاد تختنق منها.هل كان يسخر منها طوال الوقت؟هل كان يستمتع برؤيتها تتعلق به بينما توجد امرأة أخرى في حياته؟وإن كان يملك خطيبة بالفعل... فلماذا عاملها بتلك الطريقة المختلفة؟لماذا نظر إليها بذلك العشق؟ولماذا جعلها تشعر أنها مميزة لديه؟شعرت فجأة أنها كانت واهمة واهمة لدرجةٍ مؤلمة.بدأت ضربات قلبها تتسارع بعنف، بينما تجمعت الدموع داخل عينيها العسليتين تدريجيًا حتى أصبحت رؤيتها مشوشة.ثم رفعت عينيها نحوه أخيرًا لكن نظراتها هذه المرة لم تكن خجولة أو مرتبكة كالمعتاد...بل كانت ممتلئة بالغضب والخذلان والألم.وكأن قلبها يتمزق أمامه قطعةً قطعة خرجت منها كلمة واحدة فقط، لكنها كانت مليئة بكل ذلك الوجع:"لماذا؟"نظر إليها يلسر باستغرابٍ واضح، وقد عقد حاجبيه بعدم فهم:"ماذا تقولين يا ريحانة؟ لا أفهمكِ."لكن كلماته لم تُهدّئها أبدًا بل جعلت ألمها يزداد أكثر لتنهمر دموعها أخيرًا فوق خد
ليتوقفا في منتصف القاعة بين الأزواج الذين يرقصون على أنغام الموسيقى الهادئة.وما إن انتبهت ريحانة إلى أنها ما تزال تمسك يده، حتى تركتها بسرعةٍ شديدة، وكأنها أفاقت فجأة على ما تفعله.اشتعل وجهها بحمرة خجلٍ قوية، بينما شعرت بحرارةٍ غريبة تنتشر في أنحاء جسدها كله.حتى قلبها كان يخفق بعنفٍ أربكها.حاولت التظاهر بالهدوء، فبدأت تنظر هنا وهناك بعيدًا عنه، وكأنها تبحث عن أي شيءٍ يشغلها عن النظر إلى عينيه.ثم قالت بتوترٍ واضح، محاولةً تغيير الموضوع:"لِمَ أصبح الجو حارًا هكذا فجأة..؟"ابتسم يلسر فورًا، وقد فهم ارتباكها وخجلها دون أن تقول شيئًا آخر.كانت محاولتها البريئة للهرب من إحراجها لطيفة بصورةٍ جعلت قلبه يلين أكثر.لكنه، رغم سعادته، كان عاجزًا عن تجاهل السؤال الذي ينهش تفكيره منذ قليل.لذلك نظر إليها بجديةٍ حقيقية وقال بصوتٍ هادئ:"لماذا فعلتِ ذلك يا ريحانة؟"رفعت عينيها إليه بتوتر، بينما تابع هو بنبرةٍ ممتلئة بالحيرة:"لماذا اخترتِني أنا؟ وأنتِ تعلمين أنني مجرد مُحتلٍّ لدولتكم."اقترب منها خطوةً صغيرة، ثم أردف بصوتٍ خافت أكثر :"أخبريني يا ريحانة... لا تصمتي."ساد الصمت بينهما للحظات أما
لتتجه ريحانة نحو الخارج بخطواتٍ هادئة، بينما كانت الفتيات يسِرن خلفها في صفّين منتظمين؛ وفي الصفٌّ تتقدمه ريحانة بعدما أصرت جميع الفتيات على ذلك، وكأنهنّ رأين فيها القائدة التي أعادت إليهن شيئًا من الثقة وسط خوفهن، وصفٌّ آخر تتقدمه فتاةٌ أخرى. كانت دقات قلوبهن تتسارع كلما اقتربن من باب الحفل، والخوف يختلط بالتوتر والترقب. وما إن دخلن القاعة حتى خيّم الصمت للحظات. التفتت الأنظار نحوهن دفعةً واحدة كان الحفل ضخمًا بصورةٍ مبهرة؛ أضواء فاخرة، موسيقى هادئة، وأشخاص من مختلف الدول يرتدون أفخم الملابس. رجالٌ يتمتعون بهيبةٍ وأناقة لافتة، ونساءٌ يبدون كأنهن خرجن من مجلاتٍ عالمية، لكن رغم ذلك... خطفت الفتيات الأنظار فور دخولهن. ظهرت الدهشة بوضوح في أعين الحاضرين، خاصة بعدما رأوا كيف تحولت تلك الفساتين إلى تصاميم راقية وفخمة. أما ريحانة... فلم تكن ترى أيًّا من ذلك كانت عيناها تتحركان بين الوجوه بسرعةٍ وتوتر تبحث عنه هو فقط 'مُحتلّ وطنها'ومحتلّ قلبها بطريقةٍ أخافتها رغم مرور أقل من يومين فقط ثم هتفت بشرود : " أين هو ؟ ألن يأتي ؟ " كانت تحاول إقناع نفسها أن ما تشعر به مجرد وهمٍ
نظر بتمعن في عينيها المليئه بالقلق قائلاً بصوت أجش هادئ : " يلسر....اسمي يلسر " نطق بكلماته وكأنه يمنحها مفتاح روحه لأول مرة، جاعلاً من اسمه جسراً يربط بينهما بعيداً عن ألقاب القادة والجنود. استطردت ريحانة بنبرة يملؤها الرجاء وقالت بصدق: "أرجوك يلسر.. اجعلني أرى جُرحك، لا تهمله أكثر." تسمر يلسر في مكانه وهو يراقب بريق القلق في عينيها الواسعتين، كان وقع اسمه "يلسر" على لسانها بنبرتها الرقيقة أشد تأثيراً من كل الهجمات التي واجهها في حياته أومأ لها يلسر بتعب، فخلف هذا الجمود كان هناك رجل يذوب أمام اهتمامها، وقال بصوت خفيض: "حسناً.. تقدّمي خلفي."ثم أعطى أندرو أمراً سرياً بنقل الفتيات لغرف التبديل، وقاد ريحانة إلى غرفة طبية للطوارئ ملحقة بالقصر، تحتوي على أحدث المعدات والمستلزمات. جلس على حافة الفراش وأسند رأسه للأمام بوهن، قائلاً بنبرة يكسوها همٌّ ثقيل: "هيا.. تفضلي، عالجي الجرح." تحركت ريحانة بخفة، وسرعان ما وجدت صندوق الإسعافات وأدوات الجراحة الحديثة. بدأت بتعقيم الجرح أولاً، ثم شرعت في خياطته بتركيزٍ عالٍ. أما هو، ففي غمرة ألمه، كان يغرق في عالم آخر؛ استمتع بلمساتها
جثا يلسر على ركبتيه على الأرض ، ورفع رأس ريحانة ليضعها فوق قدمه بحرص وكأنها قطعة من الماس يخشى كسرها. صرخ بنبرة ارتجف لها الجميع من فرط القلق وهو يضرب وجنتيها برفق : " أيتها السمراء.. استيقظي من فضلك، هيا!" ثم التفت للخلف زافراً بغضب وصياح في جنوده : "أحضروا الماء.. أسرعوا!" هرول الضابط بذهول، فلم يسبق له أن رأى قائده بهذا الذعر من أجل "رهينة"، وعاد بقارورة الماء ليتلقفها يلسر منه وينثر قطرات باردة على وجهها الأسمر الرقيق. تململت ريحانة، ورمشت عيناها عدة مرات قبل أن تفتحهما بتعب، لتجد تلك العيون الزرقاء غارقة في بحر من الخوف والقلق فوق رأسها مباشرة. في تلك اللحظة، لم يدرك يلسر أن قلبه المتمرد قد أعلن استسلامه، وأن كل مشاعر العالم قد تكثفت في صدره لأجل هذه الفتاة التي ظهرت في حياته منذ ساعات فقط. تاهت ريحانة في زرقة عينيه، وارتسمت على ثغرها ابتسامة واهنة لم تفهم سرها؛ فالدقائق المعدودة التي قضتها معه أنبتت في قلبها بذرة حب بدأت تنمو بسرعة مخيفة. تنفست الصعداء حين رأى وعيها يعود، وقال بنبرة هادئة حملت راحة حقيقية: "جيد أنكِ بخير.. لقد أُصبْتُ بذعر حقيقي عندما ر