Masukالبارت السابع
"أحيانًا... تكون بداية الحكاية الحقيقية بعد أن نظن أن كل شيء أصبح هادئًا."
استيقظ عز الدين على غير عادته قبل شروق الشمس بوقت طويل.
لم يكن بحاجة إلى منبه...
فالنوم من الأساس لم يزره إلا لساعات قليلة، وكلما أغمض عينيه، عادت إليه تلك الصورة التي وصلته بالأمس وكأنها ترفض أن تغادر ذاكرته.
جلس على طرف الفراش، واضعًا يديه على وجهه، ثم تنهد ببطء قبل أن يتجه نحو شرفة الغرفة.
كان الهواء باردًا، لكن رأسه كان ممتلئًا بالأفكار.
مين بعت الصورة؟
وليه دلوقتي؟
وهل الماضي اللي حاول يدفنه سنين... قرر يرجع من جديد؟
خرجت نيرة من الغرفة بعد أن لاحظت غيابه.
وقفت للحظات تنظر إليه من بعيد.
كانت تعرف زوجها جيدًا.
حين يلتزم الصمت...
فهذا يعني أن هناك شيئًا أكبر من أن يُقال.
اقتربت منه بهدوء.
نيرة بقلق:
عز...
التفت إليها بهدوء مصطنع.
نيرة:
من إمبارح وأنا شايفة إن في حاجة شاغلاك... مالك؟
حاول أن يرسم ابتسامة خفيفة.
لكنها خرجت باهتة.
عز الدين:
مفيش... شوية ضغط شغل بس.
رفعت حاجبها.
نيرة:
من إمتى وأنا بصدق الجملة دي؟
ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه.
ثم قال وهو يغير الموضوع:
جنى صحيت؟
تنهدت نيرة.
كانت تعلم أنه يهرب من الإجابة.
لكنها لم تضغط عليه.
نيرة:
لسه... بس هصحيها دلوقتي.
أومأ برأسه دون أن يتحدث.
وظلت هي تنظر إليه في حيرة...
تشعر أن هناك شيئًا كبيرًا يقترب من حياتهم.
...
في الطابق العلوي...
كانت جنى تقف أمام المرآة ترتب حجابها بابتسامة.
مرّ على بداية تدريبها عدة أيام.
وفي كل يوم كانت تشعر أنها تقترب خطوة جديدة من حلمها.
تناولت حقيبتها، ثم نزلت إلى الأسفل بخفة.
جنى بابتسامة:
صباح الخير.
ابتسمت نيرة.
صباح النور يا حبيبتي.
أما عز الدين...
فاكتفى بالنظر إليها لثوانٍ.
كانت ملامحه هادئة...
لكن داخله كان يموج بالقلق.
جلسوا يتناولون الإفطار.
ثم قال فجأة:
عز الدين:
خلي بالك من نفسك النهارده.
ضحكت جنى.
حاضر يا بابا... هو كل يوم نفس الوصية؟
وهقولها كل يوم.
ابتسمت وربتت على كتفه.
متقلقش... أنا بقيت أعرف الشركة أكتر من الأول.
نظر إليها للحظات.
ثم قال بصوت منخفض:
يا رب...
لم تفهم ما يقصده.
لكنها لم تسأله.
...
بعد حوالي نصف ساعة...
وصلت جنى إلى شركة السيوفي جروب.
ألقت التحية على أفراد الأمن، الذين أصبحوا يعرفونها بعد الأيام الماضية، ثم دخلت بابتسامة هادئة.
ما إن وصلت إلى قسم التصميم...
حتى سمعت صوتًا يناديها.
ريم:
جنى!
التفتت لتجد فتاة في مثل عمرها تقريبًا، تحمل كوبًا من القهوة وتلوح لها بيدها.
ابتسمت جنى.
صباح الخير يا ريم.
اقتربت ريم وهي تبتسم.
أنا كنت مستنياكي... تعالي بسرعة قبل ما المهندس مروان يبدأ يوزع الشغل.
ضحكت جنى.
هو مروان ده بيخوف؟
ريم ضحكت هي الأخرى.
لا خالص... بالعكس، ده أكتر واحد في الشركة بيهزر... بس لو بدأ شغل، بينسى الدنيا كلها.
وفي تلك اللحظة...
دخل مروان وهو يحمل مجموعة من الملفات.
صباح الخير يا جماعة.
رد الجميع التحية.
ثم وقعت عيناه على جنى.
ابتسم.
صباح الخير يا بشمهندسة.
ابتسمت جنى بخجل.
صباح النور.
ناولها ملفًا.
الرسومات اللي عملتيها امبارح كويسة جدًا... بس عندي شوية ملاحظات صغيرة، تعالي أوريهالك.
اقتربت منه وهي تستمع باهتمام.
بدأ يشرح لها نقطة تلو الأخرى، بينما كانت تدون كل كلمة في دفترها الصغير.
ابتسم مروان وقال:
عاجبني فيكي إنك بتسمعي قبل ما تدافعي عن شغلك... دي ميزة مش عند ناس كتير.
ابتسمت جنى بسعادة.
لسه بتعلم.
وده أهم سبب يخليكي تنجحي.
في تلك اللحظة...
انفتح باب قسم التصميم بهدوء.
ساد الصمت للحظة، وما إن وقع بصر الموظفين على القادم حتى عاد كلٌ منهم إلى عمله بسرعة.
كان آدم يسير بخطوات ثابتة، يحمل بين يديه بعض الملفات، بينما كانت ملامحه الجامدة كعادتها لا تعكس أي شعور.
رفع عينيه ليتفقد المكان بنظرة سريعة، ثم قال بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
آدم:
صباح الخير.
ردد الجميع التحية في وقتٍ واحد.
الجميع:
صباح النور يا فندم.
ألقى الملفات على الطاولة الكبيرة الموجودة بمنتصف القسم، ثم نظر إلى الحضور.
وقبل أن يتحدث...
وقعت عيناه على جنى.
كانت لا تزال تقف بجوار مروان، تراجع معه إحدى الملاحظات على التصميم.
عقد حاجبيه قليلًا.
ثم نظر إلى ساعة يده.
آدم ببرود:
الآن الساعة كام؟
التفت الجميع إليه.
أما جنى، فشعرت بأن السؤال موجه إليها.
نظرت سريعًا إلى ساعة يدها.
جنى بتوتر:
تسعة... وخمس دقايق.
رفع آدم رأسه إليها.
آدم:
وميعاد الشغل؟
ابتلعت ريقها.
جنى:
تسعة.
اقترب منها بخطوات هادئة، لكن حضوره وحده كان كافيًا ليزيد توترها.
آدم:
يبقى حضرتك متأخرة خمس دقايق.
حاول مروان التدخل.
مروان:
يا فندم، أنا اللي وقفتها تحت، كنت براجع معاها...
قاطعه آدم دون أن ينظر إليه.
آدم:
وأنا محدش طلب منه يراجع حاجة وقت الشغل.
ساد الصمت.
شعرت جنى بالإحراج من نظرات الموجودين.
حاولت أن تتماسك وقالت بهدوء:
جنى:
أنا آسفة... مش هتتكرر.
نظر إليها لثوانٍ، ثم قال بنبرة أقل حدة:
آدم:
أتمنى.
وأشار بيده نحو مكتبها.
آدم:
اتفضلي ابدأي شغلك.
أومأت برأسها سريعًا، واتجهت إلى مكتبها وهي تحاول إخفاء ارتباكها.
جلست وهي تزفر بضيق، ثم همست لنفسها:
"إيه الشخص المستفز ده..."
اقتربت منها ريم وهي تضع كوب القهوة أمامها.
ريم بصوت منخفض:
متزعليش... هو بيتعامل كده مع الكل.
التفتت إليها جنى.
جنى:
هو دايمًا عصبي كده؟
ضحكت ريم بخفة.
ريم:
لا... النهارده شكله أهدى من المعتاد.
اتسعت عينا جنى في دهشة.
جنى:
أهدى؟! أمال لما يبقى متعصب بجد بيعمل إيه؟
ضحكت ريم، بينما كتم مروان ضحكته هو الآخر.
مروان:
متشغليش بالك... ركزي في شغلك بس، وهتتعودي عليه.
هزت جنى رأسها وهي تنظر نحو مكتب آدم من بعيد.
كان يقف أمام النافذة، يقلب بعض الأوراق في هدوء، وكأنه لم يحدث شيء قبل دقائق.
تنهدت وهي تتمتم:
"واضح إن اليوم هيبقى طويل..."
وفي تلك اللحظة...
انفتح باب القسم مرة أخرى...
ودخل كمال بابتسامته الهادئة، لتتغير أجواء المكان بالكامل.
انفتح باب قسم التصميم مرة أخرى...
دخل كمال بخطوات هادئة، وعلى وجهه ابتسامته المعتادة، فألقى التحية على الجميع.
كمال:
صباح الخير يا شباب.
الجميع:
صباح النور يا أستاذ كمال.
ما إن وقعت عينا جنى عليه حتى ارتسمت ابتسامة تلقائية على وجهها، فنهضت من مكانها.
جنى بسعادة:
أستاذ كمال!
التفت إليها كمال مبتسمًا.
كمال:
إزيك يا بنتي؟ عاملة إيه؟
جنى:
الحمد لله... كله تمام.
ابتسم وهو ينظر إليها بفخر.
كمال:
ها... لسه خايفة زي أول يوم؟
ضحكت بخجل وهي تهز رأسها.
جنى:
بصراحة... أقل بكتير من الأول.
كمال:
وأنا كنت متأكد إنك هتتعودي بسرعة.
في تلك اللحظة، رفع آدم رأسه من الأوراق التي أمامه، واتجه بنظره نحوهما.
ثم اقترب بخطوات هادئة.
آدم:
إنتوا تعرفوا بعض؟
التفت إليه كمال.
كمال بابتسامة:
أيوه... اتقابلنا أول يوم جت تقدم للتدريب.
ثم أشار إلى جنى وهو يضحك.
كانت متوترة جدًا... كنت حاسس إنها هتمشي قبل ما تدخل المقابلة.
احمر وجه جنى من الإحراج.
جنى:
يا أستاذ كمال...
ضحك بخفة.
كمال:
إيه؟ ده اللي حصل فعلًا.
نظر آدم إلى جنى للحظات، ثم قال بهدوء لم يتوقعه أحد:
آدم:
واضح إن الخوف اختفى.
سادت لحظة صمت قصيرة.
أكمل وهو ينظر إلى التصميم الموضوع أمامها.
آدم:
وشغلها كمان أحسن من اللي توقعته.
رفعت جنى رأسها إليه في دهشة.
أما ريم، فنظرت إلى مروان بسرعة وكأنها لم تصدق ما سمعته.
همست وهي تبتسم:
ريم:
دي أول مرة أسمعه بيمدح حد بالشكل ده.
رد مروان بصوت منخفض:
شكله شايف فيها حاجة فعلًا.
التقط آدم الملف الموجود أمام جنى، وبدأ يقلب صفحاته بهدوء.
توقف عند إحدى الرسومات، ثم أشار بالقلم إلى زاوية صغيرة.
آدم:
هنا... لو غيرتي توزيع المساحات هيبقى أفضل.
اقتربت جنى من المكتب تنظر إلى الرسم.
كان يقف بجوارها مباشرة.
شعرت بتوتر خفيف، لكنها ركزت في كلامه.
جنى:
حضرتك تقصد أخلي المدخل أوسع؟
أومأ برأسه.
آدم:
بالضبط... كده هتدي راحة أكبر في التصميم.
ابتسمت وهي تدون الملاحظة.
جنى:
شكرًا.
أغلق الملف وأعاده إليها.
آدم:
عدليه... وبعدها هاتهولي.
جنى:
حاضر.
نظر إليها للحظة، ثم غادر إلى مكتبه.
بمجرد أن أغلق الباب خلفه...
اقتربت ريم منها بسرعة.
ريم وهي تبتسم:
انتي عملتي إيه؟
نظرت إليها جنى باستغراب.
جنى:
يعني إيه؟
ريم:
آدم بيشرح بنفسه؟! دي بتحصل كل فين وفين.
ضحك مروان وهو يحمل ملفاته.
مروان:
واضح إن الحظ حليفك.
ابتسمت جنى وهي تنظر نحو مكتب آدم من خلف الزجاج.
ثم همست لنفسها بابتسامة خفيفة:
"شكلي... ظلمته."
أما داخل المكتب...
وقف آدم أمام النافذة، يتابعها بنظرة هادئة لا يمكن لأحد أن يفهم ما وراءها.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة سرعان ما اختفت.
وقال بصوتٍ منخفض لا يسمعه أحد:
"كل خطوة بتقربيها... هتقربني من هدفي."
ثم عاد إلى مكتبه وكأن شيئًا لم يكن.
خرجت جنى من الشركة وهي تشعر براحة لم تشعر بها منذ فترة.
كانت ابتسامتها هادئة، وخطواتها أخف من المعتاد، وكأن اليوم انتهى أفضل مما توقعت.
استقلت سيارة أجرة، وظلت طوال الطريق تنظر من النافذة، تسترجع أحداث يومها في صمت.
ثم ابتسمت دون أن تشعر.
جنى بصوتٍ خافت:
شكلي... ظلمته فعلًا.
...
بعد قليل...
فتحت باب المنزل وهي تنادي بصوتها المعتاد:
جنى:
مساء الخير.
خرجت نيرة من المطبخ وهي تبتسم.
نيرة:
يا ألف مساء النور... حمد لله على السلامة يا حبيبتي.
اقتربت جنى منها وقبلت رأسها.
جنى:
الله يسلمك يا ماما... ريحة الأكل تجنن.
ضحكت نيرة وهي تربت على كتفها.
نيرة:
عارفة إنك بترجعي جعانة، فخلصت الأكل بدري.
في تلك اللحظة، خرج عز الدين من غرفة المكتب وهو يحمل نظارته في يده.
ابتسم عندما رأى ابنته.
عز الدين:
حمد لله على السلامة يا جوجو.
ابتسمت جنى واتجهت نحوه.
جنى:
الله يسلمك يا بابا.
فتح ذراعيه فاحتضنته بحب.
ربت على ظهرها وهو يقول:
عز الدين:
عاملة إيه؟ شكلك مبسوطة النهارده.
ابتعدت عنه وهي تضحك.
جنى:
باين أوي؟
نيرة وهي تضع الأطباق على السفرة:
من أول ما دخلتي وإنتِ وشك منور... أكيد في حاجة.
جلست جنى على الكرسي وهي تخلع ساعتها.
جنى:
الحمد لله... اليوم كان لطيف، وحسيت إني بدأت آخد على المكان أكتر، وبقيت مرتاحة في الشغل.
جلس عز الدين أمامها وهو ينظر إليها باهتمام.
عز الدين:
وده أهم حاجة... إنك تكوني مرتاحة.
ابتسمت وهي تهز رأسها.
جنى:
وكمان حسيت إن تعبي مراحش على الفاضي.
نظرت إليها نيرة بفخر.
نيرة:
أنا من الأول عارفة إنك هتنجحي... إنتِ بس كنتِ محتاجة تثقي في نفسك.
ضحكت جنى.
جنى:
واضح إنكم كنتوا واثقين فيا أكتر مني.
ابتسم عز الدين وهو يشير إليها بإصبعه.
عز الدين:
لأننا عارفين بنتنا كويس.
سادت لحظة دافئة على المائدة، قطعها صوت نيرة وهي تقول بمزاح:
نيرة:
بس بشرط... متنسيش البيت بقى بعد الشغل.
ضحكت جنى.
جنى:
مستحيل... هو أنا ليا غيركم؟
نظر إليها عز الدين بحنان، ثم قال:
عز الدين:
ربنا يديم الضحكة دي على وشك يا حبيبتي.
ابتسمت جنى، بينما تبادلت مع والدتها نظرة مليئة بالدفء، دون أن تعلم أن الأيام القادمة ستحمل لها ما لم تتوقعه أبدًا.
...
في مساء اليوم نفسه...
كان أحد المقاهي الهادئة بعدد قليل من الزبائن.
جلست فريدة في ركن بعيد، تنظر إلى ساعة يدها للمرة الثالثة، بينما كانت أصابعها تعبث بفنجان القهوة في توتر واضح.
مرت دقائق...
حتى توقفت سيارة أمام المقهى.
ترجل منها عز الدين، ثم اتجه بخطوات هادئة نحو الطاولة.
وقف أمامها للحظة...
ثم جلس في المقعد المقابل.
رفعت فريدة عينيها إليه، وقالت بصوتٍ خافت:
فريدة:
مكنش ينفع نتقابل يا عز...
نظر إليها عز الدين بهدوء، ثم قال:
عز الدين:
كان لازم أشوفك يا فريدة...
أحيانًا بنفتكر إننا فهمنا كل حاجة من البداية، لكن الحقيقة بتكون مختلفة تمامًا. كل شخصية في الرواية دي شايلة حكاية، وكل قرار بيتاخد دلوقتي هيكون ليه تأثير كبير بعدين. يمكن تفتكر إنك عرفت مين الصح ومين الغلط، لكن متستعجلش في الحكم، لأن الأحداث لسه في أولها، ولسه في أسرار كتير هتظهر واحدة ورا التانية. من الفصل ده هتبدأ العلاقات تتغير، وهتبدأ تظهر مشاعر محدش كان متوقعها، وفي نفس الوقت هتظهر حقائق هتقلب كل الموازين. ركزوا في التفاصيل الصغيرة، لأنها مش موجودة صدفة، وكل كلمة ليها معنى هيبان مع الوقت. أنا بحب أسيب إشارات بسيطة للقارئ، ويمكن تكونوا عديتوا عليها من غير ما تاخدوا بالكم. أتمنى الفصل يكون عجبكم، واللي جاي هيكون مختلف تمامًا عن أي حاجة فاتت. استعدوا لأحداث أقوى، وصراعات أكبر، ومفاجآت هتخليكم تعيدوا التفكير في كل الشخصيات من أول وجديد. وأوعدكم إن رحلة جنى وآدم لسه مخبية لكم لحظات كتير. هستني رأيكوا فالرواية لو عندكوا ملاحظات ياريت تكتبولي
البارت السابع"أحيانًا... تكون بداية الحكاية الحقيقية بعد أن نظن أن كل شيء أصبح هادئًا."استيقظ عز الدين على غير عادته قبل شروق الشمس بوقت طويل.لم يكن بحاجة إلى منبه...فالنوم من الأساس لم يزره إلا لساعات قليلة، وكلما أغمض عينيه، عادت إليه تلك الصورة التي وصلته بالأمس وكأنها ترفض أن تغادر ذاكرته.جلس على طرف الفراش، واضعًا يديه على وجهه، ثم تنهد ببطء قبل أن يتجه نحو شرفة الغرفة.كان الهواء باردًا، لكن رأسه كان ممتلئًا بالأفكار.مين بعت الصورة؟وليه دلوقتي؟وهل الماضي اللي حاول يدفنه سنين... قرر يرجع من جديد؟خرجت نيرة من الغرفة بعد أن لاحظت غيابه.وقفت للحظات تنظر إليه من بعيد.كانت تعرف زوجها جيدًا.حين يلتزم الصمت...فهذا يعني أن هناك شيئًا أكبر من أن يُقال.اقتربت منه بهدوء.نيرة بقلق:عز...التفت إليها بهدوء مصطنع.نيرة:من إمبارح وأنا شايفة إن في حاجة شاغلاك... مالك؟حاول أن يرسم ابتسامة خفيفة.لكنها خرجت باهتة.عز الدين:مفيش... شوية ضغط شغل بس.رفعت حاجبها.نيرة:من إمتى وأنا بصدق الجملة دي؟ابتسم ابتسامة صغيرة لم تصل إلى عينيه.ثم قال وهو يغير الموضوع:جنى صحيت؟تنهدت نيرة.كا
"بعض الأبواب لا نطرقها بإرادتنا... لكن ما ينتظرنا خلفها قد يغيّر حياتنا للأبد."الفصل السادسمرَّت الليلة على الجميع، لكن لم ينم أحد بنفس الشعور...آدم ظل مستيقظًا حتى ساعات الفجر، يراجع بعض الملفات داخل مكتبه في الفيلا، بينما كانت عيناه تتوقفان كل لحظة عند ملفٍ واحد فقط... ملف يحمل اسمًا لم يفارق عقله منذ الأمس."جنى عز الدين."أما جنى...فكانت تنظر إلى سقف غرفتها بابتسامة كلما تذكرت أنها اقتربت خطوة من حلمها.أغمضت عينيها وهي تهمس لنفسها:- يا رب... متخذلنيش.---في صباح اليوم التالي...رن هاتف جنى، فاعتدلت في جلستها بسرعة وهي تنظر إلى الرقم الغريب.ضغطت على زر الإجابة.جنى: ألو؟الموظفة: صباح الخير، آنسة جنى عز الدين؟جنى: أيوه، أنا.الموظفة: مع حضرتك من شركة السيوفي جروب. بنبلغ حضرتك إن حضرتك اجتزتي الاختبارات والمقابلة، وتم قبولك في برنامج التدريب. نرجو حضورك بكرة الساعة التاسعة صباحًا.لم تستطع جنى الرد لثوانٍ، وكأنها لم تستوعب الكلمات.ابتسمت بعفوية، ثم قالت بفرحة واضحة:- بجد؟! شكرًا لحضرتك... شكرًا جدًا.الموظفة: بالتوفيق يا آنسة جنى.أغلقت الهاتف، وظلت تنظر إلى الشاشة وهي تض
"ليس كل لقاءٍ يُكتب له أن يكون بداية حب... فبعض اللقاءات تبدأ بخطة، وتنتهي بقدر."الفصل الخامسفي صباح يومٍ جديد...استيقظ آدم على غير عادته بنشاطٍ ملحوظ. لم يكن ذلك اليوم يوم عملٍ عادي، بل كان اليوم الذي شعر فيه أن أول خطوة حقيقية في خطته قد بدأت.اتجه إلى الغرفة الرياضية داخل الفيلا، وبدأ يتدرب بعنف، يوجه لكماته إلى كيس الملاكمة بكل ما يحمله بداخله من غضب مكبوت، حتى احمرت قبضتاه، بينما كانت عيناه تعكسان إصرارًا لم يعتده أحد.توقف أخيرًا بعدما التقط أنفاسه، ثم اتجه إلى الحمام، أخذ حمامًا سريعًا، وارتدى بدلته السوداء بعناية، وتعطر بعطره المعتاد، قبل أن يغادر الفيلا متجهًا إلى الشركة.---في الجهة الأخرى...استيقظت جنى مبكرًا وهي تشعر بمزيجٍ من الحماس والتوتر.ابتسمت لنفسها وهي تهمس:- يا رب... يكون أول يوم في بداية حلمي.رن هاتفها، فوجدت اسم شروق يضيء الشاشة.ابتسمت وأجابت سريعًا.شروق:- صباح الخير يا جوجو... جاهزة؟جنى:- جاهزة جدًا... ادعيلي بس.شروق:- ربنا يوفقك يا حبيبتي، وأنا واثقة إنك هتبهريهم.ابتسمت جنى وقالت:- يا رب... يلا هقفل بقى علشان ألحق أجهز.شروق:- بالتوفيق يا بطلة
"ليس كل ما نجهله يؤذينا... أحيانًا الحقيقة وحدها هي الخطر."الفصل الرابعساد الصمت للحظات بعدما نطقت جنى بحماس:- أنا قدمت في شركة السيوفي جروب.اختفت الابتسامة من على وجه عز الدين فجأة، واتسعت عيناه بصدمة لم تستطع جنى تفسيرها.قال بصوتٍ حاد:- السيوفي؟!... ده مستحيل.عقدت جنى حاجبيها في حيرة.- مستحيل ليه يا بابا؟تنهد عز الدين، ثم قال وهو يحاول أن يبدو هادئًا:- هتعتذري عن التدريب.اتسعت عيناها.- أعتذر؟!- أيوه... وهتقدمي في أي شركة تانية.نظرت إليه غير مصدقة.- بس دي فرصة كويسة، وأنا تعبت علشان أوصلها.قال بصرامة:- قولت لا.تدخلت نيرة وهي تشعر أن الأمر خرج عن هدوئه المعتاد.- يا جماعة اهدوا، أكيد فيه سوء تفاهم.التفتت إليها جنى.- يا ماما، أنا مش فاهمة. بابا عمره ما وقف في طريق حلمي، ليه دلوقتي؟ظل عز الدين صامتًا، ثم قال بنبرة منخفضة:- فيه حاجات مينفعش تعرفيها دلوقتي.ردت جنى بإصرار:- يبقى مينفعش تطلب مني أضيع حلمي من غير ما أفهم.نظر إليها طويلًا، ثم غادر المكان دون أن ينطق بكلمة أخرى، تاركًا خلفه صمتًا أثقل من أي إجابة.أغلقت نيرة باب غرفة المكتب خلفها بهدوء، بعدما رأت عز ال
"ليست كل المصادفات بريئة... فبعضها يكون بداية لحربٍ لا يعلم أحدٌ موعد نهايتها."الفصل الثالثوصلت جنى وشروق إلى الشركة، ووقفتا أمام المبنى الضخم، تنظران إليه بانبهار.ابتسمت شروق وهي تنظر إلى جنى وقالت:- يلا يا جوجو... دي أول خطوة في طريق حلمك.وقبل أن ترد جنى، رن هاتف شروق.أخرجت هاتفها، وما إن رأت اسم المتصل حتى تبدلت ملامحها، وأجابت بسرعة:- ألو... إيه؟! حاضر، أنا جاية حالًا.أغلقت الهاتف، ثم نظرت إلى جنى بقلق.- جنى، أنا لازم أمشي... بابا تعب أوي، ولازم أروحله.شعرت جنى بالقلق عليها وقالت:- ألف سلامة عليه. روحي بسرعة، وأول ما توصلي طمنيني عليه.هزت شروق رأسها، ثم احتضنتها سريعًا وقالت:- متتوترش، وأنا واثقة إنك هتنجحي.ابتسمت جنى ابتسامة خفيفة.- إن شاء الله.غادرت شروق، بينما ازداد توتر جنى بعدما أصبحت بمفردها.أخذت نفسًا عميقًا، وتحركت ببطء نحو مدخل الشركة، لكنها كانت شاردة الذهن، فاصطدمت برجلٍ في الخمسينيات من عمره، فسقطت الأوراق من يدها.انحنت سريعًا تجمعها وهي تقول بتوتر:- أنا آسفة جدًا يا فندم.ابتسم الرجل بهدوء، وانحنى يساعدها في جمع الأوراق.- ولا يهمك يا بنتي... اهدي ب
"قد يختار الإنسان طريقه بنفسه... لكنه لا يعلم أن القدر قد اختار له طريقًا آخر."الفصل الثانياستيقظت جنى على صوت المنبه، لتبدأ الاستعداد لأول يوم لها في الجامعة، في عامها الدراسي الأخير.رن هاتفها، فوجدت اسم شروق يضيء الشاشة.شروق:- صباح الخير يا جوجو، جاهزة لأول يوم في السنة الجديدة؟جنى:- صباح النور. آه جاهزة... بس نفسي السنة دي تخلص بسرعة، علشان أبدأ أشتغل وأتعب وأحقق حلمي.ضحكت شروق وقالت:- تتعبي إيه بس؟! إنتِ بنت عز الدين، يعني لو قولتي لباباكي إنك عايزة تشتغلي، هتبقي رئيسة شركة من شركاته.تنهدت جنى وقالت بجدية:- شروق، قولتلك قبل كده متفتحيش الموضوع ده تاني. أنا عايزة أبني نفسي بعيد عن شغل بابا، وعايزة أنجح علشان أنا شاطرة، مش علشان أنا بنت عز الدين.ابتسمت شروق وقالت:- ما أنا عارفاكي... مفيش فايدة في الكلام معاكي. يلا خلصي وكلميني.- حاضر.أغلقت جنى الهاتف، واتجهت لتستعد، وبعد أن انتهت من الاستحمام ارتدت ملابسها ونزلت إلى غرفة الطعام.نيرة:- صباح الخير يا حبيبتي.جنى:- صباح النور يا ماما.ابتسم عز الدين وقال:- صباح الخير يا جوجو... جاهزة لأول يوم في آخر سنة ليكي؟ابتسمت







