Share

قبل شروق الشمس

Author: Almtor
last update publish date: 2026-08-18 06:01:32

لم يفهم سليم الجملة في البداية.

ظل ينظر إلى مريم، ثم إلى الرجل الذي يشبهه، ثم عاد بعينيه إليها.

— ماذا تقصدين؟

لم تجب.

كان وجهها شاحبًا، ويداها ترتجفان.

أما الرجل الذي يقف بجانبه فكان هادئًا بصورة مخيفة.

قال:

— قالت ما يجب أن تعرفه.

التفت إليه سليم.

— وأنت من تكون؟

ابتسم.

— ألم تفهم بعد؟

— أريد اسمك.

— الاسم لا يهم.

— يهمني أنا.

صمت الرجل للحظة، ثم قال:

— اسمي الذي أعطوني إياه هو سليم.

شعر سليم بالغثيان.

— أنت نسخة مني.

— لا.

اقترب الرجل خطوة.

— أنت نسخة مني.

رفعت مريم صوتها:

— كفى!

التفت إليها الاثنان.

قالت:

— ليس لدينا وقت.

نظر سليم إلى الساعة المعلقة على الجدار.

كانت تشير إلى الرابعة وثلاث وأربعين دقيقة.

— لماذا قبل شروق الشمس؟

قالت مريم:

— لأن العملية بدأت منذ لحظة دخولك هذا البيت.

— أي عملية؟

— العملية التي ستحدد أي واحد منكما سيبقى.

ضحك سليم بمرارة.

— هل تتوقعين مني أن أصدق هذا؟

قالت:

— لا.

ثم اقتربت منه.

— أريدك فقط أن تتذكر.

— ماذا؟

— ليلة موتي.

تجمد.

قالت:

— أنت كنت هناك.

— كنت في السابعة.

— كنت في العاشرة.

— لا.

— كانوا قد محوا ثلاث سنوات من ذاكرتك.

نظر إليها.

— لماذا؟

خفضت رأسها.

— لأنك قتلت آدم.

تراجع سليم.

— لا.

— رأيتك.

— كنت طفلاً!

— وأنا كنت طفلة.

— أنت قلتِ إن أبي قتله.

— لم أقل ذلك.

— لقد...

توقفت الكلمات في حلقه.

كان شيء ما يتحرك في ذاكرته.

مشهد.

سيارة.

مطر.

مريم تبكي.

طفل في المقعد الخلفي.

ثم صوت أبيه:

— لا تفتح الباب!

ضغط سليم على رأسه.

— لا...

اقتربت مريم.

— تذكر.

— لا أريد.

— يجب.

— لماذا؟

قالت:

— لأن الرجل الذي يقف بجانبك ليس عدوك.

نظر سليم إلى النسخة.

— إذًا من هو؟

أجابته مريم:

— هو أنت قبل أن يمحوا ذاكرتك.

ساد الصمت.

رفع سليم عينيه إلى الرجل.

كان يحدق فيه.

قال:

— هل هذا صحيح؟

أومأ.

— نعم.

— كم عمرك؟

— لا أعرف.

— كيف لا تعرف؟

— لأنهم جعلوني أعيش الذكريات بدل السنوات.

اقترب منه.

— أنت آخر نسخة نجت.

قال سليم:

— وكم نسخة كانت قبلي؟

— سبع.

— رقم ثمانية؟

— كان محاولة فاشلة.

نظر سليم نحو الطفل.

لكن الطفل لم يعد موجودًا.

— أين ذهب؟

قالت مريم:

— لم يكن طفلًا.

تغير وجه سليم.

— ماذا؟

— كان ذاكرة.

— ذاكرة ماذا؟

قالت:

— ذاكرتك.

---

جلس الثلاثة في غرفة المعيشة.

لم يكن أحد يتحدث.

المطر توقف.

كان الفجر يقترب ببطء.

مريم وضعت أمام سليم صندوقًا خشبيًا صغيرًا.

— هذا كان لأبي.

فتحه.

وجد داخله سبعة أشرطة تسجيل قديمة.

كل شريط يحمل رقمًا.

1.

2.

3.

حتى 07.

وتحتها شريط أبيض بلا رقم.

قالت:

— هذا الأخير لك.

أمسكه.

— متى سجلته؟

— قبل أن تموت.

— أنت؟

— أنت من سجلته.

نظر إليها.

— لا أفهم.

قالت:

— ستفهم عندما تسمعه.

وجدت جهاز تسجيل قديمًا.

أدخل الشريط.

ضغطت زر التشغيل.

خرج صوت تشويش.

ثم صوت طفل.

صوت سليم.

لكنه كان أصغر.

— إذا كنت تسمع هذا، فلا تثق بمريم.

رفع سليم رأسه.

مريم أغلقت عينيها.

استمر التسجيل:

— هي ستقول إنها تريد مساعدتك.

صمت.

— لكنها تعرف الحقيقة.

ثم جاء صوت آخر.

صوت سليم نفسه، لكن أكبر سنًا:

— لا تقل له.

ثم صوت الطفل:

— لكنه يجب أن يعرف.

عاد الصوت الأول:

— إذا أخبرته، سيموت.

ثم انتهى التسجيل.

نظر سليم إلى مريم.

— ماذا يعني هذا؟

قالت:

— لا أعرف.

صرخ:

— كاذبة!

نهضت.

— أنا لم أسجل هذا.

— لكنه صوتك.

— أعرف.

— إذًا متى؟

لم تجب.

اقتربت النسخة.

قال:

— قبل أن يولد.

التفت إليه سليم.

— ماذا؟

— هذا التسجيل من عام 1998.

تجمد.

— أنا ولدت عام 1999.

— أعرف.

قالت مريم:

— لأن المشروع لم يبدأ بعد ولادتك.

— أي مشروع؟

قالت:

— مشروع نقل الوعي.

صمت سليم.

تابعت:

— كانوا يحاولون معرفة هل يمكن نقل ذاكرة شخص إلى جسد آخر.

— ومن كان الشخص الأول؟

نظرت إلى النسخة.

— أبي.

اتسعت عينا سليم.

— أبي؟

— كان يحتضر.

— فحاولوا نقل وعيه.

— نعم.

— إلى من؟

قالت:

— إلى أول طفل.

— آدم؟

هزت رأسها.

— لا.

ثم نظرت إلى سليم.

— إليك.

ساد صمت ثقيل.

قال سليم:

— أنا؟

— أنت كنت الطفل الثامن.

— لكنني لم أكن موجودًا.

— كنت موجودًا في المختبر.

— هذا مستحيل.

قالت:

— لم تكن مولودًا بعد.

شعر سليم بأن الغرفة تضيق.

— إذًا كيف؟

أجابت:

— جنين.

تراجع.

لم يعد يستطيع التنفس.

— أمي...

— كانت حاملاً بك.

— وأبي نقل وعيه إليّ؟

— حاول.

— نجح؟

مريم لم تجب.

لكن النسخة قال:

— جزئيًا.

نظر إليه سليم.

— ماذا يعني ذلك؟

قال:

— لهذا نحن اثنان.

---

في الخارج بدأ الضوء يتغير.

الفجر اقترب.

مريم وقفت أمام النافذة.

— عندما تشرق الشمس، سيعرفون أنك هنا.

— من؟

— الأشخاص الذين بنوا المشروع.

— هل ما زالوا أحياء؟

قالت:

— بعضهم.

— وماذا يريدون؟

— يريدونك.

— لماذا؟

التفتت إليه.

— لأنك الوحيد الذي يحمل الذاكرة الأصلية.

— ونسختي؟

— يحمل نصفها.

— والطفل؟

— النصف الآخر.

فهم سليم شيئًا.

— لهذا قلتِ إن أحدنا يجب أن يموت.

أومأت.

— إذا مات أحدنا، ستنتقل ذاكرته كاملة إلى الآخر.

نظر إلى النسخة.

— ومن سيختار؟

قالت:

— أنت.

ضحك.

— لماذا أنا؟

— لأنك تملك الجسد الأصلي.

قالت النسخة:

— وهي تكذب.

التفتت مريم إليه.

— ماذا قلت؟

— أنت لا تملك الجسد الأصلي.

اقترب من سليم.

— أنت تملك جسدًا صناعيًا.

تجمد سليم.

— ماذا؟

قالت مريم:

— لا تسمعه.

— أريد الحقيقة.

— ليس الآن.

— الآن!

صمتت.

ثم قالت:

— نعم.

لم يتحرك.

— ماذا؟

— جسدك ليس جسدك الأصلي.

رفع يده أمام عينيه.

بدأ يشعر أنه لا يعرف جسده.

قال:

— إذًا أين جسدي؟

مريم بكت.

— مات.

— متى؟

— قبل أن تولد.

سقط سليم على الكرسي.

كانت كل حياته تنهار أمامه.

اسمه.

عمره.

ذكرياته.

جسده.

حتى موت مريم.

كل شيء كان كذبة.

قال:

— من أنا؟

أجابته النسخة:

— أنت آخر محاولة لإنقاذ رجل مات منذ سبعة وعشرين عامًا.

— أبي؟

— نعم.

رفع سليم عينيه إليه.

— وأنت؟

ابتسم الرجل.

— أنا ما تبقى منك.

قبل أن يستطيع سليم الرد، سمعوا صوت سيارات خارج المنزل.

مريم ذهبت إلى النافذة.

كان هناك ثلاث سيارات سوداء تتوقف أمام البوابة.

قالت:

— وصلوا.

نهض سليم.

— من؟

— الدكتور نادر.

— الرجل الذي قابلناه في المختبر؟

— نعم.

ثم نظرت إلى الساعة.

05:41.

لم يبقَ على شروق الشمس سوى دقائق.

قالت:

— يجب أن تختار الآن.

ظهر صوت محرك سيارة أخرى.

ثم صوت أبواب تُفتح.

أمسك سليم بالنسخة.

— لن أقتلك.

قالت مريم:

— إذًا سيموت الجميع.

— لا.

— أنت لا تفهم.

— أفهم أنكم كذبتم عليّ.

قالت:

— لأننا حاولنا حمايتك.

— من ماذا؟

فتحت مريم فمها.

لكن صوتًا جاء من خارج المنزل.

صوت مكبر.

— سليم نادر!

تجمد الجميع.

— نعلم أنك بالداخل.

ثم جاء الصوت:

— أخرج وحدك.

اقتربت مريم من سليم.

همست:

— لا تخرج.

ثم سمعوا صوتًا آخر.

صوت أمه.

— سليم!

رفع رأسه.

أمه كانت في الخارج.

ثم جاء صوتها عبر المكبر:

— ابني، أنا آسفة.

بدأت تبكي.

— لكن عليك أن تختار.

فتح سليم الباب قليلًا.

كانت أمه تقف بين رجال مسلحين.

بجانبها رجل في معطف أسود.

الدكتور نادر.

لكن المفاجأة لم تكن في وجوده.

كانت في الشخص الذي وقف خلفه.

رجل مسن.

وجهه مألوف.

عيناه.

ملامحه.

صوته.

نظر إلى سليم وقال:

— هل تذكرني؟

تراجع سليم.

مريم همست:

— لا تنظر إليه.

لكن سليم كان عاجزًا عن الحركة.

لأن الرجل كان يحمل صورة قديمة.

صورة له ولأبيه.

قال الرجل:

— أنا أبوك.

تجمد سليم.

قال:

— أبي مات.

ابتسم الرجل.

— الرجل الذي دفنتموه كان النسخة الأولى.

ثم رفع الصورة.

— أما أنا...

تقدم خطوة.

— فكنت دائمًا هنا.

وفي اللحظة نفسها، بدأت الشمس تظهر خلف الجبال.

وأول شعاع ضوء دخل من النافذة.

صرخ الدكتور نادر:

— ابدأوا العملية!

انطفأت أنوار المنزل.

وسمع سليم صوت مريم تصرخ:

— لا تدعهم يفصلون ذاكرتك!

ثم شعر بإبرة تدخل في عنقه.

آخر شيء رآه قبل أن يفقد وعيه...

كان وجه الرجل الذي ادعى أنه والده.

وكان يبتسم.

ويقول:

— مرحبًا بك من جديد يا أبي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الذين ماتوا قبل أن يولدوا   قبل أن تموت

    لم يستطع سليم أن يصرخ.لم يستطع حتى أن يتحرك.كان الطفل واقفًا أمامه، يحمل بين يديه رأسًا بشريًا يشبه رأسه تمامًا. نفس الشعر، نفس الندبة الصغيرة فوق الحاجب، وحتى العينان المغمضتان بدتا مألوفتين بصورة مرعبة.لكن الشيء الذي أرعب سليم أكثر من الرأس نفسه كان الملف الموضوع بجانبه.المريض: سليم.الحالة: متوفى منذ سبع دقائق.رفع سليم عينيه ببطء نحو المرأة الواقفة أمامه.«ما هذا؟»لم تجب.«قلت لك... ما هذا؟»اقتربت منه، وأخذت الملف من على الطاولة.«هذه النتيجة التي سجلها الجهاز.»«أي جهاز؟»«جهاز الموت.»ضحك سليم رغمًا عنه.كانت ضحكة قصيرة، مكسورة.«جهاز الموت؟»هزت المرأة رأسها.«كل من يدخل هذه الغرفة يجب أن يموت.»«ولماذا أنا حي؟»نظرت إليه طويلًا.«لأنك لم تدخلها.»تجمد سليم.«ماذا؟»«أنت كنت هنا قبل أن تولد.»ثم وضعت الملف على الطاولة.«الجسد الذي تراه ليس جسدك الحالي.»نظر سليم إلى يديه.كانتا طبيعيتين.لم يكن هناك جرح.لم يكن هناك دم.لكن عندما لمس صدره، شعر بنبض قلبه.قال:«إذن أين جسدي؟»أشارت المرأة إلى الباب.«خارج الغرفة.»استدار سليم.كان الباب مفتوحًا.وفي الممر، رأى عشرات الأشخا

  • الذين ماتوا قبل أن يولدوا   القبر الذي يتنفس

    انطفأت جميع العوالملم تبقَ شاشة مضيئة، ولا مدينة بعيدة، ولا أصوات ملايين البشر، ولا حتى ذلك الضوء الأبيض الذي كان يملأ القاعة. اختفى كل شيء دفعة واحدة، وكأن أحدًا أغلق عيني الكون.بقي القبر.وبقي سليم واقفًا أمامه.كان الظلام كثيفًا إلى درجة أن سليم لم يعد يرى يونس ولا المرأة ولا الطفل. لم يعد يسمعهم أيضًا. كان هناك شيء واحد فقط يصل إلى أذنيه.طرق.مرة.ثم مرة أخرى.ثم صوت أنفاس من داخل القبر.اقترب سليم.قال الصوت من الداخل:«لا تفتح.»كان صوته.لكن هذه المرة كان مختلفًا. لم يكن صوت نسخة أكبر منه، ولا صوتًا خرج من نظام، ولا صدى من أحد العوالم.كان صوته الحقيقي.الصوت الذي لا يعرفه الإنسان إلا عندما يسمعه في رأسه.مد سليم يده نحو غطاء القبر.وفجأة أمسك الطفل بمعصمه.«قلت لك لا تفتح.»نظر سليم إليه.«قبل لحظات قلت لي افتح.»«قلت لك إنك ستعرف.»«وعرفت.»هز الطفل رأسه.«لم تعرف شيئًا.»اقترب يونس.ظهر وجهه من الظلام.«سليم... انظر إلى التاريخ مرة أخرى.»نظر سليم إلى شاهد القبر.كان التاريخ لا يزال هناك.قبل ولادة العالم الأول بـ127 عامًا.لكن شيئًا آخر ظهر تحته.سطر صغير لم يره من قبل.

  • الذين ماتوا قبل أن يولدوا   سليم الاول

    لم يتحرك سليم.كان يقف أمام الرجل الذي يحمل وجهه، لكن شيئًا فيه لم يكن يشبهه. لم يكن أكبر سنًا فحسب، ولم يكن مجرد نسخة أخرى من المليون نسخة التي رآها من قبل. كان هناك شيء في عينيه جعل سليم يشعر بأنه يقف أمام مرآة لا تعكس جسده، بل تعكس شيئًا أقدم منه.شيئًا كان موجودًا قبل أن يولد.قال الرجل:«لا تخف.»ضحك سليم بمرارة.«بعد كل ما رأيته، هذا أسوأ شيء يمكنك قوله لي.»ابتسم الرجل.«لأنك لا تعرف مما يجب أن تخاف.»تقدم سليم خطوة.«من أنت؟»«أنا أول محاولة.»«محاولة ماذا؟»صمت الرجل طويلًا، ثم قال:«أن نصنع إنسانًا لا يحتاج إلى عالم كي يكون موجودًا.»شعر سليم بقشعريرة تسري في جسده.خلفه، كان الطفل واقفًا بصمت. أما المرأة ويونس فلم يتحركا. بدا وكأنهما يعرفان أن اللحظة التي وصلوا إليها أكبر من أن يتدخلا فيها.قال سليم:«هل أنت الذي صنع العوالم؟»«لا.»«إذن من صنعها؟»نظر الرجل إلى الطفل.«هو.»استدار سليم ببطء.كان الطفل يحدق فيه.«هذا الطفل؟»أجاب الرجل:«ليس طفلًا.»في اللحظة نفسها، تغير وجه الصغير.لم يتقدم في العمر بالطريقة الطبيعية. لم تتغير ملامحه تدريجيًا. فقط رمش مرة واحدة، وعندما فتح

  • الذين ماتوا قبل أن يولدوا   العالم الذي لا ينبغي أن يوجد

    ظلّت العبارة معلّقة أمام عيني سليم، لا على شاشة هذه المرة، بل في الهواء نفسه، كأن الكلمات لم تعد بحاجة إلى جهاز كي تظهر. كانت الحروف بيضاء، باردة، تتحرك ببطء فوق الفراغ ثم تعود إلى مكانها.لم يفهم لماذا كان يشعر بالخوف من الرقم.المليون لم يعد يخيفه.لقد رأى مليون وجه تحمل وجهه، ومليون حياة تنتهي بطرق مختلفة، ومليون نسخة من نفسه تتخذ قرارات متناقضة، حتى أصبح الرقم مليون بالنسبة إليه مجرد اسم آخر للفوضى.لكن الرقم التالي...مليون وواحد.كان مختلفًا.اقترب سليم من الزجاج الذي يفصل الغرفة عن الطفل. كان الصغير لا يزال مستلقيًا داخل الكبسولة، وعيناه مفتوحتان.عينان تشبهان عينيه تمامًا.لكن شيئًا فيهما لم يكن طفوليًا.كان الطفل ينظر إليه كما ينظر شخص إلى صورة قديمة يعرف صاحبها منذ زمن بعيد.رفع سليم يده ووضعها على الزجاج.بعد لحظات، رفع الطفل يده أيضًا.تلامست راحتاهما عبر الحاجز.ثم قال الطفل:«أبي... هل انتهيت من اللعب؟»تجمّد سليم.خلفه، سمع يونس يهمس:«لا تجبه.»استدار سليم نحوه.كان يونس شاحبًا بطريقة لم يرها عليه من قبل.«لماذا؟»لم يجب.ظهرت المرأة التي كانت تقف عند باب الغرفة. كانت

  • الذين ماتوا قبل أن يولدوا   المليون

    كان السؤال يتردد من كل اتجاه.«أيّنا الحقيقي؟»لم يكن صوتًا واحدًا.كان مليون صوت.صوت طفل.وصوت عجوز.وصوت امرأة.وصوت رجل يحتضر.وصوت سليم نفسه.كل صوت كان يحمل نبرة مختلفة، لكنه ينطق بالجملة ذاتها.«أيّنا الحقيقي؟»وقف سليم في الظلام.لم يستطع رؤية مريم.ولا يونس.ولا القاعة.حتى جسده لم يعد يشعر به.قال:— أنا.جاءت الإجابة من كل الجهات:«كيف تعرف؟»— لأنني أتذكر.«وكلنا نتذكر.»— لأنني أشعر.«وكلنا نشعر.»— لأنني عشت.«وكلنا عشنا.»صمت.ثم جاء صوت مريم من مكان بعيد:— لا تجبهم.التفت سليم.— مريم؟— لا تبحث عني.— أين أنت؟— داخل أحدهم.تجمد.— ماذا؟قالت:— لا أعرف أي واحد.ثم انقطع صوتها.---اشتعلت الأضواء فجأة.وجد سليم نفسه في قاعة ضخمة.لكن القاعة لم تعد مليئة بالكبسولات.كانت مليئة بالأبواب.أمام كل باب شاشة.وعلى كل شاشة صورة لسليم.باب يحمل الرقم 1.ثم 2.ثم 3.حتى وصلت الأرقام إلى آلاف.لكن في نهاية القاعة كان هناك باب مختلف.لم يحمل رقمًا.كان يحمل اسمه فقط:SULEIMاقترب منه.ظهر على الشاشة:«المضيف الأصلي: غير محدد.»ثم:«الهوية: متضاربة.»ثم:«عدد النسخ المتصلة: 1,00

  • الذين ماتوا قبل أن يولدوا   العالم الحقيقي

    لم يكن سليم يعرف إلى أين يقوده الطريق.كل ما كان يعرفه أن المكان لم يعد يشبه أي شيء عرفه من قبل.لا جدران.لا سقف.لا أرض.فقط ظلام يمتد إلى ما لا نهاية، وفي وسطه خط أبيض رفيع كان يتحرك أمامه كأنه يرسم طريقًا في الفراغ.كان يمشي.وخلفه كانت مريم ويونس.أما الرجل الذي يشبهه، فلم يعد موجودًا.قال يونس:— سليم.لم يلتفت.— ماذا؟— هل أنت متأكد مما تفعله؟— لا.— إذًا لماذا نستمر؟توقف سليم.نظر إلى الفراغ.— لأنني للمرة الأولى لا أريد أن أهرب.قالت مريم:— إلى أين يقود هذا الطريق؟أجاب:— إلى مفتاح النظام.— وهل تعرف مكانه؟— لا.— قلت إنك تعرف.ابتسم.— قلت إنني أعرف أين أخفوه.ثم تابع السير.كانت الخطوات بلا صوت.لكن بعد عشر خطوات، بدأ يسمع شيئًا.صوت امرأة.بعيدًا.ضعيفًا.تناديه.— سليم...توقف.كان الصوت مألوفًا.قالت مريم:— لا تسمعه.نظر إليها.— هذا صوت أمي.— أعرف.— إذًا لماذا تقولين لي ألا أسمعه؟— لأنني أعرف من أين يأتي.قال يونس:— من المحاكاة؟هزت رأسها.— لا.ثم نظرت إلى الظلام.— من العالم الحقيقي.---ظهر ضوء في نهاية الطريق.كان ضوءًا أبيض قويًا.اقتربوا منه.كلما اقترب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status