Masukلم تكن جمانة تتذكر الكثير من تفاصيل ذلك اليوم، اليوم الذي تغيّرت فيه حياتها إلى الأبد، لكنها كانت تتذكر الرائحة. رائحة الدخان التي علقت بملابسها حين ركضت من المدرسة إلى المستشفى، رائحة اللهب المحترق التي لم تفارق أنفها لأشهر طويلة بعدها، حتى حين كانت تغسل شعرها مرات متكررة، ظلت تشم تلك الرائحة كلما أغمضت عينيها.
كانت في السابعة عشرة من عمرها، طالبة في الصف الحادي عشر، حين اتصلت بها أمها بصوت مبحوح لتخبرها أن والدها إبراهيم في المستشفى، وأن هناك حريقًا اندلع في مستودع الشركة. ركضت جمانة من فصلها دون أن تنتظر إذن المعلمة، ودون أن تحمل حقيبتها، وركبت أول سيارة أجرة وجدتها، قلبها يخفق بعنف طوال الطريق وكأنه يحاول أن يهرب من صدرها.
حين وصلت إلى المستشفى، وجدت أمها جالسة على مقعد بلاستيكي في الممر، ووجهها شاحب كورقة بيضاء، وأخاها سامر واقفًا بجانبها يحاول أن يتماسك رغم أن يديه كانتا ترتجفان بوضوح. لم يحتج أحد أن يقول شيئًا، فقد قرأت جمانة الخبر في عيونهم قبل أن يخرج الطبيب من الغرفة ليخبرهم رسميًا أن إبراهيم السالم قد فارق الحياة متأثرًا بحروق بالغة واستنشاق دخان كثيف.
في الأيام التي تلت الحادثة، امتلأ البيت بالمعزين، وامتلأت الصحف المحلية بعناوين عن "حريق غامض يلتهم مستودع شركة السالم للمقاولات"، وبدأت التحقيقات الرسمية التي انتهت بعد أسابيع قليلة إلى نتيجة صادمة: الحريق لم يكن حادثًا عرضيًا، بل تسبب فيه أحد موظفي الشركة عمدًا، مهندس شاب كان يعمل مع إبراهيم السالم منذ سنوات، يُدعى زياد المهيري.
لم تكن جمانة تعرف زياد شخصيًا سوى من خلال أحاديث عابرة سمعتها من والدها، الذي كان يثني عليه كثيرًا، ويصفه بأنه "أذكى مهندس عملت معه في حياتي"، وأحيانًا كان يمازح جمانة قائلًا إن زياد سيصبح يومًا شريكها في العمل حين تكبر وتتولى إدارة الشركة. لكن بعد الحريق، تحوّل ذلك الاسم من رمز للثقة إلى رمز للخيانة والدمار في نظر العائلة بأكملها.
قيل حينها إن زياد كان في خلاف مالي حاد مع الشريك الآخر في الشركة، خالد نمر، وإن التحقيقات وجدت في مكتبه أوراقًا تشير إلى تلاعب في حسابات الشركة، وإن شهودًا رأوه في محيط المستودع قبل ساعات من اندلاع الحريق. حُكم عليه بالسجن عشر سنوات بتهمة التسبب بحريق أدى إلى وفاة، وأُغلق الملف رسميًا، رغم أن جمانة، وهي طفلة حينها، لم تفهم كثيرًا من التفاصيل القانونية، بل فهمت فقط أن الرجل الذي كان والدها يثق به أصبح سببًا مباشرًا في غيابه عن حياتها إلى الأبد.
مرّت الأشهر الأولى بعد الفاجعة كأنها ضباب كثيف، لا تتذكر منها جمانة سوى مشاهد متقطعة: أمها تبكي في جوف الليل ظنًا منها أن أحدًا لا يسمعها، أخوها سامر يتوقف فجأة عن الحديث كلما ذُكر اسم والدهم، وهي نفسها تنسحب شيئًا فشيئًا من صديقاتها في المدرسة، تفضل الوحدة على أسئلة الشفقة التي كانت تراها في عيون من حولها.
وفي خضم ذلك الحزن الثقيل، وبعد مرور عام كامل على الحادثة، وفي يوم عيد ميلادها الثامن عشر تحديدًا، وجدت جمانة تلك الرسالة الأولى في صندوق البريد، رسالة لم تحمل اسمًا، لكنها حملت دفئًا غريبًا لامست به روحها المتعبة.
كانت الرسالة الأولى مختصرة، لا تتجاوز بضعة أسطر، لكنها كانت كافية لتزرع في قلب جمانة بذرة أمل لم تكن تتوقعها. كتب صاحب الرسالة المجهول:
"عزيزتي جمانة، أعلم أن هذا العام كان الأصعب في حياتك، وأعلم أن الكلمات لن تخفف من حجم الفقد، لكنني أردت أن أخبرك أن هناك من يفكر فيكِ، من يتمنى لكِ القوة والسلام، حتى لو لم يكن بإمكانه أن يظهر الآن. عيد ميلاد سعيد يا جمانة، وأتمنى أن تجدي في قلبكِ مساحة للأمل رغم كل شيء".
قرأت جمانة تلك الكلمات مرات ومرات، حائرة بين الشك والفرح الغامض. سألت أمها إن كانت هي من أرسلتها، فأنكرت نائلة بشدة، وسألت أخاها سامر، فأجابها بدهشة صادقة أنه لا يعرف شيئًا عن الأمر. حاولت أن تسأل صديقاتها في المدرسة، لكن لا أحد منهنّ اعترف بإرسالها، وبعد أسابيع من التساؤل دون جواب، قررت جمانة أن تحتفظ بالرسالة كسر صغير بينها وبين نفسها، دون أن تتوقع أن العام التالي سيحمل رسالة أخرى، ثم أخرى، حتى أصبحت تقليدًا سنويًا غامضًا لا تعرف له تفسيرًا.
في تلك السنوات الأولى، كانت الرسائل تركز على مشاعر جمانة، على أحلامها الصغيرة التي كانت تبوح بها لنفسها فقط، مثل رغبتها في دراسة الهندسة المعمارية، أو خوفها من الامتحانات النهائية، أو حتى حزنها الخفي حين لم تُدعَ إلى حفلة صديقة مقربة. كانت هذه التفاصيل الدقيقة هي ما جعل جمانة تشعر برهبة حقيقية، إذ كيف يمكن لشخص مجهول أن يعرف كل هذه الجزئيات التي لم تشاركها إلا في يومياتها الخاصة أو في أحاديث عابرة مع أقرب المقربين؟
في السنة الثالثة من الرسائل، حين كانت جمانة في العشرين من عمرها وتدرس في الجامعة، بدأت تشك أن المرسل ربما يكون شخصًا قريبًا منها، ربما زميل دراسة، أو حتى أحد أقارب العائلة. حاولت مرة أن تضع فخًا صغيرًا، فكتبت في يومياتها الخاصة تفصيلًا مختلقًا لم تخبر به أحدًا، أملًا في أن تكتشف إن كان أحد المقربين منها يقرأ يومياتها سرًا. لكن الرسالة التالية لم تتضمن ذلك التفصيل المختلق إطلاقًا، بل تحدثت عن أمور حقيقية أخرى، مما جعلها تستبعد فكرة أن يكون المرسل من داخل بيتها أو من أقرب صديقاتها.
مع مرور السنين، تغيّر نبرة الرسائل قليلًا، أصبحت أكثر نضجًا، وكأن كاتبها يكبر معها، يتابع تحولاتها من فتاة مراهقة حزينة إلى امرأة شابة تبني حياتها المهنية بجد. في الرسالة السابعة، حين تخرجت جمانة من الجامعة بتفوق، كتب لها المرسل المجهول: "أعرف كم كافحتِ لتصلي إلى هنا، وأعرف أن والدك لو كان حاضرًا لكان أكثر الناس فخرًا بكِ اليوم". كانت تلك الجملة تحديدًا هي التي جعلت جمانة تبكي لأول مرة بسبب رسالة، ليس حزنًا، بل شعورًا عميقًا بأن هناك من يراقب مسيرتها بعين المحبة الصادقة، لا بعين الفضول العابر.
جلست جمانة في تلك الليلة، بعد أن استعرضت في ذاكرتها كل هذا الماضي، تقلب صندوقها الخشبي الصغير، تعيد قراءة كل رسالة بترتيبها الزمني، وتحاول أن تربط الخيوط ببعضها. لاحظت للمرة الأولى أن نبرة الرسائل، رغم دفئها المستمر، كانت تحمل في السنوات الأخيرة إشارات خفيفة إلى "انتظار" و"وقت لم يحن بعد"، عبارات لم تكن تلتفت إليها كثيرًا من قبل، لكنها الآن، بعد الرسالة العاشرة الصريحة، بدت وكأنها كانت تمهد منذ البداية لهذه اللحظة، لحظة الكشف المرتقب.
فكرت جمانة أيضًا في تفصيل صغير لطالما تجاهلته: أن جميع الرسائل، رغم اختلاف مضمونها، وصلت دائمًا في نفس التوقيت تقريبًا، صباح السابع عشر من تموز، وأن خط اليد لم يتغير قط طوال عشر سنوات، مما يعني أن صاحبها كان يكتبها كلها دفعة واحدة منذ البداية، أو أن شخصًا آخر كان يتولى مهمة إرسالها نيابة عنه في كل عام. تذكرت حينها عبارة وردت في الرسالة الأولى ولم تفهم معناها حينها: "قد لا أكون قادرًا على الكتابة لكِ بنفسي كل عام، لكن كن مطمئنة أن كل كلمة ستصلكِ مني، بطريقة أو بأخرى".
تلك الجملة، التي بدت غامضة قبل عشر سنوات، أصبحت الآن أشبه بمفتاح صغير يفتح بابًا جديدًا من التساؤلات. هل كان المرسل يعلم مسبقًا أنه لن يكون حرًا في التنقل أو الكتابة بحرية؟ هل كان يخطط منذ البداية لغياب طويل، وربما إجباري، عن حياتها؟ الفكرة التي بدأت تتشكل في ذهن جمانة كانت مرعبة بقدر ما هي مثيرة: ماذا لو كان صاحب الرسائل شخصًا محرومًا من حريته طوال هذه السنوات؟ سجينًا ربما، يكتب لها من وراء جدران لا تستطيع تخيلها؟
هذا الافتراض، رغم غرابته، بدأ يتقاطع في ذهنها مع اسم لم تفكر فيه منذ سنوات طويلة: زياد المهيري، الرجل الذي حُكم عليه بالسجن عشر سنوات بالضبط، نفس المدة التي استمرت فيها الرسائل. شعرت جمانة برعشة باردة تسري في جسدها وهي تجلس وحيدة في غرفتها، تحدق في الرسالة العاشرة من جديد، وتتساءل إن كانت الصدفة الزمنية بين مدة سجن ذلك الرجل وعدد سنوات الرسائل مجرد تطابق عابر، أم أنها الخيط الذي كانت تبحث عنه دون أن تدري طوال كل هذه السنوات.
تذكرت حينها أيضًا صورة قديمة كانت محفوظة في ألبوم العائلة، صورة جمعت والدها مع عدد من موظفي الشركة في حفل بمناسبة افتتاح فرع جديد، قبل الحادثة بأشهر قليلة. نهضت من فراشها، وفتحت خزانة الكتب القديمة في زاوية الغرفة، بحثت بين الألبومات المتربة حتى وجدت الصورة المنشودة. وقفت طويلًا تتأمل الوجوه المبتسمة فيها، والدها يضع يده على كتف شاب طويل القامة يبتسم بثقة، وخلف الصورة كُتب بخط والدها: "فريق العمل، افتتاح الفرع الجديد، مع أطيب التمنيات لمستقبل مشرق للجميع". لم تستطع أن تحدد بالضبط أي من الوجوه يعود لزياد المهيري، فالصورة قديمة والألوان باهتة، لكنها شعرت أن هذا الوجه المبتسم، أيًا كان صاحبه، ربما يحمل بين ملامحه سرًا ظل مطمورًا لعشر سنوات كاملة.
في صباح اليوم التالي، وقبل أن تغادر إلى عملها، جلست جمانة مع أمها في المطبخ، وحاولت أن تفتح الموضوع بحذر، دون أن تكشف كل ما يدور في ذهنها من افتراضات. سألتها: "أمي، هل تتذكرين تفاصيل أكثر عن قضية الحريق؟ أقصد، هل كان هناك من شكك يومًا في أن زياد المهيري بريء؟"
توقفت نائلة عن تحضير القهوة للحظة، ونظرت إلى ابنتها بعينين فيهما قلق مفاجئ. قالت بصوت متحفظ: "ليش بتسأليني هالسؤال اليوم بالذات يا جمانة؟ هاد موضوع قديم، وخلص من زمان، ما في داعي نرجع نفتحه".
لاحظت جمانة أن أمها تجنبت الإجابة المباشرة، وأن يديها ارتجفتا قليلًا وهي تصب القهوة، تفصيل صغير لم يكن ليلفت انتباهها في يوم عادي، لكنه في ذلك الصباح بالذات بدا وكأنه قطعة أخرى تُضاف إلى لغز يتشكل شيئًا فشيئًا. لم تُصر على السؤال، فقد تعلمت منذ سنوات أن والدتها حين تتحفظ عن الحديث في موضوع ما، فإنها تحتاج وقتًا طويلًا قبل أن تفتح قلبها عليه، إن فتحته يومًا.
غادرت جمانة المنزل متجهة إلى عملها، لكن ذهنها ظل معلقًا طوال الطريق بين صورة الألبوم القديمة، ونظرة أمها المرتبكة، وجملة الرسالة العاشرة التي ما زالت ترن في أذنيها: "قريبًا جدًا، ستُفتح الأبواب التي ظلت موصدة". شعرت للمرة الأولى أن الماضي الذي ظنت أنه دُفن إلى الأبد مع رماد ذلك الحريق البعيد، بدأ يتحرك من تحت الرماد نفسه، يتنفس من جديد، وكأنه ينتظر منها وحدها أن تمد يدها لتوقظه.
وبينما كانت تقود سيارتها عبر شوارع عمّان المزدحمة، قررت أنها لن تكتفي بعد الآن بمراقبة الأحداث من بعيد، بل ستطلب مساعدة ريما رسميًا في هذا التحقيق، فصديقتها كانت تمتلك من الأدوات الصحفية وعلاقاتها المهنية ما يمكن أن يفتح لها أبوابًا لا تستطيع هي وحدها أن تصل إليها. شعرت بمزيج من الخوف والحماس معًا، كأنها تقف على حافة نهر عميق، تعرف أن القفز فيه سيغيّر مجرى حياتها إلى الأبد، لكنها أيضًا تعرف أنها لم تعد قادرة على الوقوف عل
ى الضفة إلى ما لا نهاية.
لم تنم جمانة تلك الليلة إلا قليلًا، وحين استيقظت في الصباح كانت ريما قد أرسلت لها رسالة تخبرها فيها أنها نجحت، عبر بعض معارفها في نقابة المحامين، في الحصول على عنوان صيدلية صغيرة تعمل فيها امرأة تُدعى ليلى المهيري في أحد أحياء المدينة الشرقية. لم تكن ريما متأكدة تمامًا أنها الشخص نفسه، فالاسم قد يتكرر، لكنها اقترحت أن تذهبا معًا للتأكد بأنفسهما، دون أن تكشفا في البداية عن هويتيهما الحقيقيتين أو سبب زيارتهما.وصلتا إلى الصيدلية في وقت متأخر من بعد الظهر، صيدلية صغيرة نظيفة، تقف خلف طاولتها امرأة في أواخر الثلاثينيات، ذات ملامح هادئة تشبه إلى حد كبير ملامح زياد، العينان نفسهما اللتان تحملان نظرة عميقة، والابتسامة الحذرة التي تبدو وكأنها تخفي وراءها سنوات من التعب. شعرت جمانة بيقين فوري أن هذه هي المرأة التي تبحثان عنها.تقدمت ريما أولًا، وقالت بلباقتها الصحفية المعتادة: "مساء الخير، بدنا دواء لالتهاب حلق بسيط، بس بصراحة، إذا ممكن، عندنا كمان سؤال شخصي، إذا ما عندك مانع".رفعت المرأة نظرها بحذر واضح، وكأنها اعتادت أن تتوقع المفاجآت غير السارة من كل سؤال غريب يوجَّه إليها، وقالت بصوت متحف
مرّ أسبوع كامل على لقاء جمانة الأول بزياد المهيري، أسبوع بدت خلاله الأيام أطول من المعتاد، وكأن الزمن نفسه أصبح يتباطأ كلما اقتربت من مكتبه أو تبادلت معه حديثًا عابرًا حول تفاصيل المشروع. حاولت أن تتصرف بطبيعية أمام زملائها، أن تُخفي الاضطراب الذي يعتمل في داخلها، لكن ريما، بحسّها الصحفي الذي لا يخطئ، لاحظت من نبرة صوتها عبر الهاتف أن شيئًا يشغل بالها أكثر من المعتاد.اتصلت بها في مساء أحد الأيام، وقالت بلا مقدمات: "طيب يا جمانة، خبريني شو صار مع سامر، هل قدر يتحقق من سجل زياد المهني زي ما اتفقتوا؟"أجابت جمانة وهي تجلس على حافة سريرها، صوتها يحمل مزيجًا من القلق والفضول: "سامر بعده يشتغل عليها، قالي إنه المسألة مو سهلة زي ما تخيلنا، لأنه سجلات نقابة المهندسين القديمة مش كلها محوسبة، في جزء كبير منها لسا على ورق، وبده وقت إنه يوصل لملف زياد الكامل".سكتت ريما للحظة، ثم قالت بجدية غير معتادة منها: "وأنا من جهتي، لقيت حدا ممكن يساعدنا، خبير خطوط قديم كان يشتغل مع الجريدة زمان قبل ما يتقاعد، اسمه الأستاذ فؤاد حداد، ناس بتقول عنه إنه من أدق الخبراء بهالمجال بالبلد كله. ممكن نوريه نسخة عن
مرّ أسبوعان دون تقدم يُذكر في التحقيق، إذ لم تفلح محاولات ريما في الوصول إلى سجلات زيارات السجن، بسبب القيود الرسمية المشددة على مثل هذه المعلومات، ولم تُثمر محاولاتها أيضًا في العثور على أثر واضح لليلى المهيري، التي بدا أنها غيّرت مكان إقامتها أكثر من مرة خلال السنوات الماضية. شعرت جمانة بإحباط متصاعد، وبدأت تتساءل إن كانت كل هذه الجهود ستبوء بالفشل في النهاية، تاركة إياها حبيسة الغموض ذاته الذي عاشت فيه طوال عشر سنوات.في تلك الأثناء، كانت الحياة اليومية تفرض عليها إيقاعها المعتاد، فقد كانت جمانة تعمل مهندسة ديكور داخلي في مكتب هندسي متوسط الحجم، يتولى مشاريع تصميم داخلي لفلل ومكاتب تجارية في عمّان. كان مديرها قد أخبرها قبل أيام أن المكتب بصدد التعاقد مع استشاري خارجي جديد للمساعدة في مشروع كبير يتعلق بترميم وإعادة تصميم مبنى تجاري قديم في وسط البلد، مشروع يتطلب خبرة خاصة في الهندسة الإنشائية إلى جانب التصميم الداخلي.في صباح أحد الأيام، دخلت جمانة إلى مكتبها لتجد اجتماعًا مقررًا مع ذلك الاستشاري الجديد لمناقشة تفاصيل المشروع. جلست في قاعة الاجتماعات مع زملائها، تراجع أوراقها استعدا
استغرق الأمر من سامر أسبوعًا كاملًا قبل أن يتمكن من الحصول على نسخة كاملة من ملف القضية، مستعينًا بمعرفته الشخصية بأحد كتّاب العدل الذين عملوا سابقًا في المحكمة التي نظرت القضية. حين أعطاها الملف أخيرًا، وضعه على طاولة غرفة معيشته بحذر، وقال بجدية لم تعهدها جمانة فيه من قبل: "قبل ما تفتحيه، بدي أوضحلك إشي، هاد الملف فيه تفاصيل قاسية عن الليلة اللي مات فيها بابا، وفيه كمان أشياء يمكن ما كنتِ تعرفيها عن علاقة بابا بشركائه، خصوصًا خالد نمر".جلست جمانة، ريما بجانبها كما اتفقتا مسبقًا، وبدأت الثلاثة يقلبون صفحات الملف الرسمي، الذي كان أكثر تفصيلًا وتعقيدًا بكثير من التغطية الصحفية المختصرة التي قرأتاها في الأرشيف. تضمن الملف محاضر استجواب الشهود، وتقرير الطب الشرعي، وتقرير خبراء الحرائق، إلى جانب مرافعات الدفاع والادعاء.لفت انتباه جمانة أولًا تقرير خبير الحرائق، الذي أشار إلى أن نقطة اشتعال الحريق كانت في الزاوية الجنوبية الشرقية من المستودع، حيث كانت تُحفظ بعض المواد الكيميائية المستخدمة في أعمال البناء، وأن الحريق انتشر بسرعة غير معتادة، مما يرجح استخدام مادة معجلة للاشتعال. لكن ما لفت
استقبلت ريما جمانة في مقهى صغير قرب مكتب الجريدة التي تعمل فيها، مقهى هادئ اعتادتا الجلوس فيه كلما احتاجتا إلى حديث بعيد عن ضجيج المدينة. وضعت ريما هاتفها جانبًا فور أن رأت ملامح صديقتها المتوترة، وقالت وهي تسحب كرسيها أقرب: "طيب، احكيلي كل شي من الأول، ما بدي أفوت ولا تفصيلة".سردت جمانة على مسامعها كل ما فكرت فيه الليلة الماضية، من ملاحظتها حول توقيت الرسائل الثابت منذ عشر سنوات، مرورًا بجملة الرسالة الأولى الغامضة عن "الكتابة نيابة عنه"، وصولًا إلى الفرضية التي بدأت تتشكل في ذهنها: أن كاتب الرسائل ربما يكون رجلًا كان محرومًا من حريته طوال هذه المدة، وربما، وهنا خفض صوتها وكأنها تخشى أن تنطق الاسم بصوت عالٍ، ربما يكون هو زياد المهيري نفسه.أطرقت ريما برأسها للحظة، ثم قالت بحماس الصحفية التي تشم رائحة قصة مهمة: "لو صح ظنك، هاد معناه إنه كان يكتب الرسائل من داخل السجن، وحدا تاني كان يوصلها لأهلك بالنيابة عنه. جمانة، هاد مو مجرد قصة حب غامضة، هاد ممكن يكون قصة أعمق بكتير، ممكن يكون في علاقة بين قضية والدك والقضية اللي حُكم فيها على هالراجل".هزت جمانة رأسها موافقة، فقد كانت تلك بالضبط
لم تكن جمانة تتذكر الكثير من تفاصيل ذلك اليوم، اليوم الذي تغيّرت فيه حياتها إلى الأبد، لكنها كانت تتذكر الرائحة. رائحة الدخان التي علقت بملابسها حين ركضت من المدرسة إلى المستشفى، رائحة اللهب المحترق التي لم تفارق أنفها لأشهر طويلة بعدها، حتى حين كانت تغسل شعرها مرات متكررة، ظلت تشم تلك الرائحة كلما أغمضت عينيها.كانت في السابعة عشرة من عمرها، طالبة في الصف الحادي عشر، حين اتصلت بها أمها بصوت مبحوح لتخبرها أن والدها إبراهيم في المستشفى، وأن هناك حريقًا اندلع في مستودع الشركة. ركضت جمانة من فصلها دون أن تنتظر إذن المعلمة، ودون أن تحمل حقيبتها، وركبت أول سيارة أجرة وجدتها، قلبها يخفق بعنف طوال الطريق وكأنه يحاول أن يهرب من صدرها.حين وصلت إلى المستشفى، وجدت أمها جالسة على مقعد بلاستيكي في الممر، ووجهها شاحب كورقة بيضاء، وأخاها سامر واقفًا بجانبها يحاول أن يتماسك رغم أن يديه كانتا ترتجفان بوضوح. لم يحتج أحد أن يقول شيئًا، فقد قرأت جمانة الخبر في عيونهم قبل أن يخرج الطبيب من الغرفة ليخبرهم رسميًا أن إبراهيم السالم قد فارق الحياة متأثرًا بحروق بالغة واستنشاق دخان كثيف.في الأيام التي تلت ال







