Home / الرومانسية / الرسائل التي لم تصل / الفصل الخامس: وجه من الماضي

Share

الفصل الخامس: وجه من الماضي

Author: Zeze
last update publish date: 2026-07-07 18:02:29

مرّ أسبوعان دون تقدم يُذكر في التحقيق، إذ لم تفلح محاولات ريما في الوصول إلى سجلات زيارات السجن، بسبب القيود الرسمية المشددة على مثل هذه المعلومات، ولم تُثمر محاولاتها أيضًا في العثور على أثر واضح لليلى المهيري، التي بدا أنها غيّرت مكان إقامتها أكثر من مرة خلال السنوات الماضية. شعرت جمانة بإحباط متصاعد، وبدأت تتساءل إن كانت كل هذه الجهود ستبوء بالفشل في النهاية، تاركة إياها حبيسة الغموض ذاته الذي عاشت فيه طوال عشر سنوات.

في تلك الأثناء، كانت الحياة اليومية تفرض عليها إيقاعها المعتاد، فقد كانت جمانة تعمل مهندسة ديكور داخلي في مكتب هندسي متوسط الحجم، يتولى مشاريع تصميم داخلي لفلل ومكاتب تجارية في عمّان. كان مديرها قد أخبرها قبل أيام أن المكتب بصدد التعاقد مع استشاري خارجي جديد للمساعدة في مشروع كبير يتعلق بترميم وإعادة تصميم مبنى تجاري قديم في وسط البلد، مشروع يتطلب خبرة خاصة في الهندسة الإنشائية إلى جانب التصميم الداخلي.

في صباح أحد الأيام، دخلت جمانة إلى مكتبها لتجد اجتماعًا مقررًا مع ذلك الاستشاري الجديد لمناقشة تفاصيل المشروع. جلست في قاعة الاجتماعات مع زملائها، تراجع أوراقها استعدادًا، حين فتح الباب ودخل رجل في أواخر الثلاثينيات من عمره، طويل القامة، بملامح هادئة لكن عينيه تحملان نظرة عميقة كأنها ترى أكثر مما تُظهر، وشعر متوسط الطول بدأ الشيب يتسلل إلى أطرافه رغم أنه لم يكن يبدو كبيرًا في السن كثيرًا. قدّم نفسه للحاضرين بصوت هادئ ورصين: "صباح الخير، اسمي زياد، سعيد بالعمل معكم على هذا المشروع".

شعرت جمانة بشيء غريب يعتصر صدرها لحظة سماعها الاسم، لكنها سرعان ما هدّأت من روعها، فالاسم شائع ولا يعني بالضرورة أي شيء، وربما كانت حساسيتها المفرطة في الأيام الأخيرة تجاه كل ما يمت لهذا الاسم بصلة هي التي جعلتها تتوتر دون داعٍ حقيقي. صافحته بأدب حين حان دوره، ولاحظت أن يده كانت دافئة وقبضتها واثقة، وأن نظرته حين التقت بعينيها للحظة بدت وكأنها تحمل تساؤلًا صامتًا، سرعان ما اختفى خلف ابتسامة مهنية مقتضبة.

خلال الاجتماع، تحدث زياد بثقة ووضوح عن رؤيته لترميم المبنى القديم، مقترحًا الحفاظ على الطابع المعماري الأصلي للواجهة مع تحديث كامل للبنية الداخلية بما يتناسب مع المعايير الحديثة للسلامة والاستدامة. لاحظت جمانة أن أفكاره كانت متقنة ومدروسة بعناية فائقة، وأنه يتحدث عن الهندسة بشغف واضح يذكّرها كثيرًا بالطريقة التي كان والدها يتحدث بها عن مهنته، حماسة حقيقية غير متكلفة، ودقة في التفاصيل تدل على خبرة عميقة تفوق ما تتيحه سنوات العمل العادية.

بعد انتهاء الاجتماع، وبينما كان الجميع يغادرون القاعة، اقترب زياد من جمانة وقال بأدب: "لاحظت اسمك على البطاقة التعريفية، جمانة السالم، صحيح؟ اسم عائلة مألوف نوعًا ما في مجال المقاولات بالمدينة".

شعرت جمانة بتصلب خفيف في جسدها، وأجابت بحذر: "نعم، والدي كان يملك شركة مقاولات قبل سنوات، لكنه توفي منذ فترة طويلة".

لاحظت للحظة عابرة تغيرًا طفيفًا في ملامح زياد، ظلًا خفيفًا من شيء يشبه الحزن أو الذكرى المؤلمة، مرّ سريعًا قبل أن يستعيد ابتسامته المهنية ويقول: "آسف لسماع ذلك، أعزّي لك يا آنسة جمانة"، ثم أضاف بعد صمت قصير: "إبراهيم السالم، أليس كذلك؟ اسم لطالما سمعت عنه في أوساط المهندسين القدامى، يقولون إنه كان رجلًا استثنائيًا في مجاله".

تفاجأت جمانة بمعرفته اسم والدها الكامل دون أن تذكره هي، لكنها فسّرت الأمر بأنه ربما سمع به من خلال شهرته السابقة في مجال المقاولات، أو ربما استنتجه من اسم عائلتها المرتبط بالشركة القديمة التي ما زالت تحمل بعض المشاريع المعروفة في المدينة. قالت بأدب: "نعم، هو نفسه، شكرًا لك".

انصرف زياد بعد ذلك بلطف، تاركًا خلفه في نفس جمانة إحساسًا غريبًا يصعب عليها تفسيره، مزيجًا من الارتياح غير المبرر تجاه رجل التقته للتو، وفضول متصاعد حول تفاصيل صغيرة في حديثه لم تستطع أن تتجاهلها بسهولة.

في الأيام التالية، تكرر التعاون بين جمانة وزياد ضمن فريق العمل على المشروع، واكتشفت أنه يمتلك أسلوبًا هادئًا في التعامل، ودقة استثنائية في التفاصيل الهندسية، وذوقًا رفيعًا يقدّر فيه لمسات التصميم الداخلي التي تقترحها، بخلاف كثير من المهندسين الذين تعاملت معهم سابقًا وكانوا ينظرون لعملها كإضافة تجميلية ثانوية لا تستحق نقاشًا معمقًا.

في أحد الأيام، بينما كانا يراجعان مخططات المبنى معًا في وقت متأخر من بعد الظهر، بعد أن انصرف بقية الفريق، لاحظت جمانة أن زياد يكتب ملاحظاته على الهامش بخط يد مائل قليلًا نحو اليمين، خط أنيق ومتناسق، توقفت للحظة وهي تراقب حركة قلمه، شعرت بشيء يشبه صدمة كهربائية خفيفة تسري في جسدها، فذلك الخط، تلك الطريقة تحديدًا في إمالة الحروف وتناسق المسافات بينها، بدت مألوفة إلى درجة مقلقة، أشبه تمامًا بخط اليد الذي حفظته عن ظهر قلب طوال عشر سنوات من قراءة الرسائل السنوية.

حاولت أن تقنع نفسها أن الأمر مجرد تشابه عابر، فخطوط الكتابة كثيرًا ما تتشابه بين الناس، لكنها لم تستطع منع نفسها من إيجاد ذريعة لتطلب منه أن يكتب لها ملاحظة إضافية على ورقة منفصلة، بحجة أنها تريد أن تحتفظ بنسخة واضحة من ملاحظاته لمراجعتها لاحقًا. تناول زياد الورقة دون أن يلاحظ أي غرابة في الطلب، وكتب بضعة أسطر توضيحية حول تفاصيل السقف المقترح، ثم أعادها إليها بابتسامة عابرة.

في صباح اليوم التالي، اتصلت جمانة بريما فور وصولها إلى مكتبها، وحدثتها بصوت خافت متحمس عمّا لاحظته في خط يد زياد. استمعت ريما بانتباه شديد، ثم قالت بجدية: "جمانة، هاد ممكن يكون أهم اكتشاف عندنا لحد هلق، بس لازم نكون حذرين كتير، ما نبني كل شي على تشابه بالخط بس. لازم نتأكد أكتر، ممكن نحاول نعرف تفاصيل أكتر عن ماضيه، وين كان يشتغل قبل ما يروح عالسجن، ووين كان يسكن، أي شي يربطه رسميًا بشركة أبوكِ".

وعدت جمانة صديقتها بأن تكون حذرة، لكنها لم تستطع منع نفسها من مراقبة زياد عن كثب في الأيام التالية، تلاحظ كل تفصيلة صغيرة في تصرفاته، طريقة حديثه عن الهندسة الإنشائية القديمة وكأنه يعرفها من الداخل، إشارته العابرة مرة إلى "أيام كانت الأمور مختلفة تمامًا" دون أن يوضح ما يقصد، وحتى تردده الملحوظ كلما ذُكر اسم شركة مقاولات كبرى في المدينة كان قد عمل معها قبل سنوات طويلة بحسب سيرته الذاتية المهنية.

في أحد الأيام، بينما كانا يتناولان القهوة في استراحة قصيرة بين اجتماعات المشروع، سألته جمانة بحذر شديد، محاولة ألا تبدو أسئلتها موجّهة بشكل مباشر: "أستاذ زياد، من وين أنت أصلًا؟ ومنذ متى وأنت تعمل بمجال الهندسة الإنشائية؟"

توقف زياد للحظة قبل أن يجيب، وكأنه يوازن بين إجابة مقتضبة وأخرى أكثر تفصيلًا، ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل ثقلًا غير معتاد: "قصتي طويلة نوعًا ما يا آنسة جمانة، عملت في هذا المجال منذ كنت شابًا صغيرًا، لكن مررت بفترة انقطاع طويلة عن العمل لأسباب خاصة، ثم عدت للمهنة منذ سنة تقريبًا وأنا أحاول أن أبني حياتي المهنية من جديد".

لم يوضح أكثر من ذلك، ولاحظت جمانة أن نظرته حين قال "فترة انقطاع طويلة" حملت ظلًا من الألم سرعان ما حاول إخفاءه خلف ابتسامة مهذبة، وشعرت أن سؤالها القادم قد يكون تسرعًا غير محسوب، فاكتفت بالإيماء وتغيير الموضوع نحو تفاصيل المشروع، رغم أن كل خلية في جسدها كانت تصرخ بأن تسأله مباشرة إن كان هو نفسه من كتب لها كل تلك الرسائل طوال عشر سنوات.

عادت جمانة إلى منزلها في ذلك المساء، وأغلقت باب غرفتها بحذر، وأخرجت صندوقها الخشبي، ووضعت الورقة التي كتبها زياد بجانب الرسالة العاشرة مباشرة، تقارن بين الخطين بعينين متسعتين من التوتر. لم يكن التطابق كاملًا مئة بالمئة، فالخط في الرسائل كان أكثر عناية وبطئًا، وكأن كاتبه كان يكتب بحرص شديد ليضمن وضوح كل حرف، بينما كانت ملاحظات زياد أسرع وأكثر عفوية كطبيعة الملاحظات العملية السريعة. لكن الملامح الأساسية، ميل الحروف، طريقة رسم حرف اللام، الانحناءة الخفيفة في نهاية الجمل، كانت متشابهة إلى حد يصعب تجاهله أو تفسيره كصدفة بحتة.

جلست جمانة على حافة سريرها، قلبها يخفق بعنف، ويداها ترتجفان وهي تمسك الورقتين جنبًا إلى جنب. شعرت أن كل ما بحثت عنه طوال الأسابيع الماضية، كل الخيوط المتناثرة التي حاولت جمعها بصبر، بدأت فجأة تتقاطع في نقطة واحدة لم تكن تتخيل يومًا أنها ستقف أمامها وجهًا لوجه في مكتب عملها، دون سابق إنذار، ودون أن يعرف الرجل نفسه ربما أنها بدأت تقترب من كشف سره الذي حمله بصمت طوال عشر سنوات كاملة.

في تلك الليلة، لم تستطع جمانة أن تنام، ظلت تحدق في السقف، تعيد في ذهنها كل كلمة قالها زياد خلال الأيام الماضية، كل نظرة، كل تفصيلة صغيرة بدت الآن وكأنها تحمل معنى مختلفًا تمامًا عما بدت عليه في حينها. تذكرت جملته حين ذكر اسم والدها: "اسم لطالما سمعت عنه في أوساط المهندسين القدامى"، وتساءلت إن كانت تلك الجملة مجرد مجاملة عابرة، أم أنها كانت محاولة متعمدة منه لإخفاء معرفة أعمق بكثير، معرفة شخصية وليست مجرد سمعة مهنية سمع بها من بعيد.

قررت في تلك الليلة أنها لن تتسرع في مواجهته، وأنها ستراقب عن كثب، تجمع الأدلة بحذر شديد قبل أن تتخذ أي خطوة قد لا تُحتمل عواقبها، سواء عليها أو عليه. فكرت أيضًا أنها بحاجة إلى مقارنة أدق للخطين، ربما عبر خبير خطوط متخصص تستطيع ريما التواصل معه بحكم عملها الصحفي، حتى لا تُبنى استنتاجاتها على مجرد انطباع عاطفي قد يخذلها في النهاية. كما قررت أن تطلب من سامر التحقق بهدوء من السجل المهني لزياد المهيري تحديدًا، لترى إن كان اسمه يظهر في وثائق الشركة القديمة التي كان يملكها والدها، بدلًا من الاكتفاء بالتخمينات والمصادفات المتناثرة.

لكنها كانت تعرف في أعماقها، وهي تطفئ النور أخيرًا محاولة أن تجد بعض النوم، أن حياتها لن تكون كما كانت من قبل، وأن الرجل الذي دخل مكتبها بابتسامة هادئة قبل أيام قليلة، ربما يحمل بين طيات ماضيه إجابة كل سؤال طرحته على نفسها طوال عشر سنوات من الانتظار الصامت، وأن الأيام القادمة، مهما بدت مخيفة ومحفوفة بالمجهول، ستكون البوابة الحقيقية نحو الحقيقة الكاملة التي طالما بحثت عنها منذ رحيل والدها، حقيقة لن تعيد لها أباها، لكنها قد تعيد لها شيئًا آخر لم تكن تتوقعه أبدًا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل السابع: ليلى المهيري

    لم تنم جمانة تلك الليلة إلا قليلًا، وحين استيقظت في الصباح كانت ريما قد أرسلت لها رسالة تخبرها فيها أنها نجحت، عبر بعض معارفها في نقابة المحامين، في الحصول على عنوان صيدلية صغيرة تعمل فيها امرأة تُدعى ليلى المهيري في أحد أحياء المدينة الشرقية. لم تكن ريما متأكدة تمامًا أنها الشخص نفسه، فالاسم قد يتكرر، لكنها اقترحت أن تذهبا معًا للتأكد بأنفسهما، دون أن تكشفا في البداية عن هويتيهما الحقيقيتين أو سبب زيارتهما.وصلتا إلى الصيدلية في وقت متأخر من بعد الظهر، صيدلية صغيرة نظيفة، تقف خلف طاولتها امرأة في أواخر الثلاثينيات، ذات ملامح هادئة تشبه إلى حد كبير ملامح زياد، العينان نفسهما اللتان تحملان نظرة عميقة، والابتسامة الحذرة التي تبدو وكأنها تخفي وراءها سنوات من التعب. شعرت جمانة بيقين فوري أن هذه هي المرأة التي تبحثان عنها.تقدمت ريما أولًا، وقالت بلباقتها الصحفية المعتادة: "مساء الخير، بدنا دواء لالتهاب حلق بسيط، بس بصراحة، إذا ممكن، عندنا كمان سؤال شخصي، إذا ما عندك مانع".رفعت المرأة نظرها بحذر واضح، وكأنها اعتادت أن تتوقع المفاجآت غير السارة من كل سؤال غريب يوجَّه إليها، وقالت بصوت متحف

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل السادس: خيوط تتقاطع

    مرّ أسبوع كامل على لقاء جمانة الأول بزياد المهيري، أسبوع بدت خلاله الأيام أطول من المعتاد، وكأن الزمن نفسه أصبح يتباطأ كلما اقتربت من مكتبه أو تبادلت معه حديثًا عابرًا حول تفاصيل المشروع. حاولت أن تتصرف بطبيعية أمام زملائها، أن تُخفي الاضطراب الذي يعتمل في داخلها، لكن ريما، بحسّها الصحفي الذي لا يخطئ، لاحظت من نبرة صوتها عبر الهاتف أن شيئًا يشغل بالها أكثر من المعتاد.اتصلت بها في مساء أحد الأيام، وقالت بلا مقدمات: "طيب يا جمانة، خبريني شو صار مع سامر، هل قدر يتحقق من سجل زياد المهني زي ما اتفقتوا؟"أجابت جمانة وهي تجلس على حافة سريرها، صوتها يحمل مزيجًا من القلق والفضول: "سامر بعده يشتغل عليها، قالي إنه المسألة مو سهلة زي ما تخيلنا، لأنه سجلات نقابة المهندسين القديمة مش كلها محوسبة، في جزء كبير منها لسا على ورق، وبده وقت إنه يوصل لملف زياد الكامل".سكتت ريما للحظة، ثم قالت بجدية غير معتادة منها: "وأنا من جهتي، لقيت حدا ممكن يساعدنا، خبير خطوط قديم كان يشتغل مع الجريدة زمان قبل ما يتقاعد، اسمه الأستاذ فؤاد حداد، ناس بتقول عنه إنه من أدق الخبراء بهالمجال بالبلد كله. ممكن نوريه نسخة عن

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل الخامس: وجه من الماضي

    مرّ أسبوعان دون تقدم يُذكر في التحقيق، إذ لم تفلح محاولات ريما في الوصول إلى سجلات زيارات السجن، بسبب القيود الرسمية المشددة على مثل هذه المعلومات، ولم تُثمر محاولاتها أيضًا في العثور على أثر واضح لليلى المهيري، التي بدا أنها غيّرت مكان إقامتها أكثر من مرة خلال السنوات الماضية. شعرت جمانة بإحباط متصاعد، وبدأت تتساءل إن كانت كل هذه الجهود ستبوء بالفشل في النهاية، تاركة إياها حبيسة الغموض ذاته الذي عاشت فيه طوال عشر سنوات.في تلك الأثناء، كانت الحياة اليومية تفرض عليها إيقاعها المعتاد، فقد كانت جمانة تعمل مهندسة ديكور داخلي في مكتب هندسي متوسط الحجم، يتولى مشاريع تصميم داخلي لفلل ومكاتب تجارية في عمّان. كان مديرها قد أخبرها قبل أيام أن المكتب بصدد التعاقد مع استشاري خارجي جديد للمساعدة في مشروع كبير يتعلق بترميم وإعادة تصميم مبنى تجاري قديم في وسط البلد، مشروع يتطلب خبرة خاصة في الهندسة الإنشائية إلى جانب التصميم الداخلي.في صباح أحد الأيام، دخلت جمانة إلى مكتبها لتجد اجتماعًا مقررًا مع ذلك الاستشاري الجديد لمناقشة تفاصيل المشروع. جلست في قاعة الاجتماعات مع زملائها، تراجع أوراقها استعدا

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل الرابع: ملف مغلق

    استغرق الأمر من سامر أسبوعًا كاملًا قبل أن يتمكن من الحصول على نسخة كاملة من ملف القضية، مستعينًا بمعرفته الشخصية بأحد كتّاب العدل الذين عملوا سابقًا في المحكمة التي نظرت القضية. حين أعطاها الملف أخيرًا، وضعه على طاولة غرفة معيشته بحذر، وقال بجدية لم تعهدها جمانة فيه من قبل: "قبل ما تفتحيه، بدي أوضحلك إشي، هاد الملف فيه تفاصيل قاسية عن الليلة اللي مات فيها بابا، وفيه كمان أشياء يمكن ما كنتِ تعرفيها عن علاقة بابا بشركائه، خصوصًا خالد نمر".جلست جمانة، ريما بجانبها كما اتفقتا مسبقًا، وبدأت الثلاثة يقلبون صفحات الملف الرسمي، الذي كان أكثر تفصيلًا وتعقيدًا بكثير من التغطية الصحفية المختصرة التي قرأتاها في الأرشيف. تضمن الملف محاضر استجواب الشهود، وتقرير الطب الشرعي، وتقرير خبراء الحرائق، إلى جانب مرافعات الدفاع والادعاء.لفت انتباه جمانة أولًا تقرير خبير الحرائق، الذي أشار إلى أن نقطة اشتعال الحريق كانت في الزاوية الجنوبية الشرقية من المستودع، حيث كانت تُحفظ بعض المواد الكيميائية المستخدمة في أعمال البناء، وأن الحريق انتشر بسرعة غير معتادة، مما يرجح استخدام مادة معجلة للاشتعال. لكن ما لفت

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل الثالث: خيوط أولى

    استقبلت ريما جمانة في مقهى صغير قرب مكتب الجريدة التي تعمل فيها، مقهى هادئ اعتادتا الجلوس فيه كلما احتاجتا إلى حديث بعيد عن ضجيج المدينة. وضعت ريما هاتفها جانبًا فور أن رأت ملامح صديقتها المتوترة، وقالت وهي تسحب كرسيها أقرب: "طيب، احكيلي كل شي من الأول، ما بدي أفوت ولا تفصيلة".سردت جمانة على مسامعها كل ما فكرت فيه الليلة الماضية، من ملاحظتها حول توقيت الرسائل الثابت منذ عشر سنوات، مرورًا بجملة الرسالة الأولى الغامضة عن "الكتابة نيابة عنه"، وصولًا إلى الفرضية التي بدأت تتشكل في ذهنها: أن كاتب الرسائل ربما يكون رجلًا كان محرومًا من حريته طوال هذه المدة، وربما، وهنا خفض صوتها وكأنها تخشى أن تنطق الاسم بصوت عالٍ، ربما يكون هو زياد المهيري نفسه.أطرقت ريما برأسها للحظة، ثم قالت بحماس الصحفية التي تشم رائحة قصة مهمة: "لو صح ظنك، هاد معناه إنه كان يكتب الرسائل من داخل السجن، وحدا تاني كان يوصلها لأهلك بالنيابة عنه. جمانة، هاد مو مجرد قصة حب غامضة، هاد ممكن يكون قصة أعمق بكتير، ممكن يكون في علاقة بين قضية والدك والقضية اللي حُكم فيها على هالراجل".هزت جمانة رأسها موافقة، فقد كانت تلك بالضبط

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل الثاني: عام الرماد

    لم تكن جمانة تتذكر الكثير من تفاصيل ذلك اليوم، اليوم الذي تغيّرت فيه حياتها إلى الأبد، لكنها كانت تتذكر الرائحة. رائحة الدخان التي علقت بملابسها حين ركضت من المدرسة إلى المستشفى، رائحة اللهب المحترق التي لم تفارق أنفها لأشهر طويلة بعدها، حتى حين كانت تغسل شعرها مرات متكررة، ظلت تشم تلك الرائحة كلما أغمضت عينيها.كانت في السابعة عشرة من عمرها، طالبة في الصف الحادي عشر، حين اتصلت بها أمها بصوت مبحوح لتخبرها أن والدها إبراهيم في المستشفى، وأن هناك حريقًا اندلع في مستودع الشركة. ركضت جمانة من فصلها دون أن تنتظر إذن المعلمة، ودون أن تحمل حقيبتها، وركبت أول سيارة أجرة وجدتها، قلبها يخفق بعنف طوال الطريق وكأنه يحاول أن يهرب من صدرها.حين وصلت إلى المستشفى، وجدت أمها جالسة على مقعد بلاستيكي في الممر، ووجهها شاحب كورقة بيضاء، وأخاها سامر واقفًا بجانبها يحاول أن يتماسك رغم أن يديه كانتا ترتجفان بوضوح. لم يحتج أحد أن يقول شيئًا، فقد قرأت جمانة الخبر في عيونهم قبل أن يخرج الطبيب من الغرفة ليخبرهم رسميًا أن إبراهيم السالم قد فارق الحياة متأثرًا بحروق بالغة واستنشاق دخان كثيف.في الأيام التي تلت ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status