Início / الرومانسية / الرسائل التي لم تصل / الفصل الرابع: ملف مغلق

Compartilhar

الفصل الرابع: ملف مغلق

Autor: Zeze
last update Data de publicação: 2026-07-07 17:58:02

استغرق الأمر من سامر أسبوعًا كاملًا قبل أن يتمكن من الحصول على نسخة كاملة من ملف القضية، مستعينًا بمعرفته الشخصية بأحد كتّاب العدل الذين عملوا سابقًا في المحكمة التي نظرت القضية. حين أعطاها الملف أخيرًا، وضعه على طاولة غرفة معيشته بحذر، وقال بجدية لم تعهدها جمانة فيه من قبل: "قبل ما تفتحيه، بدي أوضحلك إشي، هاد الملف فيه تفاصيل قاسية عن الليلة اللي مات فيها بابا، وفيه كمان أشياء يمكن ما كنتِ تعرفيها عن علاقة بابا بشركائه، خصوصًا خالد نمر".

جلست جمانة، ريما بجانبها كما اتفقتا مسبقًا، وبدأت الثلاثة يقلبون صفحات الملف الرسمي، الذي كان أكثر تفصيلًا وتعقيدًا بكثير من التغطية الصحفية المختصرة التي قرأتاها في الأرشيف. تضمن الملف محاضر استجواب الشهود، وتقرير الطب الشرعي، وتقرير خبراء الحرائق، إلى جانب مرافعات الدفاع والادعاء.

لفت انتباه جمانة أولًا تقرير خبير الحرائق، الذي أشار إلى أن نقطة اشتعال الحريق كانت في الزاوية الجنوبية الشرقية من المستودع، حيث كانت تُحفظ بعض المواد الكيميائية المستخدمة في أعمال البناء، وأن الحريق انتشر بسرعة غير معتادة، مما يرجح استخدام مادة معجلة للاشتعال. لكن ما لفت انتباهها أكثر كان ملاحظة صغيرة في هامش التقرير، تشير إلى أن كاميرات المراقبة في المستودع كانت معطلة في تلك الليلة تحديدًا، وأن الشركة أفادت حينها أن العطل تقني وناتج عن انقطاع الكهرباء المفاجئ الذي سبق اندلاع الحريق بساعة تقريبًا.

قالت ريما وهي تتابع القراءة بتمعن: "انقطاع كهرباء بالصدفة، بالليلة اللي بالضبط انقطعت فيها الكاميرات؟ هاد مو منطقي أبدًا، خصوصًا إذا في شك أصلًا إنه في تلاعب مالي بالشركة".

تابعوا القراءة إلى محضر استجواب زياد المهيري نفسه، والذي أنكر فيه بشكل قاطع ومتكرر أي علاقة له بإشعال الحريق، وأكد أن المستندات المالية التي عُثر عليها في مكتبه لم تكن من إعداده، بل وجدها هناك بشكل مفاجئ قبل الحادثة بأيام قليلة، وأنه كان ينوي مواجهة خالد نمر بها لأنه شك أن هناك من يحاول توريطه في تلاعب لم يقم به. لكن أقواله هذه لم تُؤخذ بجدية كافية من المحققين، الذين اعتبروها محاولة يائسة للتهرب من المسؤولية.

توقفت جمانة طويلًا عند فقرة معينة في أقوال زياد، حين سُئل عن علاقته بعائلة إبراهيم السالم، فأجاب: "إبراهيم كان بمثابة الأب الثاني بالنسبة لي، علّمني كل شي أعرفه بالمهنة، وثق فيّ لما محدا وثق. ما كنت أبدًا لأأذيه أو أوذي عائلته، وابنته جمانة كانت... كانت زي أخت صغيرة بالنسبة لي، ما كنت لأسمح لنفسي إني أأذيها بأي شكل".

شعرت جمانة بغصة في حلقها وهي تقرأ هذه الكلمات، فقد كانت أول مرة ترى فيها اسمها مذكورًا صراحة في سياق هذه القضية، وشعرت بشيء غريب يتحرك في صدرها، مزيج من الحزن على رجل بدا صادقًا في كلماته، والغضب من نظام قضائي لم يمنحه فرصة كافية ليُثبت براءته.

سألت أخاها بصوت متهدج قليلًا: "سامر، إنت كمحامي، شو رأيك بهالأدلة؟ هل فعلًا كانت كافية تدين حدا بجريمة بهالحجم؟"

فكر سامر طويلًا قبل أن يجيب، وكأنه يوازن بين مهنيته كمحامٍ وحبه لأخته: "بصراحة يا جمانة، لو كنت أنا محامي الدفاع بهالقضية، كان فيني أطعن بكتير نقاط. الأدلة كلها ظرفية، ما في دليل قاطع مباشر يربط زياد بإشعال الحريق فعليًا، كل شي مبني على شهادة غير مؤكدة عن سيارة تشبه سيارته، ومستندات مالية هو نفسه قال إنه ما كان يعرف مصدرها. بس يمكن يكون محاميه وقتها ما كان قوي كفاية، أو يمكن كان في ضغط إعلامي واجتماعي كبير خلى القضاء يميل بسرعة أكتر من اللازم لإصدار حكم يريح الرأي العام".

تدخلت ريما قائلة: "وفي نقطة كمان لازم ننتبهلها، مين المستفيد الحقيقي من كل هالقصة؟ خالد نمر صار صاحب الشركة كاملة بعد وفاة إبراهيم وسجن زياد، مافي حدا تاني يقاسمه القرار أو الأرباح. هاد نوع من المصلحة يستاهل إنه يتفحص بعناية أكتر بكتير مما انتبهله المحققون وقتها".

راجعوا معًا آخر أقوال خالد نمر في الملف، والذي أكد بثقة تامة أنه هو من اكتشف المستندات المشبوهة في مكتب زياد بمحض الصدفة، وأنه أبلغ الإدارة فورًا قبل الحادثة بأيام، وأن علاقته بزياد كانت طيبة قبل ذلك ولم يكن بينهما أي خلاف شخصي يُذكر، نافيًا بشكل قاطع وجود أي نزاع مالي مباشر بينه وبين المهندس الشاب، رغم أن تقارير أخرى في الملف أشارت إلى وجود شكاوى سابقة من موظفين آخرين حول أسلوب خالد نمر في إدارة حسابات الشركة.

أغلقت جمانة الملف أخيرًا، وجلست صامتة لدقائق طويلة، تحاول أن تستوعب كل ما قرأته. شعرت بغضب متصاعد تجاه نظام لم يمنح رجلًا فرصة كافية للدفاع عن نفسه، وتجاه شريك أعمال ربما استغل مأساة موت صديقه ليخفي جرائمه الخاصة، وتجاه صمت عائلتها الطويل الذي حرمها من معرفة هذه التفاصيل لسنوات عديدة.

سألت أمها لاحقًا في ذلك المساء، بعد أن عادت نائلة من زيارة لجارتها: "أمي، ليش محدا حكالي قبل هيك عن كل تفاصيل قضية أبوي؟ ليش خليتوني أعيش عشر سنين وأنا ما بعرف إنه ممكن يكون في ظلم كبير صار بحق حدا؟"

جلست نائلة بجانب ابنتها، ووجهها يحمل تعبًا عميقًا، وقالت بصوت مرتجف: "يا جمانة، وقتها كنتِ صغيرة، وكل واحد فينا كان غرقان بحزنه الخاص. أنا شخصيًا ما كنت متأكدة من شي، بس كان في جزء مني حس إنه في شي ناقص بالقصة اللي انحكت لنا، بس خفت أفتح موضوع يمكن يوجعنا أكتر من اللي إحنا فيه أصلًا، خصوصًا وإنه محدا كان قادر يغيّر الحكم اللي صدر أصلًا".

بعد أن انصرفت نائلة إلى غرفتها تلك الليلة، بقيت جمانة جالسة وحدها في الصالة، تراجع في ذهنها كل ما قرأته في الملف. أخرجت دفترًا صغيرًا كانت قد بدأت تستخدمه لتدوين ملاحظاتها، وكتبت فيه قائمة بالأسئلة التي ما زالت بلا إجابة: لماذا كانت كاميرات المراقبة معطلة في تلك الليلة بالذات؟ من الذي وضع المستندات المالية المزورة في مكتب زياد إن لم يكن هو من أعدّها؟ ولماذا لم يكلف أحد نفسه عناء التحقيق في مصلحة خالد نمر المباشرة من الحادثة برمّتها؟

راجعت الأسئلة مرارًا، وبدأت تلاحظ أن كل خيط في هذه القصة، مهما بدا صغيرًا أو عرضيًا، كان يقود في النهاية إلى الاتجاه نفسه: أن شخصًا ما، داخل الشركة نفسها، كان يمتلك الدافع والفرصة لتدبير هذا كله، وأن زياد المهيري، بكل بساطة، كان الضحية الأسهل والأنسب ليتحمل وزر جريمة لم يرتكبها. شعرت بقشعريرة وهي تكتب اسم خالد نمر وتضع تحته خطًا مزدوجًا، وكأنها بذلك التصرف الصغير تعلن لنفسها بداية مواجهة لن تكون سهلة على الإطلاق.

في اليوم التالي، طلبت جمانة من ريما أن ترافقها إلى موقع المستودع القديم، الذي ظل مهجورًا لسنوات طويلة قبل أن تبيعه الشركة لمستثمر آخر حوّله إلى مستودع لتخزين مواد البناء. لم تكن قد زارت المكان منذ الحادثة، وشعرت وهي تقترب منه بثقل غريب يجثم على صدرها، وكأن الزمن توقف عند تلك النقطة بالذات من حياتها.

وقفت أمام السور الخارجي، تتأمل المبنى الذي أعيد بناؤه جزئيًا، بينما بقيت بعض الجدران القديمة المتفحمة شاهدة على ما جرى، مطلية بطبقة جديدة من الدهان لم تستطع إخفاء آثار السواد القديم كاملة إن تمعن الناظر فيها جيدًا. قالت ريما بصوت هادئ وهي تضع يدها على كتف صديقتها: "ما لازم نطول هون كتير، بس حسيت إنه مهم تشوفي المكان بعينك، مش بس تقرئي عنه بالأوراق".

تذكرت جمانة، وهي تقف هناك، آخر مرة زارت فيها المكان مع والدها، حين كانت طفلة صغيرة، وكيف كان يأخذها أحيانًا في عطلة نهاية الأسبوع ليريها "مملكته الصغيرة" كما كان يسميها مازحًا، ويشرح لها بحماس كيف بُنيت كل زاوية فيها بجهده وجهد فريقه. شعرت بدموع ساخنة تنهمر فجأة على وجنتيها، دموع لم تسمح لنفسها أن تذرفها بحرية منذ سنوات طويلة، وكأن المكان نفسه فتح بابًا مغلقًا في داخلها.

سألت ريما بلطف: "بدك نرجع؟"

هزت جمانة رأسها نافية، ومسحت دموعها بظهر يدها، وقالت: "لا، بدي دقيقة بس، بدي أودّع هالمكان بطريقة تانية، مش بس كذكرى مؤلمة، كمان كبداية لشي رح يتغير قريبًا".

عادتا بعد ذلك إلى السيارة، وفي طريق العودة، تحدثتا عن الخطوة التالية في تحقيقهما. اقترحت ريما أن تحاولا الوصول إلى سجلات زيارات السجن الذي قضى فيه زياد المهيري عقوبته، لمعرفة إن كانت أخته ليلى قد زارته بانتظام طوال هذه السنوات، وربما يقودهما ذلك إلى عنوانها الحالي إن كانت لا تزال مقيمة في المنطقة نفسها. كما اقترحت أن تتواصلا بحذر مع أحد المحامين المتقاعدين الذين عملوا في قضايا مشابهة في تلك الفترة، لعله يملك معلومات إضافية عن خلفيات القضية لم تُذكر في الملف الرسمي.

وافقت جمانة على الخطة، وشعرت بأن كل خطوة تخطوها في هذا التحقيق تقربها أكثر من حقيقة كانت تخشاها وتشتاق إليها في آن واحد. سألت ريما وهي تنظر من نافذة السيارة إلى شوارع المدينة المزدحمة: "لو فعلًا طلعت الحقيقة إنه زياد كان بريء طول هالوقت، وإنه هو كاتب الرسائل، شو المفروض أعمل؟ يعني كيف بدي أتعامل مع رجل قضى عشر سنين بالسجن بسبب ظلم، وبنفس الوقت كان يراقب حياتي ويكتب لي كل هالكلام الحلو من وراء القضبان؟"

فكرت ريما قليلًا قبل أن تجيب: "ما حدا فيه يجاوبك عن هالسؤال غيرك إنتِ يا جمانة، بس اللي متأكدة منه إنه مهما كانت الإجابة، إنتِ رح تكوني قادرة تتعاملي معها بشجاعة، زي ما تعاملتي مع كل شي صعب مر عليكِ من قبل".

لم تجب جمانة، لكنها شعرت بدفء غريب يسري في صدرها عند سماع كلمات صديقتها، وكأن جزءًا منها بدأ يتصالح مسبقًا مع فكرة أن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة أو معقدة، ستكون في النهاية أفضل من عشر سنوات إضافية من الحيرة والانتظار الصامت. كانت تلك أول مرة تعترف فيها نائلة صراحة أمام ابنتها بشكوكها القديمة، وشعرت جمانة أن جدار الصمت الذي أحاط بعائلتها طوال عشر سنوات بدأ أخيرًا يتصدع، مفسحًا المجال لضوء حقيقة طال انتظارها، حقيقة بدأت ملامحها تتضح شيئًا فشيئًا، لكنها كانت تعرف في أعماقها أن الطريق ما زال طويلًا قبل أن تصل إلى نهايته الكاملة، وأن كل ورقة جديدة تقرؤها، وكل مكان قديم تزوره، إنما هي خطوة صغيرة على طريق طويل نحو مواجهة لا مفر منها، مواجهة ستحدد شكل الأيام القادم

ة لها ولعائلتها بأكملها.

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل السابع: ليلى المهيري

    لم تنم جمانة تلك الليلة إلا قليلًا، وحين استيقظت في الصباح كانت ريما قد أرسلت لها رسالة تخبرها فيها أنها نجحت، عبر بعض معارفها في نقابة المحامين، في الحصول على عنوان صيدلية صغيرة تعمل فيها امرأة تُدعى ليلى المهيري في أحد أحياء المدينة الشرقية. لم تكن ريما متأكدة تمامًا أنها الشخص نفسه، فالاسم قد يتكرر، لكنها اقترحت أن تذهبا معًا للتأكد بأنفسهما، دون أن تكشفا في البداية عن هويتيهما الحقيقيتين أو سبب زيارتهما.وصلتا إلى الصيدلية في وقت متأخر من بعد الظهر، صيدلية صغيرة نظيفة، تقف خلف طاولتها امرأة في أواخر الثلاثينيات، ذات ملامح هادئة تشبه إلى حد كبير ملامح زياد، العينان نفسهما اللتان تحملان نظرة عميقة، والابتسامة الحذرة التي تبدو وكأنها تخفي وراءها سنوات من التعب. شعرت جمانة بيقين فوري أن هذه هي المرأة التي تبحثان عنها.تقدمت ريما أولًا، وقالت بلباقتها الصحفية المعتادة: "مساء الخير، بدنا دواء لالتهاب حلق بسيط، بس بصراحة، إذا ممكن، عندنا كمان سؤال شخصي، إذا ما عندك مانع".رفعت المرأة نظرها بحذر واضح، وكأنها اعتادت أن تتوقع المفاجآت غير السارة من كل سؤال غريب يوجَّه إليها، وقالت بصوت متحف

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل السادس: خيوط تتقاطع

    مرّ أسبوع كامل على لقاء جمانة الأول بزياد المهيري، أسبوع بدت خلاله الأيام أطول من المعتاد، وكأن الزمن نفسه أصبح يتباطأ كلما اقتربت من مكتبه أو تبادلت معه حديثًا عابرًا حول تفاصيل المشروع. حاولت أن تتصرف بطبيعية أمام زملائها، أن تُخفي الاضطراب الذي يعتمل في داخلها، لكن ريما، بحسّها الصحفي الذي لا يخطئ، لاحظت من نبرة صوتها عبر الهاتف أن شيئًا يشغل بالها أكثر من المعتاد.اتصلت بها في مساء أحد الأيام، وقالت بلا مقدمات: "طيب يا جمانة، خبريني شو صار مع سامر، هل قدر يتحقق من سجل زياد المهني زي ما اتفقتوا؟"أجابت جمانة وهي تجلس على حافة سريرها، صوتها يحمل مزيجًا من القلق والفضول: "سامر بعده يشتغل عليها، قالي إنه المسألة مو سهلة زي ما تخيلنا، لأنه سجلات نقابة المهندسين القديمة مش كلها محوسبة، في جزء كبير منها لسا على ورق، وبده وقت إنه يوصل لملف زياد الكامل".سكتت ريما للحظة، ثم قالت بجدية غير معتادة منها: "وأنا من جهتي، لقيت حدا ممكن يساعدنا، خبير خطوط قديم كان يشتغل مع الجريدة زمان قبل ما يتقاعد، اسمه الأستاذ فؤاد حداد، ناس بتقول عنه إنه من أدق الخبراء بهالمجال بالبلد كله. ممكن نوريه نسخة عن

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل الخامس: وجه من الماضي

    مرّ أسبوعان دون تقدم يُذكر في التحقيق، إذ لم تفلح محاولات ريما في الوصول إلى سجلات زيارات السجن، بسبب القيود الرسمية المشددة على مثل هذه المعلومات، ولم تُثمر محاولاتها أيضًا في العثور على أثر واضح لليلى المهيري، التي بدا أنها غيّرت مكان إقامتها أكثر من مرة خلال السنوات الماضية. شعرت جمانة بإحباط متصاعد، وبدأت تتساءل إن كانت كل هذه الجهود ستبوء بالفشل في النهاية، تاركة إياها حبيسة الغموض ذاته الذي عاشت فيه طوال عشر سنوات.في تلك الأثناء، كانت الحياة اليومية تفرض عليها إيقاعها المعتاد، فقد كانت جمانة تعمل مهندسة ديكور داخلي في مكتب هندسي متوسط الحجم، يتولى مشاريع تصميم داخلي لفلل ومكاتب تجارية في عمّان. كان مديرها قد أخبرها قبل أيام أن المكتب بصدد التعاقد مع استشاري خارجي جديد للمساعدة في مشروع كبير يتعلق بترميم وإعادة تصميم مبنى تجاري قديم في وسط البلد، مشروع يتطلب خبرة خاصة في الهندسة الإنشائية إلى جانب التصميم الداخلي.في صباح أحد الأيام، دخلت جمانة إلى مكتبها لتجد اجتماعًا مقررًا مع ذلك الاستشاري الجديد لمناقشة تفاصيل المشروع. جلست في قاعة الاجتماعات مع زملائها، تراجع أوراقها استعدا

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل الرابع: ملف مغلق

    استغرق الأمر من سامر أسبوعًا كاملًا قبل أن يتمكن من الحصول على نسخة كاملة من ملف القضية، مستعينًا بمعرفته الشخصية بأحد كتّاب العدل الذين عملوا سابقًا في المحكمة التي نظرت القضية. حين أعطاها الملف أخيرًا، وضعه على طاولة غرفة معيشته بحذر، وقال بجدية لم تعهدها جمانة فيه من قبل: "قبل ما تفتحيه، بدي أوضحلك إشي، هاد الملف فيه تفاصيل قاسية عن الليلة اللي مات فيها بابا، وفيه كمان أشياء يمكن ما كنتِ تعرفيها عن علاقة بابا بشركائه، خصوصًا خالد نمر".جلست جمانة، ريما بجانبها كما اتفقتا مسبقًا، وبدأت الثلاثة يقلبون صفحات الملف الرسمي، الذي كان أكثر تفصيلًا وتعقيدًا بكثير من التغطية الصحفية المختصرة التي قرأتاها في الأرشيف. تضمن الملف محاضر استجواب الشهود، وتقرير الطب الشرعي، وتقرير خبراء الحرائق، إلى جانب مرافعات الدفاع والادعاء.لفت انتباه جمانة أولًا تقرير خبير الحرائق، الذي أشار إلى أن نقطة اشتعال الحريق كانت في الزاوية الجنوبية الشرقية من المستودع، حيث كانت تُحفظ بعض المواد الكيميائية المستخدمة في أعمال البناء، وأن الحريق انتشر بسرعة غير معتادة، مما يرجح استخدام مادة معجلة للاشتعال. لكن ما لفت

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل الثالث: خيوط أولى

    استقبلت ريما جمانة في مقهى صغير قرب مكتب الجريدة التي تعمل فيها، مقهى هادئ اعتادتا الجلوس فيه كلما احتاجتا إلى حديث بعيد عن ضجيج المدينة. وضعت ريما هاتفها جانبًا فور أن رأت ملامح صديقتها المتوترة، وقالت وهي تسحب كرسيها أقرب: "طيب، احكيلي كل شي من الأول، ما بدي أفوت ولا تفصيلة".سردت جمانة على مسامعها كل ما فكرت فيه الليلة الماضية، من ملاحظتها حول توقيت الرسائل الثابت منذ عشر سنوات، مرورًا بجملة الرسالة الأولى الغامضة عن "الكتابة نيابة عنه"، وصولًا إلى الفرضية التي بدأت تتشكل في ذهنها: أن كاتب الرسائل ربما يكون رجلًا كان محرومًا من حريته طوال هذه المدة، وربما، وهنا خفض صوتها وكأنها تخشى أن تنطق الاسم بصوت عالٍ، ربما يكون هو زياد المهيري نفسه.أطرقت ريما برأسها للحظة، ثم قالت بحماس الصحفية التي تشم رائحة قصة مهمة: "لو صح ظنك، هاد معناه إنه كان يكتب الرسائل من داخل السجن، وحدا تاني كان يوصلها لأهلك بالنيابة عنه. جمانة، هاد مو مجرد قصة حب غامضة، هاد ممكن يكون قصة أعمق بكتير، ممكن يكون في علاقة بين قضية والدك والقضية اللي حُكم فيها على هالراجل".هزت جمانة رأسها موافقة، فقد كانت تلك بالضبط

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل الثاني: عام الرماد

    لم تكن جمانة تتذكر الكثير من تفاصيل ذلك اليوم، اليوم الذي تغيّرت فيه حياتها إلى الأبد، لكنها كانت تتذكر الرائحة. رائحة الدخان التي علقت بملابسها حين ركضت من المدرسة إلى المستشفى، رائحة اللهب المحترق التي لم تفارق أنفها لأشهر طويلة بعدها، حتى حين كانت تغسل شعرها مرات متكررة، ظلت تشم تلك الرائحة كلما أغمضت عينيها.كانت في السابعة عشرة من عمرها، طالبة في الصف الحادي عشر، حين اتصلت بها أمها بصوت مبحوح لتخبرها أن والدها إبراهيم في المستشفى، وأن هناك حريقًا اندلع في مستودع الشركة. ركضت جمانة من فصلها دون أن تنتظر إذن المعلمة، ودون أن تحمل حقيبتها، وركبت أول سيارة أجرة وجدتها، قلبها يخفق بعنف طوال الطريق وكأنه يحاول أن يهرب من صدرها.حين وصلت إلى المستشفى، وجدت أمها جالسة على مقعد بلاستيكي في الممر، ووجهها شاحب كورقة بيضاء، وأخاها سامر واقفًا بجانبها يحاول أن يتماسك رغم أن يديه كانتا ترتجفان بوضوح. لم يحتج أحد أن يقول شيئًا، فقد قرأت جمانة الخبر في عيونهم قبل أن يخرج الطبيب من الغرفة ليخبرهم رسميًا أن إبراهيم السالم قد فارق الحياة متأثرًا بحروق بالغة واستنشاق دخان كثيف.في الأيام التي تلت ال

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status