LOGINاستقبلت ريما جمانة في مقهى صغير قرب مكتب الجريدة التي تعمل فيها، مقهى هادئ اعتادتا الجلوس فيه كلما احتاجتا إلى حديث بعيد عن ضجيج المدينة. وضعت ريما هاتفها جانبًا فور أن رأت ملامح صديقتها المتوترة، وقالت وهي تسحب كرسيها أقرب: "طيب، احكيلي كل شي من الأول، ما بدي أفوت ولا تفصيلة".
سردت جمانة على مسامعها كل ما فكرت فيه الليلة الماضية، من ملاحظتها حول توقيت الرسائل الثابت منذ عشر سنوات، مرورًا بجملة الرسالة الأولى الغامضة عن "الكتابة نيابة عنه"، وصولًا إلى الفرضية التي بدأت تتشكل في ذهنها: أن كاتب الرسائل ربما يكون رجلًا كان محرومًا من حريته طوال هذه المدة، وربما، وهنا خفض صوتها وكأنها تخشى أن تنطق الاسم بصوت عالٍ، ربما يكون هو زياد المهيري نفسه.
أطرقت ريما برأسها للحظة، ثم قالت بحماس الصحفية التي تشم رائحة قصة مهمة: "لو صح ظنك، هاد معناه إنه كان يكتب الرسائل من داخل السجن، وحدا تاني كان يوصلها لأهلك بالنيابة عنه. جمانة، هاد مو مجرد قصة حب غامضة، هاد ممكن يكون قصة أعمق بكتير، ممكن يكون في علاقة بين قضية والدك والقضية اللي حُكم فيها على هالراجل".
هزت جمانة رأسها موافقة، فقد كانت تلك بالضبط الفكرة التي أرّقتها طوال الليل. قالت: "هذا اللي خايفة منه بالضبط يا ريما. مش بس أعرف مين كاتب الرسائل، كمان بدي أفهم شو صار بالضبط بقضية أبوي، لأنه لأول مرة حاسة إنه في شي ناقص بالقصة اللي انحكيت لنا من زمان".
اقترحت ريما أن تبدآ البحث من زاويتين متوازيتين: الأولى عبر الأرشيف الصحفي القديم للجريدة التي تعمل فيها، والذي قد يحتوي على تفاصيل التغطية الإعلامية لقضية الحريق منذ عشر سنوات، والثانية عبر محاولة التواصل غير المباشر مع أي شخص كان قريبًا من زياد المهيري في تلك الفترة، سواء من عائلته أو من زملائه في العمل.
عادتا معًا إلى مكتب الجريدة بعد ظهر ذلك اليوم، ونزلتا إلى غرفة الأرشيف في الطابق السفلي، حيث كانت الملفات القديمة محفوظة في صناديق كرتونية مرتبة حسب السنوات. استغرق البحث ساعة كاملة قبل أن تعثر ريما على مجلد يحمل عنوان "حريق مستودع شركة السالم للمقاولات - قضية 2016"، وبداخله عدد من القصاصات الصحفية المصفرّة، وتقرير مطول كتبه أحد الصحفيين القدامى في الجريدة.
جلستا على طاولة صغيرة في زاوية الغرفة، وبدأتا تقرآن التقرير بتمعن. تحدث التقرير عن اندلاع الحريق في ساعة متأخرة من مساء أحد أيام الخريف، وعن وفاة إبراهيم السالم متأثرًا بحروق بالغة بعد أن حاول، بحسب رواية الشهود، إنقاذ بعض المستندات المهمة من داخل المستودع قبل أن تنهار عليه إحدى الرفوف المحترقة. أشار التقرير أيضًا إلى أن التحقيقات الأولية أشارت إلى وجود مادة معجلة للاشتعال قرب نقطة بدء الحريق، مما استبعد فرضية الحادث العرضي منذ البداية.
توقفت جمانة عند فقرة معينة، أعادت قراءتها مرتين: "أفادت مصادر مقربة من التحقيق أن أصابع الاتهام توجهت بسرعة نحو المهندس زياد المهيري، بعد أن عُثر في مكتبه على مستندات مالية تشير إلى تلاعب في حسابات الشركة، وبعد أن أكد أحد الحراس أنه شاهد سيارة تشبه سيارة المهيري في محيط المستودع قبل ساعتين من اندلاع الحريق".
قالت ريما وهي تتابع القراءة فوق كتف صديقتها: "لاحظي هالكلمة، 'سيارة تشبه سيارة المهيري'، مش 'شاهدت سيارته بالتحديد'. هاي شهادة غير دقيقة أصلًا، بس يمكن كانت كافية وقتها لأنها انضافت لموضوع المستندات المالية".
تابعتا القراءة، ووجدتا فقرة أخرى مثيرة للاهتمام، تشير إلى أن الشريك الآخر في الشركة، خالد نمر، هو من قدّم أغلب الأدلة التي استندت إليها النيابة في اتهام زياد، بما في ذلك المستندات المالية المشبوهة التي زعم أنه عثر عليها بنفسه في مكتب المهندس الشاب. لفت هذا التفصيل انتباه جمانة بشكل خاص، فتذكرت أن اسم خالد نمر كان قد ورد في أحاديث عائلية متفرقة عبر السنين، لكنه اختفى تمامًا من حياتهم بعد وفاة والدها، وكأن العائلة بأكملها تجنبت ذكره عن قصد.
سألت جمانة بصوت خافت: "ريما، إنتِ متذكرة اسم خالد نمر؟ كان شريك أبوي بالشركة"
فكرت ريما قليلًا، ثم قالت: "بصراحة، اسمه مألوف بس مش متذكرة تفاصيل كتير عنه. خلينا نبحث عنه، شايفة شو صار فيه بعد القضية، وين هو هلق".
استخدمت ريما حاسوبها المحمول لتبحث في محركات البحث عن اسم خالد نمر، ووجدت أنه أصبح رجل أعمال بارزًا نسبيًا في السنوات الأخيرة، يملك شركة مقاولات كبيرة تحمل اسمه، وله حضور في بعض الفعاليات الاقتصادية المحلية. لاحظت جمانة أن الصورة المرفقة بأحد المقالات، رغم مرور السنوات، أظهرت رجلًا في الخمسينيات من عمره، بملامح حادة وابتسامة تجارية باردة، لم تجد فيها أي ملمح يذكرها بأي شيء من ذكرياتها الطفولية القليلة عنه.
قالت ريما وهي تغلق الحاسوب: "خالد نمر واضح إنه نجح كتير بعد القضية، الشركة كبرت، وهو صار وجه معروف بالسوق. هاد مو دليل على شي بذاته، بس بيخلينا نتساءل، ليش الشريك يزدهر بعد موت شريكه التاني وسجن المهندس اللي كان يشتغل معهم؟"
لم تجب جمانة مباشرة، بل ظلت تحدق في الصورة على الشاشة، تحاول أن تستحضر أي ذكرى قديمة تربطها بذلك الوجه، لكن شيئًا لم يتضح في ذهنها سوى إحساس غامض بعدم الارتياح، إحساس شعرت به فجأة دون أن تجد له تفسيرًا منطقيًا واضحًا.
اقترحت ريما بعد ذلك أن تحاولا الوصول إلى ملف القضية القانوني الكامل، والذي قد يحتوي على تفاصيل أدق مما تضمنته التغطية الصحفية، وأشارت إلى أن سامر، بحكم عمله كمحامٍ، قد يكون قادرًا على المساعدة في الوصول إلى تلك الأوراق بشكل رسمي، حتى لو كانت القضية مغلقة منذ سنوات.
ترددت جمانة قليلًا عند ذكر اسم أخيها، فتذكرت تلك النظرة الغريبة التي تبادلها مع أمها على مائدة العشاء، والتي جعلتها تشعر أن سامر ربما يعرف شيئًا لم يبح به لها من قبل. قالت لريما بصوت متردد: "بصراحة، حاسة إن سامر وأمي بيخبّوا شي عني، مش عارفة شو بالضبط، بس حاسة فيه".
نظرت ريما إليها بجدية، وقالت: "يمكن يكون عندهم أسبابهم، الناس أحيانًا بتحمي اللي بتحبه من الحقيقة لما تحس إنها بتوجع أكتر مما تفيد. بس إنتِ مو طفلة صغيرة يا جمانة، عندك الحق تعرفي قصة أبوكِ كاملة، وقصتك إنتِ كمان".
قبل أن تغادرا غرفة الأرشيف، عثرت ريما على قصاصة أخيرة، صغيرة الحجم، نُشرت بعد صدور الحكم بأسابيع قليلة، وكانت عبارة عن تصريح مقتضب لأخت المتهم، امرأة يُدعى اسمها ليلى المهيري، قالت فيه: "أخي بريء، وسنثبت ذلك يومًا، مهما طال الزمن". لم يلقَ هذا التصريح صدى إعلاميًا كبيرًا حينها، وبدا وكأنه غرق وسط موجة التغطية التي ركزت على تفاصيل الحريق ومأساة وفاة إبراهيم السالم، لكنه الآن، بعد عشر سنوات، بدا لجمانة وكأنه صرخة مكتومة ظلت عالقة في الأرشيف تنتظر من يسمعها.
قالت ريما وهي تصوّر القصاصة بهاتفها: "ليلى المهيري هاي، لو لسا موجودة وقريبة من المنطقة، ممكن تكون مفتاح مهم كتير. أخته اللي قالت إنه بريء وقتها، يمكن هي نفسها كانت وسيطة الرسائل يا جمانة، فكري فيها، أخت بتحب أخوها وبتؤمن ببراءته، مين أنسب منها إنها تكون الشخص اللي وصل الرسائل كل سنة بالنيابة عنه؟".
شعرت جمانة بقشعريرة خفيفة تسري في جسدها عند سماع هذا الاحتمال، فقد بدا منطقيًا إلى حد بعيد. سألت: "طيب كيف ممكن نلاقيها؟ يمكن تغيّر اسمها بالزواج، يمكن انتقلت من البلد أصلًا بعد كل اللي صار".
اقترحت ريما أن تبحثا في سجلات النقابة الهندسية عن اسم زياد المهيري نفسه أولًا، فربما ما زال اسمه مسجلًا رسميًا حتى لو لم يمارس المهنة منذ سنوات بسبب سجنه، وأن ذلك قد يقودهما بشكل غير مباشر إلى بيانات عائلته المسجلة كجهة اتصال طارئة. جلستا معًا أمام الحاسوب تبحثان في قواعد البيانات العامة المتاحة، ودوّنتا كل اسم وعنوان قديم عثرتا عليه، رغم علمهما أن أغلب هذه المعلومات قد لا تكون محدثة بعد مرور عقد كامل من الزمن.
في تلك الأثناء، تلقت جمانة رسالة نصية من أمها تسألها فيها متى ستعود إلى المنزل، فتذكرت أنها لم تخبر أحدًا من عائلتها أنها تقضي بعد ظهر ذلك اليوم في قراءة تفاصيل مؤلمة عن الحادثة التي غيّرت حياتهم جميعًا. شعرت للحظة بذنب غامض، وكأنها تخون صمت أسرتها الطويل حول هذا الموضوع، لكنها سرعان ما استعادت عزيمتها، متذكرة أن حقها في معرفة الحقيقة الكاملة عن أبيها وعن الرجل الذي يكتب لها منذ عشر سنوات، لا يقل أهمية عن رغبة عائلتها في حمايتها من ألم الماضي.
عادت جمانة إلى منزلها في المساء، وهي تحمل في ذهنها كمًا كبيرًا من الأسئلة الجديدة أكثر مما تحمل من إجابات. قررت أن تتحدث مع سامر مباشرة في أقرب فرصة، وأن تطلب منه، دون مواربة، أن يساعدها في الحصول على ملف القضية الكامل، حتى لو اضطرت إلى مواجهته بما لاحظته من تردد وتوتر في الأيام الأخيرة.
وجدت سامر في المنزل حين وصلت، جالسًا في الصالة يراجع أوراقًا متناثرة أمامه على الطاولة، فجلست بجانبه بهدوء، وقالت بلا مقدمات: "سامر، بدي منك معروف، وبدي إياك تكون صريح معي".
رفع سامر عينيه عن الأوراق، ولاحظت في نظرته توترًا خفيفًا قبل أن يجيب: "قولي، شو في؟"
قالت جمانة وهي تراقب ردة فعله بعناية: "بدي أشوف ملف قضية حريق مستودع الشركة، ملف أبوي، بكل تفاصيله القانونية. إنت محامي، لازم تقدر توصلني للأوراق الرسمية".
ساد صمت قصير لكنه ثقيل، شعرت خلاله جمانة أن أخاها يوازن بين عدة كلمات قبل أن يختار ما سيقوله. قال أخيرًا بصوت أهدأ من المعتاد: "ليش هلق بالذات يا جمانة؟ بعد عشر سنين؟"
أجابت بصدق: "لأن وصلتني رسالة هالسنة مختلفة عن كل السنين اللي فاتت، حاسة إنه في شي رح ينكشف قريب، وبدي أكون جاهزة، بدي أفهم كل التفاصيل قبل ما حدا يفاجئني فيها".
نظر سامر إليها طويلًا، وكأنه يقيّم مدى جديتها، ثم تنهد وقال: "رح أشوف شو أقدر أعمل، بس بشرط، إذا لقينا شي مؤلم أو صعب، ما بدي تتسرعي بردة فعلك، خلينا ناخذ الأمور خطوة خطوة".
وافقت جمانة، وشعرت للمرة الأولى منذ أيام أن أحدًا في عائلتها بدأ يفتح الباب قليلًا أمامها، بدل أن يغلقه كما اعتادت أن تشعر طوال السنوات الماضية. وفي تلك الليلة، وقبل أن تنام، أخرجت مرة أخرى صندوقها الخشبي، وأعادت قراءة الرسالة العاشرة للمرة العشرين ربما، تتوقف عند كل كلمة، تحاول أن تتخيل يدًا تكتبها من خلف جدران باردة، رجلًا ينتظر مثلها، وربما أكثر منها بكثير، أن تُفتح تلك الأبواب الموصدة التي
لطالما تحدث عنها في كل رسائله.
لم تنم جمانة تلك الليلة إلا قليلًا، وحين استيقظت في الصباح كانت ريما قد أرسلت لها رسالة تخبرها فيها أنها نجحت، عبر بعض معارفها في نقابة المحامين، في الحصول على عنوان صيدلية صغيرة تعمل فيها امرأة تُدعى ليلى المهيري في أحد أحياء المدينة الشرقية. لم تكن ريما متأكدة تمامًا أنها الشخص نفسه، فالاسم قد يتكرر، لكنها اقترحت أن تذهبا معًا للتأكد بأنفسهما، دون أن تكشفا في البداية عن هويتيهما الحقيقيتين أو سبب زيارتهما.وصلتا إلى الصيدلية في وقت متأخر من بعد الظهر، صيدلية صغيرة نظيفة، تقف خلف طاولتها امرأة في أواخر الثلاثينيات، ذات ملامح هادئة تشبه إلى حد كبير ملامح زياد، العينان نفسهما اللتان تحملان نظرة عميقة، والابتسامة الحذرة التي تبدو وكأنها تخفي وراءها سنوات من التعب. شعرت جمانة بيقين فوري أن هذه هي المرأة التي تبحثان عنها.تقدمت ريما أولًا، وقالت بلباقتها الصحفية المعتادة: "مساء الخير، بدنا دواء لالتهاب حلق بسيط، بس بصراحة، إذا ممكن، عندنا كمان سؤال شخصي، إذا ما عندك مانع".رفعت المرأة نظرها بحذر واضح، وكأنها اعتادت أن تتوقع المفاجآت غير السارة من كل سؤال غريب يوجَّه إليها، وقالت بصوت متحف
مرّ أسبوع كامل على لقاء جمانة الأول بزياد المهيري، أسبوع بدت خلاله الأيام أطول من المعتاد، وكأن الزمن نفسه أصبح يتباطأ كلما اقتربت من مكتبه أو تبادلت معه حديثًا عابرًا حول تفاصيل المشروع. حاولت أن تتصرف بطبيعية أمام زملائها، أن تُخفي الاضطراب الذي يعتمل في داخلها، لكن ريما، بحسّها الصحفي الذي لا يخطئ، لاحظت من نبرة صوتها عبر الهاتف أن شيئًا يشغل بالها أكثر من المعتاد.اتصلت بها في مساء أحد الأيام، وقالت بلا مقدمات: "طيب يا جمانة، خبريني شو صار مع سامر، هل قدر يتحقق من سجل زياد المهني زي ما اتفقتوا؟"أجابت جمانة وهي تجلس على حافة سريرها، صوتها يحمل مزيجًا من القلق والفضول: "سامر بعده يشتغل عليها، قالي إنه المسألة مو سهلة زي ما تخيلنا، لأنه سجلات نقابة المهندسين القديمة مش كلها محوسبة، في جزء كبير منها لسا على ورق، وبده وقت إنه يوصل لملف زياد الكامل".سكتت ريما للحظة، ثم قالت بجدية غير معتادة منها: "وأنا من جهتي، لقيت حدا ممكن يساعدنا، خبير خطوط قديم كان يشتغل مع الجريدة زمان قبل ما يتقاعد، اسمه الأستاذ فؤاد حداد، ناس بتقول عنه إنه من أدق الخبراء بهالمجال بالبلد كله. ممكن نوريه نسخة عن
مرّ أسبوعان دون تقدم يُذكر في التحقيق، إذ لم تفلح محاولات ريما في الوصول إلى سجلات زيارات السجن، بسبب القيود الرسمية المشددة على مثل هذه المعلومات، ولم تُثمر محاولاتها أيضًا في العثور على أثر واضح لليلى المهيري، التي بدا أنها غيّرت مكان إقامتها أكثر من مرة خلال السنوات الماضية. شعرت جمانة بإحباط متصاعد، وبدأت تتساءل إن كانت كل هذه الجهود ستبوء بالفشل في النهاية، تاركة إياها حبيسة الغموض ذاته الذي عاشت فيه طوال عشر سنوات.في تلك الأثناء، كانت الحياة اليومية تفرض عليها إيقاعها المعتاد، فقد كانت جمانة تعمل مهندسة ديكور داخلي في مكتب هندسي متوسط الحجم، يتولى مشاريع تصميم داخلي لفلل ومكاتب تجارية في عمّان. كان مديرها قد أخبرها قبل أيام أن المكتب بصدد التعاقد مع استشاري خارجي جديد للمساعدة في مشروع كبير يتعلق بترميم وإعادة تصميم مبنى تجاري قديم في وسط البلد، مشروع يتطلب خبرة خاصة في الهندسة الإنشائية إلى جانب التصميم الداخلي.في صباح أحد الأيام، دخلت جمانة إلى مكتبها لتجد اجتماعًا مقررًا مع ذلك الاستشاري الجديد لمناقشة تفاصيل المشروع. جلست في قاعة الاجتماعات مع زملائها، تراجع أوراقها استعدا
استغرق الأمر من سامر أسبوعًا كاملًا قبل أن يتمكن من الحصول على نسخة كاملة من ملف القضية، مستعينًا بمعرفته الشخصية بأحد كتّاب العدل الذين عملوا سابقًا في المحكمة التي نظرت القضية. حين أعطاها الملف أخيرًا، وضعه على طاولة غرفة معيشته بحذر، وقال بجدية لم تعهدها جمانة فيه من قبل: "قبل ما تفتحيه، بدي أوضحلك إشي، هاد الملف فيه تفاصيل قاسية عن الليلة اللي مات فيها بابا، وفيه كمان أشياء يمكن ما كنتِ تعرفيها عن علاقة بابا بشركائه، خصوصًا خالد نمر".جلست جمانة، ريما بجانبها كما اتفقتا مسبقًا، وبدأت الثلاثة يقلبون صفحات الملف الرسمي، الذي كان أكثر تفصيلًا وتعقيدًا بكثير من التغطية الصحفية المختصرة التي قرأتاها في الأرشيف. تضمن الملف محاضر استجواب الشهود، وتقرير الطب الشرعي، وتقرير خبراء الحرائق، إلى جانب مرافعات الدفاع والادعاء.لفت انتباه جمانة أولًا تقرير خبير الحرائق، الذي أشار إلى أن نقطة اشتعال الحريق كانت في الزاوية الجنوبية الشرقية من المستودع، حيث كانت تُحفظ بعض المواد الكيميائية المستخدمة في أعمال البناء، وأن الحريق انتشر بسرعة غير معتادة، مما يرجح استخدام مادة معجلة للاشتعال. لكن ما لفت
استقبلت ريما جمانة في مقهى صغير قرب مكتب الجريدة التي تعمل فيها، مقهى هادئ اعتادتا الجلوس فيه كلما احتاجتا إلى حديث بعيد عن ضجيج المدينة. وضعت ريما هاتفها جانبًا فور أن رأت ملامح صديقتها المتوترة، وقالت وهي تسحب كرسيها أقرب: "طيب، احكيلي كل شي من الأول، ما بدي أفوت ولا تفصيلة".سردت جمانة على مسامعها كل ما فكرت فيه الليلة الماضية، من ملاحظتها حول توقيت الرسائل الثابت منذ عشر سنوات، مرورًا بجملة الرسالة الأولى الغامضة عن "الكتابة نيابة عنه"، وصولًا إلى الفرضية التي بدأت تتشكل في ذهنها: أن كاتب الرسائل ربما يكون رجلًا كان محرومًا من حريته طوال هذه المدة، وربما، وهنا خفض صوتها وكأنها تخشى أن تنطق الاسم بصوت عالٍ، ربما يكون هو زياد المهيري نفسه.أطرقت ريما برأسها للحظة، ثم قالت بحماس الصحفية التي تشم رائحة قصة مهمة: "لو صح ظنك، هاد معناه إنه كان يكتب الرسائل من داخل السجن، وحدا تاني كان يوصلها لأهلك بالنيابة عنه. جمانة، هاد مو مجرد قصة حب غامضة، هاد ممكن يكون قصة أعمق بكتير، ممكن يكون في علاقة بين قضية والدك والقضية اللي حُكم فيها على هالراجل".هزت جمانة رأسها موافقة، فقد كانت تلك بالضبط
لم تكن جمانة تتذكر الكثير من تفاصيل ذلك اليوم، اليوم الذي تغيّرت فيه حياتها إلى الأبد، لكنها كانت تتذكر الرائحة. رائحة الدخان التي علقت بملابسها حين ركضت من المدرسة إلى المستشفى، رائحة اللهب المحترق التي لم تفارق أنفها لأشهر طويلة بعدها، حتى حين كانت تغسل شعرها مرات متكررة، ظلت تشم تلك الرائحة كلما أغمضت عينيها.كانت في السابعة عشرة من عمرها، طالبة في الصف الحادي عشر، حين اتصلت بها أمها بصوت مبحوح لتخبرها أن والدها إبراهيم في المستشفى، وأن هناك حريقًا اندلع في مستودع الشركة. ركضت جمانة من فصلها دون أن تنتظر إذن المعلمة، ودون أن تحمل حقيبتها، وركبت أول سيارة أجرة وجدتها، قلبها يخفق بعنف طوال الطريق وكأنه يحاول أن يهرب من صدرها.حين وصلت إلى المستشفى، وجدت أمها جالسة على مقعد بلاستيكي في الممر، ووجهها شاحب كورقة بيضاء، وأخاها سامر واقفًا بجانبها يحاول أن يتماسك رغم أن يديه كانتا ترتجفان بوضوح. لم يحتج أحد أن يقول شيئًا، فقد قرأت جمانة الخبر في عيونهم قبل أن يخرج الطبيب من الغرفة ليخبرهم رسميًا أن إبراهيم السالم قد فارق الحياة متأثرًا بحروق بالغة واستنشاق دخان كثيف.في الأيام التي تلت ال







