بيت / الرومانسية / الرسائل التي لم تصل / الفصل السابع: ليلى المهيري

مشاركة

الفصل السابع: ليلى المهيري

مؤلف: Zeze
last update تاريخ النشر: 2026-07-24 13:34:00

لم تنم جمانة تلك الليلة إلا قليلًا، وحين استيقظت في الصباح كانت ريما قد أرسلت لها رسالة تخبرها فيها أنها نجحت، عبر بعض معارفها في نقابة المحامين، في الحصول على عنوان صيدلية صغيرة تعمل فيها امرأة تُدعى ليلى المهيري في أحد أحياء المدينة الشرقية. لم تكن ريما متأكدة تمامًا أنها الشخص نفسه، فالاسم قد يتكرر، لكنها اقترحت أن تذهبا معًا للتأكد بأنفسهما، دون أن تكشفا في البداية عن هويتيهما الحقيقيتين أو سبب زيارتهما.

وصلتا إلى الصيدلية في وقت متأخر من بعد الظهر، صيدلية صغيرة نظيفة، تقف خلف طاولتها امرأة في أواخر الثلاثينيات، ذات ملامح هادئة تشبه إلى حد كبير ملامح زياد، العينان نفسهما اللتان تحملان نظرة عميقة، والابتسامة الحذرة التي تبدو وكأنها تخفي وراءها سنوات من التعب. شعرت جمانة بيقين فوري أن هذه هي المرأة التي تبحثان عنها.

تقدمت ريما أولًا، وقالت بلباقتها الصحفية المعتادة: "مساء الخير، بدنا دواء لالتهاب حلق بسيط، بس بصراحة، إذا ممكن، عندنا كمان سؤال شخصي، إذا ما عندك مانع".

رفعت المرأة نظرها بحذر واضح، وكأنها اعتادت أن تتوقع المفاجآت غير السارة من كل سؤال غريب يوجَّه إليها، وقالت بصوت متحفظ: "تفضلوا، شو السؤال؟"

تدخلت جمانة هذه المرة، وقد قررت أن الصدق قد يكون الطريق الأفضل مع امرأة عاشت الظلم بنفسها: "اسمي جمانة السالم، وأنا... بنت إبراهيم السالم. جيت لأنه بدي أسألك عن أخوك زياد".

تجمّد وجه المرأة للحظة، وشحب لونها قليلًا، ثم نظرت حولها بقلق واضح، وكأنها تتأكد أن لا أحد آخر في الصيدلية يستمع، قبل أن تقول بصوت خافت متوتر: "إنتِ بنت المرحوم إبراهيم؟ ليش جيتِ هلق؟ بعد كل هالسنين؟ شو بدك بالضبط؟"

شرحت جمانة بإيجاز، وبقدر ما استطاعت من الحذر، أنها تعرفت مؤخرًا على زياد من خلال العمل، دون أن تكشف بعد عن الرسائل السرية، وأنها بدأت تراجع تفاصيل قضية الحريق القديمة وتشك في عدالة الحكم الذي صدر بحق أخيها. رأت في عيني ليلى مزيجًا من الأمل الحذر والخوف القديم، وكأن هذه المرأة انتظرت لحظة كهذه طويلًا، لكنها لم تعد تثق بسهولة أن الحقيقة قد تخرج أخيرًا إلى النور.

قالت ليلى أخيرًا، بعد أن أغلقت باب الصيدلية الخلفي وطلبت من زميلتها أن تتولى الزبائن قليلًا: "عشر سنين وأنا بحاول أثبت إنه أخوي بريء، حكيت مع كل من قدرت أوصله، محامين، صحفيين، حتى بعض جمعيات حقوق الإنسان، بس محدا صدقني، أو صدقني بس محدا كان قادر يعمل شي بعد ما صدر الحكم وخلص الملف رسميًا".

سألتها ريما بحذر شديد، محاولة أن توجه الحديث نحو النقطة الأهم دون أن تبدو استجوابًا مباشرًا: "ليلى، إذا ما عندك مانع نسألك، هل في يوم من الأيام، وأخوك بالسجن، طلب منك تساعديه يرسل رسائل لحدا؟ رسائل سرية، بدون توقيع باسمه؟"

اتسعت عينا ليلى فجأة، وارتجفت يداها قليلًا وهي تمسك بحافة الطاولة، وبدت للحظة وكأنها تفكر ما إذا كانت ستُنكر أو تعترف. أخيرًا، وبصوت أقرب إلى الهمس، قالت: "كيف عرفتوا بموضوع الرسائل؟ محدا كان يفترض يعرف بهالشي، حتى زياد نفسه ما بيحب نحكي فيه، خايف يفسد كل شي إذا انكشف بغلط".

شعرت جمانة أن قلبها يكاد يتوقف، فقد جاءت الإجابة أخيرًا، ليس اعترافًا صريحًا كاملًا، لكنه كان كافيًا لتأكيد كل ما كانت تشك فيه طوال الأسابيع الماضية. قالت بصوت يرتجف قليلًا: "أنا الشخص اللي كانت توصله الرسائل يا ليلى، أنا جمانة، اللي كانت توصلها الرسائل كل سنة بعيد ميلادها".

وقفت ليلى صامتة لثوانٍ طويلة، ثم انهارت فجأة في بكاء صامت، وكأن سنوات من الكتمان انفجرت دفعة واحدة أمام هذه المفاجأة التي لم تتوقعها. جلست على الكرسي القريب، ومسحت دموعها بيد مرتجفة، وقالت أخيرًا: "أخوي طلب مني من أول سنة بالسجن إني أوصل رسالة لعيلتك، خصوصًا لك يا جمانة، كان دايمًا يقول إنه ما بده يخليكِ توصلي على نفس اليأس اللي عاشه هو، كان يكتب الرسالة وأنا كنت أوديها بنفسي لعنوان بيتكم كل سنة بنفس التاريخ، بدون ما أظهر وجهي أو اسمي أبدًا".

سألتها جمانة، وقد بدأت الدموع تنهمر على وجنتيها أيضًا: "بس ليش يا ليلى؟ ليش هو، وهو مسجون ظلمًا حسب ما بتقولي، ليش كان مهتم فيني لهالدرجة؟ ليش أنا بالذات؟"

تنهدت ليلى بعمق، وقالت وهي تنظر إلى عيني جمانة مباشرة: "لأنه كان يحب والدك أكتر من أي حدا تاني بحياته، ولأنه كان يحبك إنتِ كمان، من بعيد، من غير ما يجرؤ يقول شي وهو محبوس، عارف إنه ما إله الحق يحمّلك وزر مشاعره وهو بهالوضع. زياد ما قتل أباكِ يا جمانة، ولا سرق ولا خان أمانة، هو الضحية الحقيقية بكل هالقصة، وأنا مستعدة أثبت هيك قدام أي محكمة إذا لازم".

جلست الثلاث نساء في الصيدلية الصغيرة حتى ساعة متأخرة من المساء، تتبادلن التفاصيل، الدموع، والأمل الحذر بأن الحقيقة، مهما طال انتظارها، بدأت أخيرًا تشق طريقها إلى النور. وقبل أن تغادرا، طلبت ليلى من جمانة أمرًا واحدًا بصوت متوسل: "أرجوكِ، لا تقولي لزياد إنك جيتِ هون أو إنك عرفتِ بموضوع الرسائل، خليه هو يقرر متى يحكيلك، هاد حقه، عاش عشر سنين بالانتظار، خليه يختار وقته".

وعدت جمانة بذلك رغم صعوبة الوعد، وعادت إلى منزلها تلك الليلة وهي تحمل في قلبها يقينًا جديدًا لم تعرفه من قبل، أن الرجل الذي بدأت تقترب منه في العمل ليس مجرمًا هاربًا من ظله، بل ضحية صمتت طويلًا، وأن مشاعرها تجاهه، تلك المشاعر التي حاولت أن تنكرها على نفسها، لم تعد مجرد فضول أو تعاطف، بل شيء أعمق بكثير بدأ يتجذر في صدرها دون استئذان.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل السابع: ليلى المهيري

    لم تنم جمانة تلك الليلة إلا قليلًا، وحين استيقظت في الصباح كانت ريما قد أرسلت لها رسالة تخبرها فيها أنها نجحت، عبر بعض معارفها في نقابة المحامين، في الحصول على عنوان صيدلية صغيرة تعمل فيها امرأة تُدعى ليلى المهيري في أحد أحياء المدينة الشرقية. لم تكن ريما متأكدة تمامًا أنها الشخص نفسه، فالاسم قد يتكرر، لكنها اقترحت أن تذهبا معًا للتأكد بأنفسهما، دون أن تكشفا في البداية عن هويتيهما الحقيقيتين أو سبب زيارتهما.وصلتا إلى الصيدلية في وقت متأخر من بعد الظهر، صيدلية صغيرة نظيفة، تقف خلف طاولتها امرأة في أواخر الثلاثينيات، ذات ملامح هادئة تشبه إلى حد كبير ملامح زياد، العينان نفسهما اللتان تحملان نظرة عميقة، والابتسامة الحذرة التي تبدو وكأنها تخفي وراءها سنوات من التعب. شعرت جمانة بيقين فوري أن هذه هي المرأة التي تبحثان عنها.تقدمت ريما أولًا، وقالت بلباقتها الصحفية المعتادة: "مساء الخير، بدنا دواء لالتهاب حلق بسيط، بس بصراحة، إذا ممكن، عندنا كمان سؤال شخصي، إذا ما عندك مانع".رفعت المرأة نظرها بحذر واضح، وكأنها اعتادت أن تتوقع المفاجآت غير السارة من كل سؤال غريب يوجَّه إليها، وقالت بصوت متحف

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل السادس: خيوط تتقاطع

    مرّ أسبوع كامل على لقاء جمانة الأول بزياد المهيري، أسبوع بدت خلاله الأيام أطول من المعتاد، وكأن الزمن نفسه أصبح يتباطأ كلما اقتربت من مكتبه أو تبادلت معه حديثًا عابرًا حول تفاصيل المشروع. حاولت أن تتصرف بطبيعية أمام زملائها، أن تُخفي الاضطراب الذي يعتمل في داخلها، لكن ريما، بحسّها الصحفي الذي لا يخطئ، لاحظت من نبرة صوتها عبر الهاتف أن شيئًا يشغل بالها أكثر من المعتاد.اتصلت بها في مساء أحد الأيام، وقالت بلا مقدمات: "طيب يا جمانة، خبريني شو صار مع سامر، هل قدر يتحقق من سجل زياد المهني زي ما اتفقتوا؟"أجابت جمانة وهي تجلس على حافة سريرها، صوتها يحمل مزيجًا من القلق والفضول: "سامر بعده يشتغل عليها، قالي إنه المسألة مو سهلة زي ما تخيلنا، لأنه سجلات نقابة المهندسين القديمة مش كلها محوسبة، في جزء كبير منها لسا على ورق، وبده وقت إنه يوصل لملف زياد الكامل".سكتت ريما للحظة، ثم قالت بجدية غير معتادة منها: "وأنا من جهتي، لقيت حدا ممكن يساعدنا، خبير خطوط قديم كان يشتغل مع الجريدة زمان قبل ما يتقاعد، اسمه الأستاذ فؤاد حداد، ناس بتقول عنه إنه من أدق الخبراء بهالمجال بالبلد كله. ممكن نوريه نسخة عن

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل الخامس: وجه من الماضي

    مرّ أسبوعان دون تقدم يُذكر في التحقيق، إذ لم تفلح محاولات ريما في الوصول إلى سجلات زيارات السجن، بسبب القيود الرسمية المشددة على مثل هذه المعلومات، ولم تُثمر محاولاتها أيضًا في العثور على أثر واضح لليلى المهيري، التي بدا أنها غيّرت مكان إقامتها أكثر من مرة خلال السنوات الماضية. شعرت جمانة بإحباط متصاعد، وبدأت تتساءل إن كانت كل هذه الجهود ستبوء بالفشل في النهاية، تاركة إياها حبيسة الغموض ذاته الذي عاشت فيه طوال عشر سنوات.في تلك الأثناء، كانت الحياة اليومية تفرض عليها إيقاعها المعتاد، فقد كانت جمانة تعمل مهندسة ديكور داخلي في مكتب هندسي متوسط الحجم، يتولى مشاريع تصميم داخلي لفلل ومكاتب تجارية في عمّان. كان مديرها قد أخبرها قبل أيام أن المكتب بصدد التعاقد مع استشاري خارجي جديد للمساعدة في مشروع كبير يتعلق بترميم وإعادة تصميم مبنى تجاري قديم في وسط البلد، مشروع يتطلب خبرة خاصة في الهندسة الإنشائية إلى جانب التصميم الداخلي.في صباح أحد الأيام، دخلت جمانة إلى مكتبها لتجد اجتماعًا مقررًا مع ذلك الاستشاري الجديد لمناقشة تفاصيل المشروع. جلست في قاعة الاجتماعات مع زملائها، تراجع أوراقها استعدا

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل الرابع: ملف مغلق

    استغرق الأمر من سامر أسبوعًا كاملًا قبل أن يتمكن من الحصول على نسخة كاملة من ملف القضية، مستعينًا بمعرفته الشخصية بأحد كتّاب العدل الذين عملوا سابقًا في المحكمة التي نظرت القضية. حين أعطاها الملف أخيرًا، وضعه على طاولة غرفة معيشته بحذر، وقال بجدية لم تعهدها جمانة فيه من قبل: "قبل ما تفتحيه، بدي أوضحلك إشي، هاد الملف فيه تفاصيل قاسية عن الليلة اللي مات فيها بابا، وفيه كمان أشياء يمكن ما كنتِ تعرفيها عن علاقة بابا بشركائه، خصوصًا خالد نمر".جلست جمانة، ريما بجانبها كما اتفقتا مسبقًا، وبدأت الثلاثة يقلبون صفحات الملف الرسمي، الذي كان أكثر تفصيلًا وتعقيدًا بكثير من التغطية الصحفية المختصرة التي قرأتاها في الأرشيف. تضمن الملف محاضر استجواب الشهود، وتقرير الطب الشرعي، وتقرير خبراء الحرائق، إلى جانب مرافعات الدفاع والادعاء.لفت انتباه جمانة أولًا تقرير خبير الحرائق، الذي أشار إلى أن نقطة اشتعال الحريق كانت في الزاوية الجنوبية الشرقية من المستودع، حيث كانت تُحفظ بعض المواد الكيميائية المستخدمة في أعمال البناء، وأن الحريق انتشر بسرعة غير معتادة، مما يرجح استخدام مادة معجلة للاشتعال. لكن ما لفت

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل الثالث: خيوط أولى

    استقبلت ريما جمانة في مقهى صغير قرب مكتب الجريدة التي تعمل فيها، مقهى هادئ اعتادتا الجلوس فيه كلما احتاجتا إلى حديث بعيد عن ضجيج المدينة. وضعت ريما هاتفها جانبًا فور أن رأت ملامح صديقتها المتوترة، وقالت وهي تسحب كرسيها أقرب: "طيب، احكيلي كل شي من الأول، ما بدي أفوت ولا تفصيلة".سردت جمانة على مسامعها كل ما فكرت فيه الليلة الماضية، من ملاحظتها حول توقيت الرسائل الثابت منذ عشر سنوات، مرورًا بجملة الرسالة الأولى الغامضة عن "الكتابة نيابة عنه"، وصولًا إلى الفرضية التي بدأت تتشكل في ذهنها: أن كاتب الرسائل ربما يكون رجلًا كان محرومًا من حريته طوال هذه المدة، وربما، وهنا خفض صوتها وكأنها تخشى أن تنطق الاسم بصوت عالٍ، ربما يكون هو زياد المهيري نفسه.أطرقت ريما برأسها للحظة، ثم قالت بحماس الصحفية التي تشم رائحة قصة مهمة: "لو صح ظنك، هاد معناه إنه كان يكتب الرسائل من داخل السجن، وحدا تاني كان يوصلها لأهلك بالنيابة عنه. جمانة، هاد مو مجرد قصة حب غامضة، هاد ممكن يكون قصة أعمق بكتير، ممكن يكون في علاقة بين قضية والدك والقضية اللي حُكم فيها على هالراجل".هزت جمانة رأسها موافقة، فقد كانت تلك بالضبط

  • الرسائل التي لم تصل    الفصل الثاني: عام الرماد

    لم تكن جمانة تتذكر الكثير من تفاصيل ذلك اليوم، اليوم الذي تغيّرت فيه حياتها إلى الأبد، لكنها كانت تتذكر الرائحة. رائحة الدخان التي علقت بملابسها حين ركضت من المدرسة إلى المستشفى، رائحة اللهب المحترق التي لم تفارق أنفها لأشهر طويلة بعدها، حتى حين كانت تغسل شعرها مرات متكررة، ظلت تشم تلك الرائحة كلما أغمضت عينيها.كانت في السابعة عشرة من عمرها، طالبة في الصف الحادي عشر، حين اتصلت بها أمها بصوت مبحوح لتخبرها أن والدها إبراهيم في المستشفى، وأن هناك حريقًا اندلع في مستودع الشركة. ركضت جمانة من فصلها دون أن تنتظر إذن المعلمة، ودون أن تحمل حقيبتها، وركبت أول سيارة أجرة وجدتها، قلبها يخفق بعنف طوال الطريق وكأنه يحاول أن يهرب من صدرها.حين وصلت إلى المستشفى، وجدت أمها جالسة على مقعد بلاستيكي في الممر، ووجهها شاحب كورقة بيضاء، وأخاها سامر واقفًا بجانبها يحاول أن يتماسك رغم أن يديه كانتا ترتجفان بوضوح. لم يحتج أحد أن يقول شيئًا، فقد قرأت جمانة الخبر في عيونهم قبل أن يخرج الطبيب من الغرفة ليخبرهم رسميًا أن إبراهيم السالم قد فارق الحياة متأثرًا بحروق بالغة واستنشاق دخان كثيف.في الأيام التي تلت ال

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status