Share

الفصل السادس :

last update publish date: 2026-05-10 04:37:48

مرّ أسبوعان على حادثة المخبز.

"مخبز حياة" بدأ ينهض من تحت الرماد. رائحة الخبز الساخن تملأ الحي مع أول خيط فجر، وحياة تقف على الصندوق تدوّن الحسابات بيدها الخشنة الشريفة، وسالم خلف الفرن، يراقب النار ويقلّب الأرغفة. بينهما نظرات صامتة، طويلة، فيها امتنان وفيها خوف. وخطط كثيرة لم تُقل بعد. وندبة حمراء على جبينه تذكّرهما بتلك الليلة التي ولد فيها من جديد.

كان كل شيء يسير بهدوء، هدوء ما قبل العاصفة... حتى جاء يوم الأربعاء.

دخل المخبز رجل غريب. ثيابه رثة، متسخة، لكن عينيه كانتا تقدحان شراً وحقداً قديماً. وقف أمام سالم مباشرة، متجاوزاً الطابور، وابتسم ابتسامة صفراء كأنها طعنة. قال بصوت عالٍ، يسمعه كل من في المخبز، كل زبون، كل رغيف:

"مبروك يا سيد سلطان المرجان... سمعت أنك افتتحت مخبزاً. من القمة إلى الفرن، يا لها من قصة تستحق أن تُروى في الصحف!"

تجمد الدم في عروق سالم. شعر بقلبه يسقط في قدميه. سقطت قطعة العجين من يده على الأرض المغطاة بالطحين. التفتت حياة من خلف الصندوق، ورأت وجهه. لقد شحب، صار بلون الموتى، بلون الطحين الذي يغرق فيه.

اقترب الرجل أكثر، حتى صار يهمس، لكن صوته كالسوط:

"أنا شقيق محمود... تذكره؟ الذي كسرتَ أنفه في الزنزانة قبل أن تخرج منها بواسطة محاميك. لم أنسك يا سيدي. وأقسم أن الشرطة ستسرّ كثيراً حين تعرف أن المليونير الهارب من الديون، الهارب من أحكام التنفيذ، يختبئ هنا باسم مزور، يخبز للناس."

ثم استدار نحو حياة، وابتسامته صارت أكثر خبثاً، أكثر سمّاً. قال:

"هل أخبركِ يا آنسة أنه كان ينام على الحرير المستورد بينما كان أبوكِ يحرس العمارات في البرد؟ هل أخبركِ أنه خسر الملايين، ملايين أبيه، على طاولة قمار واحدة في ست ثوانٍ فقط؟"

ساد صمت قاتل في المخبز. الزبائن توقفوا عن الكلام. بعضهم أنزل الخبز من يده. حياة تحدق في سالم. عيناها الواسعتان بلون البن المحمص تبحثان في وجهه عن كذبة، عن نفي، عن صرخة تقول:

"هذا الرجل كاذب!"

كانت تنتظره أن ينطق، أن يدافع، أن يطرده.

لكن سالم لم يستطع. شعر بأن لسانه ثقيل كالحجر. الحقيقة أثقل من أن تُنكر، وأكبر من أن تُخفى. كل كذبة بناها في العامين الماضيين انهارت في لحظة.

قال الرجل وهو يتراجع نحو الباب، ويده على المقبض:

"أمامك حتى الغروب يا... سالم. إما أن تدفع لي مئة ألف درهم نقداً، وإما أن أجعل اسمك وصورتك على الصفحة الأولى في كل صحيفة. اختر."

ثم خرج، وأغلق الباب خلفه بقوة، فاهتز الزجاج، واهتز معه كل شيء في قلب سالم.

ركضت حياة كالمجنونة وأغلقت باب المخبز بالمزلاج، وأسدلت الستار الحديدي. صار المكان قبراً. استدارت إليه، وعيناها تلمعان. ليس بالحب هذه المرة، بل بالدمع والغضب والصدمة. صرخت، وصوتها يجرح السكون:

"هل هذا صحيح؟! سلطان المرجان؟! المليونير الذي كانت صورته تملأ الأخبار قبل سنتين؟! الذي قالوا إنه هرب؟!"

أطرق رأسه. لم يجد كلمات تصلح. لم يجد قاموساً يكفي. قال بصوت ميت، خرج من قبر:

"نعم."

تراجعت خطوتين إلى الوراء كأنها تلقت صفعة على وجهها. يدها على فمها. قالت بصوت متهدج:

"سنتان... سنتان وأنت تكذب عليّ؟ آكل معك من صحن واحد، وأحارب معك ضد اللصوص، وأبكي معك على همومك... وأنت تمثل عليّ دور الفقير الشريف؟!"

هنا، انفجر سالم. صرخ فيها لأول مرة منذ عرفها، صرخة رجل جريح:

"لم أمثل! أقسم أنني لم أمثل! سالم هو أنا! سلطان مات في تلك الليلة المشؤومة التي خسر فيها كل شيء! سلطان مات ودُفن! أنا لم أكذب في جوعي، ولا في خوفي حين هجم اللصوص، ولا في..."

وسكت. ابتلع الكلمة. لم يجرؤ أن يقول :

"ولا في حبي لك".

ضحكت بمرارة، ضحكة تجرح أكثر من البكاء. قالت:

"لهذا رفضت أن تخبرني باسمك الحقيقي. لهذا كنت تختفي كالشبح. لهذا كنت ترتبك. كنت تظن أنني سأركض خلف مالك؟ كنت تظن أنني سأبيع نفسي للاسم؟"

قال بيأس، بصوت مكسور:

"كنت أظن أنكِ ستكرهينني لو عرفتِ كيف كنت. ستكرهين الغطرسة، والمال الحرام، والرجل الذي داس على الناس."

صرخت حتى اهتزت قناني الزيت على الرف: "

أنا أكرهك الآن لأنك كذبت! ليس لأنك كنت غنياً! أكره أنك جعلتني أحمق! أكره أنك سرقت ثقتي!"

مدت يدها إلى الطاولة، أمسكت بوشاحها القطني الذي ما زال يحمل بقعة بنية من دمه، من تلك الليلة. رمته على الطاولة بينهما كأنه جثة. قالت ببرود قاتل:

"خذ دَينك. هذا وشاحك. لا أريد أن أكون مدينة لرجل لا أعرف حتى اسمه الحقيقي.

لا أريد جميلاً من كاذب."

واستدارت. فتحت المزلاج، ورفعت الستار، وخرجت. لم تنظر خلفها. وتركته وحده. وحده تماماً، وسط الطحين المتناثر، ورائحة الخبز التي صارت فجأة كريهة، وصوت المطر الذي عاد يقرع الباب والنوافذ من جديد، كأنه يبكي معه.

في الليل

جلس سالم في المخبز المظلم. لا نور إلا نور القمر الشاحب. أمامه خياران، كلاهما مر كالعلقم:

١. يهرب من جديد، كما هرب أول مرة. يختفي قبل أن يفتضح أمره في الصحف. يترك حياة، ويترك المخبز، ويترك ديونه، ويبدأ كذبة ثالثة في مدينة رابعة.

٢. يواجه. يذهب الآن، في هذه اللحظة، إلى مركز الشرطة. يعترف بتزويره، بهروبه، بانتحاله اسماً. يسدد ديونه القديمة، يجدولها، ويسلم المبتز للعدالة... حتى لو كان الثمن سجنه، وخسارته لحياة إلى الأبد.

نظر إلى انعكاس وجهه في واجهة الفرن الزجاجية. رأى الندبة الحمراء على جبينه. تذكر كلمتها، كلمتها التي قالتها في المستشفى:

"أنا لا أنظر إلى اسمك. أنا أنظر إلى الرجل الذي وقف بيني وبين السكين."

فهم الدرس، لكن متأخراً. فهم أن الكرامة لا تُبنى على كذبة، مهما كانت بيضاء. وأن الرجولة لا تُشترى بالصمت.

وقف. قراره اتُخذ. ارتدى معطفه القديم، المعطف الذي شهد أول هروب. أخذ دفتر حسابات المخبز، الدفتر الجديد، النظيف. وضعه في ظرف بني، وأخرج قلماً، وكتب عليه بخط مرتجف:

"لحياة... هذا هو رأس المال الحقيقي. الدفتر نظيف. سامحيني إن استطعتِ."

ثم خرج تحت المطر الغزير. لم يكن يركض من ماضيه هذه المرة. كان ذاهباً ليواجهه، ليدوسه، لينتصر عليه أو يموت دونه.

لم يبتعد مئة متر عن المخبز حتى قفز أمامه ثلاثة رجال من الظلام. شقيق محمود واثنان معه، وجوههم ملثمة. لم يتكلموا. انهالوا عليه بالضرب مباشرة. ركلات في بطنه، في ضلوعه. لكمات في وجهه الوسيم، في أنفه المستقيم، في فكه القوي. كانوا يصرخون وهو يتلقى الضرب:

"هذا ثمن طردك لأخي! هذا ثمن لعبك دور الشريف!"

لم يقاوم سالم. لم يرفع يده ليرد. فقط حمى وجهه وصدره بذراعيه، وضم الظرف الذي فيه الدفتر إلى قلبه كأنه يحمي طفلاً. كان الدم يسيل من حاجبه، من أنفه، من شفته المشقوقة. لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أن هذه الكدمات ستبرأ. الندوب ستزول. وسامته لن تموت، لأنها لم تعد وسامة المال والبودرة. صارت وسامة الرجولة، وسامة القرار، وسامة الدم.

قال له شقيق محمود وهو يلهث، قبل أن يهربوا في الأزقة:

"في المرة القادمة، الدور على المخبز... وعلى البنت. جهز الكفن."

بصق سالم الدم من فمه، ووقف بصعوبة. ترنح، لكنه أكمل طريقه. وصل إلى مركز الشرطة وهو ينزف، معطفه ممزق، ووجهه خريطة من الكدمات. وقف أمام الضابط المناوب، وقال بصوت واضح رغم الدم:

"اسمي سلطان المرجان. كنت رجل أعمال، وخسرت كل شيء في القمار. غيرت اسمي لأبدأ من جديد. لم أسرق، لم أنصب. فقط هربت من ديوني ومن عاري. واليوم جئت لأواجهها. وهناك من يهددني ويهدد امرأة بريئة اسمها حياة."

استلم القاضي يوسف قضيته في الصباح. رجل عادل، قرأ الملف كاملاً. قال له وهو ينظر إلى وجهه المتورم:

"الهروب من الدَين ليس جريمة جنائية يا سلطان. ديونك مدنية، وتُجدول على أقساط. أما من ضربك، فهم المجرمون. سنصدر مذكرة قبض عليهم فوراً. أنت الآن تحت حماية القانون."

خرج سالم من المحكمة بعد أن ضمدوا جراحه في مستوصف الشرطة. وجهه متورم، عينه اليسرى زرقاء مغلقة، وشفته منتفخة. لكن ملامحه الحادة، أنفه المستقيم، فكه القوي، كلها ستعود بعد أسبوع. لا ندوب دائمة لرجل قرر أن يبدأ من جديد من الصفر، لكن بشرف.

عاد إلى المخبز يجر قدميه. وجد حياة واقفة أمام الباب المغلق. كانت تنتظر. رأت وجهه، فشهقت ووضعت يدها على فمها. لم تقل شيئاً. لم تسأل. فقط فتحت الباب، ودخلت بسرعة، وأحضرت ماءً دافئاً وقطعة قماش نظيفة، وبدأت تمسح الدم المتجلط عن وجهه بصمت. بصمت مطبق.

قال لها وهو ينتفض من لمسة يدها الحنونة، وهو لا يصدق أنها لا تزال هنا: "لماذا تفعلين هذا؟ بعد كل ما كذبته؟ بعد كل ما عرفتِه عني؟"

قالت دون أن ترفع عينيها عن جرحه، وصوتها هادئ كأنها تحدث نفسها:

"لأن الرجل الذي يقف تحت المطر، وهو ينزف، ليواجه ديونه ويحمي غيره... يستحق أن يمسح أحد الدم عن وجهه."

سكتت لحظة، تمسح جرحاً فوق حاجبه، ثم أكملت:

"وأمي مريضة، وأنا قلت لك من قبل... أريد رجلاً بمال، ليشتري لها الدواء."

ثم رفعت عينيها أخيراً، ونظرت في عينه السليمة، وقالت:

"لكنني اليوم... فهمت. أريد رجلاً بكرامة أولاً. رجلاً لا يهرب. المال... المال يأتي بعدها، أو لا يأتي. لا يهم."

في تلك اللحظة، أقسم سالم قسماً جديداً، قسماً نقشه على ندبته. لن يعود سلطان المرجان المتكبر الذي يرى الفقراء أقل منه، حشرات، أرقاماً. سيعود سلطان المرجان، نعم، لكن بنسخة أخرى: رجلاً يرى الفقير والغني بعين واحدة، لأن الفقير هو الذي أطعمه حين كان غنياً جائعاً. هو الذي ضمد جراحه حين كان مديوناً مطارداً.

هدفه الآن واضح كالشمس: أن يصبح أغنى مما كان، أضعافاً مضاعفة. لا ليشتري القصور لنفسه، ولا السيارات. بل ليشتري لأم حياة بيتاً دافئاً، وليفتح مئة مخبز في الأحياء الفقيرة، يسميها كلها "حياة"، وليجعل كل عامل فقير شريف مديراً على فرع.

ولن يطلب يدها... لن ينطق بكلمة:

"أحبك"... حتى يضع مفتاح القصر الجديد، قصرها، في يدها، ويقول لها وهو راكع:

"اختاري الآن... سلطان، أم سالم، أم المال؟" وهو واثق، واثق تماماً، أنها ستختار الرجل الذي مسحت الدم عن وجهه. ستختار الكرامة.

أما الخطر، فما زال قائماً. شقيق محمود حر طليق. والديون القديمة كثيرة كالجبال. والطريق إلى القمة طويلة، موحشة، مليئة بالذئاب.

لكنه لأول مرة في حياته، منذ ولد، كان لديه شيء لم يملكه وهو يملك الملايين: سبب حقيقي ليحيا، ليقاتل، لينهض كلما سقط.

وسببه... اسمه "حياة".

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
الكتروني
سالم لم يستطع أن يبوح بحبه لها
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل 39 :

    مر أسبوعان على الحادث . خرج سالم ونورهان من المشفى معاً. لم يعودا إلى البرج، ولا إلى الزقاق. استأجر سالم بيتاً صغيراً مطلاً على البحر، بعيداً عن صخب المدينة. قال للطبيب: "نحتاج هدوءاً. نحتاج أن نتعافى." وفي الحقيقة، كان يحتاج أن يتعرف أكثر وأكثر . أن يتعرف على المرأة التي صار جزء منها يسري في دمه.نورهان: الحضور الدائمكانت معه في كل لحظة. تبدل ضماده. تعد له طعاماً خفيفاً لا يرهق كبده المتعافي. تعرف أنه يحب حساء الخضار بلا ملح كثير، وقطعة الدجاج المشوي بجانبها إكليل الجبل. تعرف أنه يكره رائحة السمك. تعرف أن نبرة صوته حين يكون متعباً تصير أخفض، وحين يكون قلقاً يفرك جبهته بإبهامه. وإذا غضب، لا تتركه. لا تهرب. تقترب. تضع كفها على كتفه وتقول: "تكلم. أنا هنا. لا أحاكمك، أسمعك." وإذا رأت الحزن في عينيه، تفتح نافذة، تشغل موسيقى هادئة كان يسمعها في شبابه، وتجلس بجواره صامتة حتى يبتسم. كانت تحفظه. تحفظ تفاصيله التي لا يراها أحد. تعلم عنه كل شيء . أما حياة حتى أكلته المفضلة لا تعرف عنها شيئا. صحيح أنها كانت تطعمه رغيفا سخنا من يدها كل يوم لكن لا تعلم شيئا عن ماذا يحب وماذا يكره . بينم

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل 38 :

    في صباح اليوم التالي، جاء القرار الطبي: "حالتهما مستقرة. يُنقلان إلى غرفة عادية لمتابعة التعافي." كان الخبر لسالم كالإفراج. لم يكن ينتظر الشفاء بقدر ما كان ينتظر اللحظة التي يُسمح له فيها أن يخطو خارج غرفته. جاءت الممرضة تدفع كرسياً متحركاً. قالت بابتسامة: "سيد سالم، هيا. وعدتك أن آخذك إليها." كان جسده لا يزال ضعيفاً، والجرح في بطنه يؤلمه مع كل حركة، لكن قلبه كان يسبق الكرسي. خرج من غرفته. الممرضة تدفعه ببطء في الممر الطويل. كلما اقترب من الغرفة رقم 312، ازداد خفقان قلبه. توقفت عند الباب. طرقت بخفة، ثم فتحته. كانت الغرفة هادئة. الستائر البيضاء تسمح لضوء الشمس بالدخول خافتاً. على السرير، كانت نورهان نصف جالسة. وجهها شاحب، وشفتاها بلا لون. أنبوب المصل لا يزال في ذراعها، والضمادة الكبيرة تظهر من تحت ثوب المشفى على جانبها الأيمن. لكن عينيها... عيناها كانتا تلمعان. حين رأته على الكرسي، تجمدت. ثم ارتجفت شفتاها. لم تتكلم. لم تبتسم. فقط نظرت. ودخل سالم. أشار للممرضة أن تتركه. أغلقت الباب خلفها بهدوء. ساد صمت. صمت لا يشبه أي صمت عَرِفَهُ من قبل. صمت ممتلئ بالكلام، بالدموع

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل 37 :

    لم تنم حياة تلك الليلة. كانت كلماتها لنفسها سياطاً: "غبية. خرجتِ مرة أخرى. في اللحظة التي احتاجكِ فيها، أظهرتِ ضعفكِ. وهو؟ هو لم يسأل إلا سؤالاً طبيعياً. كانت معه في النار. من حقه أن يقلق." تصارعت مع ضميرها حتى الفجر. وفي الصباح، كان القرار: "سأعود. سأعتذر. ولو طردني، سأبقى عند الباب."اليوم الموالي، موعد الزيارة في العناية المركزة. خمس دقائق فقط. دخلت حياة. وجهها مرهق، وعيناها تحكي ندماً عمره أشهر. حين رآها سالم، ابتسم. ابتسامة صغيرة، متعبة. قال: "أتيتِ." قالت وقد جلست على حافة الكرسي: "وهل كنت تظن أنني لن أعود؟" في الحقيقة، كان استقباله لها فرحاً... لكن فرحاً باهتاً. لأن عقله، وقلبه، ونبضه... كلها كانت في الغرفة المجاورة. مع نورهان. هل هي بخير؟ هل تتألم؟ هل أفاقت؟ كيف تجرأت أن تقتطع من جسدها جزءاً لتعطيه له دون أن ترتجف؟ هذه الأسئلة كانت تدور في رأسه وهي تمسك يده وتحدثه عن قلقها. هو هنا بجسده، لكن روحه معلقة بسرير آخر. وبدأت مشاعره تميل. تميل ببطء، وبوجع، نحو تلك التي لم تطلب شيئاً، وأعطت كل شيء. كل تفكيره كان مع نورهان، ليس من السهل ما فعلته من تضحية، لقد خاطرت

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل 36 :

    لم يكن القدر ليدعه يهرب من القرار طويلاً. بعد ثلاثة أيام من صمت سالم، جاء الاختبار…كان في جولة تفقدية في مستودع "مخابز حياة" الجديد بالمنطقة الصناعية. مستودع ضخم، مليء بأفران الغاز الحديثة. دخل مع مدير التشغيل، ونورهان كانت معه. تتابع الأرقام، وتدون الملاحظات. فجأة، دوى انفجار. تسرب غاز من أحد الأنابيب القديمة التي لم تُستبدل بعد. شرارة صغيرة من آلة مجاورة، وتحول المكان إلى جحيم. النار التهمت جزءاً من السقف. والدخان الأسود ملأ المكان في ثوانٍ. سقط عاملان مغشياً عليهما. وصرخ المدير: "اخرجوا! اخرجوا!! المستودع سينفجر!" ركض الجميع خائفين على أنفسهم من الحريق . تدافعوا نحو الباب. نورهان أمسكت بذراع سالم: "سالم، سالم! هيا لنخرج حالا !" لكنه توقف والتفت للوراء . رأى أحد العاملين ملقى تحت رف حديدي سقط عليه. كان فتى في الثامنة عشرة، من أبناء الزقاق. وظفه سالم بنفسه قبل شهر. قال سالم: "اذهبي أنتِ يا نور اذهبي ! . سأخرجه." صرخت نورهان: "ستُقتل! النار اندلعت في كل مكان، إنها تقترب!" لكنه لم يستمع إليها، كان قد اندفع. رفع الرف الحديدي بكل قوته. سحب الفتى. كان الدم ينزف

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل 35 :

    كان إصبعه على الشاشة. الاسم الأول "حياة". والاسم الثاني "نورهان". وفجأة... تراجع. ألقى الهاتف على المكتب كأنه جمرة. تراجع إلى الخلف، واستند إلى النافذة الزجاجية. قلبه لم يكن قلب رجل أعمال حاسم. كان قلب طفل تائه في مفترق طريقين، وكلاهما يؤدي إلى الهاوية.أما حياة فهي تنتظر بفارغ الصبر رده ، تنظر إلى الهاتف متى سيرن سالم، أو متى سيدق على بابها. خائفة لا تعلم كيف ستكون الإجابة هل بالقبول ويسامحها على غيابها ، أم يرفض اعتذارها.ونورهان خائبة الظن. تعلم أن في قلبه حياة، لم يتجاوز حبها بعد، لا يمكن أن يختارها بعد كل ما عاشه مع حياة. فهي جاءت متأخرة، بعد أن كان قلبه ملأته أخرى . لم يعد لديها درة أمل. خاصة أن الرسالة ظهرت بعد اعترافها له . أما سلطان يتسائل مع نفسه "ماذا سأفعل؟" همس لنفسه. "يا رب... ماذا سأفعل؟" صراع وحرب داخلية في قلبه، لا يعلم بها إلا هو . هامسا مع نفسه "حياة... يا حياة." قالها بصوت مكسور. "لقد تركتِ فجوة كبيرة بيننا دون سبب واضح. خفتِ، فهربتِ. تركتني أواجه القمة وحدي، والبرد وحدي، والفراغ وحدي. أي خوف هذا الذي يجعل المرأة تترك الرجل الذي أفنى عمره ليحقق حلمها الأول؟

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل 34:

    وصلت الرسالة في ظرف أبيض، بلا عنوان مرسل. وضعها السكرتير على مكتب سالم بين كومة من العقود والتقارير. لكنها لم تكن كالأوراق الأخرى. كانت خفيفة، ومع ذلك أثقل من جبل. عرف خطها قبل أن يفتحها. "إلى سالم... أعلم أنني أخطأت. وأعلم أن الاعتذار لا يبني ما هدمته يداي. لكنني أكتب، لأن الصمت صار أثقل من الندم. حين هربت، ظننت أنني أحمي قلبي من الانكسار. فإذا بي أكسر قلبينا معاً. ظننت أن القمة ستغيرك. فاكتشفت أنني أنا التي تغيرت. صرت أخاف من كل شيء. من النجاح، من المال، منك. رأيتك تكبر، ورأيت نفسي أصغر. فاخترت الهرب. لكنني كنت مخطئة. أنت لم تصعد وحدك. لقد حملت اسمي، وحملت وعدك، وحملت الحي كله معك. وبنيت لهم، ووفيت لهم، ووفيت لي. وأنا... ماذا فعلت؟ خبزت خبزاً، وبكيت على الأطلال. سالم... أنا لا أطلب منك أن تعود إلى الوراء. ولا أطلب منك أن تختارني. أطلب منك فقط أن تسامحني. فإن سامحتني... فاعلم أنني هنا. أتعلم من جديد كيف أكون امرأة تليق برجل مثلك. لا امرأة تخاف من ظله. وإن لم تسامحني... فسأفهم. فمن يكسر الكأس، لا يحق له أن يبكي على الماء المسكوب. والدتي تسلم عليك. وتدعو

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status