ログインبعدد مدة من التفكير الطويل، والبحث عن مخرج يضمن له العيش دون أن يمد يده لأحد، اتخذ سلطان المرجان قراره. لن يعتمد على اسم، ولا على نسب، ولا على ماضٍ مات. سيعتمد على نفسه فقط.
أخفى اسمه الحقيقي، وانتحل اسماً جديداً: "سالم". اسم بسيط، لا يثير الشبهات، ولا يذكّر بأحد. تقدم بشهاداته الجامعية التي علاها الغبار، وقُبل محاسباً في مخبز كبير في حي شعبي. الراتب: أربعة آلاف درهم. لا يكفي ثمن ربطة عنق كان يشتريها من قبل. كان يستيقظ في السادسة صباحاً، قبل أن تستيقظ الشمس على المدينة. يحصي أرغفة الخبز الخارجة من الفرن، يدقق في فواتير الدقيق، يحسب الزكاة في دفتر صغير. وفي نهاية الشهر، لا يكاد راتبه يكفي إيجار غرفته الضيقة وثمن طعامه. لأول مرة، عرف معنى أن تنتظر آخر الشهر. هنا، رأى الفقر بعينيه، لا من نافذة برجه العاجي. رآه لحماً ودماً وعرقاً. رأى العامل الذي يقتسم شطيرته اليابسة مع ابنه الصغير، ويقول له: "كل أنت يا أبي، أنا شبعت". رأى المرأة العجوز التي تقلب في الخبز البائت، تسأل: "بكم هذا؟" فيقال لها: "بدرهم". فتتنهد وتقول: "الحمد لله"، وتأخذه لأنها لا تملك درهمين للطازج. فهم أن الحياة ليست بالسهولة التي كان يظنها. ليس الكل يولد وفي فمه ملعقة من ذهب. هناك طبقة كاملة، إن لم تعمل يوماً، لا تأكل يوماً. شعر بغصة في حلقه، وبشفقة لم يعرفها قلبه من قبل. كيف لم يحس يوماً بهذه الحياة الصعبة؟ كيف كان يعيش في قصر، وغيره ينام بلا سقف؟ بدأ تأنيب الضمير ينهش روحه كل ليلة. كان يحدث نفسه في غرفته الباردة: "كيف كانت حياتي، وكيف صارت... لا بد أنه عقاب إلهي. أنا أستحق كل ما يقع لي، فعلاً أستحق ذلك. ها أنا ذا أواجه مصيري. لا بد أن أتعلم دروساً من أخطائي. أستحق ذلك". وهنا التقى بها: "حياة". فتاة في السابعة والعشرين من عمرها، تعمل محاسبة في المخبز نفسه. والدها حارس متقاعد أفنى عمره في خدمة شركة، ووالدتها تبيع الفطائر في السوق منذ الفجر. كانت حياة تدرس ليلاً، بعد اثنتي عشرة ساعة عمل، لتحصل على شهادة في المحاسبة. صريحة، صوتها قوي، ضحكتها عالية لا تخجل منها. وإذا رأت ظلماً، وقفت في وجهه كالجبل، حتى لو كلفها ذلك رزقها. حياة... وجهها بيضاوي قمحي، بلون الأرض التي سقاها العرق. ليست بيضاء كالحليب، بل سمرة دافئة طبعتها شمس الفجر وهي تفتح باب الرزق. في خديها حمرة طبيعية، حمرة الدم والكد، لا حمرة الأصباغ. عيناها واسعتان بلون البنّ المحمّص، بني غامق فيه عمق البئر ودفء النار. رموشها كثيفة، سوداء، خلقها الله كحلاً طبيعياً لا تحتاج معه شيئاً. إذا نظرت إليك، شعرت أنها تقرأ ما في صدرك. وإذا ضحكت، لمعتا كأنهما سُقيتا من ضوء الفجر. كان سالم يهمس لنفسه: "عيون الممثلات في التلفاز زجاج ملون... أما عيناها ففيهما قهوة ساخنة، تشربها فتحيا." شفتاها مرسومتان باعتدال، لونهما وردي طبيعي تشققت أطرافه قليلاً من برد الصباح. حين تبتسم، وندراً ما تفعل، تظهر غمازة واحدة على خدها الأيسر، كأن الله استرقّ لحظة وترك توقيعه هناك. أسنانها بيضاء، مرتبة، تلمع حين تضحك ضحكة خاطفة ثم تسترها بكفها حياءً. أما شعرها، فأسود فاحم، كثيف، ناعم رغم الإهمال. ينساب كشلال ليل إذا حلّته، لكنها دائماً تجمعه في ضفيرة واحدة سميكة تصل إلى منتصف ظهرها. في مقدمة رأسها خصلة بيضاء واحدة، ظهرت يوم وفاة أبيها. لا تخفيها، بل تسميها "تاج الصبر". سالم كان يراها أجمل شعرة في الدنيا، لأنها تحكي قصة. يداها ليستا ناعمتين كالحرير. فيهما خشونة شريفة، وأثر حرق دائري من صاج الفرن على ظاهر الكف اليمنى. أظافرها قصيرة نظيفة. لكن هذه اليد، حين تمسح العجين، وحين تعد النقود بأمانة، كانت أقدس يد رآها في حياته. جسدها متناسق، قوي، شُكّل من الوقوف الطويل وحمل الأكياس. لا هزال عارضات، ولا ترف. خصرها نحيل، وكتفاها قويتان. تمشي بثبات، لا تترنح. ثوبها القطني البسيط يسترها، لكنه لا يستطيع أن يخفي تناسقاً ربانياً لا يحتاج مصمم أزياء. سالم لا يعلم كيف اهتم بكل تفاصيل هذه الفتاة. هو الذي كان النساء يحطن به ولا يعيرهن أي اهتمام. لم يسبق له أن لاحظ تفاصيل شكل فتاة ما. كانت نظرته دائماً سطحية، عابرة، لا شكل فيها من أشكال الاهتمام. بينما هذه الفتاة، حفظ شكلها بعناية فائقة. أيعقل أن يكون هذا إعجاباً؟ أم الحب من أول نظرة؟ صار يخجل من نفسه أمامها. كل يوم في المخبز كان درساً جديداً. كان يراها ترفض أن تبيع خبزاً بات ليلة واحدة، وتقول للزبون: "هذا غش. الفقير يدفع من لحمه، يجب أن يأخذ أحسن شيء." صُدم سلطان. هذه الفتاة الفقيرة التي ترتدي الثوب نفسه ليومين متتاليين، تملك كرامة أثمن من شركته القديمة كلها. تقرب منها سالم. صارا يتناولان الفطور معاً: خبزاً وشاياً على عتبة المخبز. كان يحكي لها عن "مديره السابق المتغطرس" فيضحكها. "الحمد لله الذي عافانا، لو رأيته لصفعته"، كانت تقول. هي أيضاً ارتاحت له، واعتبرته صديقاً وفياً. كانا يحكيان ويضحكان ويتشاركان الطعام. ذات صباح، وهي ترتب الفواتير، قالت له دون أن ترفع رأسها: "يا سالم، أنا أريد أن أخرج أمي من بيت الصفيح. أريد لأبنائي في المستقبل أن يدرسوا في مدارس جيدة. الحب لا يشتري الدواء يا سالم. لن أتزوج إلا برجل يستطيع أن يرتقي بي، لا أن نهبط معاً". كانت كلماتها كالخنجر في قلبه. هو مفلس، وغرفته لا تحوي حتى خزانة ملابس. وهي على حق. هي لا تعلم بإعجابه، لقد اعتبرته صديقاً فقط. في تلك الليلة، لم ينم. فقرر أن يختفي لكي لا يزيد تعلقه بها، ولكي لا يكون عبئاً عليها. في الصباح، قدم استقالته، وقال لها بوجه جامد: "لقد حصلت على عقد عمل في مدينة أخرى". كذب عليها. لقد قرر أن يعمل في وظيفتين: الأولى في النهار في مستودع يفرغ الشاحنات، والثانية في الليل حارساً لإحدى العمارات. كان يجمع المال، ويدرس، ويخطط. هدفه لم يتغير: أن يحسن من مستوى معيشته. كان لا يزال يأمل أن يستعيد ما فقده في رمشة عين. تلك الثروة التي تبدو الآن كأنها وهم وسراب كان في مخيلته فقط. لكنه أقسم: لن يعود إليها إلا رجلاً يستحق كلمة "حياة".مر أسبوعان على الحادث . خرج سالم ونورهان من المشفى معاً. لم يعودا إلى البرج، ولا إلى الزقاق. استأجر سالم بيتاً صغيراً مطلاً على البحر، بعيداً عن صخب المدينة. قال للطبيب: "نحتاج هدوءاً. نحتاج أن نتعافى." وفي الحقيقة، كان يحتاج أن يتعرف أكثر وأكثر . أن يتعرف على المرأة التي صار جزء منها يسري في دمه.نورهان: الحضور الدائمكانت معه في كل لحظة. تبدل ضماده. تعد له طعاماً خفيفاً لا يرهق كبده المتعافي. تعرف أنه يحب حساء الخضار بلا ملح كثير، وقطعة الدجاج المشوي بجانبها إكليل الجبل. تعرف أنه يكره رائحة السمك. تعرف أن نبرة صوته حين يكون متعباً تصير أخفض، وحين يكون قلقاً يفرك جبهته بإبهامه. وإذا غضب، لا تتركه. لا تهرب. تقترب. تضع كفها على كتفه وتقول: "تكلم. أنا هنا. لا أحاكمك، أسمعك." وإذا رأت الحزن في عينيه، تفتح نافذة، تشغل موسيقى هادئة كان يسمعها في شبابه، وتجلس بجواره صامتة حتى يبتسم. كانت تحفظه. تحفظ تفاصيله التي لا يراها أحد. تعلم عنه كل شيء . أما حياة حتى أكلته المفضلة لا تعرف عنها شيئا. صحيح أنها كانت تطعمه رغيفا سخنا من يدها كل يوم لكن لا تعلم شيئا عن ماذا يحب وماذا يكره . بينم
في صباح اليوم التالي، جاء القرار الطبي: "حالتهما مستقرة. يُنقلان إلى غرفة عادية لمتابعة التعافي." كان الخبر لسالم كالإفراج. لم يكن ينتظر الشفاء بقدر ما كان ينتظر اللحظة التي يُسمح له فيها أن يخطو خارج غرفته. جاءت الممرضة تدفع كرسياً متحركاً. قالت بابتسامة: "سيد سالم، هيا. وعدتك أن آخذك إليها." كان جسده لا يزال ضعيفاً، والجرح في بطنه يؤلمه مع كل حركة، لكن قلبه كان يسبق الكرسي. خرج من غرفته. الممرضة تدفعه ببطء في الممر الطويل. كلما اقترب من الغرفة رقم 312، ازداد خفقان قلبه. توقفت عند الباب. طرقت بخفة، ثم فتحته. كانت الغرفة هادئة. الستائر البيضاء تسمح لضوء الشمس بالدخول خافتاً. على السرير، كانت نورهان نصف جالسة. وجهها شاحب، وشفتاها بلا لون. أنبوب المصل لا يزال في ذراعها، والضمادة الكبيرة تظهر من تحت ثوب المشفى على جانبها الأيمن. لكن عينيها... عيناها كانتا تلمعان. حين رأته على الكرسي، تجمدت. ثم ارتجفت شفتاها. لم تتكلم. لم تبتسم. فقط نظرت. ودخل سالم. أشار للممرضة أن تتركه. أغلقت الباب خلفها بهدوء. ساد صمت. صمت لا يشبه أي صمت عَرِفَهُ من قبل. صمت ممتلئ بالكلام، بالدموع
لم تنم حياة تلك الليلة. كانت كلماتها لنفسها سياطاً: "غبية. خرجتِ مرة أخرى. في اللحظة التي احتاجكِ فيها، أظهرتِ ضعفكِ. وهو؟ هو لم يسأل إلا سؤالاً طبيعياً. كانت معه في النار. من حقه أن يقلق." تصارعت مع ضميرها حتى الفجر. وفي الصباح، كان القرار: "سأعود. سأعتذر. ولو طردني، سأبقى عند الباب."اليوم الموالي، موعد الزيارة في العناية المركزة. خمس دقائق فقط. دخلت حياة. وجهها مرهق، وعيناها تحكي ندماً عمره أشهر. حين رآها سالم، ابتسم. ابتسامة صغيرة، متعبة. قال: "أتيتِ." قالت وقد جلست على حافة الكرسي: "وهل كنت تظن أنني لن أعود؟" في الحقيقة، كان استقباله لها فرحاً... لكن فرحاً باهتاً. لأن عقله، وقلبه، ونبضه... كلها كانت في الغرفة المجاورة. مع نورهان. هل هي بخير؟ هل تتألم؟ هل أفاقت؟ كيف تجرأت أن تقتطع من جسدها جزءاً لتعطيه له دون أن ترتجف؟ هذه الأسئلة كانت تدور في رأسه وهي تمسك يده وتحدثه عن قلقها. هو هنا بجسده، لكن روحه معلقة بسرير آخر. وبدأت مشاعره تميل. تميل ببطء، وبوجع، نحو تلك التي لم تطلب شيئاً، وأعطت كل شيء. كل تفكيره كان مع نورهان، ليس من السهل ما فعلته من تضحية، لقد خاطرت
لم يكن القدر ليدعه يهرب من القرار طويلاً. بعد ثلاثة أيام من صمت سالم، جاء الاختبار…كان في جولة تفقدية في مستودع "مخابز حياة" الجديد بالمنطقة الصناعية. مستودع ضخم، مليء بأفران الغاز الحديثة. دخل مع مدير التشغيل، ونورهان كانت معه. تتابع الأرقام، وتدون الملاحظات. فجأة، دوى انفجار. تسرب غاز من أحد الأنابيب القديمة التي لم تُستبدل بعد. شرارة صغيرة من آلة مجاورة، وتحول المكان إلى جحيم. النار التهمت جزءاً من السقف. والدخان الأسود ملأ المكان في ثوانٍ. سقط عاملان مغشياً عليهما. وصرخ المدير: "اخرجوا! اخرجوا!! المستودع سينفجر!" ركض الجميع خائفين على أنفسهم من الحريق . تدافعوا نحو الباب. نورهان أمسكت بذراع سالم: "سالم، سالم! هيا لنخرج حالا !" لكنه توقف والتفت للوراء . رأى أحد العاملين ملقى تحت رف حديدي سقط عليه. كان فتى في الثامنة عشرة، من أبناء الزقاق. وظفه سالم بنفسه قبل شهر. قال سالم: "اذهبي أنتِ يا نور اذهبي ! . سأخرجه." صرخت نورهان: "ستُقتل! النار اندلعت في كل مكان، إنها تقترب!" لكنه لم يستمع إليها، كان قد اندفع. رفع الرف الحديدي بكل قوته. سحب الفتى. كان الدم ينزف
كان إصبعه على الشاشة. الاسم الأول "حياة". والاسم الثاني "نورهان". وفجأة... تراجع. ألقى الهاتف على المكتب كأنه جمرة. تراجع إلى الخلف، واستند إلى النافذة الزجاجية. قلبه لم يكن قلب رجل أعمال حاسم. كان قلب طفل تائه في مفترق طريقين، وكلاهما يؤدي إلى الهاوية.أما حياة فهي تنتظر بفارغ الصبر رده ، تنظر إلى الهاتف متى سيرن سالم، أو متى سيدق على بابها. خائفة لا تعلم كيف ستكون الإجابة هل بالقبول ويسامحها على غيابها ، أم يرفض اعتذارها.ونورهان خائبة الظن. تعلم أن في قلبه حياة، لم يتجاوز حبها بعد، لا يمكن أن يختارها بعد كل ما عاشه مع حياة. فهي جاءت متأخرة، بعد أن كان قلبه ملأته أخرى . لم يعد لديها درة أمل. خاصة أن الرسالة ظهرت بعد اعترافها له . أما سلطان يتسائل مع نفسه "ماذا سأفعل؟" همس لنفسه. "يا رب... ماذا سأفعل؟" صراع وحرب داخلية في قلبه، لا يعلم بها إلا هو . هامسا مع نفسه "حياة... يا حياة." قالها بصوت مكسور. "لقد تركتِ فجوة كبيرة بيننا دون سبب واضح. خفتِ، فهربتِ. تركتني أواجه القمة وحدي، والبرد وحدي، والفراغ وحدي. أي خوف هذا الذي يجعل المرأة تترك الرجل الذي أفنى عمره ليحقق حلمها الأول؟
وصلت الرسالة في ظرف أبيض، بلا عنوان مرسل. وضعها السكرتير على مكتب سالم بين كومة من العقود والتقارير. لكنها لم تكن كالأوراق الأخرى. كانت خفيفة، ومع ذلك أثقل من جبل. عرف خطها قبل أن يفتحها. "إلى سالم... أعلم أنني أخطأت. وأعلم أن الاعتذار لا يبني ما هدمته يداي. لكنني أكتب، لأن الصمت صار أثقل من الندم. حين هربت، ظننت أنني أحمي قلبي من الانكسار. فإذا بي أكسر قلبينا معاً. ظننت أن القمة ستغيرك. فاكتشفت أنني أنا التي تغيرت. صرت أخاف من كل شيء. من النجاح، من المال، منك. رأيتك تكبر، ورأيت نفسي أصغر. فاخترت الهرب. لكنني كنت مخطئة. أنت لم تصعد وحدك. لقد حملت اسمي، وحملت وعدك، وحملت الحي كله معك. وبنيت لهم، ووفيت لهم، ووفيت لي. وأنا... ماذا فعلت؟ خبزت خبزاً، وبكيت على الأطلال. سالم... أنا لا أطلب منك أن تعود إلى الوراء. ولا أطلب منك أن تختارني. أطلب منك فقط أن تسامحني. فإن سامحتني... فاعلم أنني هنا. أتعلم من جديد كيف أكون امرأة تليق برجل مثلك. لا امرأة تخاف من ظله. وإن لم تسامحني... فسأفهم. فمن يكسر الكأس، لا يحق له أن يبكي على الماء المسكوب. والدتي تسلم عليك. وتدعو
ساعدت حياة سالم على النهوض. كان جسده يرتجف، لا من برد الفجر، بل من الأدرينالين الذي ما زال يضرب عروقه كالسوط. ضغطت بوشاحها القطني على جرحه النازف، فتلوّن القماش الأبيض بالأحمر القاني. لم تقل شيئاً في تلك اللحظة، لكن عينيها الواسعتين بلون البن المحمص قالتا كل شيء: خوف لم يغادرها، وامتنان عميق، ودهشة
فجأة، وهو غارق في نومه من كثرة تعب العمل ، دوّى صوت إنذار المخبز الذي كان يعمل فيه سابقا . هاتفه يهتز. استغرب من رنين هاتفه في تلك الساعة! وقام من نومه ، فإذا به وصلته رسالة من صاحب المخبز في الخامسة صباحا لا زال الظلام في الخارج والليلالي الباردة والشتاء تمطر لأنه فصل الشتاء : "سالم، الكامي
كان اسمه "سلطان المرجان"، في الثامنة والثلاثين من عمره. ورث عن أبيه شركة عقارية تُقدر بملايين الدراهم، لكنه خلال عشر سنوات ضاعفها ثلاث مرات، لا بالحكمة، بل بالمخاطرة. مكتبه في الطابق الأربعين، من الزجاج والرخام الأسود. من نافذته كان يرى المدينة كلها، ويقسم أنها خُلقت لتكون تحت حذائه الإيطالي. لم
مرّ أسبوعان على حادثة المخبز. "مخبز حياة" بدأ ينهض من تحت الرماد. رائحة الخبز الساخن تملأ الحي مع أول خيط فجر، وحياة تقف على الصندوق تدوّن الحسابات بيدها الخشنة الشريفة، وسالم خلف الفرن، يراقب النار ويقلّب الأرغفة. بينهما نظرات صامتة، طويلة، فيها امتنان وفيها خوف. وخطط كثيرة لم تُقل بعد. وندبة حم







