Share

الفصل الخامس :

last update publish date: 2026-05-10 04:23:11

استيقظ سالم على وخز خفيف في جبينه. فتح عينيه ببطء، فسقف أبيض، ورائحة مطهر، وصوت أجهزة تراقب النبض. تحسس رأسه، فوجد ضمادة كبيرة تلفه بإحكام. الخيط الجراحي يشده، لكن الألم كان غائباً، مخدراً بالبنج. أدار وجهه قليلاً، فوجدها.

حياة.

جالسة بجواره على كرسي بلاستيكي، رأسها يسقط من التعب كل لحظة ثم تنتفض، تقاوم النوم كأنها تحرسه. ثوبها مبلل من المطر، وعلى كمها بقع دم جافة. دمه.

قال بصوت مبحوح:

"لماذا لم تعودي إلى بيتك؟"

فتحت عينيها ببطء، عينيها بلون البن المحمص، وفيهما حمرة السهر. قالت بهدوء:

"لأنك حين سقطت على الأرض، لم تسأل عن الخزنة، ولم تسأل عن اللصوص. سألت عني. صرخت باسمي. لم يفعلها أحد من قبل."

صمتت قليلاً، ثم أضافت بصوت أخفض:

"ثم إنني مدينة لك بحياتي. أنقذتني من أولئك السارقين. كيف أتركك وحدك؟"

ساد صمت ثقيل. فقط صوت المطر يقرع زجاج النافذة بإصرار. ثم سألته السؤال الذي كان يخشاه، وهي تنظر في عينيه بعمق وحيرة، كأنها تحاول أن تقرأ قصة لم تُكتب:

"سالم... ما اسمك الحقيقي؟ لماذا تخفي هويتك؟ أهناك خطب ما يجعلك تخاف من اسمك؟"

صمت طويل. صمت كأنه دهر. أدار وجهه نحو النافذة، يتابع قطرات المطر وهي تنزلق على الزجاج. كيف يخبرها؟ بماذا يجيبها وهي تنتظر كلمة تطمئنها؟ أخيراً، خرج صوته متعباً، مكسوراً:

"لو أخبرتك... هل ستنظرين إليّ كما تنظرين الآن؟ هل ستبقى هذه النظرة في عينيك؟"

اقتربت منه أكثر، حتى صارت ركبتاها تلامسان حافة السرير. أمسكت بيده الخشنة، يده التي صارت تعرف العجين والطين والدم. قالت بثبات:

"أنا لا أنظر إلى اسمك، ولا إلى ماضيك الذي لا أعرفه. أنا أنظر إلى الرجل الذي وقف بيني وبين السكين. وهذا الرجل... اسمه يكفيني، أياً كان."

في تلك اللحظة، طُرق الباب طرقة خفيفة. دخل صاحب المخبز، رجل عجوز في السبعين، ظهره محني من السنين، لكن عينيه تلمعان بالطيبة. اقترب من السرير، ونظر إلى سالم بحزن حقيقي، وقال:

"يا بني، كيف حالك؟ أنا آسف لما حدث لك اليوم. أنا السبب في ذلك. أنا من أرسلتك."

هز سالم رأسه نافياً، لكن العجوز أكمل:

"يا بني، أريد أن أبيع المخبز. كما ترى، أنا رجل كبير، ولم أعد أقوى على الوقوف من الفجر. المخبز يحتاج إلى رجل في سنك، رجل لا يزال قادراً على تحمل تعب العمل ومسؤوليته. أتقبل أن تشتريه مني؟"

صمت سالم مذهولاً. العجوز أردف:

"بسبب ما حدث الليلة، علمت أنك شاب شهم، ذو رجولة، يُتكل عليك. وأنك لست مخادعاً. إذا أردت، سأبيعك إياه بالتقسيط. ستدفع لي رويداً رويداً حتى تكمل ثمنه. لأنني وثقت بك. ولن أنسى تضحيتك اليوم. ما فعلته الليلة لا يُشترى بمال."

اتسعت عينا سالم. من عامل يمسح الأرض، إلى حارس ليلي، إلى صاحب مخبز؟ في ليلة واحدة؟

لكن حياة ضغطت على يده بقوة، وهمست له حتى لا يسمعها العجوز:

"هذه ليست صدقة يا سالم. ولا شفقة. هذا دين. والمخبز سيرد الدين الذي عليك، والدين الذي عليه للناس."

فهم. هذه فرصته الأولى ليقف من جديد. ليس من أجل المال الذي خسره، بل من أجل الكرامة التي يريد أن يبنيها.

فرح سالم فرحاً لم يعرفه منذ سنوات. ونظر إلى يد حياة وهي فوق يده. أحس بدفء غريب يسري في عروقه، دفء لم يحس به طوال حياته رغم كل القصور والخدم. لمسة يدها أشعلت في صدره ناراً هادئة، وأحس بفرح عارم مزدوج: فرح بالمخبز، وفرح بها.

حياة أحست بنظراته تطول على يدها. ارتبكت، واحمر وجهها القمحي خجلاً. سحبت يدها بسرعة من فوق يده، وهي مرتبكة، مستحية، تتمتم بشيء لم يُفهم.

ظل سالم في المستشفى أسبوعاً كاملاً. وكانت حياة تأتيه كل يوم بعد انتهاء عملها في المخبز. كانت تأتيه بعلب طعام أعدتها بيديها. كان يتناول طعامها بسعادة طفل، ويقول لها كل مرة:

"والله لم أذق في حياتي طعاماً مثل هذا."

كان ينتظرها كل يوم بشوق، لا يرتاح باله حتى يسمع خطواتها في الممر. كان يتشوق للطعام الذي تجلبه، يتساءل:

"ماذا أعدت لي اليوم؟" كانت تنوع له كل يوم، مرة حريرة، مرة طاجين، مرة كسكس. لقد أحب ذلك. أحب اهتمامها. وهي أيضاً اعتادت أن تذهب إليه. رغم تعبها من العمل في المخبز من الصباح، كانت تخصص المساء كله لسالم. وهو كان يسر ويسعد كثيراً بقدومها، حتى صار الدواء الحقيقي له.

بعد أسبوع:

خرج من المستشفى. ندبة جديدة حمراء تشق جبينه، انضمت إلى ندوب روحه القديمة التي لا تُرى. وقف أمام المخبز. لقد اتخذ قراراً. أراد أن يغير اسم المخبز الذي أصبح ملكه، رغم أنه لم يسدد درهماً واحداً من ثمنه بعد. لكن كلمة العجوز طمأنته:

"سدده بالتقسيط يا ولدي".

غير الاسم في المساء، بعد أن أغلقت حياة المحل وعادت إلى بيتها. أراد أن يفاجئها. علق لافتة جديدة كتب عليها بخط كبير: "مخبز حياة".

في الصباح، جاءت حياة كعادتها. وقبل أن تفتح الباب، رفعت رأسها، فانتبهت للاسم الجديد. تجمدت في مكانها. ثم، كطفلة صغيرة، بدأت تقفز وتنط أمام باب المخبز من الفرح، وتصفق بيديها. كان سالم يراقبها من بعيد، مختبئاً خلف شجرة، وقلبه يكاد يخرج من صدره من السعادة.

اقترب منها ببطء. صُدمت حياة عندما رأته. لم تكن تعلم أنه سيغادر المشفى اليوم.

وفهمت فوراً أن فكرة تغيير الاسم فكرته. لم تحس بنفسها، وطارَت عليه بعناق حار، عفوي، وتصرفت بتلقائية كاملة. ومن شدة الفرح، لم تدرك أنها طبعت قبلة سريعة على وجنته. ثم انتبهت لما فعلت، فتجمدت. احمرت وجنتاها حتى صارتا بلون الرمان، وتراجعت للخلف وهي تقول بارتباك:

"أنا... أنا لم أقصد... آسفة."

أما هو، فبقي مصدوماً، متسمراً في مكانه. لكنها صدمة فرح. تمنى في سره أن تعيدها مرة أخرى، بل تمنى أن يعانقها هو مطولاً ولا يتركها. صارت حياة هي كل ما يشغل تفكيره. كيف يرضيها؟ كيف يحسن مستوى معيشته ليستحقها؟ كيف يحقق لها كل ما تتمناه من عيش كريم؟

استجمعت نفسها، وقالت له وهي تحاول إخفاء خجلها:

"لماذا سميته باسمي؟"

ابتسم ابتسامة حقيقية، أول ابتسامة تخرج من القلب منذ سنوات، وقال:

"لأنكِ أنتِ من أعادني للحياة."

ردت بابتسامة وامتنان، تخفي دمعة كادت تسقط:

"إذن... لنبدأ العمل يا شريك."

ومنذ ذلك اليوم، تغير كل شيء. لم تعد تراه "عاملاً فقيراً" جاء يبحث عن رزقه. رأت فيه رجلاً سقط من قمة الجبل، فنهض من الوادي، وحملها معه وهو يصعد. وهو لم يعد يراها "فتاة فقيرة" تعمل في مخبز. رآها السبب الوحيد ليكون إنساناً من جديد. رآها الحافز ليطمح للازدهار والعلو والغنى... ولكن هذه المرة، بدون قمار. بغنى شريف.

لكن الخطر لم ينته.

في خضم الفرح، تذكر سالم يوم الحادث. أحد اللصوص الثلاثة، قبل أن تسحبه الشرطة، مر بجانبه وهو مكبل، وهمس في أذنه بنبرة تهديد تقطر سماً: "أعرفك يا سلطان المرجان... وهذا ليس آخر ما بيننا."

تجمد الدم في عروقه من جديد. حزن سلطان الذي ظن أنه مات عاد للحظة. نظر إلى حياة وهي منهمكة في العمل، تضحك مع الزبائن، وترتب الخبز. لم ترَ حزنه المفاجئ. وسرعان ما أخفى حزنه بابتسامة مصطنعة، لكي لا تحس به، لكي لا يلوث فرحتها.

لكنه في الليل، حين يغلق المخبز، كان يشرد طويلاً. يفكر في ذلك التهديد. في ذلك اللص الخبيث الذي يعرف ماضيه. الماضي الذي يحاول أن يدفنه، يأبى إلا أن يخرج من قبره.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل 39 :

    مر أسبوعان على الحادث . خرج سالم ونورهان من المشفى معاً. لم يعودا إلى البرج، ولا إلى الزقاق. استأجر سالم بيتاً صغيراً مطلاً على البحر، بعيداً عن صخب المدينة. قال للطبيب: "نحتاج هدوءاً. نحتاج أن نتعافى." وفي الحقيقة، كان يحتاج أن يتعرف أكثر وأكثر . أن يتعرف على المرأة التي صار جزء منها يسري في دمه.نورهان: الحضور الدائمكانت معه في كل لحظة. تبدل ضماده. تعد له طعاماً خفيفاً لا يرهق كبده المتعافي. تعرف أنه يحب حساء الخضار بلا ملح كثير، وقطعة الدجاج المشوي بجانبها إكليل الجبل. تعرف أنه يكره رائحة السمك. تعرف أن نبرة صوته حين يكون متعباً تصير أخفض، وحين يكون قلقاً يفرك جبهته بإبهامه. وإذا غضب، لا تتركه. لا تهرب. تقترب. تضع كفها على كتفه وتقول: "تكلم. أنا هنا. لا أحاكمك، أسمعك." وإذا رأت الحزن في عينيه، تفتح نافذة، تشغل موسيقى هادئة كان يسمعها في شبابه، وتجلس بجواره صامتة حتى يبتسم. كانت تحفظه. تحفظ تفاصيله التي لا يراها أحد. تعلم عنه كل شيء . أما حياة حتى أكلته المفضلة لا تعرف عنها شيئا. صحيح أنها كانت تطعمه رغيفا سخنا من يدها كل يوم لكن لا تعلم شيئا عن ماذا يحب وماذا يكره . بينم

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل 38 :

    في صباح اليوم التالي، جاء القرار الطبي: "حالتهما مستقرة. يُنقلان إلى غرفة عادية لمتابعة التعافي." كان الخبر لسالم كالإفراج. لم يكن ينتظر الشفاء بقدر ما كان ينتظر اللحظة التي يُسمح له فيها أن يخطو خارج غرفته. جاءت الممرضة تدفع كرسياً متحركاً. قالت بابتسامة: "سيد سالم، هيا. وعدتك أن آخذك إليها." كان جسده لا يزال ضعيفاً، والجرح في بطنه يؤلمه مع كل حركة، لكن قلبه كان يسبق الكرسي. خرج من غرفته. الممرضة تدفعه ببطء في الممر الطويل. كلما اقترب من الغرفة رقم 312، ازداد خفقان قلبه. توقفت عند الباب. طرقت بخفة، ثم فتحته. كانت الغرفة هادئة. الستائر البيضاء تسمح لضوء الشمس بالدخول خافتاً. على السرير، كانت نورهان نصف جالسة. وجهها شاحب، وشفتاها بلا لون. أنبوب المصل لا يزال في ذراعها، والضمادة الكبيرة تظهر من تحت ثوب المشفى على جانبها الأيمن. لكن عينيها... عيناها كانتا تلمعان. حين رأته على الكرسي، تجمدت. ثم ارتجفت شفتاها. لم تتكلم. لم تبتسم. فقط نظرت. ودخل سالم. أشار للممرضة أن تتركه. أغلقت الباب خلفها بهدوء. ساد صمت. صمت لا يشبه أي صمت عَرِفَهُ من قبل. صمت ممتلئ بالكلام، بالدموع

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل 37 :

    لم تنم حياة تلك الليلة. كانت كلماتها لنفسها سياطاً: "غبية. خرجتِ مرة أخرى. في اللحظة التي احتاجكِ فيها، أظهرتِ ضعفكِ. وهو؟ هو لم يسأل إلا سؤالاً طبيعياً. كانت معه في النار. من حقه أن يقلق." تصارعت مع ضميرها حتى الفجر. وفي الصباح، كان القرار: "سأعود. سأعتذر. ولو طردني، سأبقى عند الباب."اليوم الموالي، موعد الزيارة في العناية المركزة. خمس دقائق فقط. دخلت حياة. وجهها مرهق، وعيناها تحكي ندماً عمره أشهر. حين رآها سالم، ابتسم. ابتسامة صغيرة، متعبة. قال: "أتيتِ." قالت وقد جلست على حافة الكرسي: "وهل كنت تظن أنني لن أعود؟" في الحقيقة، كان استقباله لها فرحاً... لكن فرحاً باهتاً. لأن عقله، وقلبه، ونبضه... كلها كانت في الغرفة المجاورة. مع نورهان. هل هي بخير؟ هل تتألم؟ هل أفاقت؟ كيف تجرأت أن تقتطع من جسدها جزءاً لتعطيه له دون أن ترتجف؟ هذه الأسئلة كانت تدور في رأسه وهي تمسك يده وتحدثه عن قلقها. هو هنا بجسده، لكن روحه معلقة بسرير آخر. وبدأت مشاعره تميل. تميل ببطء، وبوجع، نحو تلك التي لم تطلب شيئاً، وأعطت كل شيء. كل تفكيره كان مع نورهان، ليس من السهل ما فعلته من تضحية، لقد خاطرت

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل 36 :

    لم يكن القدر ليدعه يهرب من القرار طويلاً. بعد ثلاثة أيام من صمت سالم، جاء الاختبار…كان في جولة تفقدية في مستودع "مخابز حياة" الجديد بالمنطقة الصناعية. مستودع ضخم، مليء بأفران الغاز الحديثة. دخل مع مدير التشغيل، ونورهان كانت معه. تتابع الأرقام، وتدون الملاحظات. فجأة، دوى انفجار. تسرب غاز من أحد الأنابيب القديمة التي لم تُستبدل بعد. شرارة صغيرة من آلة مجاورة، وتحول المكان إلى جحيم. النار التهمت جزءاً من السقف. والدخان الأسود ملأ المكان في ثوانٍ. سقط عاملان مغشياً عليهما. وصرخ المدير: "اخرجوا! اخرجوا!! المستودع سينفجر!" ركض الجميع خائفين على أنفسهم من الحريق . تدافعوا نحو الباب. نورهان أمسكت بذراع سالم: "سالم، سالم! هيا لنخرج حالا !" لكنه توقف والتفت للوراء . رأى أحد العاملين ملقى تحت رف حديدي سقط عليه. كان فتى في الثامنة عشرة، من أبناء الزقاق. وظفه سالم بنفسه قبل شهر. قال سالم: "اذهبي أنتِ يا نور اذهبي ! . سأخرجه." صرخت نورهان: "ستُقتل! النار اندلعت في كل مكان، إنها تقترب!" لكنه لم يستمع إليها، كان قد اندفع. رفع الرف الحديدي بكل قوته. سحب الفتى. كان الدم ينزف

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل 35 :

    كان إصبعه على الشاشة. الاسم الأول "حياة". والاسم الثاني "نورهان". وفجأة... تراجع. ألقى الهاتف على المكتب كأنه جمرة. تراجع إلى الخلف، واستند إلى النافذة الزجاجية. قلبه لم يكن قلب رجل أعمال حاسم. كان قلب طفل تائه في مفترق طريقين، وكلاهما يؤدي إلى الهاوية.أما حياة فهي تنتظر بفارغ الصبر رده ، تنظر إلى الهاتف متى سيرن سالم، أو متى سيدق على بابها. خائفة لا تعلم كيف ستكون الإجابة هل بالقبول ويسامحها على غيابها ، أم يرفض اعتذارها.ونورهان خائبة الظن. تعلم أن في قلبه حياة، لم يتجاوز حبها بعد، لا يمكن أن يختارها بعد كل ما عاشه مع حياة. فهي جاءت متأخرة، بعد أن كان قلبه ملأته أخرى . لم يعد لديها درة أمل. خاصة أن الرسالة ظهرت بعد اعترافها له . أما سلطان يتسائل مع نفسه "ماذا سأفعل؟" همس لنفسه. "يا رب... ماذا سأفعل؟" صراع وحرب داخلية في قلبه، لا يعلم بها إلا هو . هامسا مع نفسه "حياة... يا حياة." قالها بصوت مكسور. "لقد تركتِ فجوة كبيرة بيننا دون سبب واضح. خفتِ، فهربتِ. تركتني أواجه القمة وحدي، والبرد وحدي، والفراغ وحدي. أي خوف هذا الذي يجعل المرأة تترك الرجل الذي أفنى عمره ليحقق حلمها الأول؟

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل 34:

    وصلت الرسالة في ظرف أبيض، بلا عنوان مرسل. وضعها السكرتير على مكتب سالم بين كومة من العقود والتقارير. لكنها لم تكن كالأوراق الأخرى. كانت خفيفة، ومع ذلك أثقل من جبل. عرف خطها قبل أن يفتحها. "إلى سالم... أعلم أنني أخطأت. وأعلم أن الاعتذار لا يبني ما هدمته يداي. لكنني أكتب، لأن الصمت صار أثقل من الندم. حين هربت، ظننت أنني أحمي قلبي من الانكسار. فإذا بي أكسر قلبينا معاً. ظننت أن القمة ستغيرك. فاكتشفت أنني أنا التي تغيرت. صرت أخاف من كل شيء. من النجاح، من المال، منك. رأيتك تكبر، ورأيت نفسي أصغر. فاخترت الهرب. لكنني كنت مخطئة. أنت لم تصعد وحدك. لقد حملت اسمي، وحملت وعدك، وحملت الحي كله معك. وبنيت لهم، ووفيت لهم، ووفيت لي. وأنا... ماذا فعلت؟ خبزت خبزاً، وبكيت على الأطلال. سالم... أنا لا أطلب منك أن تعود إلى الوراء. ولا أطلب منك أن تختارني. أطلب منك فقط أن تسامحني. فإن سامحتني... فاعلم أنني هنا. أتعلم من جديد كيف أكون امرأة تليق برجل مثلك. لا امرأة تخاف من ظله. وإن لم تسامحني... فسأفهم. فمن يكسر الكأس، لا يحق له أن يبكي على الماء المسكوب. والدتي تسلم عليك. وتدعو

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل السادس :

    مرّ أسبوعان على حادثة المخبز. "مخبز حياة" بدأ ينهض من تحت الرماد. رائحة الخبز الساخن تملأ الحي مع أول خيط فجر، وحياة تقف على الصندوق تدوّن الحسابات بيدها الخشنة الشريفة، وسالم خلف الفرن، يراقب النار ويقلّب الأرغفة. بينهما نظرات صامتة، طويلة، فيها امتنان وفيها خوف. وخطط كثيرة لم تُقل بعد. وندبة حم

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل الرابع :

    ساعدت حياة سالم على النهوض. كان جسده يرتجف، لا من برد الفجر، بل من الأدرينالين الذي ما زال يضرب عروقه كالسوط. ضغطت بوشاحها القطني على جرحه النازف، فتلوّن القماش الأبيض بالأحمر القاني. لم تقل شيئاً في تلك اللحظة، لكن عينيها الواسعتين بلون البن المحمص قالتا كل شيء: خوف لم يغادرها، وامتنان عميق، ودهشة

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل الثالث :

    فجأة، وهو غارق في نومه من كثرة تعب العمل ، دوّى صوت إنذار المخبز الذي كان يعمل فيه سابقا . هاتفه يهتز. استغرب من رنين هاتفه في تلك الساعة! وقام من نومه ، فإذا به وصلته رسالة من صاحب المخبز في الخامسة صباحا لا زال الظلام في الخارج والليلالي الباردة والشتاء تمطر لأنه فصل الشتاء : "سالم، الكامي

  • “ السقوط من القمة والعودة للحياة ”   الفصل الأول :

    كان اسمه "سلطان المرجان"، في الثامنة والثلاثين من عمره. ورث عن أبيه شركة عقارية تُقدر بملايين الدراهم، لكنه خلال عشر سنوات ضاعفها ثلاث مرات، لا بالحكمة، بل بالمخاطرة. مكتبه في الطابق الأربعين، من الزجاج والرخام الأسود. من نافذته كان يرى المدينة كلها، ويقسم أنها خُلقت لتكون تحت حذائه الإيطالي. لم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status