LOGINلم تكن خنساء تعلم أن القدر أودع في جسدها سرًا أعظم من أن يدركه عقلها، ولا أن الرجل الذي أنقذها سيصبح يومًا هدفًا لانتقامها وملاذًا غامضًا لقلبها في آن واحد.
منذ أن أنقذها فاروق وساعدها على العودة إلى قبيلتها، ظلت عيناه والشعور الغريب الذي يرافقها كلما اقترب منها عالقين في ذاكرتها. كانت تكره أن تتذكر دفء يده ونظراته التي بدت كأنها تخفي اعترافًا لا يجرؤ على قوله، لكنها كانت تعود إلى تلك التفاصيل رغمًا عنها. وكلما حاولت إقناع نفسها بأنه مجرد عدو ينتمي إلى القبيلة التي سلبت أمها حياتها، ازداد اضطرابها أمام انجذاب لا تفهمه. لكنها لم تكن تعرف أن الأمر بالنسبة إليه كان مختلفًا تمامًا. ففاروق لم يكن شابًا عاديًا؛ كان يسري في عروقه دم شيطاني موروث عن قبيلة الوحوش، وتحمل جسده لعنة قديمة عجز الجميع عن كسرها. كان الألم ينهشه من الداخل، ويشتعل في عروقه كالنار، ويزداد كلما غضب أو استخدم قوته. وقد أخبره كبير الكهنة منذ سنوات أن شخصًا واحدًا قادر على إيقافها: ابنة الكاهن، حوراء. لهذا وافق فاروق على الزواج منها، مؤمنًا بأن خلاصه معلق بها. لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة وغموضًا. ففي كل مرة تقترب منه خنساء، كان الألم يتراجع، وحين تلمسه تهدأ النيران المشتعلة في عروقه، كأن جسده أدرك حقيقتها قبل أن يفعل عقله. كان يشعر بانجذاب لا يستطيع مقاومته، وبخوف أشد من أن يفسره؛ فكلما اقتربت منه، خفت لعنته، وكلما ابتعدت، عاد الألم يذكره بأنه أصبح متعلقًا بها. ومع ذلك، ظل عاجزًا عن تفسير ما يحدث، أو عن الاعتراف بأن المرأة التي لا ينبغي له أن يرغب فيها قد تكون خلاصه الوحيد. أما خنساء، فلم تكن تعلم شيئًا عن ذلك. كان يشغلها أمر واحد: والدتها، المرأة التي سُلبت حياتها ظلمًا، والقبيلة التي عاشت سنوات تحمل جرحًا لم يلتئم. لقد حانت فرصتها للانتقام. ومع ذلك، كلما تذكرت فاروق، ارتجف شيء خفي في داخلها. كانت تريد أن تكرهه لأنه ينتمي إلى عالم أذاق أمها العذاب، لكنها لم تستطع محو صورته من ذاكرتها: صوته حين أنقذها، يده حين أسندها، ونظرته التي جعلتها تشعر للحظة بأنها ليست وحيدة. كانت تلك المشاعر خيانة لدم أمها، ولذلك دفنتها تحت غضبها، وحوّلت انجذابها إليه إلى سبب إضافي للانتقام. لذلك، حين عادت إلى غرفتها تلك الليلة، وقفت طويلًا أمام المرآة قبل أن تحسم أمرها. ستقبل الزواج، وتدخل قبيلة النسور، وتصبح زوجة فاروق الرسمية أمام الجميع. بل وستخضع للطقوس الشيطانية التي تمنحها اعتراف القبيلة، رغم أنها لا تحمل دم النسور ولا دم الوحوش. لم يكن الزواج بالنسبة إليها عهدًا، بل فخًا ستغلقه حول القبيلة من الداخل. وكانت تعرف أن فاروق سيكون أقرب شخص إليها، وأن قربه قد يربك خطتها، لكنها أقسمت ألا تسمح لقلبها بأن يضعف أمامه. دخلت الحمام واستحمت طويلًا، كأنها تغسل عن جسدها حياتها القديمة وتستعد لولادة امرأة جديدة. ثم ارتدت ثوب الطقوس، ورفعت شعرها، وتأملت انعكاسها في المرآة. لم تحمل عيناها خوفًا، بل تصميمًا باردًا يخفي ارتباكًا لم تستطع اقتلاعه. همست: "من أجل أمي... سأفعلها." ثم أضافت في سرها، وهي تتذكر وجه فاروق: "حتى لو اضطررت إلى تدمير الرجل الذي لا أستطيع التوقف عن التفكير فيه." لكنها لم تكن تعلم أنها لا تدخل قبيلة النسور فحسب، بل تقترب من قلب اللعنة نفسها. وفي الجهة الأخرى من القصر، كان فاروق يستعد للزفاف. حاول أن يقنع نفسه بأن ما يشعر به تجاه خنساء ليس سوى أثر غامض للّعنة، وأن زواجه من حوراء سيعيد الأمور إلى نصابها. لكنه ما إن خطا بضع خطوات حتى ضغط على صدره من شدة الألم؛ اشتعلت عروقه، وسقط على ركبته، فاستُدعي الكاهن على عجل. وحين وصل الرجل العجوز، أمسك بيد فاروق وفحص عروقه، ثم عقد حاجبيه بدهشة. قال فاروق بصوت متقطع: "الألم... عاد." ظل الكاهن صامتًا لحظات، قبل أن يرفع رأسه ويقول: "ربما لأن ترياقك بعيد عنك." ابتسم فاروق بمرارة، لكنه لم يستطع منع صورة خنساء من الظهور في ذهنه. "حوراء قريبة، وستكون زوجتي الليلة." لكن الكاهن لم يجبه. فقد بدأ، للمرة الأولى، يشك في النبوءة التي آمن بها الجميع طوال تلك السنوات. كانت هناك حقيقة لم يكتشفها أحد بعد: الترياق لم يكن حوراء. كان خنساء. فالفتاة التي قررت دخول قبيلة النسور طلبًا للانتقام، كانت تحمل في دمها الشيء الوحيد القادر على إنقاذ الرجل الذي ستتزوجه. أما المفارقة الأكبر، فكانت أن فاروق كان على وشك الزواج من المرأة الخطأ، بينما كانت المرأة القادرة على إيقاف لعنته تستعد لتصبح زوجته أمام القبيلة كلها؛ امرأة دخلت القصر وهي تخطط لقتله من الداخل، ورجل يقترب منها لأنه لا يستطيع النجاة بعيدًا عنها.بعد أن انكشفت خيانة حوراء وسقطت أقنعة الخداع، نالت جزاءها أمام أعين الجميع، لتنتهي بذلك صفحة سوداء لطّخت اسم عائلتها العريقة. ولم تكن الفضيحة قد طالتها وحدها، بل امتدت آثارها إلى والدها، الكاهن الأعظم، الذي وجد نفسه عاجزًا عن حماية شرف عائلته بعدما شوّهته أفعال ابنته وأفعال من شاركها الخطيئة.أما الطفل، فلم يكن له ذنب في كل ما حدث، ولم تسمح خنساء بأن يدفع ثمن أخطاء والديه. احتضنته بقلب أم لا تفرّق بين طفل ولد من رحمها وطفل وجد نفسه وحيدًا بعد أن فقد والدته.قررت خنساء أن تربيه إلى جانب أبنائها، وأن تمنحه مكانته كاملة بينهم، وكأنه واحد من أطفالها الذين أنجبتهم. لم تسمح يومًا بأن يشعر بأنه مختلف أو غريب، بل غرست في قلبه الحب والانتماء، وكرّست سنواتها لتربية أبنائها جميعًا على الأخلاق والقوة والوفاء، بعيدًا عن المؤامرات والصراعات التي كادت تمزق العائلة.ومع مرور السنوات، تبدلت ملامح المملكة.فالمجموعة القبلية التي امتدت سلالتها عبر الأجيال، تحولت مع الزمن إلى مملكة عريقة ذات نفوذ وهيبة. هدأت الخلافات، وانطفأت نار الفتن، وعاشت القبائل في سلام طويل بعد أن أُغلقت صفحة حوراء نهائيًا. ومع ذلك
لم تمضِ ساعات طويلة حتى عثر جنود مملكة النسور على حوراء مختبئة في أعماق الغابة، منهكة ومرعوبة، وثيابها عالقة بالأغصان المبللة. كان فوزي قد اختفى تمامًا، تاركًا خلفه عشيقته تواجه مصيرها وحدها، دون أن يلتفت إلى ما قد يحدث لها.اقترب الجنود منها وأحاطوا بها من كل جانب، ثم اقتادوها بالقوة عائدة إلى المملكة. لم تحاول المقاومة؛ فقد أدركت أن أسرارها بدأت تنكشف، وأن فوزي، الذي خاطر بكل شيء من أجلها، قد تخلى عنها في اللحظة التي أصبحت فيها الحقيقة على وشك الظهور.وصلوا بها إلى شجرة الأمنيات، أقدم أشجار المملكة وأكثرها قداسة ورهبة. كانت جذورها ملتفة حول الصخور السوداء، وفروعها تمتد نحو السماء كأنها أذرع مخلوق قديم يراقب الجميع بصمت. تساقطت من أوراقها قطرات باردة على عنق حوراء، فارتجفت، ولم تعرف أكان ذلك ندى أم نذيرًا.تجمع الشيوخ والجنود وأفراد العائلة الحاكمة حولها، بينما وقف فاروق في مقدمة المكان، وملامح وجهه جامدة لا توحي بما يعتمل في داخله. وحدها قبضتاه المشدودتان كانتا تفضحان توتره.بدأ الشيوخ طقس كشف النسب، وهو طقس قديم لا يُقام إلا في الجرائم التي تمس العرش وسلالة النسور. أُحضرت الأدوات ا
لم يكن أحد في مملكة النسور يتخيل أن القصر، الذي طالما عُدَّ حصنًا للوفاء والأمان، يخفي بين جدرانه خيانة قادرة على اقتلاع عرش المملكة من جذوره.بعد زواجها من ولي العهد فاروق، لم تكتفِ حوراء بمكانتها إلى جواره، بل دفنت سرًا خطيرًا أخذ يكبر في الظلام يومًا بعد يوم. فقد ربطتها علاقة محرمة بفوزي، شقيق زوجها، وانتهت تلك الخيانة بحملٍ أخفته عن الجميع، ثم نُسب الطفل إلى فاروق، ولي عهد مملكة النسور وقائد قبيلة النسر الناري المقدس.لكن الأسرار، مهما أُحكم دفنها، لا تموت. إنها تنتظر اللحظة التي تجد فيها شقًا صغيرًا لتنفذ منه إلى النور.وجاءت اللحظة كالصاعقة.انكشفت الحقيقة دفعة واحدة، ووصل الخبر إلى فاروق محمّلًا بما يفوق قدرة القلب على الاحتمال. لم تكن الصدمة في خيانة زوجته وحدها، بل في أن شقيقه فوزي كان شريكًا فيها، وأن الطفل الذي حمل اسمه قد لا يكون من دمه.وما إن أدرك فوزي أن أمره انكشف، حتى فرّ خارج المملكة، تاركًا حوراء وطفلهما شادي لمواجهة العواقب وحدهما.كان شادي، الذي لم يتجاوز عامه الثاني، يجلس في الجناح الغربي، يحدق في الوجوه المحيطة به دون أن يفهم لماذا انقلب العالم فجأة. لم يعرف معن
بعد عامٍ كامل من الأحداث العاصفة، أصدر السيد فؤاد الناري، إمبراطور القبيلة وزعيم قبيلة النسور الشيطانية، قرارًا بالعفو عن حوراء. لم يكن قراره نابعًا من اقتناعه ببراءتها، بل من رغبته في حماية طفلها شادي، الذي كان لا يزال رضيعًا؛ فلم يشأ أن يدفع الصغير ثمن جرائم والدته.أما خنساء، فقد تبدلت حياتها تمامًا بعد مرور عام.ففي صباحٍ مشرق، أعلن الطبيب الإمبراطوري أن خنساء وضعت توأمًا: فتاةً وولدًا. غمرت الفرحة جناحها، وحين حمل فاروق طفليه بين ذراعيه، شعر بأن القدر منحه أخيرًا عائلةً تشبه الحلم الذي طالما تمناه.اختار لهما اسمين يليقان بسلالتهما: نسر للولد، وعنقاء للفتاة.كان الطفلان نسخةً مصغرةً من والدهما؛ عيناه الخضراوان، وشعره الكثيف، وحتى الختم الأصلي الذي تحمله سلالة فاروق ظهر على معصميهما منذ ولادتهما، كوحمة واضحة لا يمكن إنكارها.تأمل فاروق طفليه طويلًا، ثم ابتسم بفخر.— هذان الطفلان ثمرة حبي لخنساء... ولن أسمح لأي شيء في هذا العالم بأن يمسّهما.لكن فرحة القصر لم تدم طويلًا.ففي خضم تلك المناسبة السعيدة، وصل فوزي، شقيق فاروق، إلى القصر. استقبلته العائلة بحفاوة، غير أن خنساء، ما إن وقعت
عادت خنساء إلى جناحها بعد يوم طويل، وما إن أغلقت الباب خلفها حتى شعرت بثقل غريب في جسدها. كانت متعبة على نحو لم تعهده من قبل، فاستدعت الطبيب الإمبراطوري ليطمئن عليها. وبعد فحص دقيق، رفع الطبيب رأسه وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة لم يستطع إخفاءها.قال باحترام:— مولاتي، لديّ خبر سيغير حياتك... أنتِ حامل.شهقت خنساء، ثم وضعت يدها على بطنها.— حامل؟أومأ الطبيب، ثم أضاف بحذر:— نعم، لكن لا يمكن الجزم بعمر الحمل أو عدد الأجنّة من خلال الفحص وحده. أحتاج إلى إجراء فحص أدق، غير أن العلامات الأولية تشير إلى أنك في بدايات الشهر الثاني، وقد يكون هناك جنينان.تجمدت خنساء للحظات، ثم اغرورقت عيناها بالدموع. توأمان... وريثان صغيران ينموان في أحشائها. شعرت لأول مرة أن كل ما عانته لم يذهب سدى.لكن الخبر وصل سريعًا إلى حوراء.وحين علمت أن خنساء تحمل توأمًا، تغير وجهها بالكامل. لم تعد ترى فيها مجرد زوجة لولي العهد، بل خطرًا حقيقيًا على أحلامها في الوصول إلى كرسي الإمارة.جلست حوراء في جناحها تفكر طويلًا، ثم لمعت في عينيها نظرة شريرة.— لن أسمح لها بأن تحمل وريثين وتصبح أقوى مني.وفي تلك الليلة، نفذت خطتها
أقام فؤاد الناري، والد فاروق وزعيم قبيلة النسور، احتفالًا مهيبًا في أنحاء القبيلة احتفاءً بقدوم الوريث الجديد. تعالت أصوات الطبول، وأُشعلت المشاعل، وامتلأت الساحة بأفراد القبيلة الذين احتفلوا بانتصار سلالة النسور واستمرار نسلها.غير أن قرارًا آخر كان يُتخذ في الخفاء، بعيدًا عن صخب الاحتفال.جلس فؤاد على كرسي الحكم، وأمامه وثيقة قديمة تحمل ختم القبيلة. كانت تنص على إلقاء خنساء في الهاوية المشتعلة، بحجة أنها لم تنجب وريثًا.دخل فاروق إلى المجلس، وما إن وقعت عيناه على الوثيقة حتى تجمد في مكانه. شعر بأن ضجيج الاحتفال انطفأ فجأة، ولم يعد يسمع سوى خفقان قلبه المتسارع.قال فؤاد بصرامة:— «وقّع يا فاروق. هذا قانون القبيلة، وأنت تعرف أن لا أحد يستطيع مخالفته.»رفع فاروق عينيه إلى والده، ثم إلى الختم الأحمر على الوثيقة. بدا له كأنه بقعة دم لم تجف بعد.— «أبي... أمهلني.»— «لا وقت للتردد. أمامك خيار واحد: أن توقّع، أو تعلن عصيانك أمام القبيلة كلها.»تعلقت أصابع فاروق بحافة الطاولة. أراد أن يعترض ويصرخ، بل أن ينتزع الوثيقة ويمزقها أمام الجميع، لكنه كان يدرك أن مخالفة قانون القبيلة تعني تحدي سلطة