LOGIN"البيوت لا تكشف أصحابها من الأثاث الموجود فيها...
بل من الأشياء التي يحاولون إخفاءها"
— ليام
لم أحب فكرة وجود شخص آخر في منزلي.
ليس لأنني أكره الناس.
أنا فقط اعتدت على الصمت.
الصمت لا يسأل.
لا يحكم.
ولا يحاول معرفة الأشياء التي قضيت سنوات في دفنها.
لكن في تلك الليلة...
كان هناك شخص يجلس في المقعد المجاور لي داخل السيارة.
فتاة طلبت مني قتلها.
وكانت أكثر شخص هادئ قابلته في حياتي.
وهذا وحده كان كافيًا ليزعجني.
نظرت إليها للحظة.
كانت تنظر من النافذة.
— "أنتِ هادئة جدًا"
لم تلتفت.
— "هل تريدني أن أصرخ؟"
— "لا"
— "إذن لا أفهم المشكلة"
— "المشكلة أنكِ ذاهبة إلى منزل شخص استأجرته ليقتلك، ومع ذلك تبدين وكأنك ذاهبة لشرب القهوة مع صديقة"
نظرت إليّ.
— "هل تريد الحقيقة؟"
— "دائمًا"
— "أنا تعبت من الخوف"
سكتُّ.
— "الخوف متعب أكثر مما يتخيل الناس"
— "لكنه يبقي الناس أحياء"
ابتسمت بسخرية.
— "إذن أنت تؤمن أن الخوف شيء جيد؟"
— "أنا أؤمن أنه مفيد"
— "وأنا أؤمن أنه سرق مني سنوات"
لم أجب.
لأنني أعرف شيئًا عن الخوف.
الخوف ليس دائمًا صوتًا عاليًا.
أحيانًا يكون شخصًا يستيقظ كل صباح ويكمل يومه كأنه بخير.
وصلنا إلى المنزل.
نزلت من السيارة.
وقفت ميلا أمام الباب.
نظرت إلى المكان.
— "هذا منزلك؟"
— "نعم"
— "كنت أتوقع شيئًا آخر"
فتحت الباب.
— "مثل ماذا؟"
دخلت ببطء.
— "لا أعرف"
نظرت حولها.
— "ربما مكانًا أكثر فوضى"
أغلقت الباب.
— "لماذا؟"
— "لأن الناس يتخيلون أن الأشخاص الذين يقومون بأشياء سيئة يعيشون في أماكن سيئة"
خلعت معطفها.
— "وأنت؟"
— "أنا ماذا؟"
— "أنت تقوم بأشياء سيئة؟"
نظرت إليها.
— "سؤال مباشر"
— "إجابة مباشرة"
سكتُّ قليلًا.
ثم قلت:
— "نعم"
لم تبدُ خائفة.
— "على الأقل لم تكذب"
— "قلت لك، لا أحب الكذب"
نظرت إلى المكان.
— "إذن أنت مختلف عنهم"
— "من هم؟"
تغير وجهها للحظة.
لحظة صغيرة.
لكنني لاحظتها.
— "لا أحد"
عرفت أنها كذبت.
لم أقل شيئًا.
ليس الآن.
وضعت حقيبتها على الكرسي.
ثم نظرت إليّ.
— "أين أنام؟"
— "الغرفة الموجودة في آخر الممر"
— "وأنت؟"
— "غرفتي"
— "أنت تثق بي؟"
نظرت إليها.
— "لا"
تفاجأت.
— "إذن لماذا تتركني هنا؟"
— "لأنك لو أردتِ الهرب، لهربتِ قبل أن تصلي"
سكتت.
ثم ابتسمت قليلًا.
— "أنت تراقب كل شيء، أليس كذلك؟"
— "تقريبًا"
— "مخيف"
— "هذه ليست أول مرة أسمعها"
جلست على الأريكة.
وأخرجت الدفتر من حقيبتها.
وضعته أمامي.
— "ستقرأه؟"
نظرت إليه.
— "نعم"
— "اليوم؟"
— "نعم"
— "أنت مستعجل"
— "وأنتِ مستعجلة أكثر"
نظرت إليّ.
— "لماذا؟"
— "لأنك دفعتِ مالًا حتى لا تنتظري"
ساد الصمت.
ثم قالت:
— "هل تعرف ما أكثر شيء يزعجني فيك؟"
— "لا"
— "أنك تفهم أكثر مما أريد"
جلست مقابلها.
— "وهذا يزعجك؟"
— "نعم"
— "لماذا؟"
نظرت إلى الدفتر.
— "لأن الأشخاص الذين يفهمون... يسألون"
— "وأنتِ لا تريدين الأسئلة"
— "لا"
— "لماذا؟"
رفعت عينيها.
— "لأن بعض الإجابات تجعل الناس ينظرون إليك بطريقة مختلفة"
— "وكيف تريدينهم أن ينظروا إليك؟"
فكرت قليلًا.
ثم قالت:
— "كإنسانة"
كانت الكلمة بسيطة.
لكنها خرجت منها وكأنها تطلب شيئًا مستحيلًا.
فتحت الدفتر.
الصفحة الأولى كانت فارغة.
الثانية أيضًا.
الثالثة...
كانت فيها جملة واحدة.
قرأتُها بصوت منخفض:
لا أكتب لأنني أريد أن يتذكرني أحد... أكتب لأنني تعبت من حمل كل هذه الأشياء وحدي
نظرت إلى ميلا.
كانت تنظر إلى الأرض.
قلبت الصفحة.
جملة أخرى:
— "لا أكتب لأتذكر ما حدث لي... أكتب حتى لا أقنع نفسي أنني تخيلته"
توقفت.
هذه المرة...
لم يكن فضولي فقط.
كان هناك شيء آخر.
شيء لم أحبه.
اهتمام.
قلت:
— "منذ متى تكتبين؟"
— "منذ وقت طويل"
— "كم كان عمرك عندما بدأتِ؟"
سكتت.
ثم قالت:
— "سبع سنوات"
نظرت إليها.
طفلة تكتب؟
فتاة بعمر سبع سنوات تحمل دفترًا؟
كان هناك شيء خطأ.
شيء كبير.
قلت:
— "ميلا"
— "نعم؟"
— "من أين حصلتِ على هذا الدفتر؟"
نظرت إليه.
وقالت:
— "كان أول شيء اشتريته عندما فهمت أن لا أحد يريد سماعي"
وهنا...
لأول مرة منذ استلمت الملف...
شعرت أن الرقم الموجود بجانب اسمها لم يكن عمرها.
كان عدد السنوات التي حاولت فيها النجاة.
أغلقت الدفتر.
لكنني لم أستطع إبعاده عن رأسي.
لأنني بدأت أفهم شيئًا.
ميلا لم تستأجر قاتلًا لأنها تريد الموت فقط.
هي استأجرت شخصًا...
لأنها أرادت أن يسمعها أحد قبل أن تختفي.
"هناك أشخاص يحملون جروحهم على أجسادهم...
وهناك أشخاص يبتسمون كثيرًا لأنهم تعبوا من شرح سبب الألم"
— ليام
فتحت الصفحة التالية.
هذه المرة لم تكن هناك جملة واحدة.
كانت هناك كتابة كثيرة.
خط صغير.
مرتب.
لكن في بعض الأماكن كانت الحروف غير ثابتة.
كأن اليد التي كتبتها كانت تحاول السيطرة على شيء أكبر منها.
بدأت أقرأ
لا أعرف لماذا أكتب هذا"
"ربما لأنني لم أجد مكانًا آخر أضع فيه كل الأشياء التي لم أستطع قولها"
"أحيانًا أشعر أنني أحمل أصواتًا كثيرة بداخلي"
"أصوات أشخاص قالوا أشياء لم أنسها"
"وأصواتي أنا... التي لم يسمعها أحد"
نظرت إلى ميلا.
كانت جالسة على الطرف الآخر من الغرفة.
لم تكن تراقبني.
كانت تنظر إلى يدي وكأنها تعرف بالضبط أي صفحة وصلت إليها.
قلت:
— "هل تريدين مني أن أتوقف؟"
رفعت عينيها.
— "لا"
— "أنتِ لا تبدين مرتاحة"
ابتسمت قليلًا.
— "هل هناك شخص مرتاح وهو يرى حياته أمام شخص غريب؟"
— "أنا لست شخصًا عاديًا"
— "أعرف"
— "ومع ذلك أعطيتني الدفتر"
نظرت بعيدًا.
— "لأن الشخص الغريب أحيانًا يكون أرحم من الأشخاص الذين يعرفونك"
لم أقل شيئًا.
عدت للصفحة.
"كنت صغيرة عندما بدأت أفهم أن بعض الأطفال يولدون في أماكن لا تشبههم"
"كنت أرى أطفالًا يضحكون عندما يأتي أحد لزيارتهم"
"وأنا كنت أتعلم كيف أبتسم حتى لا يسألني أحد لماذا أنا حزينة"
أغلقت الدفتر قليلًا.
— "ميلا"
— "نعم؟"
— "أنتِ كنتِ في ميتم؟"
لم تجب مباشرة.
ثم قالت:
— "نعم"
— "منذ متى؟"
— "منذ أن أتذكر"
— "ولا تعرفين شيئًا عن عائلتك؟"
هزت رأسها.
— "لا"
— "لم تبحثي؟"
ابتسمت ابتسامة حزينة.
— "في البداية كنت أبحث"
— "وبعدها؟"
— "بعدها فهمت أن بعض الأبواب عندما تُغلق... لا يكون السبب أنك لم تطرقها بما يكفي"
نظرت إليها.
كانت تتحدث بهدوء.
لكن هدوءها لم يكن راحة.
كان تعبًا قديمًا.
قلت:
— "متى بدأتِ كتابة الدفتر؟"
نظرت إلى يدي.
— "عندما كنت في السابعة"
— "طفلة بعمر سبع سنوات تكتب مذكرات؟"
— "كنت أكتب أشياء بسيطة"
— "مثل ماذا؟"
فكرت قليلًا.
— "مثلًا..."
توقفت.
ثم قالت:
— "كنت أكتب الأشياء التي أتمنى أن يقولها لي أحد"
سكتُّ.
— "مثل ماذا؟"
نظرت إليّ.
— "أنني لست سيئة"
لم أجب.
لأنني لم أملك شيئًا أقوله.
هناك كلمات تكون أكبر من أي رد.
فتحت الصفحة مرة أخرى.
"اليوم قالوا لي إنني كثيرة الأسئلة"
"لا أعرف لماذا ينزعج الناس عندما يسأل طفل عن الأشياء"
"كنت أريد فقط أن أفهم"
"لم أكن أعرف أن الفضول يمكن أن يجعل الناس يكرهونك"
رفعت عيني عن الدفتر.
— "كنتِ فضولية؟"
ابتسمت.
ولأول مرة كانت ابتسامتها طبيعية.
— "كنت مزعجة"
— "مزعجة؟"
— "كنت أسأل كثيرًا"
— "وهذا سيئ؟"
— "بالنسبة لبعض الناس نعم"
— "لماذا؟"
— "لأن الأطفال الذين يسألون كثيرًا يلاحظون أشياء لا يريد الكبار أن يروها"
نظرت إليها.
هذه الجملة لم تكن جملة طفلة.
قلت:
— "أنتِ كنتِ تلاحظين الأشياء"
— "كنت ألاحظ كل شيء"
— "مثل ماذا؟"
نظرت إليّ.
— "من يبتسم لأنه سعيد"
— "و؟"
— "ومن يبتسم لأنه يريد أن يخفي شيئًا"
للحظة...
شعرت بشيء غريب.
لأن هذه الطريقة في التفكير...
تشبهني.
قلت:
— "أنتِ تقرئين الناس"
ضحكت بخفة.
— "ليس مثلك"
— "كيف عرفتِ أنني أقرأ الناس؟"
— "لأنك لم تنظر إلى وجهي عندما وصلت"
توقفت.
— "ماذا؟"
— "نظرت إلى يدي"
لم أقل شيئًا.
تابعت:
— "ثم إلى قدمي"
— "ولماذا؟"
— "لتعرف إن كنت سأهرب"
سكتُّ.
لقد لاحظت ذلك.
من أول دقيقة.
قالت:
— "أنت لا تنظر للناس لتعرف شكلهم"
نظرت إليّ.
— "تنظر لتعرف خطرهم"
لم أجد جوابًا.
لأنها أصابت الحقيقة.
قلت:
— "أنتِ مختلفة"
ابتسمت.
— "الجميع يقولون ذلك"
— "لا"
نظرت إليها.
— "أنا أقصدها بطريقة مختلفة"
ساد الصمت.
ثم قالت:
— "ليام"
— "نعم؟"
— "هل سبق أن ندمت؟"
كان سؤالًا بسيطًا.
لكنني لم أسمعه منذ سنوات.
نظرت إلى الدفتر.
ثم إليها.
— "لا"
سألت:
— "أبدًا؟"
— "لا"
هزت رأسها.
— "هذا مخيف"
— "لماذا؟"
— "لأن الشخص الذي لا يندم..."
سكتت.
— "إما أنه لم يشعر بشيء"
نظرت إليّ.
— "أو أنه شعر بالكثير حتى توقف"
لم أحب هذه الإجابة.
لأنها جعلتني أفكر.
وأنا لا أحب التفكير في أشياء لا أستطيع إصلاحها.
أغلقت الدفتر.
— "سأكمل غدًا"
نظرت إليّ ميلا.
— "لماذا؟"
— "لأنني أحتاج وقتًا"
— "للقراءة؟"
نظرت إليها.
— "للفهم"
ولأول مرة...
لم تقل شيئًا.
فقط نظرت إليّ.
وكأنها لم تتوقع أن أقول هذه الكلمة.
الفهم.
لم يكن ذلك ضمن الاتفاق.
أنا جئت لأقتلها.
لكن بدلًا من ذلك...
كنت أحاول معرفة لماذا تريد الموت.
وهذا كان أول خطأ ارتكبته.
لأنني لم أكن أعرف بعد...
أن بعض القصص عندما تدخلها...
لا تخرج منها كما دخلت.
"كنت أظن أنني أعرف الفرق بين الضحية والناجي...
ثم قابلت شخصًا لم يعد يعرف أيهما هو"
— ليام
بقي الدفتر على الطاولة.
ولأول مرة منذ سنوات...
لم أرَ شيئًا موضوعًا أمامي كأنه مهمة.
كان مجرد دفتر.
لكن المشكلة أن الأشياء البسيطة أحيانًا تحمل أثقل الأسرار.
وقفت.
— "سأريك الغرفة"
رفعت ميلا رأسها.
— "أنا لا أحتاج غرفة"
نظرت إليها.
— "ماذا تقصدين؟"
— "سأبقى هنا"
— "على الأريكة؟"
— "نعم"
— "لا"
نظرت إليّ باستغراب.
— "لا؟"
— "لا أنام في غرفة، ولا أترك ضيفة تنام على أريكة"
ابتسمت قليلًا.
— "ضيفة؟"
— "لا تعقدي الأمر"
— "أنت قلت ضيفة"
— "لأنك موجودة في منزلي"
— "ولست في منزلك كضيفة"
سكتت.
ثم قالت:
— "أنا هنا لأنني طلبت منك قتلي"
نظرت إليها.
— "وأنا أعرف"
— "إذن لا تجعل الأمر طبيعيًا"
— "ماذا تقصدين؟"
خفضت عينيها.
— "لا تجعلني أشعر أنني شخص عادي"
توقفت.
لم أتوقع هذا الرد.
قلت:
— "وأنتِ ماذا تريدين أن تشعري؟"
— "لا أعرف"
— "تعرفين"
صمتت.
ثم قالت:
— "أريد فقط ألا يكون الأمر غريبًا"
— "ما الأمر؟"
— "أن يعاملني أحد بلطف"
بقيت أنظر إليها.
كانت تقولها وكأنها تعترف بشيء محرج.
قلت:
— "اللطف ليس شيئًا غريبًا"
ضحكت بهدوء.
— "بالنسبة لبعض الناس هو كذلك"
لم أجب.
أشرت إلى الممر.
— "الغرفة هناك"
وقفت.
حملت حقيبتها.
ثم توقفت.
— "ليام"
— "نعم؟"
— "لماذا لم تسألني عن المال؟"
نظرت إليها.
— "ماذا؟"
— "المبلغ الذي دفعته"
— "لدي معلوماته"
— "ألا يهمك؟"
— "لا"
— "لماذا؟"
— "لأن المال لم يكن الشيء الغريب في هذه المهمة"
نظرت إليّ.
— "ما الشيء الغريب؟"
— "أنتِ"
سكتت.
ثم قالت:
— "هل هذا إهانة؟"
— "لا"
— "إذن؟"
فكرت قليلًا.
— "ملاحظة"
ابتسمت.
— "أنت غريب في اختيار كلماتك"
— "وأنتِ غريبة في اختيار قراراتك"
نظرت إليّ.
— "صحيح"
ثم دخلت الغرفة.
أغلقت الباب بهدوء.
وبقيت وحدي.
..................
كان يجب أن أنام.
كان يجب أن أتجاهل الأمر.
كان يجب أن أتعامل معها كأي مهمة أخرى.
لكنني لم أفعل.
جلست أمام الدفتر مرة أخرى.
وهذا أزعجني.
ليس لأنني أقرأ.
بل لأنني أردت أن أقرأ.
فتحت الصفحة التالية.
كان الخط مختلفًا قليلًا.
أصغر.
أكثر ترددًا.
"اليوم قالوا إن عائلة ستأتي لتأخذ طفلًا من الميتم"
"كل الأطفال كانوا سعداء"
"كنت سعيدة معهم"
"لم أكن أعرف أن بعض الأحلام عندما تتحقق تكون بداية شيء آخر"
توقفت.
قلبت الصفحة.
"كنت في السابعة عندما ظننت أن حياتي ستتغير"
"كنت أعتقد أن كلمة عائلة تعني الأمان"
"لم أعرف أن بعض الناس يستخدمون الكلمات الجميلة لإخفاء أشياء قاسية"
أغلقت الدفتر للحظة.
سبع سنوات.
لم أكن أعرف ماذا يحدث لطفل في السابعة.
في السابعة كنت أنا أتعلم كيف أمسك الأشياء بيدي.
أما هي...
فكانت تتعلم أن الكلمات قد تكون كاذبة.
فتحت الصفحة التالية.
لكنني توقفت عندما سمعت صوتًا.
رفعت رأسي.
كانت ميلا واقفة عند باب الغرفة.
— "لماذا توقفت؟"
نظرت إليها.
— "لماذا أنتِ مستيقظة؟"
— "لم أنم"
— "لماذا؟"
— "لا أعرف"
ثم أضافت:
— "ربما لأنني منذ سنوات لا أنام بسهولة"
لم أقل شيئًا.
قالت:
— "هل وصلت إلى الجزء الذي أكره؟"
نظرت إليها.
— "كيف تعرفين؟"
— "لأنك توقفت"
— "تراقبينني؟"
— "لا"
ابتسمت قليلًا.
— "أنت فقط سهل القراءة أكثر مما تظن"
ضحكت بخفة.
لم أتوقع أن أضحك.
لكنني فعلت.
وكان هذا غريبًا.
لاحظت ذلك.
هي أيضًا لاحظته.
قالت:
— "لقد ضحكت"
تغير وجهي.
— "لا"
— "بلى"
— "لم أفعل"
— "فعلت"
— "كنت أتنفس"
رفعت حاجبها.
— "هل التنفس عندك يشبه الضحك؟"
— "أحيانًا"
ضحكت.
هذه المرة هي.
وكان الأمر غريبًا.
لأننا كنا شخصين في غرفة واحدة.
واحد جاء لينهي حياة الآخر.
والآخر يضحك معه.
قلت:
— "عودي للنوم"
— "هل ستكمل القراءة؟"
— "نعم"
— "لماذا؟"
نظرت إلى الدفتر.
ثم إليها.
— "لأنني بدأت"
— "وهذا السبب؟"
— "نعم"
ابتسمت.
— "أنت رجل غريب يا ليام"
— "سمعتها كثيرًا"
— "وأنا أعتقد أنك لا تعرف شيئًا عن نفسك"
نظرت إليها.
— "ماذا يعني هذا؟"
وضعت يدها على مقبض الباب.
— "يعني أنك تعرف الناس جميعًا..."
توقفت.
— "إلا نفسك"
ثم دخلت وأغلقت الباب.
وبقيت أنا...
والدفتر.
والسؤال الذي بدأ يكبر داخلي.
لماذا طلبت ميلا من قاتل أن يسمع قصتها؟
ولماذا كنت أنا مستعدًا لسماعها؟
"بعض الناس يظنون أن الندوب هي الأشياء التي تظهر على الجسد...
لكن أسوأ الندوب هي التي تجعل الإنسان يعتذر لأنه يتألم"
— ليام
بقيت وحدي في الصالة.
الساعة كانت تجاوزت منتصف الليل.
والغريب أنني لم أشعر بالنعاس.
أنا لا أعاني من الأرق.
أنا فقط لا أحب النوم.
النوم يعني أن تترك عقلك بدون حراسة.
والعقل غير المحروس...
يحب أن يعيد أشياء لا تريد تذكرها.
نظرت إلى الدفتر.
كان أمامي.
هادئًا.
مثل صاحبه.
لكنني تعلمت أن أكثر الأشياء هدوءًا قد تكون أكثرها فوضى من الداخل.
فتحته.
الصفحة التالية.
"كنت أظن أن اليوم الذي ستأتي فيه عائلة لتأخذني سيكون أجمل يوم في حياتي"
توقفت.
نظرت إلى التاريخ المكتوب.
كانت ميلا في السابعة.
تابعت القراءة.
"الجميع قالوا لي إنني محظوظة"
"قالوا إنني سأذهب إلى بيت حقيقي"
"كنت لا أعرف كيف يبدو البيت الحقيقي"
"لكنني كنت أعرف كيف يبدو المكان الذي لا ينتمي إليه أحد"
توقفت.
ثم سمعت صوتها.
— "وصلت؟"
رفعت رأسي.
كانت تقف عند الباب مرة أخرى.
— "أنتِ لا تنامين؟"
هزت كتفيها.
— "قلت لك، لا أنام بسهولة"
— "هل تقرئين أفكاري؟"
ابتسمت.
— "لا"
— "إذن كيف تعرفين أين وصلت؟"
— "لأنني أعرف أي جزء سيجعلك تتوقف"
نظرت إليها.
— "أنتِ تعرفين تأثير قصتك على الناس"
جلست على الكرسي المقابل.
— "لا"
— "إذن؟"
— "أنا أعرف تأثيرها علي"
لم أجب.
جلست.
— "هل تريدين أن أستمر؟"
هزت رأسها.
— "نعم"
— "أم تريدين أن تتحدثي؟"
سكتت.
ثم قالت:
— "لماذا تريدني أن أتحدث؟"
— "لأن الدفتر لا يجيب عندما أسأل"
نظرت إليّ.
— "أنت تسأل الدفتر؟"
— "لا"
— "لكن هذا ما قلته"
— "كنت أقصدك"
ابتسمت.
— "أنت تحتاج أن تعيد صياغة كلامك أحيانًا"
— "وأنتِ تحتاجين أن تجيبي بدل أن تتهربي"
سكتت.
ثم قالت:
— "اسأل"
لم أتوقع أن توافق بهذه السرعة.
قلت:
— "العائلة التي أخذتك"
تغير وجهها.
ليس كثيرًا.
لكن بما أنني أراقب التفاصيل...
رأيته.
— "ماذا عنهم؟"
— "ماذا حدث؟"
نظرت إلى الدفتر.
— "هل تريد أن تقرأه؟"
— "أريد أن أسمعه منك"
سكتت.
— "لماذا؟"
— "لأنني أريد أن أعرف أي نسخة أصدق"
رفعت حاجبها.
— "النسخة الموجودة في الدفتر أم النسخة التي أقولها؟"
— "نعم"
ضحكت بخفة.
— "أنت تجعل الأسئلة صعبة"
— "أنا لا أجعلها صعبة"
نظرت إليها.
— "الحياة فعلت ذلك قبلي"
سكتت.
ثم قالت:
— "في البداية كانوا رائعين"
لم أتوقعها.
— "رائعين؟"
— "نعم"
— "إذن ماذا حدث؟"
نظرت إلى يديها.
— "أحيانًا الناس لا يظهرون حقيقتهم إلا عندما يضمنون أنك لن ترحل"
بقيت صامتًا.
أكملت:
— "في البداية اشتريت ملابس جديدة"
— "بعد الميتم؟"
— "نعم"
— "كنت سعيدة؟"
ابتسمت.
— "كنت أكثر من سعيدة"
— "ماذا كنتِ تظنين؟"
نظرت إليّ.
— "كنت أظن أنني حصلت أخيرًا على شيء يخصني"
سكتت.
— "غرفة"
— "سرير"
— "أشخاص أناديهم أمي وأبي"
خفضت صوتها.
— "كنت أتعلم كيف أحبهم"
قلت:
— "لكنهم لم يحبوك"
لم تجب.
وكان صمتها كافيًا.
فتحت الدفتر.
قرأت:
"في أول أسبوع، قالوا لي إنني مثل ابنتهم"
"كنت أصدق كل كلمة"
"لأن الأطفال لا يعرفون كيف يشكون بمن يعطيهم الأمل"
أغلقت الصفحة.
قلت:
— "كم استمر ذلك؟"
— "ماذا؟"
— "قبل أن يتغيروا"
فكرت.
— "شهرين"
— "شهرين فقط؟"
هزت رأسها.
— "أحيانًا تحتاج الحقيقة وقتًا قليلًا حتى تظهر"
— "وماذا كانت الحقيقة؟"
نظرت إليّ.
— "أنني لم أكن ابنتهم"
— "لكنهم تبنوك"
ضحكت بسخرية.
— "بعض الناس يتبنون طفلًا لأنهم يريدون طفلًا"
توقفت.
— "وبعضهم يتبنى طفلًا لأنه يريد شيئًا آخر"
لم أسأل.
ليس لأنني لا أريد أن أعرف.
بل لأنني بدأت أفهم أن بعض الإجابات تحتاج أن تأتي في وقتها.
قالت:
— "في البداية كنت أحاول أن أجعلهم سعداء"
— "كيف؟"
— "كنت أساعد"
— "كنت طفلة"
— "الأطفال يتعلمون بسرعة عندما يعرفون أن الخطأ له ثمن"
نظرت إليها.
هذه الجملة بقيت في رأسي.
قلت:
— "أي ثمن؟"
لم تجب.
نظرت إلى الدفتر.
ثم قالت:
— "اقرأ"
فتحت الصفحة التالية.
وكانت أول مرة أرى خطها مختلفًا.
أكثر قسوة.
"تعلمت أن بعض البيوت لا تحتاج إلى أبواب مقفلة حتى تكون سجنًا"
"تعلمت أن هناك أطفالًا يحصلون على الحب لأنهم وُلدوا في المكان الصحيح"
"وهناك أطفال يقضون حياتهم يحاولون إثبات أنهم يستحقون أن يُعاملوا كبشر
شعرت بشيء يضيق في صدري.
ولم أحب هذا الشعور.
لأنني لم أعتد أن أشعر به.
قلت:
— "ميلا"
— "نعم؟"
— "لماذا لم تخبري أحدًا؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— "أخبرت"
— "وماذا حدث؟"
نظرت إليّ.
— "لم يصدقني أحد"
سكتُّ.
ثم سألت:
— "لماذا؟"
أجابت بهدوء:
— "لأن الأشخاص الذين يؤذونك أحيانًا يكونون بارعين جدًا في جعل الآخرين يظنون أنك المشكلة"
ساد الصمت.
وأدركت شيئًا.
أنا لم أكن أقرأ مذكرات فتاة تريد الموت.
كنت أقرأ مذكرات شخص قضى حياته يحاول أن يثبت أنه لم يكن هو الخطأ.
أغلقت الدفتر.
نظرت إلى ميلا.
— "هل ندمتِ يومًا أنك هربتِ؟"
تفاجأت من السؤال.
— "كيف عرفت أنني هربت؟"
— "لم تخبريني"
ابتسمت قليلًا.
— "نسيت أنك تقرأ الناس"
— "أجبتِ؟"
نظرت بعيدًا.
— "لا"
— "أبدًا؟"
سكتت.
ثم قالت:
— "ندمت فقط لأنني تمنيت لو هربت أبكر"
ولأول مرة...
فهمت لماذا كانت تريد النهاية.
لكنني لم أفهم بعد...
لماذا اختارت أن تأتي إليّ أنا.
"هناك قصص لا تُحكى لأن صاحبها نسيها...
بل لأنه يتذكرها جيدًا"
— ليام
بقي الدفتر مفتوحًا أمامي.
لكنني لم أعد أقرأ.
كنت أنظر إلى ميلا.
كانت تجلس أمامي بصمت.
وكأنها تنتظر شيئًا.
سألت:
— "لماذا توقفت؟"
نظرت إلى الدفتر.
— "لأنني أعتقد أنكِ لم تكتبي كل شيء"
لم تتغير ملامحها.
لكن عينيها تغيرتا.
— "كيف عرفت؟"
— "لأن الأشخاص الذين يكتبون الحقيقة كاملة لا يتركون فراغات"
نظرت بعيدًا.
— "وأنتِ تركتِ فراغات كثيرة"
سكتت.
ثم قالت:
— "ربما لأنني لم أستطع كتابتها"
— "أم لأنكِ لم تريدي؟"
لم تجب.
وضعت يدها على الدفتر وأغلقته.
— "سأخبرك"
انتظرت.
— "لكن ليس لأنني أريد أن تشفق علي"
— "أنا لا أشفق على أحد"
ابتسمت قليلًا.
— "أعرف"
— "إذن؟"
نظرت إلى الأرض.
— "أريد فقط أن تعرف لماذا طلبت منك هذا"
بقيت صامتًا.
بدأت تتحدث.
— "عندما كنت في الميتم... كنت أظن أن أسوأ شيء يمكن أن يحدث لطفل هو أن لا يكون لديه عائلة"
توقفت.
— "كنت مخطئة"
نظرت إليها.
— "ما الأسوأ؟"
رفعت عينيها.
— "أن يكون لديك عائلة... ولا تكون لهم"
لم أقل شيئًا.
تابعت:
— "في الميتم كنت وحيدة"
— "لكن؟"
— "كنت أعرف أنني وحيدة"
خفضت صوتها.
— "أما بعد ذلك... أصبحت أعيش وسط أشخاص جعلوني أشعر بالوحدة وأنا بينهم"
قالت الجملة بهدوء.
وهذا جعلها أثقل.
— "العائلة التي أخذتني كانت تبدو مثالية في البداية"
— "كما قلتِ"
هزت رأسها.
— "كنت أملك غرفة"
— "وألعاب"
— "وملابس جديدة"
ابتسمت بحزن.
— "كنت أحتفظ بأشياء بسيطة جدًا وأعتبرها كنوزًا"
— "مثل ماذا؟"
— "مثل أول فستان اشتروه لي"
سكتت.
— "كنت أنام وأنا أضعه بجانبي"
نظرت إليها.
— "ماذا حدث؟"
أخذت نفسًا طويلًا.
— "بعد فترة فهمت أنني لم أُؤخذ إلى ذلك البيت لأنهم أرادوا ابنة"
— "إذن لماذا؟"
— "لأسباب لا علاقة لها بالحب"
لم أسأل.
لكنها أكملت.
— "كانوا يعاملون أبناءهم بطريقة"
توقفت.
— "وطريقة أخرى معي"
— "كيف؟"
— "هم كانوا أطفالًا"
نظرت إلى يديها.
— "وأنا كنت شخصًا يجب أن يكون ممتنًا دائمًا"
سكتُّ.
— "كنت أسمع جملة واحدة كثيرًا"
— "ما هي؟"
قالتها بصوت منخفض:
— "نحن أنقذناك"
بقيت صامتًا.
— "كانوا يقولونها كلما اعترضت"
— "كلما حزنت"
— "كلما طلبت شيئًا"
نظرت إليّ.
— "كأن إنقاذ طفل يعني امتلاك حياته"
كانت هذه أول مرة يظهر الغضب في صوتها.
غضب قديم.
ليس غضب لحظة.
غضب سنوات.
قلت:
— "وماذا عن والدك بالتبني؟"
تغير وجهها.
عرفت أنني اقتربت من شيء لا تريد الكلام عنه.
لكنها لم تهرب.
— "كان أصعب شخص في البيت"
— "لماذا؟"
سكتت.
ثم قالت:
— "لأنه كان يرى كل شيء"
— "ولا يفعل شيئًا؟"
هزت رأسها.
— "بل كان هو السبب"
ساد الصمت.
لم أتحرك.
ولم أسأل بسرعة.
لأنني رأيت شيئًا في وجهها.
شيئًا لم أره منذ وصلت.
الخوف.
ليس مني.
بل من ذكرى.
قالت:
— "تعلمت في ذلك البيت أن بعض الناس لا يحتاجون إلى الصراخ حتى يخيفوك"
— "كيف؟"
— "يكفي أن تعرف أنك لا تملك مكانًا تهرب إليه"
نظرت إليها.
ولأول مرة...
لم أرَ الفتاة التي طلبت الموت.
رأيت طفلة صغيرة كانت تبحث عن باب ولم تجده.
قلت:
— "لماذا لم تهربي؟"
ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح.
— "كنت صغيرة"
ثم نظرت إليّ.
— "إلى أين يهرب طفل لا يملك أحدًا؟"
لم أجد جوابًا.
لأن السؤال كان أقوى من أي إجابة.
قالت:
— "عندما كنت صغيرة كنت أظن أن المشكلة فيّ"
— "ماذا تقصدين؟"
— "كنت أظن لو كنت أفضل"
— "لو درست أكثر"
— "لو كنت أهدأ"
— "لو لم أطلب شيئًا"
توقفت.
— "ربما كانوا سيحبونني"
نظرت إليها.
— "لكن؟"
ابتسمت بحزن.
— "كبرت وفهمت أن بعض الأشخاص لا يملكون الحب ليعطوه"
سكتنا.
ثم قالت:
— "لهذا كتبت"
نظرت إلى الدفتر.
— "لأنني كنت أخاف أن يأتي يوم وأصدق كلامهم"
— "أي كلام؟"
قالت:
— "أنني لا أستحق شيئًا"
بقيت أنظر إليها.
لم أكن أعرف ماذا أقول.
وهذا نادر.
أنا دائمًا أملك إجابة.
لكن ليس لهذه الأشياء.
قلت:
— "ميلا"
نظرت إليّ.
— "نعم؟"
— "هل ما زلتِ تصدقين ذلك؟"
سكتت.
طويلًا.
ثم قالت:
— "أحيانًا"
كان جوابها صادقًا.
وهذا جعله مؤلمًا.
أخذت الدفتر.
وأغلقته.
— "سأكمل القراءة غدًا"
نظرت إليّ.
— "لماذا؟"
— "لأنني أريد أن أعرف الباقي"
ابتسمت قليلًا.
— "الباقي ليس جميلًا"
نظرت إليها.
— "لم أطلب قصة جميلة"
سكتت.
ثم قالت:
— "ليام"
— "نعم؟"
— "هل ما زلت تريد قتلي؟"
كان سؤالًا مباشرًا.
نظرت إليها.
ولأول مرة منذ استلمت الملف...
لم يكن لدي جواب سريع.
قلت:
— "لا أعرف"
ولم أحب أنني قلت الحقيقة.
لأنني طوال حياتي...
كنت أعرف دائمًا.
أما الآن...
فكانت هناك فتاة أمامي جعلت قاتلًا محترفًا يقول:
لا أعرف.
ربما لم تكن هذه الحكاية عن قاتل وضحية كما ظننت في البداية،ولم تكن مجرد سطورٍ تُقرا لتُطوى وتُنسى مع مرور الأيام.ربما كانت، بعمقها الخفي، عن إنسانٍ فقد رغبته في الحياة، وإنسانٍ آخر لم يكن يعرف كيف ينقذ أحدًا، لكنه حاول بكل ما أوتي من صدق وجهد.عن الخوف حين يصبح جزءًا لا يتجزأ من الذاكرة والوجدان،وعن الانتقام حين يبدأ كغضب محرق وينتهي بسؤال أصعب بكثير:هل يمكن للإنسان أن يجد سببًا جديدًا للحياة، بعد أن أقنع نفسه طويلًا بأنه لا يريدها وأن نهايته هي الخلاص الوحيد؟إذا كنت قد وصلت إلى هنا، وأتممت هذه الكلمات، فأنا أريد أن أقول لك شيئًا واحدًا ونابعًا من القلب: شكرًا.شكرًا لأنك منحت ليام وميلا جزءًا غاليًا من وقتك واهتمامك.شكرًا لأنك عشت خوف ميلا بكل تفاصيله، وغضب ليام بكل اشتعاله، وانتظرت نهايتهما معي حتى اللحظة الأخيرة.شكرًا لأنك لم تحكم على الشخصيات من أول صفحة، ومنحتها الفرصة الكاملة لتكشف لك ما وراء أخطائها وضعفها البشري.ربما أحببت بعض الشخصيات وتعلقت بها، وربما كرهت أخرى ولم تطيقها.وربما غضبت من ليام في لحظة قسوة، وتعاطفت معه في لحظة ضعف واحتياج.وربما تمنيت لو أن ميلا اختارت
"أحيانًا يكون أصعب وعد تقطعه لشخص... هو الوعد الذي تكتشف أنك لا تستطيع الوفاء به."— ليامعدت إلى المنزل قبل الفجر بقليل.كان كل شيء هادئًا.هادئًا أكثر مما ينبغي.دخلت غرفة ميلا.كانت مستيقظة.لم تسألني أين كنت.نظرت فقط إلى وجهي.ثم قالت:— "انتهى؟"أومأت.— "نعم."أغمضت عينيها.تنفست ببطء.ثم قالت:— "إذن حان الوقت."بقيت واقفًا.كنت أعرف ما تقصده.— "ميلا..."— "وعدتني."صمتُّ.— "قلت إنك ستفي بوعدك بعد أن تنتهي من إيفان."اقتربت منها.— "كنت غاضبًا عندما وعدتك."— "وأنا كنت جادة."نظرت إليها.كانت هادئة.وهذا أخافني أكثر من بكائها.قالت:— "لا تجعلني أطلب منك مرتين."لم أجب.— "ليام."— "أنا هنا."— "إذن افعلها."نظرت إلى عينيها.لأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرت أن يدي أثقل من أن تحمل سلاحًا.وضعت يدي في جيبي.شعرت ببرودة المعدن.ميلا رأت الحركة.وأغمضت عينيها.— "لا تخف."ضحكت ضحكة صغيرة، مكسورة.— "أنا لا أخاف من الموت."نظرت إليها.— "أعرف."— "إذن لماذا تتردد؟"لم أجد جوابًا.فتحت عينيها.— "كنت أعرف منذ البداية أنك ستتردد."— "إذن لماذا جعلتني أعدك؟"نظرت إليّ طويلًا.ثم قالت
"هناك لحظة يتوقف فيها الانتقام عن كونه رغبة في العقاب، ويصبح مواجهة بين شخصين لم يعد لدى أيٍّ منهما مكان يتراجع إليه."— لياملم أنم تلك الليلة.جلست بجانب ميلا حتى هدأت أنفاسها، وبقيت أراقب وجهها في الظلام.لم تكن المرة الأولى التي أرى فيها الألم.لكنها كانت المرة الأولى التي شعرت فيها أنني فشلت في حمايتها.إيفان لم يقتلها.لم يكن يريد ذلك.كان يريد أن يثبت لي شيئًا.وقد نجح.ليس لأنه أخافني.بل لأنه جعلني أرى ما يمكن أن يحدث إذا وصلت الحرب إلى المكان الخطأ.في الصباح، خرج الطبيب من الغرفة.قلت:— "كيف حالها؟"— "إصابتها ليست خطيرة، لكن جسدها تعرض لإجهاد كبير."— "ومتى ستستيقظ؟"— "دعها ترتاح."أومأت.دخلت الغرفة.كانت ميلا مستلقية على السرير، وعيناها مغلقتان.جلست قربها.بعد دقائق، فتحت عينيها.نظرت إليّ.— "هل بقيت هنا طوال الليل؟"— "نعم."— "لماذا؟"— "لأنني لم أرد أن تستيقظي وحدك."سكتت.ثم قالت:— "هل وجدته؟"— "لا."أغمضت عينيها.— "إذن لم ينتهِ."— "ليس بعد."نظرت إليّ.— "لا تدعه يعود."قلت:— "لن يعود."— "وعد؟"توقفت.هذه الكلمة أصبحت ثقيلة جدًا.لكنني أومأت.— "وعد."بعد
"أخطر الأخطاء ليست تلك التي ترتكبها... بل تلك التي تجعلك تظن أنك أحسنت التخطيط."— ليامكنت أراقب المكان منذ أكثر من ساعة.كل شيء كان مطابقًا لما توقعت.السيارة التي رصدها رجالي.الرجل الذي ظهر قبل دقائق.والطريق الذي اعتاد إيفان استخدامه عندما يريد الانتقال دون أن يلاحظه أحد.كل الخيوط كانت تقود إلى هنا.ولهذا، للمرة الأولى منذ بدأت البحث عنه، شعرت أنني اقتربت فعلًا.قلت لنفسي:هذه المرة لن يهرب.دخلت المبنى.لم أجد أحدًا في الطابق الأول.صعدت.ثم سمعت صوتًا خافتًا.صوت حركة.دفعت الباب.وتوقفت.كان الرجل الذي وجدته هناك هو آدم.أحد الأشخاص القلائل الذين أثق بهم.كان مقيدًا إلى كرسي، ووجهه يحمل آثار الضرب، وأنفاسه ثقيلة.اقتربت منه بسرعة.— "آدم."رفع رأسه بصعوبة.— "ليام..."قطعت الحبل عن يديه.— "من فعل هذا؟"أغلق عينيه للحظة.ثم قال:— "إيفان."نظرت حولي.— "أين هو؟"ضحك ضحكة ضعيفة.— "أنت ما زلت تظن أنك وصلت إليه."ثبتُّ نظري عليه.— "أين هو؟"فتح عينيه.وقال:— "في المكان الوحيد الذي لم تفكر فيه."شعرت بشيء يهبط في صدري.— "تكلم."— "قال لي شيئًا قبل أن يتركني."— "ماذا؟"نظر إ
"حين يفقد الإنسان خوفه، يصبح من الصعب جدًا أن تهدده."— لياملم أعد أبحث عن إيفان بالطريقة التي بحثت بها عن الآخرين.مع ماركوس، كان الوصول إليه مسألة وقت.وأليخاندرو قادته غروره إلى المكان الذي أردته.أما توماس، فكان يكفي أن أفهم عادته في الهروب.إيفان كان مختلفًا.لم يكن يترك خلفه مكانًا ثابتًا، ولا رجلًا يمكن أن يقودني إليه بسهولة.وكان يعرف كيف يقطع صلته بالآخرين قبل أن يصبح وجودهم خطرًا عليه.لذلك لم أبحث عن مكانه.بحثت عن الأشياء التي يعتمد عليها.أمواله.رجاله.الأعمال التي يديرها من بعيد.والأشخاص الذين يحتاج إليهم كي تبقى إمبراطوريته قائمة.كنت أعرف أن إيفان يستطيع تغيير مكانه متى أراد، لكنه لن يتخلى بسهولة عن كل ما يمنحه السلطة.وإذا بدأت هذه الأشياء تتعرض للخطر، فسوف يضطر إلى التحرك.وهذا ما كنت أريده.لم أكن أبحث عن إيفان نفسه.كنت أبحث عن الشيء الذي سيجبره على الخروج من مخبئه.جلست أمام ميلا في صباح اليوم التالي.وضعت أمامها مجموعة من الملفات.قالت:— "ما هذه؟"— "أسماء أشخاص يتعاملون مع إيفان."نظرت إلى الملفات.— "رجاله؟"— "ليسوا رجاله المباشرين."— "إذن لماذا تهتم بهم؟
"كنت أظن أن أصعب جزء في الانتقام هو الوصول إلى الشخص الذي تبحث عنه... حتى اكتشفت أن الأصعب هو أن تعرف أنك إذا وصلت إليه، فلن تعود كما كنت."— لياملم أنم تلك الليلة.ليس بسبب إيفان.ولا بسبب ما ينتظرني.بل بسبب الجملة التي قلتها لميلا قبل أن تغلق الباب خلفها.بعد أن أنتهي من إيفان، سأفي بوعدي.كنت أعرف معنى الوعد.وأعرف أكثر معنى أن تعطيه لشخص ينتظر منك شيئًا لا تريد فعله.وضعت يدي على وجهي.ثم نظرت إلى القائمة الموجودة أمامي.كانت الأسماء الأربعة مشطوبة.ماركوس.أليخاندرو.توماس.رافين.ولم يبقَ سوى اسم واحد.إيفان ديفيد.فتحت ملفه.هذه المرة لم تكن هناك صورة.ولا عنوان.ولا مكان معروف.حتى المعلومات القليلة التي كانت لدي عنه بدت قديمة.أغلقت الملف.ثم فتحته مرة أخرى.كان هذا الرجل مختلفًا.لم يكن يختبئ لأنه خائف.كان يختبئ لأنه يعرف أن الآخرين هم من يبحثون عنه.وهذا جعل الوصول إليه أصعب.لكن هناك شيئًا آخر كان يزعجني.إيفان يعرف ميلا.ويعرف كل ما حدث.وربما يعرف عني أكثر مما أعرف عنه.في الصباح، دخلت ميلا إلى المكتب.كانت تحمل كوبين من القهوة.وضعت أحدهما أمامي.ثم جلست.نظرت إلى ا







