LOGIN"الإنسان يستطيع أن يخفي جرحًا في جسده لسنوات...
لكن جرحًا واحدًا في ذاكرته قد يغير طريقة نظره للعالم كله"
— ليام
في صباح اليوم التالي...
استيقظت قبل أن يرن المنبه.
وهذا نادر.
عادةً أنا من يقرر متى يبدأ يومي.
لكن هذه المرة...
كان هناك شيء آخر سبقني.
فضول.
الكلمة لم تعجبني.
الفضول يجعل الإنسان يتدخل في أشياء لا تخصه.
وأنا قضيت حياتي أتجنب ذلك.
لكن ميلا...
كانت استثناءً لم أطلبه.
خرجت من غرفتي.
وجدتها جالسة في المطبخ.
أمامها كوب قهوة.
نظرت إليّ.
— "صباح الخير"
توقفت.
لم أتوقعها.
— "صباح الخير؟"
ابتسمت.
— "نعم"
— "أنتِ تقولينها وكأننا نعيش حياة طبيعية"
نظرت إلى الكوب.
— "أحاول"
— "لماذا؟"
رفعت عينيها.
— "لأنني تعبت من أن تكون كل أيامي غير طبيعية"
لم أجب.
جلست.
كان الدفتر بجانبي.
نظرت إليه.
ثم إليها.
— "سنكمل؟"
هزت رأسها.
— "إذا كنت تريد"
فتحت الصفحة التالية.
"لم أكره الميتم في البداية"
قرأت الجملة بصوت منخفض.
نظرت إليها.
— "لم تكرهيه؟"
هزت رأسها.
— "لا"
— "لماذا؟"
ابتسمت بحزن.
— "لأن الطفل لا يعرف دائمًا أن المكان سيئ"
— "ماذا يعرف؟"
— "يعرف فقط أنه المكان الذي يعيش فيه"
تابعت القراءة.
"كنت أعرف أسماء الأطفال جميعًا"
"كنت أعرف من يبكي عندما يخاف"
"ومن يضحك عندما يكون حزينًا"
"كنت أظن أنني أفهم الناس"
توقفت.
— "كنتِ صغيرة جدًا"
— "الأطفال يفهمون أكثر مما يعتقد الكبار"
— "لكنهم لا يفهمون كل شيء"
نظرت إليّ.
— "صحيح"
— "مثل ماذا؟"
سكتت.
ثم قالت:
— "مثل أن بعض الأشخاص الذين يفترض أن يحموا الأطفال... قد يكونون أول من يؤذيهم"
لم أقل شيئًا.
فتحت الصفحة.
"في الميتم تعلمت ثلاثة أشياء"
"لا تثق بسرعة"
"لا تظهر ضعفك"
"ولا تبكِ أمام أحد"
أغلقت الدفتر.
— "من علمكِ هذه الأشياء؟"
نظرت إليّ.
— "الأطفال"
— "الأطفال؟"
— "نعم"
— "كيف؟"
تنهدت.
— "لأن الأطفال أحيانًا يكونون قساة"
سكتت.
— "كان هناك أطفال أكبر مني"
— "وكانوا يؤذونك؟"
هزت رأسها.
— "ليس دائمًا"
— "لكن؟"
— "كانوا يعرفون أنني مختلفة"
— "بسبب ماذا؟"
نظرت إلى يديها.
— "لا أعرف"
— "ماذا تقصدين؟"
— "أحيانًا لا يحتاج الناس إلى سبب حتى يؤذوا أحدًا"
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— "يكفي أن يكون وحده"
هذه الجملة فهمتها.
لأن الوحدة تجعل الإنسان هدفًا سهلًا.
قلت:
— "ماذا كانوا يفعلون؟"
سكتت.
ولأول مرة منذ بدأنا الحديث...
ترددت.
— "ميلا"
نظرت إليّ.
— "لا يجب أن تقولي شيئًا لا تريدينه"
تفاجأت.
— "أنت تقول ذلك؟"
— "نعم"
— "أنت الشخص الذي جاء ليقتلني"
نظرت إليها.
— "ولم آتِ لأجبرك على الكلام"
بقيت تنظر إليّ.
ثم قالت:
— "كانوا يسخرون مني"
— "فقط؟"
هزت رأسها.
— "في البداية"
— "ثم؟"
أخذت نفسًا.
— "كانوا يأخذون أشيائي"
— "أي أشياء؟"
— "أي شيء"
— "ولماذا؟"
— "لأنهم يستطيعون"
سكتُّ.
ثم قالت:
— "كانوا يقولون لي إنني لا أنتمي"
— "وماذا كنتِ تفعلين؟"
ابتسمت.
— "كنت أحاول إثبات العكس"
— "كيف؟"
— "كنت أساعد الجميع"
— "حتى الذين يؤذونك؟"
— "نعم"
نظرت إليها.
— "لماذا؟"
قالت بهدوء:
— "لأنني كنت أظن أن الأشخاص يحبون من يحتاجون إليه"
بقيت صامتًا.
لأنها كانت طفلة تحاول شراء الحب.
وهذا شيء لم أستطع فهمه.
ليس لأنني لم أعرف الألم.
بل لأنني لم أعرف كيف يبدو طفل يحاول أن يكون محبوبًا.
قلت:
— "وماذا عن العاملين في الميتم؟"
تغير وجهها قليلًا.
— "بعضهم كان جيدًا"
— "وبعضهم؟"
— "كان يرى"
— "ويرى ماذا؟"
— "كل شيء"
— "ولم يفعل شيئًا؟"
خفضت رأسها.
— "أحيانًا أسوأ شيء يمكن أن يحدث لك ليس أن يؤذيك شخص"
نظرت إليها.
— "بل أن يشاهد شخص آخر ذلك ويقرر أن يصمت"
ساد الصمت.
ثم فتحت الدفتر.
وجدت صفحة قصيرة.
"كنت أظن أن اليوم الذي سيأخذني فيه أحد من هنا سيكون نهاية الألم"
نظرت إلى ميلا.
— "لكن لم يكن كذلك"
هزت رأسها.
— "لا"
— "كان بداية شيء آخر؟"
نظرت إليّ.
— "كان بداية الجزء الذي جعلني أفهم أن الميتم لم يكن أسوأ مكان عشت فيه"
توقفت.
والكلمة بقيت بيننا.
أسوأ مكان.
عرفت أن الصفحة التالية...
لن تكون عن الميتم.
ستكون عن العائلة التي جاءت لإنقاذها.
والتي ربما...
كانت أول من حطمها.
"أحيانًا لا يكون أصعب شيء أن تفقد شيئًا...
بل أن تكتشف أنك لم تملكه من الأساس"
— ليام
قلبت الصفحة.
لم أكن مستعجلًا هذه المرة.
في البداية كنت أقرأ لأعرف.
أما الآن...
فكنت أقرأ لأفهم.
وهذا فرق لم أعتد عليه.
ظهرت أول جملة.
"عندما أخبروني أن هناك عائلة تريد أخذي، لم أنم لثلاث ليالٍ"
توقفت.
نظرت إلى ميلا.
— "ثلاث ليالٍ؟"
ابتسمت قليلًا.
— "كنت سعيدة"
— "إلى هذه الدرجة؟"
هزت رأسها.
— "أكثر مما تتخيل"
تابعت القراءة.
"كنت أتخيل شكل غرفتي"
"كنت أتخيل أن أحدًا سيسألني كيف كان يومي"
"كنت أتخيل أن هناك شخصًا سينتظر عودتي"
أغلقت الدفتر قليلًا.
— "كنتِ تريدين أشياء بسيطة"
نظرت إليّ.
— "الأشياء البسيطة تصبح كبيرة عندما لا تملكها"
لم أجد ردًا.
فتحت الصفحة.
"في اليوم الأول قالوا لي: أنتِ ابنتنا الآن"
نظرت إليها.
— "هل صدقتِهم؟"
ضحكت بخفة.
— "كنت في السابعة يا ليام"
— "يعني؟"
— "يعني أن الطفل لا يشك عندما يسمع شيئًا كان ينتظره طوال حياته"
سكتُّ.
كانت محقة.
الأطفال لا يبحثون عن الأدلة.
يبحثون عن الأمان.
تابعت القراءة.
"أعطوني غرفة خاصة"
"وضعت ملابسي في الخزانة بعناية"
"كنت أخاف أن ألمس الأشياء كثيرًا حتى لا يأخذوها مني"
رفعت عيني عنها.
— "كنتِ تخافين أن يعيدوكِ؟"
هزت رأسها.
— "في البداية نعم"
— "ولماذا؟"
— "لأنني كنت أعتقد أن أي شيء جميل لا يدوم معي"
توقفت.
ثم قالت:
— "كنت أنتظر اللحظة التي سيكتشفون فيها أنني لا أستحق البقاء"
نظرت إليها.
— "ومن أين جاء هذا الشعور؟"
ابتسمت بحزن.
— "من أماكن كثيرة"
عدت للدفتر.
"مر أول شهر وكأنه حلم"
ثم صفحة أخرى.
"بدأت أتعلم قواعد البيت"
توقفت.
— "قواعد؟"
نظرت إليّ.
— "كل بيت لديه قواعد"
— "لكن ليس كل القواعد تكون مكتوبة"
صمتُّ.
هذه الجملة كانت أكبر من عمرها.
قلت:
— "ما كانت قواعدهم؟"
لم تجب مباشرة.
ثم قالت:
— "لا تطلبي كثيرًا"
— "..."
— "لا تشتكي"
— "..."
— "لا تزعجي أحدًا"
سكتت.
— "ولا تنسي أنكِ لست مثلهم"
نظرت إليها.
— "كانوا يقولونها لك؟"
— "أحيانًا بالكلام"
— "وأحيانًا؟"
— "بالطريقة التي يعاملونني بها"
فتحت الصفحة.
"في البداية كنت أظن أن الفرق بيني وبينهم طبيعي"
"هم أبناؤهم وأنا لا"
"لكنني لم أفهم لماذا كان يجب أن أشعر بذلك كل يوم"
قلت:
— "كان لديهم أبناء؟"
هزت رأسها.
— "نعم"
— "وكانوا يعاملونهم بشكل مختلف؟"
ابتسمت ابتسامة خالية من الفرح.
— "كان الفرق واضحًا"
— "كيف؟"
نظرت إليّ.
— "هم كانوا يخطئون"
— "وأنتِ؟"
— "أنا كنت أُعاقب"
سكتُّ.
— "هم كانوا يطلبون"
— "وأنتِ؟"
— "أنا كنت أستأذن"
لم أعرف لماذا...
لكن هذه التفاصيل الصغيرة كانت أكثر إزعاجًا من أي شيء.
لأن الظلم أحيانًا لا يبدأ بضربة.
يبدأ بطريقة مختلفة في تقديم الطعام.
أو كلمة.
أو نظرة.
قلت:
— "والدك بالتبني؟"
سكتت.
عرفت أن الاسم وحده غيّر الجو.
— "كان شخصًا صعبًا"
— "صعبًا كيف؟"
نظرت إلى الدفتر.
— "كان يحب السيطرة"
— "على ماذا؟"
— "على كل شيء"
— "حتى عليكِ؟"
لم تجب.
وهذا كان جوابًا.
قلت:
— "هل كان يؤذيك؟"
سكتت طويلًا.
ثم قالت:
— "ليام"
— "نعم؟"
— "هل تعرف لماذا الأطفال لا يتحدثون عن الأشياء السيئة التي تحدث لهم؟"
لم أجب.
تابعت:
— "لأنهم يظنون أن الجميع يعيشون نفس الشيء"
نظرت إليها.
— "ميلا"
— "في ذلك العمر لم أكن أعرف أن بعض الأشياء ليست طبيعية"
كانت الجملة ثقيلة.
ولم أحتج إلى تفاصيل لأفهم.
لكنني كنت أريدها أن تكمل.
ليس بدافع الفضول.
بل لأنني شعرت أن الصمت حولها كان يؤذيها أكثر.
قلت بهدوء:
— "ماذا حدث؟"
نظرت إليّ.
ثم قالت:
— "بدأ كل شيء يتغير عندما أصبح عمري ثماني سنوات"
فتحت الدفتر.
كانت الصفحة التالية فارغة.
نظرت إليها.
— "لا يوجد شيء"
قالت:
— "لأنني لم أستطع كتابة تلك الفترة"
— "لكن تستطيعين قولها؟"
سكتت.
ثم أخذت نفسًا طويلًا.
— "أستطيع"
انتظرت.
قالت:
— "لكن قبل أن أحكي..."
— "ماذا؟"
نظرت إليّ.
— "أريدك أن تتذكر شيئًا واحدًا"
— "ما هو؟"
قالت:
— "أنا لم أكن ضعيفة"
سكتُّ.
— "كنت طفلة فقط"
ولأول مرة...
فهمت الفرق.
الضعف شيء يختاره الإنسان.
أما الطفولة...
فشيء لا يملك الطفل أن يختاره.
"أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى عدو واضح حتى يتأذى...
يكفي أن يكون في المكان الخطأ مع الأشخاص الخطأ"
— ليام
بقيت أنظر إليها.
لم أعرف لماذا كانت تلك الجملة مختلفة.
ربما لأنني طوال حياتي رأيت أشخاصًا أقوياء وضعفاء.
لكنني لم أفكر يومًا أن هناك فرقًا بين الضعف والعجز.
ميلا لم تكن ضعيفة.
كانت طفلة لم يكن لديها خيار.
فتحت الدفتر مرة أخرى.
الصفحة التالية كانت تحتوي على سطر واحد فقط.
"في عمر الثامنة فهمت أن كلمة عائلة لا تعني دائمًا الأمان"
بقيت أنظر إلى الجملة.
ثم رفعت عيني إليها.
— "هل كتبتِ هذه الجملة وقتها؟"
هزت رأسها.
— "لا"
— "إذن متى؟"
— "بعد سنوات"
— "لماذا؟"
نظرت إلى الدفتر.
— "لأن الطفل لا يملك الكلمات التي يملكها الشخص الكبير"
سكتت.
— "الطفل فقط يشعر"
— "أما الشخص الكبير فيفهم"
أكملت القراءة.
"كنت أستيقظ كل صباح وأحاول معرفة مزاج البيت قبل أن أخرج من غرفتي"
توقفت.
— "كنتِ تراقبينهم؟"
ابتسمت بحزن.
— "كنت أحاول النجاة"
— "من ماذا؟"
— "من الخطأ"
— "خطأ ماذا؟"
— "أي شيء"
نظرت إليّ.
— "عندما تعيش مع أشخاص يجعلونك تخاف من ردود أفعالهم، تصبح كل التفاصيل مهمة"
— "مثل؟"
— "طريقة كلامك"
— "حركتك"
— "حتى صوت خطواتك"
لم أتكلم.
لأنني أعرف هذا الشعور.
ليس بنفس الطريقة.
لكنني أعرف معنى أن تعيش وأنت تحسب كل شيء.
تابعت القراءة.
"كان أبي يقول إنني محظوظة لأنه اختارني"
"كنت أريد أن أصدقه"
"لكنني مع الوقت بدأت أشعر أن كلمة اختارني كانت تعني شيئًا آخر"
أغلقت الدفتر.
— "ماذا كان يعني؟"
نظرت إليّ.
— "أنه كان يرى أنني مدينة له"
— "بسبب التبني؟"
هزت رأسها.
— "كان يتصرف وكأنه أعطاني حياة، لذلك أصبح من حقه التحكم بها"
سكتُّ.
ثم سألت:
— "وأمك بالتبني؟"
تغير وجهها.
— "كانت أضعف منه"
— "هل كانت تحاول مساعدتك؟"
صمتت.
ثم قالت:
— "أحيانًا"
— "وأحيانًا؟"
— "كانت تختار الصمت"
أغلقت عيني للحظة.
الصمت.
الكلمة التي تتكرر كثيرًا في قصتها.
قالت:
— "تعرف ما أصعب شيء؟"
— "ماذا؟"
— "أن تكره شخصًا يؤذيك"
نظرت إليها.
— "لماذا؟"
— "لأن الكراهية أسهل عندما يكون الشخص سيئًا بالكامل"
سكتت.
— "لكن عندما يساعدك مرة"
— "ويؤذيك مرة أخرى"
— "تبدأ بالضياع"
لم أجب.
لأنها كانت تصف شيئًا معقدًا.
الأشخاص ليسوا دائمًا وحوشًا طوال الوقت.
وهذا ما يجعل الألم أصعب.
فتحت الصفحة التالية.
"كنت أحاول أن أكون ابنة جيدة"
"كنت أدرس جيدًا"
"كنت لا أطلب شيئًا"
"كنت أقول شكرًا حتى على الأشياء التي لم تكن كافية"
قالت:
— "كنت أعتقد أنني إذا أصبحت مثالية سيحبونني"
— "لكنهم لم يفعلوا"
هزت رأسها.
— "لا"
— "متى فهمتِ ذلك؟"
فكرت.
— "في يوم عيد ميلادي"
نظرت إليها.
— "ماذا حدث؟"
ابتسمت ابتسامة مؤلمة.
— "لا شيء"
— "لا شيء؟"
— "وهذا كان الشيء"
سكتُّ.
— "نسوا؟"
هزت رأسها.
— "لم ينسوا"
— "إذن؟"
— "كانوا يعرفون"
نظرت إليها.
— "كانوا يعرفون أنه يوم ميلادك؟"
— "نعم"
— "ولم يفعلوا شيئًا؟"
— "لم يكن الأمر مهمًا لهم"
ساد الصمت.
ثم قالت:
— "في ذلك اليوم فهمت أنني كنت الوحيدة التي تعتبر نفسها جزءًا من هذه العائلة"
هذه الجملة بقيت في رأسي.
لأنها لم تكن تتحدث عن هدية.
ولا احتفال.
كانت تتحدث عن الانتماء.
قلت:
— "كم كان عمرك؟"
— "ثماني سنوات"
نظرت إلى الدفتر.
ثم إليها.
طفلة بعمر ثماني سنوات تفهم أنها غير مرغوبة.
لا أعرف لماذا...
لكن فكرة أن طفلًا يصل لهذا الاستنتاج كانت أغضبتني.
ليس غضب قاتل.
غضب إنسان.
وهذا كان مزعجًا.
لأنني لم أعتد عليه.
قالت ميلا:
— "ليام"
— "نعم؟"
— "هل أنت غاضب؟"
نظرت إليها.
— "لا"
ابتسمت.
— "أنت تكذب"
رفعت حاجبي.
— "كيف عرفتِ؟"
— "لأن يدك تفعل نفس الشيء"
نظرت إلى يدي.
ثم إليها.
ابتسمت قليلًا.
— "تراقبين كثيرًا"
— "تعلمت من الحياة"
سكتُّ.
ثم قلت:
— "ماذا حدث بعد ذلك؟"
نظرت إلى الدفتر.
— "بعد ذلك بدأت أفهم أن البيت ليس المكان الذي تعيش فيه"
فتحت الصفحة التالية.
وكانت الجملة الأولى:
"البيت هو المكان الذي لا تحتاج فيه إلى الخوف"
ثم لم يكن هناك شيء آخر.
نظرت إليها.
— "توقفتِ هنا"
هزت رأسها.
— "لأن ما بعدها..."
توقفت.
— "كان أصعب"
بقيت أنتظر.
قالت:
— "في ذلك الوقت بدأت أتعلم كيف يخاف الإنسان من شخص واحد"
سألت:
— "والدك؟"
لم تجب.
لكن صمتها كان كافيًا.
"أخطر السجون ليست تلك التي تملك قضبانًا...
بل تلك التي تقنعك أنك لا تستحق الخروج منها"
— ليام
بقيت أنظر إلى الصفحة.
لم تكن هناك كلمات كثيرة.
فقط سطر واحد.
لكنني بدأت أفهم شيئًا.
ميلا لم تكن تكتب كل ما حدث.
كانت تكتب فقط ما استطاعت تحمله.
وهناك فرق كبير بين الاثنين.
رفعت عيني إليها.
— "ماذا حدث عندما بدأت تخافين منه؟"
لم تجب مباشرة.
نظرت إلى النافذة.
كأنها لا ترى الشارع أمامها.
بل ترى مكانًا آخر.
زمنًا آخر.
قالت:
— "في البداية لم أفهم"
— "لم تفهمي ماذا؟"
— "أن الخوف كان سيصبح جزءًا من حياتي"
سكتت قليلًا.
— "كنت أظن أن كل الأطفال يخافون من آبائهم عندما يغضبون"
— "لكن؟"
— "لكن ليس كل الأطفال يتعلمون كيف يمشون داخل بيوتهم وكأنهم يحاولون عدم إصدار صوت"
لم أتكلم.
لأنني لم أعرف ماذا أقول.
فتحت الدفتر.
كانت هناك صفحة طويلة.
"تعلمت أن أسمع صوت السيارة قبل أن تدخل إلى البيت"
"تعلمت من طريقة إغلاق الباب إن كان اليوم سيكون هادئًا أم لا"
"تعلمت أن أختفي عندما يكون الغضب موجودًا"
نظرت إليها.
— "كنتِ تختبئين؟"
هزت رأسها.
— "كنت أحاول أن أكون غير موجودة"
— "كيف؟"
— "أصمت"
— "هذا كل شيء؟"
ابتسمت بحزن.
— "أحيانًا الصمت يكون الطريقة الوحيدة التي يملكها الطفل"
سكتُّ.
ثم سألت:
— "هل كان أحد يعرف؟"
ضحكت ضحكة قصيرة.
— "الجميع يعرف أشياء كثيرة"
— "ولم يفعلوا؟"
— "البعض لم ير"
— "والبعض؟"
— "رأى ولم يريد أن يتدخل"
كانت الجملة مألوفة.
الصمت مرة أخرى.
قلت:
— "هل حاولتِ الكلام؟"
هزت رأسها.
— "مرة"
— "وماذا حدث؟"
نظرت إليّ.
— "تعلمت ألا أفعلها مرة أخرى"
لم أضغط عليها.
لكنها أكملت وحدها.
— "عندما أخبرت شخصًا بما يحدث"
توقفت.
— "لم يسألني إذا كنت بخير"
— "ماذا فعل؟"
نظرت إلى يديها.
— "سألني لماذا أسبب المشاكل"
ساد الصمت.
لا أعرف لماذا شعرت بالغضب.
أنا الذي رأيت أشياء أسوأ.
أنا الذي فعلت أشياء أسوأ.
لكن فكرة طفلة تذهب بحثًا عن المساعدة...
وتعود وهي تشعر أنها المخطئة...
كانت مختلفة.
قلت:
— "ومن بعدها لم تثقي بأحد"
ابتسمت قليلًا.
— "لا"
— "حتى الآن؟"
نظرت إليّ.
— "أنا هنا"
نظرت إليها.
— "تقصدين؟"
— "أنا وثقت بك بما يكفي لأطلب منك أن تنهي حياتي"
لم أحب الطريقة التي قالت بها ذلك.
لأنها جعلت الأمر يبدو طبيعيًا.
قلت:
— "هذا ليس ثقة"
— "إذن ماذا؟"
فكرت.
— "استسلام"
سكتت.
ثم قالت:
— "ربما"
عدت للدفتر.
"في عمر العاشرة توقفت عن السؤال لماذا يحدث هذا"
"وبدأت أسأل كيف أنجو منه"
توقفت.
— "عشر سنوات"
هزت رأسها.
— "كنتِ طفلة"
— "كنت"
انتبهت إلى الكلمة.
لم تقل "أنا كنت طفلة".
قالت "كنت".
كأنها تركت تلك الطفلة خلفها منذ زمن.
قلت:
— "كيف نجوتِ؟"
ابتسمت.
— "بالأشياء الصغيرة"
— "مثل؟"
— "الكتب"
— "الكتب؟"
— "كانت المكان الوحيد الذي لا يخبرني أحد فيه من أكون"
نظرت إليها.
— "ماذا كنت تقرئين؟"
— "أي شيء"
— "حتى الأشياء التي لا تفهمينها؟"
— "خصوصًا تلك"
ابتسمت.
— "كنت أظن أنني إذا فهمت العالم أكثر، سيصبح أقل قسوة"
لم أستطع منع نفسي من القول:
— "وهل أصبح كذلك؟"
نظرت إليّ.
— "لا"
ثم ابتسمت.
— "لكني أصبحت أعرف أنه قاسٍ"
سكتنا.
ثم قالت:
— "ليام"
— "نعم؟"
— "هل تعرف ما أكثر شيء يؤلم في كل هذا؟"
— "ماذا؟"
نظرت إلى الدفتر.
— "ليس ما فعلوه"
توقفت.
— "بل أنني قضيت سنوات أصدق أنهم كانوا على حق"
لم أقل شيئًا.
لأنني فهمت.
الإنسان قد ينجو من شخص يؤذيه.
لكن أصعب معركة تكون بعد ذلك...
عندما يبقى صوت ذلك الشخص داخله.
فتحت الصفحة الأخيرة من هذا الجزء.
كانت هناك جملة واحدة:
"في الرابعة عشرة من عمري، قررت أنني لن أبقى هناك يومًا آخر"
نظرت إلى ميلا.
— "هربتِ"
هزت رأسها.
— "نعم"
— "إلى أين؟"
نظرت إليّ.
وكان في عينيها شيء تغير.
شيء يشبه الحذر.
— "إلى العالم"
سكتت.
ثم قالت:
— "ولم أكن أعرف أن العالم كان ينتظرني بأسوأ مما تركته خلفي"
وأغلقت الدفتر.
"هناك لحظة لا يهرب فيها الإنسان لأنه شجاع...
بل لأنه لم يعد قادرًا على البقاء"
— ليام
امسكت الدفتر
بقي مغلقًا بين يديها.
لم تمده لي.
ولم أطلبه.
لأنني بدأت أفهم أن بعض الصفحات لا تُقرأ.
بل تُستأذن.
نظرت إليها.
— "هربتِ بعمر أربعة عشر"
هزت رأسها.
— "نعم"
— "لم يكن لديك مكان تذهبين إليه"
— "لا"
— "ولم تخافي؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— "كنت خائفة"
سكتت.
— "لكنني كنت خائفة أكثر من البقاء"
هذه الجملة كانت كافية.
لأنني أعرف معنى أن يصبح المكان الذي يفترض أن يحميك أكثر مكان تريد الهرب منه.
قلت:
— "كيف خرجتِ؟"
نظرت إلى الطاولة.
— "في ليلة"
— "فقط؟"
— "نعم"
— "لم تخططي؟"
ضحكت بخفة.
— "كنت طفلة هاربة يا ليام، لم أكن عميلة تخطط لعملية"
نظرت إليها.
— "أنتِ تسخرين"
— "أحاول"
— "من ماذا؟"
— "من نفسي"
— "لماذا؟"
— "لأنني لو أخذت كل شيء بجدية طوال الوقت، كنت سأنهار"
سكتُّ.
هذه المرة فهمت.
بعض الناس لا يضحكون لأنهم سعداء.
يضحكون لأن البكاء أصبح متعبًا.
فتحت الدفتر.
كانت هناك صفحة قصيرة.
اعادت الدفتر لي
"وضعت بعض الملابس في حقيبة صغيرة"
"لم آخذ شيئًا يذكرني بالبيت"
"لأنني لم أكن أريد أن أحمل البيت معي"
نظرت إليها.
— "كنتِ تكرهينه؟"
فكرت.
— "لا"
تفاجأت.
— "لا؟"
هزت رأسها.
— "كنت أكره ما شعرت به هناك"
— "وما هو؟"
قالت بهدوء:
— "أنني لا أملك قيمة"
سكتُّ.
ثم سألت:
— "عندما خرجتِ... هل شعرتِ بالراحة؟"
ابتسمت.
— "في أول ساعة"
— "وبعدها؟"
— "اكتشفت أن الحرية ليست سهلة عندما لا يملك الشخص شيئًا"
نظرت إليها.
— "كنت في الرابعة عشرة"
— "نعم"
— "طفلة"
نظرت إليّ.
— "الجميع يقول ذلك"
— "لأنها الحقيقة"
ابتسمت.
— "الغريب أنني لم أشعر أنني طفلة وقتها"
— "لماذا؟"
— "لأن الطفل يشعر أن هناك شخصًا سيأتي لإنقاذه"
سكتت.
— "وأنا كنت أعرف أنه لا أحد سيأتي"
لم أجد جوابًا.
لأنها لم تكن تتحدث عن الهروب فقط.
كانت تتحدث عن سنوات كاملة.
تابعت القراءة.
"في أول ليلة نمت في الشارع، كنت سعيدة"
"ليس لأن المكان كان جيدًا"
"بل لأن لا أحد كان يستطيع أن يأمرني بالعودة"
رفعت عيني إليها.
— "نمتي في الشارع؟"
هزت رأسها.
— "لفترة"
— "كم؟"
— "لا أتذكر"
— "كيف لا تتذكرين؟"
نظرت إليّ.
— "لأن الأيام التي تعيشها وأنت تحاول النجاة لا تبقى مرتبة في ذاكرتك"
سكتُّ.
— "كل يوم يشبه الآخر"
— "تبحثين عن مكان"
— "عن طعام"
— "عن شخص لا يؤذيك"
قالت الجملة الأخيرة بهدوء.
لكنها كانت الأثقل.
قلت:
— "هل وجدتِ أحدًا؟"
ضحكت بسخرية.
— "في البداية ظننت ذلك"
عرفت من نبرة صوتها أن الإجابة لم تكن جيدة.
قلت:
— "ثم؟"
— "ثم تعلمت أن ليس كل شخص يقدم لك المساعدة يريد لك الخير"
بقيت صامتًا.
قالت:
— "كنت صغيرة"
— "وكنت أريد أن أصدق أي شخص يقول لي: أنا سأساعدك"
نظرت إليها.
— "وهذا استغلوه"
لم تجب.
لكن عينيها فعلتا.
أخفضت نظري للدفتر.
كانت هناك جملة:
"أسوأ شيء في الوحدة أنها تجعلك تتمسك بأي يد تمتد إليك، حتى لو كانت ستؤذيك"
توقفت.
ولأول مرة...
لم أستطع إكمال الصفحة مباشرة.
قالت:
— "هل تريد أن تتوقف؟"
نظرت إليها.
— "لا"
— "ليام"
— "ماذا؟"
— "أنت لست مضطرًا لسماع كل هذا"
أغلقت الدفتر.
نظرت إليها.
— "وأنتِ لست مضطرة لتحكيه"
سكتت.
— "لكننا نفعل ذلك"
ابتسمت قليلًا.
— "لماذا؟"
فكرت.
ثم قلت:
— "لأنني أريد أن أعرف"
نظرت إليّ طويلًا.
ثم قالت:
— "هذا أكثر شيء أخافني"
— "ماذا؟"
— "أن يريد أحد أن يعرفني"
استغربت.
— "لماذا؟"
خفضت صوتها.
— "لأن الأشخاص الذين حاولوا معرفة كل شيء عني في الماضي..."
توقفت.
— "لم يكونوا يريدون حمايتي"
ساد الصمت.
ولم أسأل أكثر.
ليس الآن.
لأنني بدأت أعرف أن ميلا لا تخفي الأسرار لأنها تكذب.
بل لأنها قضت عمرها تتعلم أن بعض الحقائق خطيرة عندما تُقال للشخص الخطأ.
نظرت إلى الدفتر.
ثم إليها.
— "سنكمل عندما تكونين مستعدة"
قالت:
— "ليام"
— "نعم؟"
— "أنت غريب"
— "سمعت هذا من قبل"
ابتسمت.
— "لا"
نظرت إليّ.
— "أنت غريب لأنك أول شخص لا يحاول أن يأخذ شيئًا مني"
بقيت صامتًا.
ولم أعرف لماذا...
لكن هذه الجملة بقيت معي.
لأنني طوال حياتي كنت آخذ.
وقت.
مال.
حياة.
أما الآن...
كانت هناك فتاة أمامي تقول إن الشيء الغريب هو أنني لم آخذ شيئًا.
"هناك أشخاص يطلبون النجدة بصوت مرتفع..
وهناك أشخاص يصبح صمتهم هو الطريقة الوحيدة التي تبقى لهم"
— ليام
مر وقت طويل ونحن صامتان.
لم يكن صمتًا مريحًا.
لكنه لم يكن ثقيلًا أيضًا.
كان يشبه اللحظة التي ينتهي فيها شخص من حمل شيء ثقيل، ويضعه للحظة على الأرض.
نظرت إلى الدفتر.
ثم قلت:
— "أريد أن أفهم شيئًا"
رفعت ميلا عينيها.
— "ماذا؟"
— "بعد أن هربتِ... لماذا لم تعودي؟"
لم تغضب من السؤال.
وهذا فاجأني.
بعض الأشخاص يغضبون عندما تسألهم عن قراراتهم.
أما هي...
فكانت تعرف أنني لا أهاجمها.
كنت أحاول أن أفهم.
قالت:
— "لأنني عندما خرجت لم أعد أرى ذلك المكان بيتًا"
— "حتى بعد كل شيء؟"
هزت رأسها.
— "خصوصًا بعد كل شيء"
سكتت.
ثم أضافت:
— "أحيانًا عندما تكسر شيئًا لا تستطيع إصلاحه"
— "حتى لو حاولت؟"
— "حتى لو حاولت"
فتحت الدفتر.
وجدت صفحة جديدة.
"في أول يوم لي خارج البيت، شعرت أنني حرة"
"وفي ثاني يوم، شعرت أنني ضائعة"
ابتسمت قليلًا.
— "هذا كان صحيحًا"
— "ماذا؟"
— "كنت سعيدة وخائفة في نفس الوقت"
— "كيف؟"
— "كنت لأول مرة أقرر أين أذهب"
— "لكن؟"
— "لم أكن أعرف إلى أين أذهب"
نظرت إليها.
— "أليس هذا تناقضًا؟"
ابتسمت.
— "الحياة مليئة بالتناقضات يا ليام"
— "مثل ماذا؟"
فكرت قليلًا.
— "أن تهرب من مكان يؤذيك..."
توقفت.
— "ثم تكتشف أن العالم في الخارج لا ينتظر أن يعوضك"
لم أجب.
لأنني أعرف العالم.
العالم لا يعوض أحدًا.
هو فقط يختبر من يستطيع البقاء.
قالت:
— "في البداية كنت أبحث عن عمل"
— "بعمر أربعة عشر؟"
هزت رأسها.
— "كنت أعرف أنني صغيرة"
— "إذن؟"
— "لكن الجوع لا يسأل عن العمر"
سكتُّ.
هذه الجملة وحدها شرحت الكثير.
تابعت:
— "كنت أذهب إلى أماكن كثيرة"
— "هل ساعدك أحد؟"
ضحكت بخفة.
— "بعض الناس كانوا يساعدون"
— "والبعض؟"
نظرت إليّ.
— "كانوا يرون فتاة صغيرة وحدها"
توقفت.
— "ويرون فرصة"
لم أقل شيئًا.
لأنني فهمت.
قالت:
— "تعلمت بسرعة"
— "ماذا؟"
— "أن ليس كل ابتسامة أمان"
— "وليس كل شخص يقول أنا سأساعدك يريد المساعدة"
نظرت إلى الدفتر.
كانت هناك جملة:
"كنت أتعلم الشوارع بنفس الطريقة التي تعلمت بها البيت..."
"أراقب الوجوه قبل أن أثق بها"
ابتسمت قليلًا.
— "حتى وأنت صغيرة كنت تراقبين الناس"
نظرت إليّ.
— "أليس هذا عملك؟"
— "ماذا؟"
— "قراءة الناس"
ابتسمت.
— "أنتِ تلاحظين كثيرًا"
— "وأنت تظن أنك تخفي كثيرًا"
— "أنا أخفي"
هزت رأسها.
— "ليس عن شخص يراقب"
لم أجادل.
لأنها كانت محقة.
قلت:
— "كم بقيتِ في الشارع؟"
سكتت.
— "فترة"
— "كم؟"
— "أشهر"
— "وحدك؟"
— "نعم"
— "ميلا"
نظرت إليّ.
— "ماذا؟"
— "كان يمكن أن يحدث لك أي شيء"
ابتسمت.
لكن ابتسامتها لم تكن سعيدة.
— "حدث"
سكتُّ.
تغير صوتها.
— "لكنني بقيت"
هذه المرة لم يكن هناك حزن.
كان هناك شيء آخر.
إصرار.
قلت:
— "أنتِ قوية"
هزت رأسها.
— "لا أحب هذه الكلمة"
تفاجأت.
— "لماذا؟"
— "لأن الناس يستخدمونها أحيانًا بطريقة سيئة"
— "كيف؟"
— "يقولون لك أنت قوية..."
نظرت إليّ.
— "وكأنهم يمدحونك لأنك تحملت الألم"
سكتت.
— "بدل أن يسألوا لماذا اضطررت لتحمله أصلًا"
لم أجد ردًا.
لأنها كانت محقة.
في بعض الأحيان المجتمع يمدح الناجين...
وينسى أن يسأل من الذي جعلهم يحتاجون للنجاة.
أغلقت الدفتر.
— "ميلا"
— "نعم؟"
— "لماذا كتبتِ كل هذا؟"
نظرت إلى الدفتر.
— "حتى لا أنسى"
— "لكن قلتِ إنك لا تريدين تذكر الماضي"
ابتسمت بحزن.
— "هناك فرق بين أن تتذكر شيئًا..."
توقفت.
— "وأن تسمح له أن يختفي وكأنه لم يحدث"
سكتُّ.
ثم قلت:
— "وماذا حدث بعد الشارع؟"
تغير وجهها.
عرفت أنني اقتربت من مرحلة أخرى.
مرحلة لم تكن مجرد هروب.
بل بداية حياة أصعب.
قالت:
— "بعد الشارع..."
توقفت.
— "بدأت أتعلم أن بعض الوحوش لا تظهر بشكل مخيف"
نظرت إليها.
— "ماذا تقصدين؟"
أخذت نفسًا طويلًا.
— "أحيانًا تأتيك بوجه إنسان"
بقيت أنظر إليها.
ثم فتحت الدفتر.
كانت الصفحة التالية فارغة.
قالت:
— "هذه الصفحة لم أستطع كتابتها"
— "لماذا؟"
نظرت إليّ.
— "لأن بعض الأشياء عندما تكتبها..."
توقفت.
— "تصبح حقيقية أكثر"
ولأول مرة منذ بدأت قراءة مذكراتها...
شعرت أنني لا أريد أن أعرف.
لكنني كنت أعرف أنني سأعرف.
لأنني لم أعد أقرأ قصة شخص آخر.
كنت أقرأ حياة ميلا.
"الإنسان لا ينهار من الضربة الأولى دائمًا...
أحيانًا ينهار عندما يكتشف أنه كان يقاوم وحده طوال الوقت"
— ليام
بقيت الصفحة البيضاء أمامي.
صفحة فارغة.
لكنها كانت أثقل من كل الصفحات التي قرأتها.
نظرت إلى ميلا.
— "لماذا تركتِها فارغة؟"
لم تجب فورًا.
كانت تنظر إليها وكأنها ترى شيئًا لا أراه.
قالت:
— "لأنني عندما وصلت إليها... لم أعرف ماذا أكتب"
— "أنتِ كتبتِ كل شيء قبلها"
هزت رأسها.
— "لا"
— "ماذا تقصدين؟"
نظرت إليّ.
— "كتبت الأشياء التي حدثت"
سكتت.
— "لكن هناك أشياء لا أعرف كيف أصف شعورها"
فهمت.
بعض الألم لا يحتاج كلمات.
لأنه أكبر منها.
قلت:
— "هل تريدين أن تشرحي؟"
ابتسمت قليلًا.
— "أنت أصبحت تسأل هذا السؤال كثيرًا"
— "لأنكِ أصبحتِ تتوقفين كثيرًا"
نظرت إليّ.
ثم قالت:
— "لأنني أحاول أن أعرف إن كنت سأندم بعد أن أقول"
— "هل ندمتِ حتى الآن؟"
فكرت.
ثم هزت رأسها.
— "لا"
— "لماذا؟"
قالت بهدوء:
— "لأنك تسمع"
استغربت.
— "هذا كل شيء؟"
— "نعم"
— "الناس يسمعون دائمًا"
ضحكت بخفة.
— "لا"
— "ماذا يفعلون؟"
— "ينتظرون دورهم للكلام"
سكتُّ.
لأنني أعرف أنها محقة.
الكثير من الناس لا يسمعون.
هم فقط ينتظرون فرصة ليحكموا.
فتحت الدفتر.
في الصفحة التالية لم يكن هناك تاريخ.
فقط كلمات متفرقة.
"الرصيف البارد"
"الليالي الطويلة"
"الخوف من الخطوات خلفي"
"الجوع"
"الندم على الهروب"
نظرت إليها.
— "ندمتِ؟"
ابتسمت بحزن.
— "كثيرًا"
— "لكن لو عاد بك الزمن..."
قاطعتني:
— "سأهرب مرة أخرى"
تفاجأت.
— "حتى وأنت تعرفين ما سيحدث؟"
هزت رأسها.
— "نعم"
— "لماذا؟"
قالت:
— "لأن البقاء كان يعني أن أخسر نفسي ببطء"
صمتُّ.
كان جوابًا بسيطًا.
لكنه حقيقي.
قلت:
— "كيف بقيتِ؟"
نظرت إلى السقف.
— "لا أعرف"
— "لا تعرفين؟"
— "حقًا"
ابتسمت.
— "أحيانًا الإنسان لا يملك خطة"
— "ماذا يملك؟"
— "يومًا آخر فقط"
سكتُّ.
ثم قلت:
— "هل كان هناك شخص ساعدك؟"
نظرت إليّ.
— "نعم"
تفاجأت.
— "حقًا؟"
— "نعم"
— "ومن؟"
ابتسمت قليلًا.
— "امرأة عجوز"
— "ماذا فعلت؟"
— "أعطتني طعامًا"
— "فقط؟"
— "وأعطتني شيئًا أهم"
— "ما هو؟"
قالت:
— "عاملتني كأنني إنسانة"
بقيت صامتًا.
لأنني فهمت معنى الجملة.
عندما يحرم الإنسان من أبسط الأشياء...
تصبح المعاملة الطبيعية هدية.
قالت:
— "لم تسألني من أين أتيت"
— "ولا لماذا كنت وحدي"
— "ولا قالت لي إنني محظوظة لأنها ساعدتني"
نظرت إليّ.
— "فقط ساعدتني"
قلت:
— "ولماذا لم تبقي معها؟"
تغير وجهها.
— "لأن الأشخاص الطيبين لا يستطيعون دائمًا إنقاذ الجميع"
— "ماذا حدث؟"
خفضت عينيها.
— "لم تستطع إبقائي"
— "ولماذا؟"
— "لأنها كانت بالكاد تملك ما يكفي لنفسها"
سكتت.
ثم قالت:
— "لكنني ما زلت أتذكرها"
— "حتى الآن؟"
— "نعم"
— "لماذا؟"
ابتسمت.
— "لأنها أثبتت لي أن العالم ليس كله سيئًا"
نظرت إليها.
— "لكنها لم تمنع ما حدث بعدها"
اختفت الابتسامة.
— "لا"
— "وهذا جعلك تفقدين الثقة؟"
هزت رأسها.
— "لا"
تفاجأت.
— "لا؟"
— "جعلني أفهم شيئًا"
— "ما هو؟"
قالت:
— "أن وجود أشخاص طيبين لا يعني أن الأشرار يختفون"
سكتنا.
ثم قلبت الصفحة.
بدأت أقرأ.
"في عمر السادسة عشرة توقفت عن انتظار الإنقاذ"
رفعت عيني إليها.
— "السادسة عشرة"
هزت رأسها.
— "نعم"
— "هناك تغير شيء"
نظرت إليّ.
— "كل شيء تغير"
— "ماذا حدث؟"
بقيت صامتة للحظات.
ثم قالت:
— "بدأت أعمل"
— "وأنتِ صغيرة"
— "كنت معتادة على ذلك"
— "ميلا..."
ابتسمت.
— "لا تنظر إليّ هكذا"
— "كيف؟"
— "كأنك غاضب من العالم"
لم أجب.
لأنها أصابت.
قالت:
— "ليام"
— "نعم؟"
— "أريد منك شيئًا"
— "ماذا؟"
نظرت إليّ.
— "عندما تقرأ الباقي..."
توقفت.
— "لا تنظر إليّ كضحية"
سألت:
— "كيف أنظر إليكِ إذن؟"
فكرت قليلًا.
ثم قالت:
— "كشخص حاول يعيش"
بقيت أنظر إليها.
ثم أومأت.
— "حسنًا"
ابتسمت.
وأعادت الدفتر لي.
لكن قبل أن أفتحه...
قالت:
— "ليام"
— "نعم؟"
— "بعد الصفحات القادمة..."
توقفت.
— "قد تفهم لماذا طلبت منك قتلي"
نظرت إلى الدفتر.
ثم إليها.
ولأول مرة...
لم أشعر أنني أريد إنهاء المهمة.
شعرت أنني أريد معرفة السبب الذي جعل شخصًا يطلب نهايته.
"أحيانًا لا يطلب الإنسان الموت لأنه يريد أن ينتهي...
بل لأنه تعب من محاولة إقناع نفسه أن هناك سببًا للبقاء"
— ليام
أخذت الدفتر منها.
هذه المرة لم أفتحه مباشرة.
بقيت أنظر إلى الغلاف.
شيء بسيط.
دفتر قديم.
لكن بداخله حياة كاملة.
حياة لم يعرف أحد عنها شيئًا.
قالت ميلا:
— "لماذا لا تقرأ؟"
رفعت عيني إليها.
— "أفكر"
— "أنت تفكر كثيرًا"
— "وأنتِ تتكلمين كثيرًا"
ابتسمت.
— "لاحظت"
— "وأنتِ؟"
— "لاحظت أنك بدأت ترد"
نظرت إليها.
— "هل هذه مشكلة؟"
هزت رأسها.
— "لا"
ثم أضافت:
— "هذا غريب فقط"
— "لماذا؟"
— "لأنك في أول يوم كنت تبدو كأنك لا تملك مشاعر"
سكتُّ.
— "والآن؟"
ابتسمت قليلًا.
— "الآن تبدو كشخص يحاول ألا يظهر أنه يملكها"
لم أحب أنها لاحظت ذلك.
لأنها كانت محقة.
فتحت الدفتر.
بدأت أقرأ.
"بعد أن توقفت عن انتظار أحد، بدأت أبحث عن طريقة لأعيش"
قلبت الصفحة.
"لم أكن أحلم بحياة جميلة"
"كنت فقط أريد حياة عادية"
نظرت إليها.
— "حياة عادية؟"
هزت رأسها.
— "نعم"
— "ما تعريفك لها؟"
فكرت.
— "أن أستيقظ ولا أخاف"
سكتت.
— "أن يكون لدي مكان أعود إليه"
— "أن يطعمني أحد ويسألني كيف كان يومي"
ابتسمت بحزن.
— "أشياء يراها الناس عادية"
نظرت إلى الدفتر.
— "لكنها بالنسبة لي كانت حلمًا"
تابعت القراءة.
"وجدت عملًا بسيطًا"
"لم يكن جيدًا"
"لكنه كان لي"
قلت:
— "كنتِ سعيدة؟"
ابتسمت.
— "في البداية"
— "لماذا تقولينها وكأن هناك دائمًا جزءًا سيئًا بعدها؟"
نظرت إليّ.
— "لأن هذا ما تعلمته"
— "ماذا؟"
— "كل شيء جميل يأتي معه شيء يؤلم"
سكتُّ.
ثم سألت:
— "هل كنتِ ما زلت تخافين؟"
هزت رأسها.
— "نعم"
— "من ماذا؟"
— "من الناس"
— "بعد كل شيء؟"
ضحكت بهدوء.
— "خصوصًا بعد كل شيء"
قرأت:
"كنت أراقب وجوه الزبائن"
"أحفظ نبرة أصواتهم"
"أعرف من يجب أن أبتعد عنه"
نظرت إليها.
— "أصبحتِ جيدة في قراءة الناس"
ابتسمت.
— "أجبرتني الحياة"
— "مثلي"
قالتها دون تفكير.
ثم توقفت.
نظرت إليّ.
أنا أيضًا انتبهت.
مثلي.
لم تكن كلمة عادية.
لأنها وضعتني معها في نفس الجملة.
شخص عاش بطريقة مختلفة.
لكن تعلم نفس الشيء.
الحذر.
قلت:
— "ربما"
خفضت نظرها.
وأكملت:
— "في تلك الفترة بدأت أظن أن الأمور ستتحسن"
— "ثم؟"
تنهدت.
— "ثم جاء اليوم الذي ذكرني أنني لا أستطيع الهروب من الماضي"
فتحت الصفحة التالية.
كانت مختلفة.
الخط أكثر اضطرابًا.
"هناك أشخاص لا ينسون أنك كنت ضعيفًا أمامهم"
توقفت.
نظرت إليها.
— "من تقصدين؟"
سكتت.
— "ميلا"
أخذت نفسًا.
— "العائلة"
سكتُّ.
قالت:
— "لم يتركوني بسهولة"
— "بحثوا عنك؟"
هزت رأسها.
— "نعم"
— "لماذا؟"
ابتسمت ابتسامة باردة.
— "ليس لأنهم اشتاقوا لي"
لم أسأل.
كنت أعرف.
قالت:
— "كانوا يريدون إثبات شيء"
— "ماذا؟"
نظرت إليّ.
— "أنني لا أستطيع أن أهرب منهم"
ساد الصمت.
ثم قالت:
— "لكن هذه المرة كنت أكبر"
— "وأقوى"
هزت رأسها.
— "لا"
استغربت.
— "لا؟"
قالت:
— "هذه أكبر كذبة يقولها الناس"
— "ما هي؟"
— "أن العمر يجعل الإنسان أقوى"
سكتت.
— "أحيانًا العمر فقط يجعلك تعرف كيف تخفي خوفك"
بقيت أنظر إليها.
لأنها قالتها وكأنها تتحدث عن نفسها.
قالت:
— "في ذلك الوقت حدث شيء جعلني أتغير"
— "ماذا؟"
نظرت إلى الدفتر.
— "بدأت أكره فكرة أنني دائمًا الشخص الذي يخسر"
قلت:
— "وبدأتِ تقاومين"
ابتسمت.
— "حاولت"
— "وهذا عندما قررتِ الانتقام؟"
توقفت.
ثم قالت:
— "لا"
تفاجأت.
— "لا؟"
— "الانتقام جاء لاحقًا"
— "إذن ماذا حدث؟"
أغلقت الدفتر.
— "تعلمت أولًا أنني أستحق الدفاع عن نفسي"
سكتُّ.
ثم قالت:
— "لكن عندما حاولت الدفاع عن نفسي..."
تغير صوتها.
— "اكتشفت أن العالم لا يحب الأشخاص الذين يرفعون أصواتهم"
بقيت أنظر إليها.
— "ماذا حدث يا ميلا؟"
لم تجب.
نظرت إلى الساعة.
ثم قالت:
— "يكفي لليوم"
لم أعترض.
لكن قبل أن تذهب...
قالت:
— "ليام"
— "نعم؟"
— "هل أنت نادم أنك قبلت المهمة؟"
نظرت إليها.
كان السؤال بسيطًا.
لكن إجابته لم تكن كذلك.
قلت:
— "لا أعرف"
ابتسمت.
— "أنت تقولها كثيرًا"
— "لأنها الحقيقة"
نظرت إليّ لحظة.
ثم قالت:
— "إذن لأول مرة في حياتك..."
— "ماذا؟"
— "هناك شيء لا تستطيع قتله بسهولة"
نظرت إليها.
— "ما هو؟"
ابتسمت بحزن.
— "الفضول"
وتركتني وحدي مع الدفتر.
لكن هذه المرة...
لم أكن أنتظر الصفحة التالية فقط.
كنت أنتظر أن أعرف:
كيف تحولت فتاة حاولت فقط أن تعيش...
إلى شخص يريد من قاتل أن ينهي حياتها.
"بعض الأشخاص لا يحتاجون إلى من ينقذهم في اللحظة الأخيرة...
بل يحتاجون فقط إلى شخص يثبت لهم أنهم لم يكونوا وحدهم طوال الطريق"
— ليام
بقي الدفتر بين يدي.
لم أعد أراه مجرد صفحات مكتوبة.
في البداية، عندما وصلت إلى هذا المكان، كنت أراه كجزء من المهمة.
تفصيل.
معلومة.
طريقة لفهم الهدف قبل التنفيذ.
لكن الآن...
لم يعد الأمر كذلك.
كان هناك شيء مزعج يحدث.
كنت أقرأ كلمات ميلا...
وأبدأ بتخيل الطفلة التي كتبتها.
طفلة تحاول أن تفهم لماذا لا يشبه بيتها بيوت الآخرين.
طفلة تتعلم أن تخفض صوتها.
أن تراقب الوجوه.
أن تخاف من خطوات الأشخاص الذين يفترض أن يحمونها.
أغلقت الدفتر.
عادت ميلا للغرفه
جلست على الطرف الآخر من الطاولة، تراقبني بصمت.
— "تعبت؟"
رفعت عيني إليها.
— "لا"
— "إذن لماذا أغلقت الدفتر؟"
نظرت إلى الغلاف.
— "لأنني لا أريد أن أقرأ أكثر"
سكتت.
ثم قالت:
— "لأنك لا تريد أن تعرف؟"
هززت رأسي.
— "لأنني أريد أن أعرف"
تفاجأت قليلًا.
— "إذن؟"
قلت:
— "لأنني لا أريد أن تصبح قصتك مجرد صفحات"
بقيت تنظر إليّ.
لم تقل شيئًا.
ولأول مرة منذ عرفتها...
لم أجد في عينيها ذلك الحذر.
كان هناك شيء آخر.
دهشة.
كأنها لم تتوقع أن يهتم أحد بالتفاصيل.
قالت بهدوء:
— "أنت غريب يا ليام"
ابتسمت قليلًا.
— "قلتِها من قبل"
— "ما زلت أؤكدها"
— "لماذا؟"
نظرت حولها.
— "لأنك شخص جاء ليقتلني"
توقفت.
— "لكن أول شيء فعلته هو أنك استمعت إليّ"
لم أعرف ماذا أقول.
لأنها قالت الحقيقة.
وأنا لم أعتد أن أكون الشخص الذي يستمع.
كنت دائمًا الشخص الذي ينهي الحديث.
قالت:
— "هل أنت جائع؟"
نظرت إليها باستغراب.
— "ماذا؟"
ابتسمت.
— "سؤال بسيط"
— "بعد كل هذا؟"
— "بعد كل هذا تحديدًا"
ثم وقفت.
— "نحن لم نأكل منذ ساعات"
نظرت إلى الساعة.
كانت محقة.
لم أنتبه للوقت.
قلت:
— "لا داعي"
رفعت حاجبها.
— "هل هذه طريقتك في قول نعم؟"
— "لا"
— "إذن؟"
— "هذه طريقتي في قول لا داعي"
ضحكت.
ضحكة قصيرة.
لكنها كانت حقيقية.
— "أنت صعب"
— "وأنتِ تتكلمين كثيرًا"
— "لاحظت"
— "ولم تتوقفي"
ابتسمت.
— "لأنك تسمع"
توقفت للحظة.
جملة بسيطة.
لكنها بقيت في رأسي.
ذهبنا إلى المطبخ.
لم يكن هناك شيء مميز.
لا طعام فاخر.
ولا أجواء مختلفة.
مجرد وجبة بسيطة في آخر الليل.
لكن الشيء الغريب...
أنها كانت أكثر هدوءًا من أي مكان دخلته من قبل.
جلست ميلا أمامي.
كانت تأكل ببطء.
كأنها لم تكن مستعجلة للهروب من شيء.
قلت:
— "هل تفعلين هذا دائمًا؟"
نظرت إليّ.
— "ماذا؟"
— "تعتذرين عن وجودك"
توقفت يدها.
نظرت إليّ.
— "لماذا قلت ذلك؟"
— "لأنك قبل كل شيء تقولين: لا أريد أن أزعجك"
سكتت.
— "أو: إذا أردت الرحيل ارحل"
خفضت نظرها.
— "ربما"
— "لماذا؟"
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— "لأنني تعودت أن الناس يرحلون"
لم أجب.
لأنني لم أملك وعدًا أستطيع قوله.
لا أستطيع أن أقول لها إن الجميع سيبقون.
فهذا غير صحيح.
لكنني قلت:
— "أنا هنا الآن"
رفعت عينيها.
لم تقل شيئًا.
لكنني رأيت شيئًا تغير.
بعد الطعام، أصبح الوقت متأخرًا.
بدأ التعب يظهر عليها.
لأول مرة رأيتها تبدو كفتاة بعمر الثانية والعشرين فقط.
ليس فتاة تحمل سنوات أكثر من عمرها.
بعد انتهاء الطعام، بدأ التعب يظهر على وجهها.
نظرت إلى الساعة.
كان الليل قد تأخر.
قلت:
— "الغرفة الثانية جاهزة"
نظرت إليّ باستغراب.
— "أنت تسمح لي بالنوم هنا؟"
نظرت إليها.
— "أين ستنامين إذن؟"
سكتت.
لم تجب.
لأنها لم تعتد أن يسألها أحد هذا السؤال.
أشرت إلى الممر.
— "الغرفة هناك"
ترددت للحظة.
— "ليام"
— "ماذا؟"
— "أنت متأكد؟"
— "من ماذا؟"
— "أنك لا تريدني أن أرحل؟"
نظرت إليها.
— "لو كنت أريدك أن ترحلي، لما طلبت منك المجيء"
سكتت.
ثم ذهبت نحو الغرفة.
وقبل أن تدخل قالت:
— "تصبح على خير"
نظرت إليها.
— "تصبحين على خير يا ميلا"
وأغلقت الباب.
بقيت وحدي في الصالة.
نظرت إلى الدفتر فوق الطاولة.
غدًا ستكمل.
غدًا سأعرف باقي القصة.
لكن السؤال الذي بدأ يزعجني لم يعد:
كيف سأقتلها؟
بل:
كيف وصل شخص إلى مرحلة يتمنى فيها أن ينتهي؟
أطفأت الضوء.
دخلت الغرفة.
وضعت السلاح بعيدًا.
ثم جلست للحظة.
كان هذا غريبًا.
لأول مرة منذ سنوات...
كنت في مكان مع شخص يعرف أنني قاتل.
ولم تهرب.
ولم تصرخ.
فقط طلبت مني شيئًا واحدًا.
أن أسمعها.
أغلقت عيني.
وفي آخر لحظة قبل النوم، جاءني صوتها وهي تقول:
"لا تنظر إليّ كضحية... انظر إليّ كشخص حاول أن يعيش"
ولسبب لم أفهمه...
كانت تلك أول جملة من ميلا لم أستطع نسيانها.
"لا يبدأ سقوط الإنسان عندما يتلقى الضربة الأولى...بل عندما يصدق أن لا أحد سيأتي إذا صرخ."— لياملم تنم ميلا تلك الليلة.ولم أنم أنا أيضًا.لكن الفرق...أنها كانت تهرب من ذكرياتها.أما أنا...فكنت أحاول أن أفهمها.خرجت من الغرفة مع أول خيط من ضوء الصباح.كانت جالسة في المكان نفسه.الدفتر أمامها.وفنجان القهوة الذي أعدته الليلة الماضية ما زال كما هو.باردًا.لم ترفع رأسها عندما سمعت خطواتي.قالت بصوت خافت:— "اليوم لن أقرأ كثيرًا."جلست أمامها.— "لماذا؟"مررت أصابعها على غلاف الدفتر.— "لأن الصفحات التالية..."توقفت.— "لا أحب حتى أن ألمسها."لم أقل شيئًا.دفعت الدفتر نحوي.— "اقرأ أنت."أخذته ببطء.كانت أول مرة تسلمني الدفتر دون أن تفتحه بنفسها.عرفت أن الكلمات أصبحت أثقل من قدرتها على حملها.فتحت الصفحة.كان الخط مختلفًا.مرتبكًا.غير منتظم.وكأن اليد التي كتبته لم تكن ثابتة.بدأت أقرأ."بعد لقائي بإيفان...""اختفى مرة أخرى.""ولم يحاول الاتصال بي.""ولم أر أحدًا من رجاله.""حتى بدأت أقنع نفسي أن الأمر انتهى."توقفت.ابتسمت بسخرية.قلت:— "دائمًا يفعلون ذلك."رفعت ميلا رأسها.— "ما
"هناك أشخاص يطرقون باب حياتك...وهناك أشخاص يقتلعون الباب من مكانه ثم يسألونك لماذا أصبحت تخاف من الأصوات"— لياماستيقظت قبل شروق الشمس.هذه عادتي.القتلة لا ينامون جيدًا.ليس بسبب تأنيب الضمير.ذلك الشعور يموت مبكرًا إذا بقيت طويلًا في هذه المهنة.بل لأنك تتعلم أن النوم الطويل قد يكون آخر شيء تفعله.خرجت من الغرفة.كانت رائحة القهوة تملأ المكان.رفعت حاجبي.— "استيقظتِ مبكرًا"كانت ميلا تقف أمام الموقد.أجابت دون أن تلتفت.— "لم أنم أصلًا"اقتربت.وضعت كوبين على الطاولة.دفعت أحدهما نحوي.— "قهوة سوداء"نظرت إليها.— "كيف عرفتِ أنني أشربها هكذا؟"ابتسمت لأول مرة منذ أيام.— "وجهك يقول إن السكر لا يناسبك"جلست.ارتشفت رشفة صغيرة.— "وجهك يبالغ"ضحكت بخفة.ضحكة قصيرة...لكنها كانت حقيقية.الغريب...أنني لم أعد أستغرب عندما أسمعها تضحك.وهذا أمر سيئ.كلما اعتدت وجود شخص...أصبح فقدانه أسهل في كسر شيء داخلك.ولهذا كنت أتجنب الاعتياد.دائمًا......قالت وهي تقلب صفحات الدفتر:— "اليوم سأخبرك بما حدث بعد ذلك"أشرت إلى الدفتر.— "الجزء الذي قلتِ إنه غيّر كل شيء؟"هزت رأسها.— "نعم"ثم أضاف
"الهروب لا يعني دائمًا أنك ضعيف...أحيانًا تهرب لأنك تعرف أن المعركة غير عادلةلكن يأتي يوم تدرك فيه أن استمرار الهروب سيجعلك تخسر نفسك" — ليامفتحت ميلا الدفتر.لكنها لم تبدأ بالقراءة مباشرة.بقيت تنظر إلى العنوان المكتوب أعلى الصفحة."اليوم الذي قررت فيه ألا أهرب بعد الآن"قلت:— "يبدو أن هذا اليوم كان مختلفًا"ابتسمت ابتسامة خفيفة.— "كان كذلك"— "هل لأنك أصبحت أقوى؟"نظرت إليّ.— "لا"استغربت.— "إذن؟"أغلقت الدفتر للحظة.— "لأنني تعبت"سكتُّ.ثم قلت:— "أحيانًا التعب يجعل الإنسان يتوقف عن الخوف"هزت رأسها.— "بالضبط"...بدأت القراءة."استيقظت في ذلك الصباح وأنا أشعر أن شيئًا تغير""لم أكن شجاعة...""ولم أكن أعرف ماذا سأفعل...""لكنني كنت متأكدة من شيء واحد""أنني لا أريد أن أعيش وأنا أنظر خلفي كل دقيقة"توقفت.نظرت إليها.— "ماذا فعلتِ؟"قالت:— "ذهبت إلى الشرطة"ساد الصمت.رفعت حاجبي.— "بعد كل هذا الوقت؟"هزت رأسها.— "كنت أحتاج أن أحاول"قلت:— "حتى لو كنتِ تعرفين أنهم قد لا يفعلون شيئًا"— "نعم"— "لماذا؟"نظرت إلى الدفتر.— "لأنني
"هناك رجال يظنون أن الرفض مجرد تأخير للموافقة...وهؤلاء أخطر من الذين يهددونك منذ البداية" — ليامأغلقت الدفتر.لم أتحدث.ولم تتحدث ميلا.بقيت الكلمة الأخيرة تدور في رأسي."ولم يكن معتادًا أن يرفضه أحد"نظرت إليها.— "ماذا فعل بعد أن رفضتِ؟"أخذت نفسًا طويلًا.ثم قالت:— "لا شيء..."رفعت حاجبي.— "لا شيء؟"ابتسمت بمرارة.— "في ذلك اليوم"...فتحت الدفتر من جديد."في صباح اليوم التالي، أقنعت نفسي أن الموضوع انتهى...""قلت لنفسي إنه سيشعر بالإحراج، وسينسى الأمر كما ينسى الناس أي موقف عابر""كنت مخطئة..."توقفت عن القراءة.قلت:— "لأنه عاد"هزت رأسها.— "بل لأنه لم يرحل أصلًا"ساد الصمت.قالت:— "عندما وصلت إلى المقهى..."توقفت.— "كانت السيارة السوداء هناك"قلت:— "السيارة نفسها"— "نعم"— "والرجلان؟"— "واقفان في المكان نفسه"وضعت الدفتر على الطاولة.— "لاحظتِ الأمر أخيرًا"ابتسمت.— "بدأت ألاحظ... لكنني لم أفهم"قلت:— "لأنك لم تكوني تعرفين كيف تبدو الحماية الخاصة"استغربت.— "عرفتها أنت مباشرة"ابتسمت ابتسامة خفيفة.— "هذه لي
"الناس يعتقدون أن النجاة تعني أن تخرج من المكان الخطأ...لكنهم ينسون أن المكان قد يخرج معك" — لياماستيقظت قبل شروق الشمس.عادةً لا أنام أكثر من أربع ساعات.ليست عادة صحية...لكنها مناسبة لشخص يعمل في مهنة قد يموت فيها إن نام بعمق.جلست على طرف السرير.نظرت إلى المسدس فوق الطاولة.ابتسمت.الغريب...أنه للمرة الأولى منذ سنوات، لم يكن أول شيء أفكر فيه بعد الاستيقاظ.بل كان سؤالًا آخر.هل نامت ميلا جيدًا؟تنهدت.قلت لنفسي:"ممتاز يا ليام... بدأت تقلق على الشخص الذي كان من المفترض أن تقتله"غسلت وجهي.ثم اتجهت إلى المطبخ.فتحت الثلاجة.أغلقتها.فتحتها مرة ثانية.أغلقتها مرة أخرى.قلت بصوت منخفض:— "واضح أنني أعيش وحدي منذ فترة طويلة"لا يوجد إلا أشياء لا تصلح لأن تُسمى طعامًا.بيض.خبز.قهوة.وزجاجة ماء.وهذا يكفي بالنسبة لي.لكن...يوجد ضيفة في المنزل.وقفت أفكر.ثم هززت رأسي.— "لن تموت إن أكلت بيضًا"بدأت أحضر الفطور.بعد دقائق...سمعت صوت خطوات خفيفة في الممر.لم ألتفت.عرفت أنها هي.قالت بصوت ما زال يحمل أثر النوم:— "صباح الخير"و
"الإنسان يستطيع أن يخفي جرحًا في جسده لسنوات... لكن جرحًا واحدًا في ذاكرته قد يغير طريقة نظره للعالم كله" — ليامفي صباح اليوم التالي...استيقظت قبل أن يرن المنبه.وهذا نادر.عادةً أنا من يقرر متى يبدأ يومي.لكن هذه المرة...كان هناك شيء آخر سبقني.فضول.الكلمة لم تعجبني.الفضول يجعل الإنسان يتدخل في أشياء لا تخصه.وأنا قضيت حياتي أتجنب ذلك.لكن ميلا...كانت استثناءً لم أطلبه.خرجت من غرفتي.وجدتها جالسة في المطبخ.أمامها كوب قهوة.نظرت إليّ.— "صباح الخير"توقفت.لم أتوقعها.— "صباح الخير؟"ابتسمت.— "نعم"— "أنتِ تقولينها وكأننا نعيش حياة طبيعية"نظرت إلى الكوب.— "أحاول"— "لماذا؟"رفعت عينيها.— "لأنني تعبت من أن تكون كل أيامي غير طبيعية"لم أجب.جلست.كان الدفتر بجانبي.نظرت إليه.ثم إليها.— "سنكمل؟"هزت رأسها.— "إذا كنت تريد"فتحت الصفحة التالية."لم أكره الميتم في البداية"قرأت الجملة بصوت منخفض.نظرت إليها.— "لم تكرهيه؟"هزت رأسها.— "لا"— "لماذا؟"ابتسمت بحزن.— "لأن الطفل لا يعرف دائمًا أن المكان سيئ"— "ماذا







