LOGINتجمدت سرين مكانها لحظة واحدة فقط، ثم تحرك جسدها قبل أن يلحقه عقلها. التفتت نحو الممر المؤدي إلى الحديقة الخلفية، وسمعت الصوت مرة ثالثة، أقرب وأوضح، كأن شيئًا صلبًا ارتطم بالزجاج أو أُلقي عليه من الخارج. لم يكن مجرد تحذير هذه المرة. كان اختبارًا للحدود.
"ابقَي هنا." خرج صوتها منخفضًا وحادًا. لكن سديم نهضت فورًا من مكانها، وجهها شاحب، وعيناها واسعتان بطريقة موجعة. "لا تتركيني وحدي." التفتت سرين إليها بسرعة. كانت الكلمات بسيطة، لكنها أصابت مكانًا هشًا داخلها. ومع ذلك، لم تسمح لنفسها بالتوقف عندها. اتجهت إلى الخزانة الصغيرة قرب الممر، أخرجت منها المصباح المعدني الثقيل الذي تحتفظ به للطوارئ، ثم أخذت هاتفها معها وفتحت الكاميرات الخارجية. ظهر الجزء الخلفي من المنزل مظلمًا أكثر من الواجهة، والأشجار الممتدة قرب السور كانت تتحرك بخفة مع الهواء. لم تستطع أن ترى أحدًا، لكن التشقق الواضح في الزجاج الجانبي قرب الباب الخلفي كان كافيًا لرفع نبضها أكثر. اقتربت سديم من ظهرها حتى شعرت سرين بأنفاسها المرتجفة خلف ذراعها. "هل رأيتِ من فعلها؟" هزت الطفلة رأسها نفيًا، ثم همست: "هم لا يحبون أن أنتظر طويلًا." التفتت إليها بسرعه. "ماذا تقصدين؟" "عندما يقررون شيئًا... يأتون." ضغطت سرين على فكها. لم يعد هناك مجال للتردد. اتصلت بالشرطة أخيرًا، وأبلغت عن محاولة اقتحام ووجود طفلة معها مهددة من أشخاص مجهولين. طلبوا منها أن تبقى داخل المنزل وألا تفتح لأي أحد حتى تصل الدورية. أغلقت المكالمة، ثم أقفلت الباب الخلفي مرة أخرى رغم أنه كان مغلقًا أصلًا، كأن الحركة وحدها ستزيد الحماية. "سيأتون؟" سألتها سديم بصوت خافت. "نعم." "قبلهم أم بعدهم؟" نظرت إليها سرين لثانية. "لا أحد سيدخل." لم تبدُ الطفلة مقتنعة تمامًا، لكنها صمتت. كانت ترتجف رغم البطانية التي تلفها. أشارت سرين إلى الأريكة الأقرب للممر حتى تراقب الباب الخلفي والصالة معًا. "اجلسي هنا." جلست سديم، لكنها لم تتوقف عن النظر إلى الظلام البعيد خلف الزجاج. كانت كل عضلة فيها مشدودة كأنها مستعدة للهرب في أية لحظة. مرّت دقيقة. دقيقتان. بدا الوقت أكثر كثافة من المعتاد، وكل صوت بسيط داخل البيت أخذ حجمًا أكبر من حجمه الحقيقي. اهتزاز الثلاجة. حركة الستارة مع المكيف. صوت أنفاسهما. ثم، وسط هذا الترقب، لاحظت سرين شيئًا قرب قدمي سديم. كانت هناك حقيبة صغيرة لم تنتبه إليها من قبل. حقيبة قماشية قديمة، بلون بني باهت، موضوعة إلى جانب الأريكة، نصف مخفية تحت البطانية. صغيرة بما يكفي لتحملها طفلة، لكنها ليست لعبة. تبدو وكأنها شيء احتفظ به أحدهم طويلًا. ثبتت نظرها عليها. "ما هذه؟" اتبعت سديم نظرتها، ثم نظرت إلى الحقيبة كما لو أنها نسيتها مؤقتًا. "حقيبتي." شعرت سرين بوخزة توتر جديدة. منذ دخولها البيت، لم تر معها سوى الدبوس الذي أخرجته من جيب سترتها. كيف لم تنتبه إلى الحقيبة؟ هل كانت معها من البداية؟ هل أسقطتها قرب الأريكة حين دخلت؟ أم أن ارتباكها منعها من ملاحظتها فقط؟ مدت يدها نحوها، لكن سديم أمسكت بها بسرعة. لم تكن حركة عنيفة، بل غريزية، دفاعية. "لا." رفعت سرين عينيها إليها. "لماذا؟" "لأنها لي." "وأنا أريد أن أعرف ما فيها." "لا." اشتد صوتها قليلًا، فشدت الصغيرة الحقيبة إلى حضنها كأنها تحمي شيئًا حيًا. أخذت سرين نفسًا طويلًا. أي شيء تملكه هذه الطفلة صار يعني شيئًا الآن. لا يمكنها أن تتجاهله. "سديم، اسمعيني. هناك شخص حاول كسر زجاج منزلي قبل دقيقة. وهناك أشخاص يرسلون لي تهديدات. وكل شيء معكِ مهم. الحقيبة أيضًا." كانت الصغيرة ما تزال تشدها إلى صدرها. "إنهم يريدونها." تجمدت سرين. "من؟" "هم." "وماذا فيها؟" خفضت سديم عينيها. "أشياء." كادت سرين تنفجر من الجواب. لكنها تماسكت هذه المرة. جلست أمامها على ركبتيها حتى صار مستواهما متقاربًا، وخففت نبرة صوتها قدر الإمكان. "أريد فقط أن أرى. لن آخذها منكِ. لكن إذا كان هناك شيء فيها يخص ما يحدث، يجب أن أعرف." ظلت الطفلة تنظر إلى الحقيبة، ثم إليها، ثم إلى الحقيبة من جديد. كان الصراع واضحًا على وجهها: خوف من تسليمها، وحاجة إلى أن تفهم سرين. "هي لكِ أيضًا." قالتها أخيرًا. شعرت سرين بأن شيئًا توقف داخلها. "ماذا؟" رفعت سديم رأسها ببطء. "بعضها لك." مدت الصغيرة الحقيبة نحوها أخيرًا، لكن ليس بثقة. كانت حركة مترددة، مؤلمة، كأنها تسلم جزءًا من شيء عاشت تحرسه وحدها. أخذتها سرين بحذر. كانت أخف مما توقعت، لكنها ليست فارغة. وضعتها على الطاولة أمامها، ونظرت إلى سديم للحظة قبل أن تفتحها. كانت الطفلة تتابع كل حركة وكأنها تخشى ما سيخرج بقدر ما تنتظره. فكت السحاب الباهت ببطء. في الداخل، لم يكن هناك الكثير. منديل مطوي، علبة معدنية صغيرة مخدوشة الأطراف، صورة قديمة ممزقة من المنتصف تقريبًا، وقطعة قماش ملفوفة بعناية شديدة. شعرت سرين بأن قلبها عاد يضرب بعنف. أول ما التقطته كان الصورة. كانت قديمة فعلًا، مطبوعة على ورق مصفر قليلًا من الزمن. الحواف مهترئة، والمنتصف ممزق بشكل واضح، كأن أحدهم حاول فصل شخصين عن بعضهما أو انتزاع جزء منها بسرعة. على النصف الموجود، ظهرت شابة تقف بزاوية جانبية، لا يُرى وجهها كاملًا، لكن الملامح المتبقية كانت كافية لتجعل أصابع سرين تبرد. كانت هي. أصغر عمرًا بكثير، ربما في بداية العشرينات. شعرها أطول، وابتسامتها أخف، غير محروسة مثل الآن. لم تستطع أن تحدد مكان الصورة فورًا، لكن الخلفية بدت كحديقة منزل قديم أو فناء داخلي. ما جعل الدم ينسحب من وجهها ليس فقط أنها رأت نفسها، بل أن يدها في الصورة كانت ممدودة نحو شيء أو شخص لم يعد موجودًا. الجزء الآخر من الصورة ممزق بالكامل، كأن من كان يقف معها أُزيل عمدًا. رفعت الصورة أقرب إلى الضوء. "من أين حصلتِ على هذه؟" كانت عينا سديم معلقتين بالصورة. "كانت عندي." "أعرف أنها كانت عندك. من أعطاك إياها؟" ترددت الصغيرة. "وجدتها." "أين؟" "في الحقيبة." أغمضت سرين عينيها لثانية. كل جواب يفتح سؤالين. قلبت الصورة إلى الخلف. هناك، على ظهرها، بخط باهت جدًا كاد أن يختفي، كلمات ناقصة بفعل الزمن والتمزق: ...لا تنسي الوعد ثم حرف أول من اسم لم يبقَ منه شيء واضح. ارتعشت أناملها. "هل رأيتِ الجزء الآخر منها؟" هزت سديم رأسها نفيًا. "لم يكن موجودًا." ظلت سرين تحدق في الصورة. كانت تعرف وجهها، لكنها لا تتذكر يوم التقاطها. لا تتذكر الملابس، ولا الحديقة، ولا اليد الأخرى التي كانت تتجه إليها. حاولت أن تستخرج شيئًا من الذاكرة، أي شيء، لكن ما عاد إليها كان مجرد إحساس غامض بدفء قديم... ثم فراغ. وضعت الصورة ببطء على الطاولة، ثم مدت يدها إلى قطعة القماش الملفوفة. "ما هذه؟" بدت سديم أكثر توترًا. "كانت أيضًا في الحقيبة." فكت سرين القماش بعناية. ما إن ظهرت الطبقة الأولى حتى شعرت بشيء يشبه الصدمة الصغيرة في أطرافها. لم تكن قطعة عادية. كانت جزءًا من شال حريري قديم، بلون عاجي باهت، مطرّز بخيط أزرق رفيع على الحافة. تعرفه. لا تعرفه فقط، بل تشعر بملمسه في أصابعها قبل أن تلمسه كاملًا. فتحته أكثر. اختنق نفسُها. هذا ليس شالًا كاملًا. بل قطعة مقصوصة من طرفه. وهي تعرف بالضبط من أين. ارتفع بصرها ببطء، كأن الغرفة لم تعد ثابتة حولها. في خزانتها، في الدرج السفلي الذي نادرًا ما تفتحه، تحتفظ بصندوق صغير فيه أشياء من سنوات بعيدة لا تحب لمسها كثيرًا. داخل ذلك الصندوق شال حريري قديم كانت تملكه فعلًا. طرفه مقصوص من جهة واحدة بخط غير منتظم. تذكرت هذا التفصيل فجأة وبوضوح مؤذٍ، لأنها لطالما استغربت كيف تمزق ذلك الطرف أصلًا. وضعت القماش على الطاولة كأنّه قد يحرقها. نهضت بسرعة، وتركت سديم تحدق فيها بحيرة، ثم اتجهت مباشرة إلى الدرج في الممر الداخلي المؤدي إلى غرفتها. فتحت الدرج السفلي بعنف لم تعتده من نفسها، وأخرجت الصندوق. كان هناك تحت بعض الأوراق القديمة. حملته وعادت إلى الصالة، قلبها يطرق صدرها كالمطرقة. جلست على الأرض هذه المرة، وفتحت الصندوق أمام الطفلة. أزاحت بطاقة قديمة، وسوارًا مكسورًا، ثم أخرجت الشال الحريري. كانت يداها ترتجفان بوضوح وهي تفرده. الطرف الممزق. مدت يدها إلى القطعة الموجودة على الطاولة، وقارنتها بالشال. تطابق تام. نفس اللون. نفس التطريز الأزرق. نفس شكل القطع غير المنتظم. شعرت وكأن أحدًا سحب الأرض من تحتها. "هذا..." خرج صوتها ضعيفًا. "هذا كان عندي." نظرت سديم إلى الشال، ثم إلى القطعة الصغيرة، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة أصلًا. "قلت لك." رفعت سرين رأسها إليها ببطء. لم تستطع الرد فورًا. كانت تحاول أن تفهم كيف لجزء من شال محفوظ داخل بيتها أن يوجد مع طفلة غريبة في حقيبة قديمة. "هل فتح أحد هذه الحقيبة أمامك؟" "لا." "هل كنت تعلمين ما فيها؟" "بعضه." "من أخبرك أن هذه لي؟" "عرفت." أرادت أن ترفض الجواب مجددًا، أن تصرخ، أن تقول إن المعرفة لا تأتي بهذا الشكل، لكن شيئًا فيها لم يعد يملك القوة الكافية للإنكار بالطريقة نفسها. مدت يدها إلى العلبة المعدنية الصغيرة. كانت قديمة أيضًا، غطاؤها مخدوش وبه أثر صدأ خفيف. فتحتها بحذر. في الداخل وجدت خرزة زرقاء، سنّ مشط صغير مكسور، وربطة شعر قديمة، ثم ورقة مطوية مرات كثيرة حتى كادت تتآكل من الثني. توقفت يدها عند الورقة. "ما هذه؟" "لا أعرف." قالت سديم، لكن عينيها كانتا تقولان إنها كانت تخشاها. فتحت سرين الورقة ببطء شديد. كان الخط غير واضح في البداية بسبب الاهتراء، لكنها استطاعت تمييز بعض الكلمات. رسالة قصيرة. ليست مكتملة، وبعض الأطراف ممزقة، لكن السطور الأساسية باقية: إذا حدث لي شيء... خذيها ولا تسمحي لهم أن... ...قولي لها إنني لم أتركها... ...الشال معها، والصورة أيضًا... ...لا تثقي ب... توقف السطر الأخير عند نصف حرف. لكن ما جعل يديها تفقدان الإحساس للحظة هو الخط نفسه. لم تكن متأكدة بالكامل، لكنها تعرف انحناءة الحروف هذه. تعرف الطريقة التي يبدأ بها حرف السين، والطريقة التي ينتهي بها حرف النون في آخر الكلمات. يشبه خطها القديم. أو ربما خط امرأة كانت قريبة جدًا منها. رفعت الورقة نحو الضوء، كما لو أن وضوحها قد يزيد إذا اقتربت من المصباح. لم يفعل. "هل قرأتِ هذا من قبل؟" هزت سديم رأسها. "لا أقرأ كل الكلمات." "من كان يلمس هذه الأشياء؟" "أنا فقط... أحيانًا." "هل رآها أحد معك؟" ترددت ثم قالت: "مرة." شعرت سرين بالتوتر يعود دفعة واحدة. "من؟" خفضت سديم رأسها. "هو." "الرجل؟" أومأت. "وماذا فعل؟" "غضب." "لماذا؟" "قال إن هذه لا يجب أن تبقى." شدت سرين الورقة بين أصابعها. "إذًا لماذا أبقيتِها؟" رفعت الطفلة عينيها إليها، وفيهما ذلك اليقين الحزين ذاته. "لأنها طريقك." توقفت أنفاس سرين لحظة. "طريقي إلى ماذا؟" "إليّ." ساد الصمت. كانت الشرطة لم تصل بعد، والرجل لم يعد يطرق، والبيت كله صار وكأنه يراقبهما. نظرت إلى الأشياء أمامها مرة أخرى: الصورة الممزقة، قطعة الشال، الدبوس، الورقة، الخرزة الصغيرة. كلها تبدو تافهة إذا نظر إليها شخص من الخارج. لكنها بالنسبة لها لم تعد مجرد أشياء. كانت شظايا حياة تعرفها ولا تتذكرها، أو تظن أنها لا تتذكرها. "متى وجدتِ الحقيبة؟" سألتها وهي لا تزال تحدق في الورقة. "منذ وقت." "أين؟" "فوق الخزانة." "أي خزانة؟" "في الغرفة." "أي غرفة يا سديم؟" "التي كنت أنام فيها." "عند هالة؟" هزت رأسها ببطء. "قبل هالة." رفعت سرين عينيها بسرعة. "أين قبل هالة؟" تجعد جبين الطفلة وهي تحاول التذكر. "كان بيتًا كبيرًا... لكن ليس كبيرًا من الخارج. فيه رائحة دواء أحيانًا." شعرت سرين بقلبها يضرب بقوة جديدة. "مستشفى؟" "لا أعرف." "هل كان هناك أطفال آخرون؟" ترددت. "أحيانًا أسمع أصواتهم." "لكن هل رأيتهم؟" "ليس دائمًا." اقتربت سرين قليلًا. "ومن كان يعيش هناك؟" "المرأة. والرجل أحيانًا. وآخرون يأتون ويذهبون." "والمرأة... هل كانت كبيرة في السن؟" أومأت سديم. "هل كانت أنيقة دائمًا؟" لم تجب. "هل كانت تتكلم بهدوء مخيف؟" رفعت الطفلة عينيها، وفيهما دهشة خفيفة من دقة السؤال. "نعم." انقبضت أصابع سرين على طرف الشال. "هل رأيتِها تحمل هذه الحقيبة؟" "مرة." "وماذا قالت عنها؟" "قالت إنها يجب أن تُحرق." سقطت الكلمات بينهما ببطء قاتل. "لكنها لم تحرقها؟" "لا." "لماذا؟" "لأنها نسيتها." هنا فقط فهمت سرين لماذا بدت الحقيبة قديمة ومخفية. لم تكن شيئًا يُستخدم. كانت شيئًا أُخفي، ثم نُسي، ثم وُجد بالصدفة من عين صغيرة لم تكن تعرف أنها تمسك مفتاحًا. أخذت الصورة مرة أخرى. قرّبتها من وجهها، حدقت في الجزء الممزق حيث كانت يدها تمتد خارج الإطار. تخيلت للحظة أن هناك طفلًا في الجهة الأخرى. أو رجلًا. أو امرأة. أو مهدًا. أي شيء. لكن خيالها لم يعطها سوى غبش مؤلم. "هل رأيتِ أحدًا في الصورة قبل أن تتمزق؟" سألتها دون أن ترفع عينيها. "لا." "هل كانت ممزقة عندما وجدتها؟" "نعم." وضعت الصورة ببطء. ثم نظرت إلى الشال. "وهذا... هل كنتِ تستعملينه؟" هزت سديم رأسها. "كنت أنام وهو معي." رفعت سرين رأسها بحدة. "لماذا؟" قالت الصغيرة بصوت بالكاد يسمع: "لأنه كان يشبهك." شعرت سرين بالدوار للحظة. لم تكن مستعدة لهذه الجملة. ليست الأشياء فقط من تربطهما، بل الطريقة التي عاشت بها هذه الطفلة معها في الغياب. من خلال بقايا. من خلال ملمس شال وصورة ممزقة واسم ممنوع. مدت يدها إلى الطفلة دون وعي، ثم توقفت قبل أن تلمسها. لكن سديم هي من أغلقت المسافة هذه المرة. تقدمت خطوة صغيرة وجلست على الأرض أمام الطاولة، قريبة من الأشياء كأنها جزء منها. "كنت أعرف أنكِ ستعرفين." نظرت سرين إليها، متعبة، مشدودة، وعاجزة عن الرد بالطريقة التي كانت تفعل قبل ساعة. لم يعد عندها يقين صلب تقذفه في وجهها. "لا أعرف شيئًا بعد." "لكن قلبك يعرف." أغمضت عينيها للحظة. هي تكره هذه الجملة. وتكره أكثر أنها لم تعد قادرة على إنكارها كما يجب. فجأة، التقطت شيئًا آخر في الحقيبة لم تنتبه له أولًا. جيب داخلي صغير. أدخلت إصبعها فيه، وأخرجت منه مفتاحًا قديمًا جدًا، قصيرًا، من النوع الذي يُستخدم لأدراج أو صناديق معدنية قديمة. علقت أنفاسها. "هل رأيتِ هذا؟" "لا." قلبته بين أصابعها. لم يكن عليه أي علامة واضحة، سوى رقم صغير محفور بصعوبة على الرأس المعدني: 17. قبل أن تقول شيئًا، سمعت صوت سيارة يتوقف أمام المنزل. نهضت فورًا، شدّت الستارة قليلاً، فرأت أضواء الدورية. وصلت الشرطة أخيرًا. ارتاحت قليلًا، لكن الارتياح لم يكتمل. فلو كانت ستفتح لهم الباب الآن، ستحتاج إلى أن تشرح. ماذا ستقول؟ طفلة جاءت ومعها حقيبة فيها أشياء تخصني ولا أعرف كيف؟ رجل هددني باسمي القديم؟ رسالة تقول لا تسمحي لهم أن...؟ حتى هي لا تصدق ما يحدث كاملًا، فكيف سيصدقون؟ التفتت إلى سديم. "سيأتون إلى هنا الآن. أريدك أن لا تقولي شيئًا ناقصًا." نظرت الطفلة إلى الباب الأمامي ثم عادت إليها. "هل سيأخذونني؟" سألتها الكلمة ذاتها التي كانت تخشاها منذ البداية، لكن هذه المرة لم تستطع سرين أن تعطي جوابًا سريعًا. "لا أعرف." انطفأت عينا سديم قليلًا. ورأت سرين ذلك الانطفاء بوضوح. في اللحظة نفسها، رن هاتفها مجددًا. نظرت إلى الشاشة. ليست رسالة. بل صورة مرسلة من الرقم نفسه. فتحتها. وتوقف كل شيء داخلها. كانت صورة حديثة التُقطت من خارج منزلها، من زاوية لا تصل إليها كاميراتها. تُظهر الواجهة الأمامية بوضوح... وتُظهرها هي من خلف الزجاج، واقفة مع سديم قبل دقائق. وتحت الصورة جملة واحدة: إذا سلّمتِ الحقيبة لهم، فلن تعرفي أبدًا من مزّق الصورة... ولا أين بقي نصفها الآخر.مرّت الأيام التالية بهدوء لم يكن هدوءًا كاملًا، لكنه لم يعد الهدوء المخادع الذي يسبق الانفجار.كان هدوءًا مصنوعًا بيدين متعبتين، يومًا بعد يوم، كما تُخاط قطعة قماش ممزقة بخيط دقيق لا يحتمل العجلة.البيت تغيّر فعلًا.لم يعد مجرد مكان تنام فيه سرين وتعمل فيه وتغلق أبوابه على تعبها. صار بيتًا يعرف أن فيه طفلة تستيقظ أحيانًا قبل الفجر لتتأكد أن الضوء موجود، وأن أمها لا تزال هنا، وأن باب الغرفة نصف مفتوح كما اتفقتا. صار فيه كوب صغير بلون أزرق على الرف الثاني، ومشبك شعر على طرف المغسلة، ودفاتر رسم فوق الرف الأبيض، وصندوق أسرار خشبي لا تفتحه سرين أبدًا إلا إذا طلبت منها سديم بنفسها.صار فيه ضحكة خفيفة تمر أحيانًا في الممر، وسؤال عن الفطور، واعتراض على لون الجوارب، وطلب للنوم قرب أمها في الليالي التي يثقل فيها الحلم.أما القضايا، فقد بدأت تتحرك على طريقتها الباردة.رائد كان يرسل التحديثات بوضوح لا يعرف الزخرفة.الاستدعاءات خرجت.النسخ ثبتت.بعض الأسماء بدأت تتعرق تحت الضوء.كمال رضوان لم يعد مجرد ظل.سلوى صارت أكثر حذرًا من أن تختفي
جاء القرار في صباح هادئ على نحو لا يليق بوزنه.استيقظت سرين قبل الجميع، كالعادة التي بدأت تتشكل فيها منذ دخلت سديم حياتها لا كطارئة، بل كقلب جديد يفرض على الوقت نفسه ترتيبًا آخر. نهضت من السرير بهدوء، ومرّت أولًا على غرفة ابنتها. توقفت عند الباب المفتوح نصف فتحة، ونظرت.كانت سديم نائمة على جانبها، يدها تحت الوسادة، وخصلة من شعرها على وجهها، ومصباح القمر مطفأ للمرة الأولى منذ دخل الغرفة لأن الطفلة نفسها قالت قبل النوم: "اليوم ما أبغاه."هذه التفاصيل الصغيرة كانت تعني لسرين أكثر مما يجب.الطفلة التي كانت تخاف الضوء والظلمة معًا، بدأت تجرّب أن تختار.وهذا بحد ذاته شفاء صغير.دخلت بخفة، أبعدت الخصلة عن جبينها، وبقيت ثواني تنظر إليها.كانت تعرف أن هذا اليوم مختلف.ليس لأن القانون يتحرك فقط.ولا لأن نوال سقطت.ولا لأن اعتذار فارس ما يزال يتردد في البيت.بل لأن هناك شيئًا يجب أن يُحسم منها، هي هذه المرة، لا كردّ فعل، بل كاختيار.خرجت إلى المطبخ.أعدّت القهوة.جلست عند الطاولة، وفتحت الحاسوب.كانت الرسائل كثيرة:
لم تنم سرين بعد خروج فارس من الغرفة.بقيت واقفة أمام النافذة، كما لو أن جسدها نسي كيف يعود إلى الراحة بعد كل ما سمعه في تلك الليلة. في الزجاج، رأت انعكاسها باهتًا ومكسور الحواف: امرأة مرهقة، عينان حمراوان، شعر لم تعد تهتم بترتيبه، ووجه لا يعرف هل هو وجه أم، أم ابنة، أم امرأة تُدفن وتُبعث في الأسبوع نفسه أكثر من مرة.في الداخل، كان البيت ساكنًا.سديم نائمة أخيرًا.وفارس في الغرفة البعيدة أو عند باب البيت، لا تعرف ولا تريد أن تعرف بالضبط.والصمت بين الجدران لم يعد صمتًا مريحًا، لكنه لم يكن عدائيًا أيضًا. كان أقرب إلى تلك اللحظة التي تأتي بعد الجراحة: النزف خفّ، لكن الجسد لم يصدّق بعد أنه نجا.وضعت يدها على زجاج النافذة.كان باردًا.وبرودة الزجاج ذكرتها بشيء بسيط ومرعب في الوقت نفسه:كل ما حدث بينها وبين فارس لم يعد يمكن اختصاره إلى سؤال واحد.هل أحبها؟نعم.هل خذلها؟نعم.هل بحث؟نعم.هل تأخر؟نعم.هل اعتذاره صادق؟نعم.هل يكفي؟لا.وهذا هو أصعب نوع من الحقائق.لو كان رجلًا
في صباح اليوم التالي، استيقظت سرين قبل سديم بوقت طويل.لم يكن السبب صوتًا ولا كابوسًا هذه المرة، بل شعور داخلي واضح بأن شيئًا في البيت نفسه لم يعد يحتمل التأجيل. بقيت دقائق تنظر إلى السقف، والضوء الباهت يتسرب من أطراف الستارة، ثم التفتت إلى الجهة الأخرى من السرير الصغير الذي نامت قربه فيه ابنتها. كانت سديم ملتفة على جانبها، يدها تحت خدها، ملامحها أهدأ من الليالي السابقة، لكن في وجهها ما يزال ذلك التعب الذي لا يليق بعمرها.مدّت سرين يدها بخفة، أبعدت خصلة شعر عن جبينها، ثم جلست ببطء حتى لا توقظها. نظرت حول الغرفة. ما تزال هذه ليست غرفة طفلة. السرير مؤقت. الخزانة فارغة إلا من أشياء اشتريت بسرعة. الكتب لا تخصها. الجدران محايدة. لا أثر هنا لحياة بدأت. فقط أثر لحياة أُدخلت على عجل.وهنا فهمت شيئًا بسيطًا، لكنه حاسم:سديم لم تعد تحتاج فقط إلى حماية من الذين خطفوا عمرها.تحتاج مكانًا.مكانًا لا يبدو فيه وجودها استعارة.لا سرير ضيف.لا فرشاة مؤقتة.لا ملابس اشتريت من باب الإسعاف.بل مساحة تقول لها: أنتِ هنا، لا زائرة.نهضت
لم تدخل سرين إلى غرفتها تلك الليلة.بعد حديثها مع جلال، وبعد أن عرفت أن صمت الأب له صوت حين يتأخر بما يكفي، لم تعد ترغب في أي مكان مغلق يطلب منها أن تواجه نفسها وحيدة. بقيت قرب غرفة سديم، والباب نصف مفتوح، كما صار عادة بينهما منذ عادت الطفلة من هربها. كانت تجلس على الأريكة الصغيرة في الممر، كوب شاي بارد قربها، والهاتف مقلوبًا على الطاولة، والملفات بعيدة لأول مرة عن يدها، كأنها لم تعد تحتمل أن تلمس ورقًا أكثر مما لمست وجعًا هذا اليوم.في البيت هدوء متعب.ديمة غادرت قبل ساعة بعد أن تأكدت أن سرين لن تنهار وحدها.رائد أرسل رسالة مقتضبة: غدًا نبدأ باستدعاءات إضافية. نامي إن استطعتِ.أما فارس، فما تزال تعرف أنه في الصالة البعيدة، أو قرب الباب، أو في المسافة التي لا تراه فيها عينها مباشرة لكنها تشعر بها كما تشعر بجرح لم يلتئم تحت الملابس.كانت تفكر في جملة جلال الأخيرة، وفي اعتذاره، وفي أنها لم تستطع أن تعطيه صفحًا، ولا رفضًا كاملًا، فقط تركته يذهب ومعه ثقله. ثم جاءها سؤال أقسى:هل الاعتذار يكفي أصلًا عند الرجال الذين أحبّتهم؟هل يكفي أن يقولو
لم يكن خروج سرين من مكتب رائد يشبه أي خروج آخر عرفته في حياتها.لم تشعر أنها ربحت.ولا أنها هدأت.ولا حتى أنها انتقمت.فقط شعرت بتعب ثقيل جدًا، وتيبس غريب في الداخل، كأن روحها ظلت واقفة ساعات طويلة في مكان بارد ثم قيل لها: الآن تحركي.نوال سقطت. نعم.لكن سقوطها لم يردّ السنوات، ولم يُلغِ الطفلة التي بكت، ولم يُصلح فارس، ولم يُمحِ الأخ الذي كان ينتظر الوصاية، ولم يُرجع إلى قلبها بساطة الأشياء.كل ما فعله أنه كشف حجم الخراب على حقيقته.كانت ديمة بجانبها في الممر، صامتة هذه المرة، تدرك أن بعض المسافات لا تُملأ بالمواساة.أما فارس، فخرج بعد دقائق، لا قريبًا بما يكفي ليسألها إن كانت بخير، ولا بعيدًا بما يكفي ليبدو خارج المشهد. صار وجوده حولها يشبه جرحًا يمشي. تتعود عليه العين من دون أن يخف وجعه."أرجع البيت."قالتها سرين أخيرًا.أومأت ديمة."أنا أوصلك."هزّت رأسها نفيًا."أريد أمشي شوي."نظرت إليها ديمة لحظة، ثم لم تجادل."أنا أسبقكِ إلى البيت إذا تغير رأيك."أوم
بقيت الصورة معلقة على شاشة هاتفها حتى شعرت سرين أن أصابعها فقدت حرارتها.لم يكن هناك مجال للشك في ما تراه. كانت هي. وجهها الشاحب، شعرها المبعثر على الوسادة البيضاء، الذراعان المرتخيتان، والرجل الذي لا يظهر منه شيء في الإطار سوى طرف يد تحاول تعديل القماش حول الرضيع. وذاك القماش... قطعة من الشال نفسه
بقيت الصورة على شاشة الهاتف كأنها مسمار دخل في صدرها.الواجهة الأمامية لمنزلها واضحة. الستارة نصف مفتوحة. انعكاس الضوء الداخلي على الزجاج. هي نفسها واقفة في الداخل، وسديم قريبة منها. الزاوية لا يمكن أن تكون من كاميرات البيت. ولا من الشارع مباشرة. كان المصور قريبًا بما يكفي ليراهما، وبعيدًا بما يكفي
ظلت الرسالة مفتوحة أمام عينيها لثوانٍ طويلة، حتى بدأت الحروف تفقد شكلها الطبيعي.أعيديها الآن يا سيرو... قبل أن نأخذ منك أكثر مما أخذناه سابقًا.شعرت سرين بأن شيئًا انكسر داخل صدرها، لا بصوت عالٍ، بل بصمت حاد.يديها لم تعودا ثابتتين، والدبوس المعدني ما زال بين أصابعها، باردًا، قديمًا، وكأنه خرج من
ظلت سرين واقفة في مكانها لثانية بدت أطول من الليل نفسه. الطرقات على الباب لم تتوقف، وكل ضربة كانت تدخل مباشرة في أعصابها، لكن الشيء الذي جمّدها حقًا لم يكن الصوت في الخارج... بل الرعب الواضح في عيني سديم. لم يكن خوف طفلة من رجل غريب يطرق بابًا بقوة. كان خوف من يعرف هذا الصوت جيدًا. "من هذا؟" سألت







