共有

الفصل 5: أول شرخ

作者: H.E.D
last update 公開日: 2026-04-25 21:37:03

بقيت الصورة على شاشة الهاتف كأنها مسمار دخل في صدرها.

الواجهة الأمامية لمنزلها واضحة. الستارة نصف مفتوحة. انعكاس الضوء الداخلي على الزجاج. هي نفسها واقفة في الداخل، وسديم قريبة منها. الزاوية لا يمكن أن تكون من كاميرات البيت. ولا من الشارع مباشرة. كان المصور قريبًا بما يكفي ليراهما، وبعيدًا بما يكفي ليبقى خارج انتباهها.

رفعت رأسها ببطء نحو النافذة، وشعرت لأول مرة أن البيت الذي احتمت به طوال السنوات الماضية لم يعد بيتًا، بل صندوقًا زجاجيًا يراقبه أحد من الخارج.

دقت الشرطة الباب للمرة الأولى.

قفزت سديم قليلًا، واتجهت عيناها فورًا إلى الحقيبة فوق الطاولة. التقطت سرين النظرة. نظرة طفل يعرف أن شيئًا واحدًا قد يضيع منه، فيضيع معه كل شيء.

دق الباب مرة ثانية، أقوى هذه المرة.

أغلقت الصورة على الفور، ثم فتحت الكاميرا الأمامية لترى الواجهة. الدورية موجودة فعلًا، وشرطيان يقفان عند البوابة. أخذت نفسًا طويلًا، ثم التفتت إلى سديم.

"اسمعيني جيدًا. لن أذكر الحقيبة الآن."

رفعت الصغيرة رأسها بسرعة، وظهر في عينيها شيء يشبه الرجاء الخجول.

"لكن إن سألوا، ستقولين الحقيقة فقط. لا مزيد من الألغاز. هل فهمتِ؟"

أومأت بصمت.

حملت سرين الهاتف في يد، والمصباح المعدني في اليد الأخرى، ثم مشت إلى الباب الأمامي. فتحت القفل ببطء، وبقيت يدها عليه لحظة قبل أن تفتحه. ما إن انكشف الباب حتى دخل هواء الليل من جديد، ومعه وجهان متعبان لشرطيين أنهكتهما نوبات السهر.

"أنتِ صاحبة البلاغ؟"

"نعم."

"وصلنا بلاغًا عن محاولة اقتحام ووجود طفلة. هل أنتِ بخير؟"

"أنا بخير. الزجاج الخلفي تعرض لضربة قوية، وكان هناك رجل عند الباب الأمامي قبل قليل. وغادر قبل أن أصل إلى الكاميرا."

نظر أحدهما فوق كتفها إلى الداخل.

"والطفلة؟"

التفتت سرين قليلًا لتفسح لهما الرؤية. كانت سديم جالسة على الأريكة، البطانية حولها، وجهها شاحب جدًا، لكنها لم تبدُ منهارة. فقط متحفزة.

دخل الشرطيان بعد إذنها، وتوجها أولًا إلى الزجاج الخلفي. التقط أحدهما صورًا، ثم عاد إلى الصالة وسألها عن أوصاف الرجل. أعطته قدر ما استطاعت: صوت خشن، نبرة واثقة، يعرف اسمها. لم تذكر الرسائل. لم تذكر الحقيبة. لم تذكر الاسم القديم. لم تستطع. ليس بعد.

اقترب الشرطي الآخر من سديم وانخفض قليلًا حتى لا يبدو مخيفًا.

"ما اسمك يا صغيرة؟"

"سديم."

"هل تعرفين اسم عائلتك؟"

هزت رأسها.

"وأين أهلك؟"

نظرت إلى سرين قبل أن تجيب. كان في تلك النظرة شيء جعل الشرطي يلاحظها أيضًا. ابتسم ابتسامة مهنية وقال بلطف:

"لا بأس. فقط نريد أن نساعدك."

همست سديم:

"لا أعرف."

سألها عن المدرسة، عن المنطقة، عن أسماء الأقارب. جاءت إجاباتها قليلة، مترددة، ناقصة، كما فعلت مع سرين. نظرت الشرطة إلى بعضها بنظرة سريعة فهمتها سرين جيدًا: طفلة مجهولة الهوية، قصة غير مستقرة، حاجة إلى تحويلها فورًا إلى جهة مختصة.

"سنحتاج إلى اتخاذ إجراء وقائي." قال الشرطي الأكبر سنًا وهو يقف. "قد ننقل الطفلة إلى حماية الأسرة الليلة مؤقتًا، إلى أن نتحقق من بياناتها."

انقبض جسد سديم بالكامل. لم تبكِ، لكن عينيها ثبتتا على سرين مباشرة. كانت النظرة صامتة، لكنها قالت كل شيء: لا تتركيهم يأخذونني.

شعرت سرين بالارتباك يضربها من الداخل. هذا هو الإجراء المنطقي. هذا ما يجب أن يحدث. لكن الرسالة الأخيرة ما زالت مشتعلة في هاتفها. إذا سلّمتِ الحقيبة لهم... ومن التقط الصورة كان قريبًا. قريبًا جدًا. هل تسليم الطفلة الآن حماية فعلًا، أم تسليم مباشر لمن يلاحقها من داخل أي جهة أو خارجها؟ لم تعرف. لكنها عرفت شيئًا واحدًا بوضوح غريب: أنها ليست مستعدة لتسليم سديم لأحد قبل أن تفهم من يراقبهما ولماذا.

"هناك أمر آخر." قالت بسرعة قبل أن يقترب أي منهما من الطفلة أكثر. "الرجل الذي جاء إلى الباب يعرف اسمي. بل ناداني به. وهناك من يراقب المنزل من الخارج. أنا لا أريد اتخاذ أي خطوة قبل أن أعرف إلى أين ستذهب الطفلة بالضبط ومن سيتسلمها."

تبادل الشرطيان نظرة أخرى.

"سيدتي، الإجراءات معروفة. وإذا كانت الطفلة مهددة فعلًا، فالمكان الأنسب لها الآن هو جهة مختصة."

"أعرف." قالتها وهي تحاول ضبط نبرة صوتها. "لكن هناك من دخل في هذه القصة بطريقة لا أفهمها. وأحتاج ساعات فقط. حتى الصباح. سأحضر بها شخصيًا إلى الجهة المختصة إذا لزم الأمر."

بدت الجملة جنونية حتى لها، لكنها خرجت مصممة على النهاية.

"هذا ليس إجراءً معتادًا."

"وليس المعتاد أيضًا أن تُرسل لي تهديدات من شخص يراقب بيتي." كادت تتوقف عند هذه الكلمة، لكنها قررت المضي. "وسأقدم تلك الرسائل صباحًا. لكن الليلة، أريد دورية قرب المنزل. فقط الليلة."

ساد صمت قصير. ثم سألها أحدهما:

"هل الشخص الذي هددك مرتبط بالطفلة؟"

نظرت إلى سديم، ثم عادت إليهما.

"أعتقد ذلك."

بعد دقائق من الأسئلة الإضافية، وافقا على إبقاء دورية تمر قرب المنطقة، مع تسجيل ملاحظة رسمية بوجود محاولة اعتداء على الممتلكات وطفلة تحتاج إلى متابعة صباحية. لم يبدُ القرار مثاليًا ولا مريحًا، لكنه كان كافيًا لها الآن. وقبل أن يخرجا، أعطياها رقم متابعة البلاغ، وطلبا منها ألا تفتح لأي أحد، وأن تتصل فورًا إذا عادت أي حركة مشبوهة.

أغلقت الباب خلفهما، وارتدت أقفاله مرة أخرى. بقيت واقفة لحظة بجبينها على الخشب البارد. شعرت بالإرهاق يتسرب إلى عظامها، لكن عقلها كان مستيقظًا أكثر من أي وقت.

عادت إلى الصالة.

كانت سديم ما تزال كما هي، إلا أن كتفيها هبطا قليلًا، كأنها خرجت من حافة هاوية مؤقتًا.

"لن يأخذوك الليلة." قالتها سرين دون أن تنظر إليها مباشرة.

سمعت صوتًا خافتًا. لم تعرف إن كان شكرًا أم تنهيدة. وعندما رفعت رأسها، وجدت الطفلة تحدق بها تلك النظرة نفسها التي بدأت تزعجها بطريقة غير مفهومة. ليس لأنها متعلقة. بل لأنها واثقة. واثقة من شيء ما زالت سرين تقاومه.

"لا تنظري إليّ هكذا."

سألتها سديم بهدوء:

"كيف؟"

"كأنك تعرفين ما سأفعله قبل أن أعرفه أنا."

خفضت الطفلة عينيها، لكنها لم تنكر.

نظرت سرين إلى الساعة. تجاوزت منتصف الليل. البيت كله صار مشبعًا بأشياء لا ينبغي أن توجد فيه: تهديدات، زجاج مشقوق، طفلة مجهولة، حقيبة تملك منها ما يخصها أكثر مما يجب، ورسالة قديمة لا تكتمل. بقي شيء واحد يلحّ عليها بإصرار لا يمكن تجاهله: نوال.

اسم سديم.

ردة فعلها المتوترة في المكالمة السابقة.

الاسم القديم.

وصف المرأة ذات العينين اللتين "لا تحبان".

كل شيء كان يتجمع حول والدتها بطريقة لم تعد تحتمل التأجيل.

نظرت إلى سديم.

"هل أنتِ متعبة؟"

أومأت.

"سأجلب لك شيئًا تنامين به مؤقتًا. لكن لا تلمسي شيئًا على الطاولة."

"لن ألمس."

ذهبت إلى غرفة الضيوف وأحضرت وسادة إضافية وغطاءً أخف، ثم ترددت قبل أن تخرج قميصًا قطنيًا من خزانتها. كبير على طفلة، لكنه أنظف وأكثر راحة من الملابس الباردة التي ترتديها. عندما عادت به، أخذته سديم بكلتا يديها ونظرت إليه لحظة أطول من اللازم.

"هذا يشبه رائحتك."

تصلبت سرين ثم تركت الجملة تمر دون رد. أشارت لها إلى الحمام القريب من الصالة لتبدل ملابسها. وما إن أغلقت الصغيرة الباب خلفها، حتى التقطت سرين هاتفها واتجهت إلى المطبخ.

لم ترد أن تجري المكالمة أمامها.

وقفت قرب الرخام، وحدقت قليلًا في اسم "أمي" على الشاشة، ثم ضغطت الاتصال.

رنّ مرة واحدة. مرتين. ثلاثًا.

أجابت نوال أخيرًا بصوت لم يكن نائمًا، بل متيقظًا أكثر مما يجب.

"سرين؟"

لم تضيع وقتًا.

"نعم. وأنا أريد أن أسألك عن شيء، وأريد جوابًا واضحًا."

جاءها صوت نوال هادئًا، لكنه حذر.

"في هذا الوقت؟ ماذا هناك؟"

"هل تعرفين طفلة اسمها سديم؟"

الصمت الذي تلا السؤال لم يكن طبيعيًا هذه المرة.

لم يكن مجرد توقف تفكير.

كان فراغًا واعيًا، ثقيلًا، محسوسًا.

ابتعدت سرين بالهاتف قليلًا عن أذنها، ثم أعادته. كانت تسمع صوت أنفاس والدتها. سريعة قليلًا. قصيرة.

"لماذا تسألين؟" قالت نوال أخيرًا.

أغمضت سرين عينيها لحظة. هذا وحده كان كافيًا ليشق فيها أول شرخ حقيقي. لو كانت والدتها لا تعرف شيئًا، لقالت "لا" مباشرة، أو سألت من أين جاء الاسم، أو ضحكت من غرابته. لكنها لم تفعل. سألت: لماذا تسألين؟

"أجِيبيني أولًا."

"سرين، ما الأمر؟"

"هل تعرفين طفلة اسمها سديم؟"

صمت جديد.

ثم قالت نوال بصوت أبطأ من المعتاد:

"لا أعرف طفلة بهذا الاسم."

كذبت.

لم تحتج سرين إلى دليل لتعرف. كانت تعرف والدتها جيدًا. تعرف الفرق بين نبرتها حين تنكر أمرًا بلا اكتراث، ونبرتها حين تختار الكلمات كما لو أنها تمشي في غرفة مليئة بالزجاج.

"أنتِ تكذبين."

جاءها النفس في الطرف الآخر أثقل قليلًا.

"احترمي طريقتك وأنتِ تتحدثين معي."

"إذًا لا تجعليني أكرر السؤال."

"من أين سمعتِ هذا الاسم؟"

كان يمكن لسرين أن تتراجع الآن، أن تحفظ أوراقها، أن تدور قليلًا حول الحقيقة. لكنها كانت متعبة أكثر من أن تلعب بحذر.

"الطفلة هنا."

ساد صمت حاد في الطرف الآخر.

حقيقي هذه المرة.

عنيف.

حتى إنها أبعدت الهاتف ثانية لتتأكد أن المكالمة لم تنقطع.

"أمي؟"

عندما عاد صوت نوال، لم يكن يشبه صوتها قبل دقائق.

"ماذا قلتِ؟"

شعرت سرين بقلبها يدق مرة واحدة، قوية.

"قلت إن الطفلة هنا. في بيتي."

سمعت شيئًا في الخلفية. حركة كرسي أو شيء ارتطم بطاولة. تخيلت والدتها وهي تقف بسرعة من مكانها. صورة لم تكن صعبة. نوال لا تسمح لشيء أن يفاجئها بسهولة، فإذا فاجأها شيء حقًا، ظهرت الفوضى في أصغر الحركات.

"كيف وصلت إليك؟"

رفعت سرين رأسها ببطء.

لم تقل والدتها: من الطفلة؟

لم تقل: ماذا تعنين؟

لم تقل: عن أي طفلة تتحدثين؟

سألت: كيف وصلت إليك؟

شعرت بأن الأرض تميل قليلًا تحت قدميها.

"إذًا أنت تعرفينها."

"سرين—"

"إذًا أنت تعرفينها."

"استمعي إليّ جيدًا."

كان ذلك الأمر الذي تستخدمه نوال دائمًا حين تشعر أن الأمور تخرج من يدها. جملة تسبق السيطرة. لكن سرين لم تعد ابنة الخامسة عشرة التي تصمت حين تستخدمها أمها.

"من هي؟"

"أين هي الآن؟"

"في بيتي."

"هل أنتِ وحدك معها؟"

"أجِيبيني."

"هل رآك أحد معها؟"

اتسعت عينا سرين. كل سؤال كانت نوال تطرحه كان يفتح جرحًا جديدًا.

"ما هذا؟ هل المهم عندك من رآني معها، لا من تكون؟"

جاءها صوت والدتها منخفضًا، مشدودًا على نحو لم تسمعه منها منذ سنوات.

"اسمعيني جيدًا. لا تخرجي من البيت. لا تفتحي لأحد. وأبعدي الطفلة عن النوافذ."

شعرت بيدها تبرد على الهاتف.

"من هي؟"

"سرين، افعلي ما أقول."

"لن أفعل شيئًا قبل أن تخبريني بالحقيقة."

"هذه ليست لحظة مناسبة للحقيقة."

ضحكت سرين ضحكة قصيرة، خالية من أي شيء سوى الذهول.

"أنتِ تمزحين."

"أنا لا أمزح."

"إذًا متى تكون لحظة مناسبة؟ بعد أن يقتحم أحدهم بيتي؟ بعد أن تصلني رسائل تهديد؟ بعد أن تناديني طفلة غريبة باسمي القديم؟"

سقط الصمت من جديد.

هذه المرة كانت سرين هي من التقطت الخيط أولًا.

"تعرفين بشأن الاسم أيضًا."

لم تُجب نوال.

"تعرفين لماذا تناديني به."

صمت.

"وتعرفين لماذا هي هنا."

ما زالت نوال لا تجيب.

وضعت سرين يدها الحرة على الرخام، لأن جسدها احتاج شيئًا يستند إليه.

"منذ متى؟"

لم تسمع سوى أنفاس والدتها.

"منذ متى وأنتِ تعرفين بهذه الطفلة؟"

وأخيرًا تكلمت نوال، لكن لا لتجيب.

"أريدك أن تسمعي ما سأقوله الآن فقط. خذي الحقيبة إن كانت معها حقيبة، وأغلقي عليها في مكان آمن، ولا تدعي الطفلة تخرج وحدها، ولا تتصلي بأي أحد—"

تجمدت سرين.

"الحقيبة؟"

سكتت نوال.

"كيف عرفتِ أن معها حقيبة؟"

مرّت ثانيتان، ربما ثلاث.

ثوانٍ قليلة جدًا، لكنها كانت كافية لتغير شكل العلاقة بينهما إلى الأبد.

عندما أجابت نوال، كان صوتها أكثر حذرًا من أي وقت مضى.

"كنت أظن... كنت أظن أن هذا ما ستأخذه معها."

شعرت سرين أن شيئًا بداخلها انشق فعلًا هذه المرة. ليس شكًا، ولا ارتباكًا، ولا خوفًا فحسب. شرخ. أول شرخ حقيقي في الصورة القديمة التي ظلت تحملها عن والدتها طوال حياتها. صورة المرأة الصارمة، المتحكمة، المعقدة، نعم... لكنها ما تزال في النهاية الأم التي تعرف كل شيء من أجل الحماية، لا من أجل الإخفاء. الآن لم تعد هذه الصورة صلبة.

"أنتِ تعرفين ما في الحقيبة."

"سرين—"

"ما الذي تعرفينه بالضبط؟"

"ليس عبر الهاتف."

"إذًا عبر ماذا؟"

"أنا قادمة."

رفعت رأسها فورًا.

"لا."

"سأكون عندك خلال—"

"قلت لا."

صمتت نوال، وكأنها لم تتوقع الاعتراض.

"لن تأتي حتى أقرر أنا ذلك."

"هذه ليست لعبة عناد."

"وليس أيضًا وقت أوامر."

سمعت في الخلفية صوت مفاتيح أو درج يُفتح. كانت نوال تتحرك فعلًا، مستعدة للخروج. لم تتوقف.

"أنتِ لا تفهمين حجم ما يحدث."

انخفض صوت سرين حتى صار أخطر.

"إذًا افهميني."

أجابت نوال بعد صمت قصير:

"إن بقيت الطفلة عندك حتى الصباح، ستعرفين أمورًا لم تكوني مستعدة لها يومًا."

شعرت الجملة كأنها ضُربت على صدرها لا قيلت في أذنها.

"جربي."

"أنتِ لا تعلمين ما تطلبين."

"ولا أنتِ تعلمين ما فعلتِه بي." خرجت الجملة قبل أن تراجعها، فاستقرت بينهما ثقيلة، حادة، أكثر صدقًا من أي شيء قالته الليلة.

ساد الصمت طويلًا.

ثم جاء صوت نوال أخفض، متعبًا على نحو لم تعتده فيها:

"هل قالت لكِ شيئًا؟"

"كثيرًا."

"ماذا قالت؟"

"يكفي ما جعلني أعرف أنكِ تكذبين."

"سرين، اسمعيني..."

لكن سرين هذه المرة لم تتركها تكمل.

"هل هي ابنتي؟"

سقط السؤال في الخط بينهما، كأنه هو نفسه لم يتوقع الخروج.

سمعت شهقة صغيرة جدًا من الطرف الآخر.

أو ربما كانت زفرة محتبسة.

ثم صمتًا.

صمتًا طويلًا جدًا.

أبعدت سرين الهاتف عن أذنها مرة أخرى، نظرت إلى الشاشة، عادت به. ما زالت المكالمة مستمرة. ما زالت نوال هناك. لكنّها لا تتكلم.

وهذا كان الجواب الأكثر رعبًا على الإطلاق.

لم تقل لا.

لم تغضب من السؤال.

لم تعتبره جنونًا.

لم تقل "كيف تجرؤين".

فقط صمتت.

شعرت سرين بأن ساقيها لم تعودا ثابتتين. جلست على أقرب كرسي دون أن تشعر.

"قولي شيئًا."

خرج صوت نوال أخيرًا، خافتًا، متشقق الحواف للمرة الأولى:

"لم يكن الأمر كما تظنين."

أغمضت سرين عينيها، ووضعت يدها على فمها. لم تعد تسمع سوى النبض. لم تكن تحتاج إلى اعتراف كامل. هذه الجملة وحدها كسرت ما بقي.

"إذًا كان هناك أمر."

"أردت حمايتك."

ضحكت سرين، لكن الضحكة هذه المرة خرجت أقرب إلى بكاء مقموع.

"من ماذا؟ من ابنتي؟"

"من الحقيقة."

"الحقيقة لا تُخفى عشرين سنة لأجل الحماية."

"كنتِ ستنهارين."

فتحت عينيها، وحدقت في الفراغ أمامها.

"ومن قال إنني لم أنهَر أصلًا؟"

لم ترد نوال.

خلفها، سمعت سرين حركة خفيفة. التفتت.

كانت سديم قد خرجت من الحمام منذ لحظات من دون أن تشعر، ترتدي القميص القطني الكبير، تقف عند مدخل الصالة بصمت، وعيناها مثبتتان عليها. لا يبدو أنها سمعت كل شيء، لكنها بالتأكيد التقطت ما يكفي.

وفي تلك اللحظة، وبلا مقدمات، وبصوت صغير لكنه واضح، قالت سديم:

"قولي لها أنني لم أمت."

تجمدت سرين، والهاتف في يدها، والدم يهرب من وجهها.

أما في الطرف الآخر، فسمعت صوت ارتطام حاد، كأن شيئًا سقط من يد نوال على الأرض.

ثم جاءها صوت والدتها مرتجفًا لأول مرة في حياتها:

"هل... قالت هذا الآن؟"

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 60: الكلمة التي وصلت أخيرًا

    مرّت الأيام التالية بهدوء لم يكن هدوءًا كاملًا، لكنه لم يعد الهدوء المخادع الذي يسبق الانفجار.كان هدوءًا مصنوعًا بيدين متعبتين، يومًا بعد يوم، كما تُخاط قطعة قماش ممزقة بخيط دقيق لا يحتمل العجلة.البيت تغيّر فعلًا.لم يعد مجرد مكان تنام فيه سرين وتعمل فيه وتغلق أبوابه على تعبها. صار بيتًا يعرف أن فيه طفلة تستيقظ أحيانًا قبل الفجر لتتأكد أن الضوء موجود، وأن أمها لا تزال هنا، وأن باب الغرفة نصف مفتوح كما اتفقتا. صار فيه كوب صغير بلون أزرق على الرف الثاني، ومشبك شعر على طرف المغسلة، ودفاتر رسم فوق الرف الأبيض، وصندوق أسرار خشبي لا تفتحه سرين أبدًا إلا إذا طلبت منها سديم بنفسها.صار فيه ضحكة خفيفة تمر أحيانًا في الممر، وسؤال عن الفطور، واعتراض على لون الجوارب، وطلب للنوم قرب أمها في الليالي التي يثقل فيها الحلم.أما القضايا، فقد بدأت تتحرك على طريقتها الباردة.رائد كان يرسل التحديثات بوضوح لا يعرف الزخرفة.الاستدعاءات خرجت.النسخ ثبتت.بعض الأسماء بدأت تتعرق تحت الضوء.كمال رضوان لم يعد مجرد ظل.سلوى صارت أكثر حذرًا من أن تختفي

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 59: القرار

    جاء القرار في صباح هادئ على نحو لا يليق بوزنه.استيقظت سرين قبل الجميع، كالعادة التي بدأت تتشكل فيها منذ دخلت سديم حياتها لا كطارئة، بل كقلب جديد يفرض على الوقت نفسه ترتيبًا آخر. نهضت من السرير بهدوء، ومرّت أولًا على غرفة ابنتها. توقفت عند الباب المفتوح نصف فتحة، ونظرت.كانت سديم نائمة على جانبها، يدها تحت الوسادة، وخصلة من شعرها على وجهها، ومصباح القمر مطفأ للمرة الأولى منذ دخل الغرفة لأن الطفلة نفسها قالت قبل النوم: "اليوم ما أبغاه."هذه التفاصيل الصغيرة كانت تعني لسرين أكثر مما يجب.الطفلة التي كانت تخاف الضوء والظلمة معًا، بدأت تجرّب أن تختار.وهذا بحد ذاته شفاء صغير.دخلت بخفة، أبعدت الخصلة عن جبينها، وبقيت ثواني تنظر إليها.كانت تعرف أن هذا اليوم مختلف.ليس لأن القانون يتحرك فقط.ولا لأن نوال سقطت.ولا لأن اعتذار فارس ما يزال يتردد في البيت.بل لأن هناك شيئًا يجب أن يُحسم منها، هي هذه المرة، لا كردّ فعل، بل كاختيار.خرجت إلى المطبخ.أعدّت القهوة.جلست عند الطاولة، وفتحت الحاسوب.كانت الرسائل كثيرة:

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 57: هل يكفي الحب؟

    لم تنم سرين بعد خروج فارس من الغرفة.بقيت واقفة أمام النافذة، كما لو أن جسدها نسي كيف يعود إلى الراحة بعد كل ما سمعه في تلك الليلة. في الزجاج، رأت انعكاسها باهتًا ومكسور الحواف: امرأة مرهقة، عينان حمراوان، شعر لم تعد تهتم بترتيبه، ووجه لا يعرف هل هو وجه أم، أم ابنة، أم امرأة تُدفن وتُبعث في الأسبوع نفسه أكثر من مرة.في الداخل، كان البيت ساكنًا.سديم نائمة أخيرًا.وفارس في الغرفة البعيدة أو عند باب البيت، لا تعرف ولا تريد أن تعرف بالضبط.والصمت بين الجدران لم يعد صمتًا مريحًا، لكنه لم يكن عدائيًا أيضًا. كان أقرب إلى تلك اللحظة التي تأتي بعد الجراحة: النزف خفّ، لكن الجسد لم يصدّق بعد أنه نجا.وضعت يدها على زجاج النافذة.كان باردًا.وبرودة الزجاج ذكرتها بشيء بسيط ومرعب في الوقت نفسه:كل ما حدث بينها وبين فارس لم يعد يمكن اختصاره إلى سؤال واحد.هل أحبها؟نعم.هل خذلها؟نعم.هل بحث؟نعم.هل تأخر؟نعم.هل اعتذاره صادق؟نعم.هل يكفي؟لا.وهذا هو أصعب نوع من الحقائق.لو كان رجلًا

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 58: البيت الجديد

    في صباح اليوم التالي، استيقظت سرين قبل سديم بوقت طويل.لم يكن السبب صوتًا ولا كابوسًا هذه المرة، بل شعور داخلي واضح بأن شيئًا في البيت نفسه لم يعد يحتمل التأجيل. بقيت دقائق تنظر إلى السقف، والضوء الباهت يتسرب من أطراف الستارة، ثم التفتت إلى الجهة الأخرى من السرير الصغير الذي نامت قربه فيه ابنتها. كانت سديم ملتفة على جانبها، يدها تحت خدها، ملامحها أهدأ من الليالي السابقة، لكن في وجهها ما يزال ذلك التعب الذي لا يليق بعمرها.مدّت سرين يدها بخفة، أبعدت خصلة شعر عن جبينها، ثم جلست ببطء حتى لا توقظها. نظرت حول الغرفة. ما تزال هذه ليست غرفة طفلة. السرير مؤقت. الخزانة فارغة إلا من أشياء اشتريت بسرعة. الكتب لا تخصها. الجدران محايدة. لا أثر هنا لحياة بدأت. فقط أثر لحياة أُدخلت على عجل.وهنا فهمت شيئًا بسيطًا، لكنه حاسم:سديم لم تعد تحتاج فقط إلى حماية من الذين خطفوا عمرها.تحتاج مكانًا.مكانًا لا يبدو فيه وجودها استعارة.لا سرير ضيف.لا فرشاة مؤقتة.لا ملابس اشتريت من باب الإسعاف.بل مساحة تقول لها: أنتِ هنا، لا زائرة.نهضت

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 56: فارس والاعتذار الأخير

    لم تدخل سرين إلى غرفتها تلك الليلة.بعد حديثها مع جلال، وبعد أن عرفت أن صمت الأب له صوت حين يتأخر بما يكفي، لم تعد ترغب في أي مكان مغلق يطلب منها أن تواجه نفسها وحيدة. بقيت قرب غرفة سديم، والباب نصف مفتوح، كما صار عادة بينهما منذ عادت الطفلة من هربها. كانت تجلس على الأريكة الصغيرة في الممر، كوب شاي بارد قربها، والهاتف مقلوبًا على الطاولة، والملفات بعيدة لأول مرة عن يدها، كأنها لم تعد تحتمل أن تلمس ورقًا أكثر مما لمست وجعًا هذا اليوم.في البيت هدوء متعب.ديمة غادرت قبل ساعة بعد أن تأكدت أن سرين لن تنهار وحدها.رائد أرسل رسالة مقتضبة: غدًا نبدأ باستدعاءات إضافية. نامي إن استطعتِ.أما فارس، فما تزال تعرف أنه في الصالة البعيدة، أو قرب الباب، أو في المسافة التي لا تراه فيها عينها مباشرة لكنها تشعر بها كما تشعر بجرح لم يلتئم تحت الملابس.كانت تفكر في جملة جلال الأخيرة، وفي اعتذاره، وفي أنها لم تستطع أن تعطيه صفحًا، ولا رفضًا كاملًا، فقط تركته يذهب ومعه ثقله. ثم جاءها سؤال أقسى:هل الاعتذار يكفي أصلًا عند الرجال الذين أحبّتهم؟هل يكفي أن يقولو

  • الطفلة التي تناديني أمي    الفصل 55: الأب الذي صمت

    لم يكن خروج سرين من مكتب رائد يشبه أي خروج آخر عرفته في حياتها.لم تشعر أنها ربحت.ولا أنها هدأت.ولا حتى أنها انتقمت.فقط شعرت بتعب ثقيل جدًا، وتيبس غريب في الداخل، كأن روحها ظلت واقفة ساعات طويلة في مكان بارد ثم قيل لها: الآن تحركي.نوال سقطت. نعم.لكن سقوطها لم يردّ السنوات، ولم يُلغِ الطفلة التي بكت، ولم يُصلح فارس، ولم يُمحِ الأخ الذي كان ينتظر الوصاية، ولم يُرجع إلى قلبها بساطة الأشياء.كل ما فعله أنه كشف حجم الخراب على حقيقته.كانت ديمة بجانبها في الممر، صامتة هذه المرة، تدرك أن بعض المسافات لا تُملأ بالمواساة.أما فارس، فخرج بعد دقائق، لا قريبًا بما يكفي ليسألها إن كانت بخير، ولا بعيدًا بما يكفي ليبدو خارج المشهد. صار وجوده حولها يشبه جرحًا يمشي. تتعود عليه العين من دون أن يخف وجعه."أرجع البيت."قالتها سرين أخيرًا.أومأت ديمة."أنا أوصلك."هزّت رأسها نفيًا."أريد أمشي شوي."نظرت إليها ديمة لحظة، ثم لم تجادل."أنا أسبقكِ إلى البيت إذا تغير رأيك."أوم

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status