Masukظلت الرسالة مفتوحة أمام عينيها لثوانٍ طويلة، حتى بدأت الحروف تفقد شكلها الطبيعي.
أعيديها الآن يا سيرو... قبل أن نأخذ منك أكثر مما أخذناه سابقًا. شعرت سرين بأن شيئًا انكسر داخل صدرها، لا بصوت عالٍ، بل بصمت حاد. يديها لم تعودا ثابتتين، والدبوس المعدني ما زال بين أصابعها، باردًا، قديمًا، وكأنه خرج من قبر لا من درج. رفعت رأسها ببطء نحو سديم. كانت الطفلة تراقبها. لا تسأل، لا تتحرك، فقط تراقب وجهها بذلك الهدوء الذي صار يخيفها أكثر من البكاء. أغلقت سرين شاشة الهاتف دفعة واحدة، وكأنها تستطيع بإطفائه أن تطفئ ما حدث. ثم نهضت بسرعة، وخطت إلى الخلف، بعيدة خطوة، ثم خطوتين. لا. لا يمكن أن تسمح لهذا الجنون أن يستقر في بيتها، أو في عقلها. "من أرسلك؟" خرج السؤال من فمها قاسيًا، أسرع مما أرادت. لم تجب سديم فورًا. ظلت واقفة قرب الأريكة، أصابعها الصغيرة متعلقة بطرف البطانية، وعيناها على وجه سرين فقط. "أجبيني." "لم يرسلني أحد." "كذبة." اهتز وجه الطفلة قليلًا، لكن ليس لأن الكلمة آلمتها، بل كأنها سئمت سماعها. "أنا لم أكذب." ضحكت سرين ضحكة قصيرة مشدودة بلا أي فرح. "حقًا؟ طفلة لا أعرفها تأتي إلى بيتي في منتصف الليل، تعرف اسمًا لا يعرفه أحد، ومعها شيء كان يخصني، ثم يصلني تهديد باسمي القديم بعد دقائق؟ وتريدين مني أن أصدق أنك جئت وحدك؟" كانت تعرف أنها ترفع صوتها على طفلة، وتعرف أن هذا ليس عادلًا، لكن الخوف حين يدخلها لا يظهر على شكل دموع أو ضعف. يظهر على شكل صلابة مؤذية. خفضت سديم عينيها للحظة، ثم رفعتهما من جديد. "أنا لم أرسل الرسالة." "لكن أحدًا يعرف أنك هنا." صمتت الطفلة. "وأحدًا يعرف أنني هنا معك." صمت. "وأحدًا يعرف اسمي القديم." تقدمت سرين خطوة هذه المرة. لم تكن تريد إخافتها، لكن لم يعد لديها صبر لدوائر الغموض نفسها. "من أرسلك؟ هل المرأة التي أخذتك؟ هل هالة؟ هل الرجل الذي طرق الباب؟ هل أمي؟" عند الكلمة الأخيرة، لاحظت التغيير الصغير في وجه سديم. لم يكن واضحًا، لكنه كان موجودًا. شيء لمَع في عينيها ثم انطفأ. التقطت سرين ذلك فورًا. "أنت تعرفينها." هزت سديم رأسها بسرعة، لكن النفي جاء متأخرًا. "لا." "أنت تعرفينها." "لا." "انظري إليّ." ببطء شديد رفعت الطفلة وجهها. كانت عيناها لامعتين، لكن الدموع لم تسقط. "هل تعرفين أمي؟" ترددت ثانية طويلة، ثم قالت: "أعرف وجهها." ضاقت عينا سرين. "من أين؟" "كانت تأتي." "إلى أين؟" "إلى المكان." كادت سرين تصرخ من شدة التوتر. "أي مكان؟" "الذي كنت فيه." "أين كنتِ؟" صمتت سديم، وبدت كأنها تريد أن تقول شيئًا لكنها لا تعرف من أين تبدأ. مرت لحظة ثقيلة، ثم قالت بصوت صغير: "لا أعرف اسمه." أدارت سرين وجهها بعيدًا عنها للحظة، محاولة أن تلتقط أنفاسها. كلما شعرت أنها تقترب من جواب، انزلقت الحقيقة خطوة إلى الخلف. نظرت إلى الباب. نظرت إلى الهاتف. ثم إلى الطفلة. عقلها العملي كان يصرخ بوضوح: أخرجيها من البيت. اتصلي بالشرطة. انتهي من هذا. لكن شيئًا آخر فيها كان يرفض أن يسلم هذه الصغيرة لأي جهة قبل أن يفهم لماذا يرتبط حضورها بكل هذا الرعب. اقتربت من الطاولة، وضعت الدبوس فوقها، ثم التقطت هاتفها من جديد وفتحت الرسالة. أعادت قراءتها مرة، ثم مرتين. قبل أن نأخذ منك أكثر مما أخذناه سابقًا. أكثر مما أخذناه. الكلمات بقيت عالقة في داخلها كسمّ بطيء. أكثر؟ ماذا أخذوا؟ ومتى؟ ولماذا شعرت، للحظة مفزعة، أن هذه الجملة تعرفها أكثر مما يجب؟ رفعت رأسها فجأة. "هل قالوا لك شيئًا عني؟" "نعم." تجمدت سرين. "ماذا قالوا؟" نظرت سديم إليها بصمت لثانيتين، ثم قالت: "قالوا إنك لا تريدينني." دخلت الجملة مباشرة إلى مكان لا تعرف سرين كيف تحميه. لكنها تماسكت بسرعة. "ومن هم؟" "هم." أغلقت سرين عينيها لثانية، ثم فتحتهما بعنف. "لا. ليس هم. أريد أسماء." "لا أعرف كل الأسماء." "إذًا قولي ما تعرفينه." عضت سديم شفتها، كأنها تخشى أن تنطق أكثر مما ينبغي. "كان هناك امرأة... ورجل... وأحيانًا امرأة أخرى." "المرأة الأولى هالة؟" هزت رأسها. "لا. هالة لم تكن في البداية." شعرت سرين بوخزة حادة في صدغيها. "ماذا تقصدين بالبداية؟" "حين كنت أصغر." "أصغر من الآن؟" أومأت. "ومن كانت المرأة الأولى؟" صمتت الطفلة. "سديم." "هي لا تحب أن أتحدث عنها." "أنا لا أسألك عما تحبه هي." "لكنها تخيف." خرجت الكلمة من فم الصغيرة على هيئة همسة، لكنها كانت حقيقية بما يكفي لتوقظ كل حواس سرين. "هل كانت تضربك؟" هزت رأسها ببطء، ثم قالت: "أحيانًا لا تحتاج." ارتجف شيء بارد في داخل سرين. "والرجل؟" "كان يغضب كثيرًا." "هو الذي جاء إلى الباب؟" سكتت الطفلة لثانية ثم أومأت. إذًا هناك شيء واحد على الأقل صار واضحًا. الرجل يعرفها، وهي تعرفه، وهو ليس مجرد شخص يبحث عن طفلة ضائعة. جلست سرين أخيرًا على الطرف الآخر من الأريكة، وهذه المرة لم يكن في جلستها أي لطف. كانت متيبسة، مستقيمة، وكل عضلة فيها تعمل ضد ارتباكها. "اسمعيني جيدًا." نظرت إليها سديم. "أنتِ تقولين إنني أمك. وأنا أقول لك إن هذا مستحيل." لم تتغير ملامح الصغيرة، لكن يدها تشبثت أكثر بالبطانية. "أنا لم أتزوج. لم أنجب. ولم أفقد طفلًا. لا أعرفك. لا أعرف من أين جئتِ. ولا أعرف لماذا تدّعين هذا." "أنا لا أدّعي." "إذًا ماذا تسمين هذا؟" نظرت سديم إليها طويلًا، ثم قالت بهدوء مؤلم: "الحقيقة." ضحكت سرين مرة أخرى، لكن الضحكة خرجت مكسورة. "أي حقيقة؟ طفلة تظهر فجأة وتقرر من أمها؟ الأمور لا تحدث هكذا." "لكنكِ تنظرين إليّ وكأنكِ تعرفين." أصابتها الجملة في مكان حساس جدًا. "لا." "بلى." "قلت لا." "إذًا لماذا لم تطرديني؟" ساد الصمت. لم تكن سرين تملك جوابًا جاهزًا. وكان هذا وحده كافيًا ليزيد غضبها على نفسها. وقفت فجأة. "سأفعل الآن." اتسعت عينا سديم، لكنها لم تبكِ. وهذا ما جعل قلب سرين ينقبض رغمًا عنها. "قومي." تحركت الطفلة ببطء، ونزلت قدماها إلى الأرض. "ستذهبين إلى الشرطة أو إلى أي جهة مسؤولة. سأخبرهم بما حدث، وهم سيجدون لك مكانًا مناسبًا حتى تظهر عائلتك الحقيقية." "أنتِ عائلتي الحقيقية." أغمضت سرين عينيها للحظة. ثم أعادت فتحهما بحدة أكبر. "كفى." لم ترتفع نبرة سديم، ولم تبدُ متحدية، لكن ثباتها كان كأنه يقف في وجهها بلا خوف. "أنتِ." تقدمت سرين نحوها. "من لقّنك هذه الكلمات؟ من جعلك تحفظين هذه الجمل؟" "لا أحد." "هل قالوا لك إنني سأضعف إذا ناديتني أمي؟" هزت الطفلة رأسها. "هل أعطاك أحد هذا الدبوس لتقنعيـني؟" "لم يعطني أحد." "من وضع الصور أمامك؟ من قال لك عن اسمي؟" "لا أحد." "كفى!" انفجرت الكلمة من فمها أقسى مما توقعت. ارتجف جسد سديم الصغير، لكن بدل أن تبكي، رفعت وجهها أكثر. وفي عينيها ظهرت تلك الثقة نفسها، الهادئة، التي بدت لسرين أكثر إيلامًا من أي صراخ. "أنتِ تعرفين أنني لا أكذب." شعرت سرين بأن الغضب اختلط بالخوف اختلاطًا جعلها غير قادرة على التفريق بينهما. "لا، لا أعرف أي شيء." "تعرفين." "قلت لا." "لكن قلبكِ..." "لا تكملي." سكتت الطفلة. لكنها لم تنظر بعيدًا. بقيت تحدق بها، وهذا الثبات الصغير كان ينهش دفاعاتها بطريقة لا تطاق. أدارت سرين ظهرها لها ومشت نحو النافذة. أبعدت الستارة قليلًا ونظرت إلى الشارع. لا أحد بالخارج. لا حركة. لا رجل. لا سيارة تنتظر. مجرد شارع هادئ، كأن شيئًا لم يحدث أصلًا. وضعت يدها على الزجاج. كان باردًا. هي تعرف نفسها جيدًا. تعرف متى تكون متعبة. متى تكون منفعلة. متى تكون معرضة للانخداع العاطفي. لكن ما يحدث الآن لا يشبه أي شيء من ذلك. كانت تشعر أن هذه الطفلة تجرّ وراءها بابًا قديمًا مغلقًا داخل حياتها... وكلما حاولت الابتعاد عنه، انفتح أكثر. التفتت إليها من جديد. كانت سديم ما تزال واقفة في مكانها، كأنها تنتظر الحكم النهائي. طفلة صغيرة، مرهقة، خائفة، لكن فيها إصرار لا يخص عمرها. قالت سرين هذه المرة بصوت أخفض: "إذا كنتِ لستِ مرسلة من أحد... لماذا جئتِ الليلة؟" أجابت فورًا، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال وحده. "لأنني تعبت." شعرت سرين أن الكلمات فقدت حوافها للحظة. "من ماذا؟" "من أن أبقى بعيدة." بقيت ساكنة. "ومن أن يقولوا لي إنك لا تريدينني." شيء ما في صدرها انشدّ بقوة. لكنها قاومت. "ولو كنتِ مخطئة؟" "لست مخطئة." "ولو كنتِ مخدوعة؟" "لست مخدوعة." "ولو كنتِ تتمنين شيئًا فقط؟" رفعت سديم عينيها إليها وقالت الجملة التالية ببساطة جعلت دمها يبرد: "أنا لا أتمنى... أنا أتذكرك." اتسعت عيناها. "ماذا؟" "أتذكرك." اقتربت منها خطوة. "كيف تتذكرينني؟" "لا أعرف." "هذا ليس جوابًا." "أعرف صوتك." "لم تسمعيني من قبل." "سمعته." تجمدت. "أين؟" "عندما كنت صغيرة جدًا." أطبقت سرين على أسنانها بقوة. لا يمكن. لا يمكن لهذا الحوار أن يستمر بهذه الطريقة. كل جملة تقود إلى هوة. "ماذا سمعتِ؟" ظلت سديم تنظر إليها لحظة، ثم قالت بصوت خافت، وكأنها تستخرج الكلمات من مكان بعيد جدًا: "كنتِ تبكين." توقف النفس في حلقها. "وماذا أيضًا؟" "كنتِ تقولين إنهم كذبوا عليك." ارتجفت يدها. "من هم؟" "لا أعرف." "متى سمعتِ هذا؟" "كنت صغيرة جدًا." "كم كنتِ صغيرة؟" هزت رأسها، عاجزة عن الشرح. "طفلة لا تتذكر جملًا كهذه." قالتها سرين وكأنها تحاجج نفسها. لكن سديم أجابت بهدوء: "أنا أتذكر ما يوجع." ساد الصمت مرة أخرى. وهذه المرة كان أثقل. جلست سرين ببطء على الكرسي القريب. لم تعد قادرة على إبقاء جسدها مشدودًا طوال الوقت. كل ما فيها متعب. مرتبك. يقاوم ويضعف في اللحظة نفسها. نظرت إلى الطفلة طويلًا. ملامحها ليست نسخة منها. ليست مطابقة. لكن هناك شيء... خط صغير عند الفم، استدارة الذقن، طريقة رفع الرأس حين تُحاصر... أشياء لا تكفي لتصنع يقينًا، لكنها تكفي لتزرع رعبًا. قالت أخيرًا: "إذا كنتِ تعرفينني حقًا، قولي شيئًا لا يستطيع أحد تلقينك إياه." خفضت سديم عينيها، وكأنها تفكر. ثم رفعت يدها الصغيرة وأشارت إلى جانب رقبتها اليسرى. "هنا." عبست سرين. "ماذا هناك؟" "أنتِ تضعين عطرك هنا فقط... وليس هنا." وأشارت إلى المعصم. تجمدت سرين لثانية كاملة. هذه عادة قديمة جدًا. لا أحد ينتبه لها عادة. حتى ديمة سخرت منها أكثر من مرة لأنها تضع العطر في مكان واحد ثابت قرب الرقبة وتكره وضعه على المعصم. لم يكن أمرًا سريًا، لكنه ليس شيئًا يمكن أن يختلقه شخص عشوائي بسهولة. رفعت يدها ببطء إلى المكان الذي أشارت إليه سديم. "من أخبرك بهذا؟" "أنتِ." "متى؟" "لا أعرف." نهضت بسرعة. "لا. لا يمكن أن تكوني أمي." خرجت الجملة هذه المرة أشبه برجاء غاضب لا بإنكار. نظرت إليها سديم بصمت. "لا يمكن." كررتها وهي تهز رأسها. "أنا كنت سأعرف. أي امرأة ستعرف لو كانت أنجبت طفلًا. لو فقدت طفلًا. لو عاش طفل منها في مكان ما... كنت سأعرف." "لكنهم لم يريدوا لكِ أن تعرفي." التفتت إليها بحدة. "ومن قال لك هذا؟" "أعرفه." "توقفي عن قول أعرفه." "لكنه صحيح." "ليس صحيحًا." "إذًا لماذا أنتِ خائفة؟" سقط السؤال بينهما بثقل مرعب. حدقت سرين فيها. طفلة. مجرد طفلة. لكنها أصابت الشيء الصحيح تمامًا. هي خائفة. ليست خائفة من الصغيرة نفسها، بل من الاحتمال الذي تمشي به. من الفكرة التي لا تريد أن تسميها. من الفراغات القديمة في ذاكرتها التي لم تحاول سدّها يومًا لأنها كانت تظن أنها غير مهمة. أخفضت عينيها للحظة، ثم رفعتها من جديد. "أنا لست خائفة." "أنتِ ترتجين." نظرت إلى يديها فعلًا. كان فيهما ارتجاف خفيف. ضمتهما إلى بعضهما بسرعة. "هذا لا يعني شيئًا." "يعني أنكِ تشعرين." أغلقت عينيها. ثانية واحدة فقط. لكن في تلك الثانية مرت صورة خاطفة أخرى داخل رأسها: ضوء أبيض. رائحة مطهر. صوت امرأة تقول: "لا تدعيها تراها." ثم اختفى كل شيء. فتحت عينيها بعنف حتى كاد يوجعهما الضوء. لا. عادت تنظر إلى سديم، وكأنها تبحث عن أي خطأ صغير يعيد العالم إلى وضعه الطبيعي. لكن الصغيرة لم تكن ترتبك. لم تكن تغير أقوالها. لم تكن تحاول التودد أو البكاء أو استدرار الرحمة. كانت فقط ثابتة على ألمها، وهذا ما جعلها أكثر إقناعًا من اللازم. رن الهاتف مرة أخرى. نظرت سرين إلى الشاشة بسرعة. الرقم نفسه. ثم ظهرت رسالة جديدة: إذا جعلناك تنسين مرة... نستطيع أن نفعلها ثانية. شعرت بأن قلبها هبط إلى معدتها. رفعت رأسها إلى سديم. كانت الصغيرة تحدق في الهاتف هذه المرة، وكأنها تعرف محتوى الرسالة دون أن تراها. "هم." قالت الكلمة بهمس. "من هم؟" سألتها سرين بسرعة. "الذين لا يريدونك أن تتذكري." انقبضت أصابعها على الهاتف بقوة حتى أوجعتها. "ماذا أتذكر؟" لم تجب سديم. "ماذا أتذكر؟" اقتربت منها هذه المرة بخطوات أسرع. انحنت أمامها، أمسكت كتفيها برفق في البداية، ثم بقوة أوضح. "تكلمي." رفعت سديم عينيها إليها، ولم تكن فيهما دموع بل شيء يشبه الحزن على شخص لا يزال يقاوم نفسه. "أنا." تجمدت سرين. "ماذا؟" "تتذكرينني أنا." ارتخت يداها فورًا عن كتفيها. تراجعت خطوة إلى الخلف، ثم أخرى. "لا..." لكن الكلمة خرجت أضعف من المرات السابقة. "تتذكرينني." قالتها سديم مرة ثانية، لا بإصرار، بل بيقين موجع. وضعت سرين يدها على فمها، ثم على صدرها. كانت تتنفس بصعوبة. كل شيء في داخلها يرفض. وكل شيء آخر، أعمق، أخطر، أكثر ظلمة... بدأ يصغي. قالت أخيرًا بصوت بالكاد يُسمع: "لو كنتِ محقة... لماذا لم يبحث أحد عنك؟" هذه المرة سقط الصمت على وجه الطفلة قبل أن يسقط على المكان. ثم أجابت ببطء، كلمة كلمة: "بحث." ثبتت سرين مكانها. "من؟" رفعت سديم عينيها نحوها، ثم نحو الطاولة حيث وُضع الدبوس، ثم عادت إليها. "هو." "من هو؟" لم تجب فورًا. لكنها فتحت فمها أخيرًا لتقول الاسم... وفي اللحظة نفسها دوى شيء في الخارج. صوت ارتطام قوي جدًا. ليس على الباب. بل عند الزجاج الخلفي للمنزل. قفزت سديم مذعورة. والتفتت سرين نحو الممر المؤدي إلى الحديقة. ثم جاء الصوت الثاني، أوضح هذه المرة. زجاج يتشقق. وهمست الطفلة، بصوت ميت من الخوف: "لقد وجدونا."مرّت الأيام التالية بهدوء لم يكن هدوءًا كاملًا، لكنه لم يعد الهدوء المخادع الذي يسبق الانفجار.كان هدوءًا مصنوعًا بيدين متعبتين، يومًا بعد يوم، كما تُخاط قطعة قماش ممزقة بخيط دقيق لا يحتمل العجلة.البيت تغيّر فعلًا.لم يعد مجرد مكان تنام فيه سرين وتعمل فيه وتغلق أبوابه على تعبها. صار بيتًا يعرف أن فيه طفلة تستيقظ أحيانًا قبل الفجر لتتأكد أن الضوء موجود، وأن أمها لا تزال هنا، وأن باب الغرفة نصف مفتوح كما اتفقتا. صار فيه كوب صغير بلون أزرق على الرف الثاني، ومشبك شعر على طرف المغسلة، ودفاتر رسم فوق الرف الأبيض، وصندوق أسرار خشبي لا تفتحه سرين أبدًا إلا إذا طلبت منها سديم بنفسها.صار فيه ضحكة خفيفة تمر أحيانًا في الممر، وسؤال عن الفطور، واعتراض على لون الجوارب، وطلب للنوم قرب أمها في الليالي التي يثقل فيها الحلم.أما القضايا، فقد بدأت تتحرك على طريقتها الباردة.رائد كان يرسل التحديثات بوضوح لا يعرف الزخرفة.الاستدعاءات خرجت.النسخ ثبتت.بعض الأسماء بدأت تتعرق تحت الضوء.كمال رضوان لم يعد مجرد ظل.سلوى صارت أكثر حذرًا من أن تختفي
جاء القرار في صباح هادئ على نحو لا يليق بوزنه.استيقظت سرين قبل الجميع، كالعادة التي بدأت تتشكل فيها منذ دخلت سديم حياتها لا كطارئة، بل كقلب جديد يفرض على الوقت نفسه ترتيبًا آخر. نهضت من السرير بهدوء، ومرّت أولًا على غرفة ابنتها. توقفت عند الباب المفتوح نصف فتحة، ونظرت.كانت سديم نائمة على جانبها، يدها تحت الوسادة، وخصلة من شعرها على وجهها، ومصباح القمر مطفأ للمرة الأولى منذ دخل الغرفة لأن الطفلة نفسها قالت قبل النوم: "اليوم ما أبغاه."هذه التفاصيل الصغيرة كانت تعني لسرين أكثر مما يجب.الطفلة التي كانت تخاف الضوء والظلمة معًا، بدأت تجرّب أن تختار.وهذا بحد ذاته شفاء صغير.دخلت بخفة، أبعدت الخصلة عن جبينها، وبقيت ثواني تنظر إليها.كانت تعرف أن هذا اليوم مختلف.ليس لأن القانون يتحرك فقط.ولا لأن نوال سقطت.ولا لأن اعتذار فارس ما يزال يتردد في البيت.بل لأن هناك شيئًا يجب أن يُحسم منها، هي هذه المرة، لا كردّ فعل، بل كاختيار.خرجت إلى المطبخ.أعدّت القهوة.جلست عند الطاولة، وفتحت الحاسوب.كانت الرسائل كثيرة:
لم تنم سرين بعد خروج فارس من الغرفة.بقيت واقفة أمام النافذة، كما لو أن جسدها نسي كيف يعود إلى الراحة بعد كل ما سمعه في تلك الليلة. في الزجاج، رأت انعكاسها باهتًا ومكسور الحواف: امرأة مرهقة، عينان حمراوان، شعر لم تعد تهتم بترتيبه، ووجه لا يعرف هل هو وجه أم، أم ابنة، أم امرأة تُدفن وتُبعث في الأسبوع نفسه أكثر من مرة.في الداخل، كان البيت ساكنًا.سديم نائمة أخيرًا.وفارس في الغرفة البعيدة أو عند باب البيت، لا تعرف ولا تريد أن تعرف بالضبط.والصمت بين الجدران لم يعد صمتًا مريحًا، لكنه لم يكن عدائيًا أيضًا. كان أقرب إلى تلك اللحظة التي تأتي بعد الجراحة: النزف خفّ، لكن الجسد لم يصدّق بعد أنه نجا.وضعت يدها على زجاج النافذة.كان باردًا.وبرودة الزجاج ذكرتها بشيء بسيط ومرعب في الوقت نفسه:كل ما حدث بينها وبين فارس لم يعد يمكن اختصاره إلى سؤال واحد.هل أحبها؟نعم.هل خذلها؟نعم.هل بحث؟نعم.هل تأخر؟نعم.هل اعتذاره صادق؟نعم.هل يكفي؟لا.وهذا هو أصعب نوع من الحقائق.لو كان رجلًا
في صباح اليوم التالي، استيقظت سرين قبل سديم بوقت طويل.لم يكن السبب صوتًا ولا كابوسًا هذه المرة، بل شعور داخلي واضح بأن شيئًا في البيت نفسه لم يعد يحتمل التأجيل. بقيت دقائق تنظر إلى السقف، والضوء الباهت يتسرب من أطراف الستارة، ثم التفتت إلى الجهة الأخرى من السرير الصغير الذي نامت قربه فيه ابنتها. كانت سديم ملتفة على جانبها، يدها تحت خدها، ملامحها أهدأ من الليالي السابقة، لكن في وجهها ما يزال ذلك التعب الذي لا يليق بعمرها.مدّت سرين يدها بخفة، أبعدت خصلة شعر عن جبينها، ثم جلست ببطء حتى لا توقظها. نظرت حول الغرفة. ما تزال هذه ليست غرفة طفلة. السرير مؤقت. الخزانة فارغة إلا من أشياء اشتريت بسرعة. الكتب لا تخصها. الجدران محايدة. لا أثر هنا لحياة بدأت. فقط أثر لحياة أُدخلت على عجل.وهنا فهمت شيئًا بسيطًا، لكنه حاسم:سديم لم تعد تحتاج فقط إلى حماية من الذين خطفوا عمرها.تحتاج مكانًا.مكانًا لا يبدو فيه وجودها استعارة.لا سرير ضيف.لا فرشاة مؤقتة.لا ملابس اشتريت من باب الإسعاف.بل مساحة تقول لها: أنتِ هنا، لا زائرة.نهضت
لم تدخل سرين إلى غرفتها تلك الليلة.بعد حديثها مع جلال، وبعد أن عرفت أن صمت الأب له صوت حين يتأخر بما يكفي، لم تعد ترغب في أي مكان مغلق يطلب منها أن تواجه نفسها وحيدة. بقيت قرب غرفة سديم، والباب نصف مفتوح، كما صار عادة بينهما منذ عادت الطفلة من هربها. كانت تجلس على الأريكة الصغيرة في الممر، كوب شاي بارد قربها، والهاتف مقلوبًا على الطاولة، والملفات بعيدة لأول مرة عن يدها، كأنها لم تعد تحتمل أن تلمس ورقًا أكثر مما لمست وجعًا هذا اليوم.في البيت هدوء متعب.ديمة غادرت قبل ساعة بعد أن تأكدت أن سرين لن تنهار وحدها.رائد أرسل رسالة مقتضبة: غدًا نبدأ باستدعاءات إضافية. نامي إن استطعتِ.أما فارس، فما تزال تعرف أنه في الصالة البعيدة، أو قرب الباب، أو في المسافة التي لا تراه فيها عينها مباشرة لكنها تشعر بها كما تشعر بجرح لم يلتئم تحت الملابس.كانت تفكر في جملة جلال الأخيرة، وفي اعتذاره، وفي أنها لم تستطع أن تعطيه صفحًا، ولا رفضًا كاملًا، فقط تركته يذهب ومعه ثقله. ثم جاءها سؤال أقسى:هل الاعتذار يكفي أصلًا عند الرجال الذين أحبّتهم؟هل يكفي أن يقولو
لم يكن خروج سرين من مكتب رائد يشبه أي خروج آخر عرفته في حياتها.لم تشعر أنها ربحت.ولا أنها هدأت.ولا حتى أنها انتقمت.فقط شعرت بتعب ثقيل جدًا، وتيبس غريب في الداخل، كأن روحها ظلت واقفة ساعات طويلة في مكان بارد ثم قيل لها: الآن تحركي.نوال سقطت. نعم.لكن سقوطها لم يردّ السنوات، ولم يُلغِ الطفلة التي بكت، ولم يُصلح فارس، ولم يُمحِ الأخ الذي كان ينتظر الوصاية، ولم يُرجع إلى قلبها بساطة الأشياء.كل ما فعله أنه كشف حجم الخراب على حقيقته.كانت ديمة بجانبها في الممر، صامتة هذه المرة، تدرك أن بعض المسافات لا تُملأ بالمواساة.أما فارس، فخرج بعد دقائق، لا قريبًا بما يكفي ليسألها إن كانت بخير، ولا بعيدًا بما يكفي ليبدو خارج المشهد. صار وجوده حولها يشبه جرحًا يمشي. تتعود عليه العين من دون أن يخف وجعه."أرجع البيت."قالتها سرين أخيرًا.أومأت ديمة."أنا أوصلك."هزّت رأسها نفيًا."أريد أمشي شوي."نظرت إليها ديمة لحظة، ثم لم تجادل."أنا أسبقكِ إلى البيت إذا تغير رأيك."أوم
توقفت السيارة في منتصف الشارع لثانيتين بدتا أطول من الطريق كله. أبواق السيارات خلفها انفجرت دفعة واحدة، لكن سرين لم تستوعبها فورًا. كانت يداها مثبتتين على المقود، وعيناها مفتوحتين على اتساعهما، تنظر إلى الإشارة أمامها ولا تراها حقًا. ما كانت تراه لم يكن الشارع. كان بابًا أبيض يُدفع بعنف، ويد رجل تن
بقيت الصورة معلقة على شاشة هاتفها حتى شعرت سرين أن أصابعها فقدت حرارتها.لم يكن هناك مجال للشك في ما تراه. كانت هي. وجهها الشاحب، شعرها المبعثر على الوسادة البيضاء، الذراعان المرتخيتان، والرجل الذي لا يظهر منه شيء في الإطار سوى طرف يد تحاول تعديل القماش حول الرضيع. وذاك القماش... قطعة من الشال نفسه
بقيت الصورة على شاشة الهاتف كأنها مسمار دخل في صدرها.الواجهة الأمامية لمنزلها واضحة. الستارة نصف مفتوحة. انعكاس الضوء الداخلي على الزجاج. هي نفسها واقفة في الداخل، وسديم قريبة منها. الزاوية لا يمكن أن تكون من كاميرات البيت. ولا من الشارع مباشرة. كان المصور قريبًا بما يكفي ليراهما، وبعيدًا بما يكفي
تجمدت سرين مكانها لحظة واحدة فقط، ثم تحرك جسدها قبل أن يلحقه عقلها. التفتت نحو الممر المؤدي إلى الحديقة الخلفية، وسمعت الصوت مرة ثالثة، أقرب وأوضح، كأن شيئًا صلبًا ارتطم بالزجاج أو أُلقي عليه من الخارج. لم يكن مجرد تحذير هذه المرة. كان اختبارًا للحدود."ابقَي هنا." خرج صوتها منخفضًا وحادًا.لكن سدي







