首頁 / مافيا / الظل / انكسار الطغيان

分享

انكسار الطغيان

last update publish date: 2026-06-01 10:00:41

استقرت الأنفاس داخل الغرفة الفولاذية المحطمة ببطء شديد، وامتزج دخان البارود الرمادي الكثيف بغبار الجدران المنسوفة، ليشكل غلالة ضبابية خانقة تحركت في أرجائها ظلال الحراس الشخصيين للكامورا الذين بدؤوا في التوافد خلف ماركو لتأمين الممرات وتطهير زوايا السراديب السفلية. لم يكن هناك صوت يتحرك في صمت المكان سوى حشرجات الموت الخافتة الصادرة عن أجساد قناصي عائلة ليون الملقاة فوق الرخام، وصوت قطرات الدم الدافئ المتساقطة بانتظام من خاصرة أليساندرو لترتطم بالأرض الفولاذية الباردة بإيقاع رنان يمزق ما تبقى من تماسك إيلينا النفسي.

كان أليساندرو جاثياً بكامل بنيته العضلية الضخمة وقامته الفارهة على ركبتيه أمام الأريكة المخملية الممزقة، ومحيط جسده الصامت يفرز هالة مرعبة من الجبروت والطغيان الذي انكسر بالكامل أمام رغبته الجارفة في التأكد من سلامة معشوقته النظيفة. قميصه الحريري الأسود تمزق بالكامل عند الجانب الأيمن، وبرزت من تحته اللفائف الطبية البيضاء التي تخضبت بالكامل باللون القرمزي النازف جراء مجهوده الانتحاري العنيف لاقتحام المخبأ وإبادة المقتحمين. وجهه الرجولي الحاد كان شاحباً كبياض الكفن، وشعره الفاحم مبللاً بعرق الحمى المرتدة، وعيناه الرماديتان اللتان خبا بريقهما الأحمر ثبتتا بنظرة تملك مطلق على كف إيلينا اليسرى التي كانت لا تزال تضغط على جرح ذراعها الأيمن.

مد يده اليمنى الثقيلة، الموشومة برأس الخنجر والتاج، بحركة متباطئة ومجهدة للغاية، وقبض بأصابعه الطويلة على معصمها النحيل برقة متناهية تتناقض تماماً مع طبيعته الوحشية، وسحب كفها برفق شديد ليكشف عن خيط الدم الواهن الذي كان لا يزال يسيل فوق بشرتها الشاحبة كالمرمر. انقبض فكه العريض بقوة مرعبة، واهتزت أسارير وجهه الصخري بملامح شيطانية من الغيظ العارم، ونظر إلى جرحها الصغير كأنه طعنة نافذة وُجهت إلى كبريائه الشخصي وفي قلب حصنه المنيع.

"لقد تجرؤوا على لمس جلدكِ النظيف.. جعلوا دمكِ النقي يسيل فوق أرضي،" خرج صوته رخيماً، عميقاً، ويحمل بحة حادة من الوجع والتهديد الزاحف الذي جمد الدماء في عروق الحراس الواقفين خلفه. "ماركو.. أريد رأس الدون ليون الليلة قبل أن تنقشع خيوط الفجر. أريد إبادة خطوطهم العسكرية بالكامل في الشمال، وتحويل نفوذ عائلتهم في روما إلى رماد تذروه الرياح. من يلمس حارسة تاريخي.. فقد كتب كفنه بيده وسيدفن في قاع جحيمي."

التفت ماركو نحو زعيمه الشاب، وانحنى برأسه باحترام عسكري مطلق، ونبس بصوت حاد ورنان: "دون أليساندرو، الجيوش المتحالفة لروما وصقلية قد تشتتت بالكامل عند الأسوار الخارجية للقصر، ورجالنا يبيدون فلولهم الهاربة في الوديان السفلية للتلال في هذه اللحظة. الخرق الأمني في السراديب تم احتواؤه بالكامل بالدم، والطبيب الخاص ينتظرك في الجناح الغربي لإعادة خياطة جرحك قبل أن تفرغ أوردتك من الدماء. الفتاة آمنة الآن، وعلينا الصعود فوراً لتأمين القيادة الشاملة."

لم يستمع أليساندرو لكلمات ماركو؛ بل ظل مركّزاً بالكامل على عيني إيلينا العسليتين الواسعتين الصافيتين اللتين كسا طابعهما ركود تام وذهول صرف من فرط الصدمة السيكولوجية والإنهاك. تحرك بجسده الضخم خطوة إضافية نحوها، وضغط بكفه الدافئة على ذراعها ليوقف نزيف خيط دمها الواهن، ونظر إليها بنظرة رجاء خفية انكسر خلفها جبروته الطاغي لأول مرة، وقال بنبرة منخفضة للغاية سرت في مسام روحها المعذبة: "أصلحي غرزي مجدداً يا إيلينا.. لا تدعي هذا الجسد يسقط قبل أن يثبت لكِ أن ظله قادر على حماية نقائكِ من غدر البشر. أصابعكِ الباردة هي الترياق الوحيد الذي يطرد الوحوش من عقلي، وأنا أفضل الهلاك والنزيف الليلة على أن يلمسني طبيب غريب يمحو أثر يديكِ النظيفتين من خاصرتي."

نظرت إيلينا إلى وجهه الشاحب، وتأملت قطرات عرق المجهود والوجع التي كانت تنحدر فوق جبهته العريضة، وشعرت بغصة حارقة في صدرها المنهك من الجوع والترقب. كان صراعها الداخلي عنيفاً وصادقاً؛ فعقلها يصرخ بها أن تبتعد عن هذا الوحش الدموي الذي صبغ أيامها بالقتل، لكن غريزتها الإنسانية وطبيعتها النظيفة التي ترفض الشماتة في الموت، منعتاها من الصمت أمام رجل كاد أن يفقد حياته ويتمزق بالكامل لكي يمنحها ولادة جديدة ويفتدي وجودها من رصاص الخيانة.

سحبت يدها برفق شديد من بين أصابعه الموشومة، وقامت على قدميها الخائرتين اللتين كادتا أن تخذلاها فوق الفولاذ الملوث، ونظرت إليه بعينين قرحهما الدموع والوجع، وقالت بصوت خافت، هادئ، ويحمل بحة الشجن المرير والأنفة الجريحة: "أنا لا أفعل هذا طاعة لنفوذ الكامورا يا سيد أليساندرو، ولا استسلاماً لسجنك الذهبي الفاخر الذي يطوق أنفاسي؛ بل أفعل هذا لأنني امرأة تعيش لترميم الحياة وتكره رؤية جسد بشري يتلف ويموت أمام عينيها دون حراك. سأصعد معك.. وسأعيد حياكة جرحك الليلة لأبرئ ذمتي أمام مبادئي، وليس اعترافاً بملكيتك لروحي."

ارتسمت على شفتي أليساندرو الحادتين تلك الابتسامة الغامضة، المظلمة، والمليئة بالتعلق السري الهوس المطبق، واستند بيده اليسرى على حافة الأريكة وقام بكامل قامته الفارهة بثبات صخري أذهل الحاضرين، متجاهلاً النزيف الحاد الذي صبغ ثيابه بلون قرمز دافئ. سار بجانبها بخطوات ثقيلة ورنانة، يحيطهما ماركو ورجال النخبة المسلحين ببنادقهم الأوتوماتيكية، وصعدوا معاً عبر الأدراج الحجرية الضيقة للسراديب السفلية، مخلّفين وراءهم مسلخ الملجأ المحطم وجثث الأعداء التي طواها الدمار.

عبروا الجسر الداخلي الممتد بين الجناحين، ودخلوا الجناح الغربي الفاخر حيث يمتد عالم القيادة الخاص بأليساندرو. كانت الأجواء هنا غارقة في صمت حذر، وأضواء الطوارئ الحمراء بدأت تتراجع تدريجياً ليحل محلها وضح النهار الفضي الباهت لليوم الجديد الذي بدأ يتسلل عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة، ليضيء حجم الدمار الطفيف وأثار الرصاص التي طالت الأسوار الخارجية للتلال جراء قصف المدافع بالخارج.

دخلوا غرفة القيادة الشاسعة، حيث تم تجهيز الأدوات الطبية الكبيرة، والزجاجات المليئة بالكحول التطهيري، والإبر والخيوط المعقمة فوق طاولة من الرخام الأبيض الفاخر بناءً على أوامر ماركو العاجلة. تراجع الحراس إلى الخارج وأغلقوا الأبواب الخشبية السميكة ليتيحوا لحارسة التاريخ مواجهة الوحش الجريح بمفردها داخل المحراب الطبي الخاص به.

جلس أليساندرو على مقعد جلدي كبير في وسط الغرفة، وأسند رأسه العريض المثقل بالحمى إلى الخلف، وصدره العريض يرتفع وينخفض بأنفاس متسارعة ومتهدجة تعلن عن وصول إنهاكه الجسدي الشامل إلى ذروته الخطيرة. تقدمت إيلينا بخطوات بطيئة صامتة، وتحولت إلى الممرضة الصارمة والدقيقة التي تتعامل مع قطعة أثرية ثمينة تتفتت بسرعة؛ بدأت في قص قميصه التكتيكي الأسود بالكامل لتكشف عن مكان الإصابة الممزقة. كان المنظر موجعاً وصادماً؛ بعض الغرز الداخلية القديمة والجديدة قد انفتحت بالكامل جراء حركته العنيفة البارحة، والدماء الدافئة والغزيرة تتدفق بنبضات مضطربة لتبدد كل جهود الأطباء في القبو.

نظرت إلى عينيه؛ كانتا مفتوحتين وتحدقان في ملامحها الشاحبة بهوس أعمى وركود رمادي بارد لا يرحم. صبّت الكحول المطهر مباشرة فوق الجرح المفتوح، ليتصاعد صوت أزيز خفيف وينبعث أبخرة التطهير في الأجواء، وينتفض جسد أليساندرو الضخم انتفاضة عنيفة كادت أن تطيح بالأدوات من يدها، وانقبض فكه العريض بقوة مرعبة وتصبب عرق المجهود الحار من جبينه، لكنه لم يغمض عينيه ولم يصدر عنه أنين واحد، كبرياءً وأنفة يرفض معها إظهار الضعف أمام طهرها الإنساني المعذب.

"تحمل.. أرجوك تحمل يا أليساندرو،" همست بصوت مرتجف يملؤه التوتر والخوف الصادق عليه، ووضعت كفها الباردة النظيفة فوق كتفه العريض لتدعمه وتثبته فوق المقعد لمنع تشنج عضلاته.

أمضت الساعتين التاليتين في معركة حقيقية، ضارية، وصامتة ضد الفناء والتسمم؛ كانت أصابعها النحيلة تتحرك بدقة بالغة وبطء شديد فرضته طبيعة التمزق الداخلي للأنسجة. بدأت في إدخال الإبرة الطبية وإعادة خياطة حواف الجرح المفتوح، غرزة تلو الأخرى، خيطاً تلو الآخر، في مشهد سيكولوجي حاد يعكس تداخل الأرواح بالدم؛ فالفتاة التي تعيش لترميم اللوحات الميتة تعيد الليلة نسج حياة الرجل الذي سلبها حريتها، وكل غرزة تضعها بأصابعها الباردة تبدو وكأنها ترسم خطاً جديداً ومقيداً في لوحة قدرها الخاص بجانبه داخل أسوار قلعته.

كان عرق المجهود يتصبب من جبين إيلينا ليختلط بدموع التوتر والشجن التي كانت تنهمر من عينيها العسليتين بحرية، وتناثرت القطع القطنية المخضبة بالدماء حول المقعد الجلدي، بينما كان أليساندرو يستسلم تدريجياً للمسة أصابعها الباردة التي كانت بمثابة الترياق السحري الوحيد الذي يطرد الوحوش والأشباح من عقله الشارد ويثبت السكينة الدافئة في روحه الملتوعة. ومع كل حركة للخيط الطبي، كان صدره العريض يهدأ، ونبضات قلبه تصبح أكثر عمقاً وهدوءاً، وحرارة الحمى المرتدة بدأت تتراجع لتترك بشرته الشاحبة في حالة من السكون الدافئ والاستقرار الحيوي الكامل.

بعد ما بدا وكأنه دهر ممتد من المعاناة والمجهود الشاق، وضعت إيلينا الغرزة الأخيرة بدقة متناهية، وقطعت الخيط الطبي، ثم قامت بلف شاش أبيض نقي بإحكام شديد حول خاصرته وصدره، متأكدة من أن النزيف قد توقف بالكامل، وأن بنيته العضلية الفارهة قد استعادت تماسكها وصمودها الصخري المعتاد أمام أعدائه بالخارج.

رمت بجسدها المنهك بالكامل إلى الوراء، وجلست فوق مقعد خشبي صغير ملاصق له، وأنفاسها تتصاعد بعنف من فرط التعب والجوع وضغط اللحظات الرهيبة الماضية. كانت يداها وثيابها الناعمة ملوثة بالكامل بدمائه الدافئة، وعقلها غارق في ذهول صرف وهي تنظر إلى صنع يديها؛ لقد أنقذت قيصر الشمال للمرة الثالثة، وجعلت من طهر إنسانيتها الدرع الذي يعيد فرضه على رقاب الخصوم بالخارج.

تحركت أجفان أليساندرو الثقيلة، وفتح عينيه الرماديتين ببطء شديد، وكان بريقهما الأحمر قد انقشع بالكامل ليحل محله ركود رمادي بارد، عميق، ويملؤه الامتنان المكبوت والهوس المطبق الذي لا يرحم أحداً في قلعة الظل. نظر إليها وهي جالسة في حالة انهيار جسدي بجانبه، ومد يده اليمنى الموشومة برقة بالغة وبطء شديد ليقبض على كفها الرقيقة الملوثة بدمه، وضغط عليها بثبات مطلق وعنفوان تملك أوصالها، ونبس بنبرة منخفضة للغاية، رخيمة، وتغلغلت في مسام روحها المعذبة: "لقد فعلتِها مجدداً يا حارسة التاريخ.. أعَدْتِ خياطة حياتي بأصابعكِ الباردة، وأثبتِّ للقدر أنكِ الأنفاس الوحيدة التي تحمي أليساندرو من الفناء الشامل وتمنحه القوة لتحطيم عروش أعدائه. أنتِ تعتقدين أنكِ أنقذتِ عدواً أبرأتِ به ذمتكِ أمام مبادئكِ، ولا تعلمين أنكِ الليلة قد نقشتِ ملامحكِ في عمق روحي بحبر من الدم والرماد، ولن يستطيع أحد في هذا العالم انتزاعكِ من ظلي بعد أن صبغتِ خاصرتي بدموع قهركِ وطهر يديكِ."

لم تجبه إيلينا بكلمة؛ كانت تكتفي بالنظر إليه بعينين عسليتين غارقتين بالدموع والإنهاك الشامل، وشعرت بأن قبضته الموشومة الممسكة بكفها أصبحت كالقيد الحديدي غير المرئي الذي يربط مصيرها وبراءتها الفنية بمصيره وبناره المشتعلة إلى الأبد. سحبت يدها بضعف شديد، وقامت على قدميها الخائرتين، وسارت بخطوات متعثرة نحو الباب الخشبي لتغادر الغرفة وتعود إلى جناحها الجديد، تاركة خلفها الزعيم الشاب يستقبل نومه العميق والآمن بعد أن طردت أصابعها الأشباح من محرابه الطبي وعمدت انتصار الكامورا بالدم والنار، لتنتهي سطور انكسار الطغيان بـفرض السيادة المطلقة للظل وبصعود العرش المظلم بجانب معشوقته النظيفة التي غدت جزءاً لا يتجزأ من حكاية الفناء التي لا تعرف معنى الرحمة أو النسيان.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status