Home / مافيا / الظل / موكب الصمت

Share

موكب الصمت

last update publish date: 2026-06-02 17:36:53

غادرت ذرات الغبار الذهبي العالقة في فضاء قاعة العرش الكبرى للقصر سكونها الرتيب، لتتراقص بعنف خلف خطوات أليساندرو الثقيلة والمنظمة وهو يهبط الدرج الرخامي للمنصة الحجرية الشاهقة، مطوقاً بكفه اليمنى الضخمة والموشومة أصابع إيلينا النحيلة المرتجفة. لم يكن صعودهما إلى معاقل الجناح الغربي مجرد تحرك جسدي لإنهاء ليلة الفناء، بل كان موكباً جنائزياً مهيباً صبغه الصمت المطبق الذي لف أرجاء القصر، صمت يشبه الصمت الذي يعقب الكوارث الكبرى عندما تضع الحرب أوزارها وتستسلم الأرض لرماد الجثث. تحرك الموكب ببطء شديد، يتقدمه (ماركو) بقامته العضلية الصارمة، ويحيطه ثمانية من رجال النخبة الأشداء الذين انتصبت بنادقهم الأوتوماتيكية السوداء نحو الأعلى في وضع الاستعداد التام، وانحنت رؤوسهم الصخرية غريزياً هيبة للزعيم الشاب الذي استعاد عرشه بالدم.

كان حفيف ثوب إيلينا الناعم الملوث ببقع الدم القانِ والرماد المشتعل يصدر صوتاً خافتاً، رتيباً، ومؤلماً فوق الرخام المصقول، ممتزجاً بالصوت الرنان الجاف لضربات عصا أليساندرو الفضية الأثرية التي كان يتكأ عليها بثبات وحشي يرفض الاعتراف بالنزيف المخفي تحت سترته. شعرت إيلينا بأنفاس المافيا المطبقة تحاصر وجودها بالكامل، فكل خطوة تخطوها تبتعد بها عن عالمها القديم النظيف وتغرس جسدها الرقيق داخل دهاليز قلعة الكامورا. كانت عيناها العسليتان الواسعتان الصافيتين تحدقان في الأرض بنفاد أمل وذهول صرف، محاولةً تجاهل نظرات التملك المطلق والهوس الأعمى التي كانت تنبعث من عيني أليساندرو الرماديتين الباردتين اللتين لم تفارقا وجهها الشاحب طوال مسيرهم عبر الممرات الطويلة والمقوسة للقصر.

تجاوزوا المنعطف الرئيسي المؤدي إلى ردهة الفرسان، حيث بدت الجدران العاجية الشاهقة مطعونة بآثار الرصاص والشظايا التي خلّفها قصف المدافع بالخارج، ولوحات الأسلاف القديمة المعلقة تم ترميم بعضها جزئياً بآلية صامتة تعكس الكفاءة المرعبة لرجال الشمال. كان الخدم والحراس يصطفون على جانبي الممر الطويل كالأوثان الميتة، ناعمي الخطى وخافضي الأبصار، لا يجرؤ أحد منهم على رفع عينه ليرى وجه "حارسة التاريخ" التي أصبحت الليلة المحور الرئيسي والعلامة الفارقة لعاصفة الدمار التي ضربت توسكانا، والتي تحولت بأمر من سيدها إلى الملكة غير المتوجة لإمبراطورية الدم والرماد.

ساد الصمت لبرهة طويلة، صمت أثقل من الجبال خنق كل محاولات التفكير في وعي إيلينا الملتوع، ليقطعه أليساندرو بنبرة منخفضة للغاية، رخيمة، وتحمل بحة السلطة الأرستقراطية الباردة التي جمدت الدماء في العروق: "خطواتكِ ثقيلة ومتعثرة يا إيلينا، كأنكِ تجرين سلاسل غير مرئية تربط وجودكِ بـالماضي الساكن الذي دُفن تحت ركام مرسمكِ القديم. عليكِ أن تعتادي ملمس هذا الرخام، وأن تفهمي أن الصمت الذي يحيط بكِ الليلة هو الطاعة المطلقة التي فرضتها ناري على رقاب الجميع لأجل حمايتكِ. أنتِ لستِ أسيرة في مؤخرة الموكب، بل أنتِ الأنفاس التي تمنح هذا العرش الأسود شرعيته بالدم، وبقاؤكِ في ظلي غدا قانوناً لا تملك عائلات روما القدرة على كسر قيوده المشتعلة."

لم تلتفت إليه، وظلت عيناها العسليتان مثبتتين نحو الأمام بـأنفة جريحة وشجن مرير، ونبست بصوت خافت، مبحوح، ويحمل رنين الكبرياء الذي لم تستطع البنادق تدميره: "هذا الصمت الذي تفتخر به يا سيد أليساندرو ليس طاعة، بل هو خوف مجمّد يملأ أركان قصرك الملطخ بالجريمة. أنت سحبتني من قبو الموت لتضعني بجانب عرشك الأسود المصنوع من خشب الأبنوس، وتظن أن قوة سلاحك قادرة على تدجين روحي وإجبارها على نسيان فظاعة المجازر التي ترتكبها لأجل هوسك الأناني بنقائي. ثوبي ملوث بدمائك الناتجة عن مجهودك الانتحاري، ويدي ما زالت ترتعش من أثر الغرز التي خطتها في خاصرتك، وأنا لم أفعل ذلك اعترافاً بـملكيتك لوجودي، بل انتصاراً لمبادئي الطاهرة التي تعيش لترميم الحياة وتكره رؤية الفناء."

انقبض فك أليساندرو العريض بركود مخيف، واشتعل بريق رماديتيه بنار خفية وضغط بجانب يده الموشومة على معصمها بقوة ألمتها، لكنه لم يتراجع؛ بل تابع مسيره المهيب بثبات صخري وعنفوان صلب يرفض الانكسار، عازماً على إخضاع كبريائها العذب لنفوذه المطبق بمرور الأيام والساعات داخل أسوار حصنه.

وفجأة، وفي قلب هذا السكون الحذر والموكب الجنائزي الصامت، وقبل أن يصلوا إلى عتبة البوابة الكبرى للجناح الغربي المحصن، انكسر حبل الهدنة بحركة صاعقة، مفاجئة، ومدمرة قلبت موازين القصر بأسره وأشعلت الحريق في أروقة الحكاية من جديد.

دوى صوت انفجار داخلي عنيف، ليس من الخارج هذه المرة وليس بفعل مدافع عائلة ليون، بل انبعث من قلب (غرفة الاتصالات السرية والمراقبة الإلكترونية) الواقعة في منتصف الممر الرئيسي للجناح الغربي مباشرة. تطايرت الأبواب الخشبية السميكة والمطعونة بالفولاذ لتتحول إلى شظايا مدمرة ومشتعلة تناثرت كـالشهب في الهواء، واندلعت ألسنة لهب زرقاء كيميائية كثيفة وخانقة لتملأ الردهة الشاسعة بالدخان الأسود الذي حجب الرؤية في أجزاء من الثانية، مصحوباً بـصراخ حاد ومفاجئ لرجال الأمن المكلفين بإدارة الأجهزة الرقمية بالداخل.

تحرك الحراس الشخصيون في لمحة بآلية عسكرية جنونية؛ أحاط أربعة منهم بجسد أليساندرو وإيلينا لتشكيل درع بشري كثيف بـأجسادهم الضخمة وستراتهم التكتيكية، بينما اندفع ماركو كالفهد الكاسر مسلّطاً بندقيته الرشاشة نحو مصدر الدخان، وصوت طلقات الرصاص الأوتوماتيكية اندلع بكثافة مرعبة في العتمة نحو ظلال تحركت بـسرعة خلف اللهب. لم يكن هذا هجوماً خارجياً، بل كانت خيانة داخلية من نوع آخر، خرقاً أمنياً صامتاً وصاعقاً استهدف تدمير عقول القصر الإلكترونية وشل حركة القيادة الشاملة لأليساندرو في لحظة انتصاره بالخارج.

وسط الدخان الخانق والأضواء الحمراء لصفارات الإنذار التي انطلقت بعنف جنوني لتملأ القصر بـالرعب، تحرك ظل ضخم من وسط النيران، ظل رجل يرتدي سترة حراس الكامورا نفسها وقناعاً واقياً من الغاز، حاملاً بيده خنجراً عريضاً ومسموماً، واندفع بـسرعة انتحارية مرعبة متجاوزاً الحراس المصدومين، متجهاً مباشرة نحو عنق إيلينا ليقتلع الطعم النظيف ويحرق قلب وحش الشمال في محراب حصنه.

انقبض قلب أليساندرو بغضب شيطاني وهوس أعمى تخطى حدود العقل، وبحركة صاعقة ومحترفة أفلت كف إيلينا، ودفع بجسدها الرقيق بقوة خلف العمود الرخامي الكبير ليحمي وجودها من الخنجر المسموم، واستدار بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة، متناسياً جرح خاصرته المرمم حديثاً والذي انفتح بالكامل لتتدفق الدماء الدافئة بغزارة تصبغ قميصه، ورفع مسدسه الفضي بيده اليمنى بثبات مرعب، وأطلق رصاصة رعدية واحدة من مسافة صفر اخترقت جبهة الخائن لتطيح بـوجوده أرضاً غارقاً في دمائه فوق الرخام الملوث.

سقط الخائن جثة هامدة، وتراجع الدخان ببطء بفضل أنظمة التهوية الطارئة، ليتكشف المشهد عن فظاعة الخيانة الداخلية التي ضربت معسكر الكامورا في مقتل؛ فالرجل المقتول لم يكن سوى (رئيس أمن الجناح الغربي)، أحد الرجال المقربين لماركو والذين كانوا يقفون قبل دقائق في قاعة العرش يقسمون على الولاء بالدم. كان هذا الحدث الصاعق كفيلاً بـتحويل نشوة النصر العسكري بالخارج إلى مسلخ سيكولوجي حاد من الشك والارتياب المطلق الذي سيحرق الهدوء ويدمر السكينة في حياة بطلتنا المعذبة، ويعيد حياكة المؤامرة من الداخل بحبر من النار والرماد الزاحف.

وقف أليساندرو وسط الركام، وجسده الضخم يهتز بعنف جراء الغضب العارم والنزيف الحاد الذي بدأ يغمر ثيابه الفاخرة، وعيناه الرماديتين تشتعلان بـبريق جنوني مرعب ثبتتا على وجه إيلينا الراقدة خلف العمود وهي ترتجف بذعر شل حركتها الصامتة. التفت نحو ماركو بصوت رعدي خشن ومتحشرج هز أركان القصر بالكامل: "ماركو! أغلِقوا القصر بالكامل! لا يخرج طير ولا يدخل بشر! خذوا جثة هذا الكلب وافحصوا من تواصل معه في روما أو داخل توسكانا! الخيانة تنام في فراشي.. وسأبيد كل من خان ظلي بأبشع الطرق الليلة!"

ثم التفت نحو إيلينا، وتقدم نحوها بخطوات متثاقلة مجهدة، وركع على ركبتيه فوق الرخام الملوث، ومد ذراعيه القويتين ليقبض على جسدها الرقيق ويسحبه بقوة وعنفوان نحو صدره العريض الصخري، محتضناً إياها بـهوس وجنون مطلق يملؤه التعلق السري الخانق، ومتمتماً بحشرجة مبحوحة: "أنتِ معي.. ولن تخرج الخيانة من جحري حية لتنال من نقائكِ وأنا أتنفس الليلة." استسلمت إيلينا بالكامل بين يديه، ودموع قهرها تنهمر بحرية لتغسل آثار غبار المعركة الجديدة عن وجنتها الشاحبة، مدركة بغصة حارقة في صدرها أن موكب الصمت الجنائزي البارحة لم يكن سوى بداية الحريق الأكبر الذي سيلتهم ما تبقى من براءتها الفنية داخل أسوار قلعة الظل الكامورا التي لا تعرف معنى الرحمة أو النسيان.

كانت الأضواء الحمراء للطوارئ تضرب الجدران المهدومة بانعكاسات مشوهة تزيد من رعب المشهد وقسوته العسكرية الصارمة، ورجال النخبة يتحركون من حولهم بـانسيابية مرعبة لتنفيذ أوامر الإغلاق الشامل وتطهير ممرات الجناح الغربي ببنادقهم الأوتوماتيكية المشرعة نحو العتمة.

كان الصمت الذي أعقب الانفجار أشد ثقلاً وخناقاً من الصمت الأول؛ فالخوف من العدو الخارجي في الوديان تحول الليلة إلى ذعر حاد وصامت من الأشباح التي تسكن الممرات وتتحرك في الظل بغدر يعجز السلاح عن كبحه. شعرت إيلينا بـقبضة أليساندرو الموشومة المطبقة حول ظهرها وخصرها تزداد قوة وقسوة، كأنه يحاول دمج جسدها بروح الصخرية ليمنع القدر من انتزاعها، وعلمت في قرارة نفسها المعذبة أن طهر إنسانيتها غدا اللعنة الكبرى التي تحرق حصون القياصرة وتكتب فصول الفناء بحبر لا يموت ولا يرحم الضعفاء في أرجاء البلاد بأسره.

تحرك ماركو بخطوات رنانة صامتة وسط الدخان المتراجع، وعيناه القاسيتان تنضحان بـوجع حقيقي وغضب عارم جراء خيانة صديقه ورئيس أمنه؛ انحنى والتقط الخنجر المسموم بـقفازه الجلدي الأسود، ونظر نحو أليساندرو بنظرة ولاء أعمى وصرامة قاطعة: "دون أليساندرو.. جهاز اللاسلكي الخاص بالخائن كان متصلاً بـتردد مشفر وسري يعود لإقليم (لوكا) المجاور في توسكانا، يبدو أن المؤامرة حيكت هنا، داخل حدودنا، والحليف الخفي الذي سهل تسلل رجال ليون البارحة هو الدون (ماتيو) زعيم شبكة التهريب الغربية الإقليمية. الخيانة لم تأتِ من العاصمة فقط يا سيدي، بل هناك من أراد طعن عرشك في الظهر ليستولي على معابر الشمال بالكامل مستغلاً انشغالنا بالحرب."

تحركت تقاطيع وجه أليساندرو بملامح شيطانية زاحفة، وتلاشى كل برود أرستقراطي من عينيه الرماديتين ليحل محله جنون حقيقي وهوس مطلق أفرز هالة مرعبة من الخطورة شلت حركة الهواء المحيط؛ قام بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة بثبات صخري صدم ماركو نفسه، وسحب مسدسه الفضي مجدداً، ونبس بنبرة منخفضة للغاية هزت وجدان الحاضرين وأركان الجناح بأسره: "ماتيو.. الكلب العجوز ظن أن غرز الطبيب ستمنع أليساندرو من ركوب الخيل وتحريك الجيوش. ماركو.. جهزوا سياراتنا المدرعة وفصائل النخبة الأولى فوراً بالأسلحة الثقيلة. لن ننتظر الصباح ولن نغسل دماء الليلة بالراحة؛ بل سنتوجه الليلة مباشرة نحو قلعة ماتيو في لوكا لـنبيد وجود عائلته بالكامل من السجلات الرسمية للأحياء، وسأجعل من رأسه القذر القربان الجديد الذي أثبت به لعائلات صقلية أن من يخون ظلي.. يذبح وتأكل الكلاب لحمه في العتمة."

ثم التفت نحو إيلينا وثبت نظراته الحادة المشتعلة على عينيها العسليتين الواسعتين الصافيتين، وقال بنبرة رصينة وقاطعة كحد السيف المسموم: "أنتِ آتية معي في هذه القافلة العسكرية يا حارسة التاريخ؛ لن أترككِ الليلة بمفردكِ خلف جدران هذا القصر المنيع المكسور بعد أن نجحت الخيانة في اختراق ممراتي. وجودكِ بجانبي داخل سيارتي المدرعة وتحت نظري هو الأمان الوحيد المتبقي لكِ ولي في هذا العالم، ونقاؤكِ الطاهر سيشهد الليلة على انكسار ماتيو وتحطم عرشه الغادر تحت أقدامي بالدم والنار، لتتعلمي كيف يصنع السلام في عوالمنا بحرق القلاع وإبادة الخونة دون ترك أي مساحة للرحمة أو النسيان."

لم تملك إيلينا القدرة على الاعتراض أو الرفض؛ بل تركت خطواتها تتبع قامته الفارهة وآليته الحارقة وهي تُقاد مجدداً نحو موكب عسكري أشد خطورة وفتكاً، موكب سيتحرك في غسق الليل نحو إقليم لوكا ليشعل نيران المجزرة الشاملة والرماد المشتعل رسميًا في أرجاء توسكانا، تاركة خلفها ركام غرفة الاتصالات ودخان الغدر الصامت يتلاشى ببطء بانتظار صعود العرش المظلم واستقرار الأنفاس بجانبه إلى الأبد في قلب إمبراطورية الدم التي لا تعرف معنى النسيان.

وسارت القافلة العسكرية المدرعة للكامورا بعد دقائق معدودة خارجة من البوابات الحديدية الكبرى للقصر الفلورنسي، ممتدة كـأفعى سوداء ضخمة ومسلحة تخترق ضباب التلال القاسي بسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل بالخارج. كانت السيارات المدرعة تطلق ومضات طوارئ رمادية باهتة تحجب ملامح الوجود، وصوت محركاتها الضخمة كان الصوت الوحيد الذي يصبغ ليل توسكانا بنبرة من الاستنفار العسكري الشامل، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع عائلة ماتيو الغادرة بانتظار الحساب العنيف الذي يفرضه وحش الشمال بكامل بطشه وجبروته المطلق لحماية معشوقته النظيفة والاحتفاظ بنور وجودها داخل ظله المطبق الذي لا يرحم أحداً.

وفي داخل السيارة المدرعة الرئيسية الشاسعة ذات المقاعد الجلدية الداكنة والإضاءة الصفراء الباهتة، كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على الإطار المعدني البارد ليدعم قدميها الخائرتين، وعيناها العسليتان تراقبان وجه أليساندرو الراقد بجانبها بكامل مهابته وسلطته، حيث كان يمسك بكفها الرقيقة النظيفة بيده الموشومة بثبات مطلق وعاطفة وحشية تملكت أوصالها الشاردة، بينما كان الدم الدافئ لا يزال ينزف سراً من خاصرته ليصبغ الشاش وثيابه الثمينة دون أن ينبس ببنت شفة، كبرياءً وأنفة يرفض معها الانحناء أمام الفناء، ومصراً على كتابة السطور الأكثر دموية وعمقاً في رواية الهوس والنار بحبر لا يموت ولا يعرف معنى التراجع، لتنتهي حكاية موكب الصمت الجنائزي بـبدء معركة الإبادة الجديدة بالخارج وبفرض السيادة المطلقة للظل بجانب معشوقته النظيفة التي غدت جزءاً لا يتجزأ من جحيم عوالمهم المظلمة التي لا ترحم أحداً.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الظل   ريشة الترميم الأولى

    بزغت خيوط الصباح الفضي الأول بعد ليلة المطر الدافئة، لتنساب ناعمة، شاحبة، ومحملة بـبريق دافئ عبر النوافذ الزجاجية المقوسة للمكتبة الأثرية الشاهقة، وتطرد بقايا عتمة الليل عن رفوف خشب الجوز الداكنة. غادرت إيلينا جناحها الخاص الجديد مع إشراقة الشمس، وسارت بخطوات متئدة، هادئة، وخالية تماماً من ثقل الذعر القديم؛ فقد تبدد صخب الحروب والبنادق بالكامل عن أروقة الحصن، وحل محله سكون رتيب وساحر منح روحها المنهكة هدنة حقيقية طالما تمنت الحصول عليها منذ احتراق مرسمها القديم في فلورنسا.دلفت إلى قلب المكتبة الشاسعة، فـأبصرت تحولاً مفاجئاً جمد الدماء في عروقها الشاحبة وأثارت في وجدانها دهشة غامرة؛ فقد قام الخدم بأمر مباشر وصارم من أليساندرو بـتحويل الزاوية المعزولة للمكتبة إلى مرسم ملكي فاخر ومتكامل يتناسب مع أدق تفاصيل مهنتها الطاهرة. وضعت هناك طاولات خشبية عريضة مصقولة، وحوامل لوحات شاهقة مصنوعة من خشب الأرز الفواح، وصناديق مخملية مفتوحة اصطفت في جوفها محابر زجاجية مترعة بـالصموغ الطبيعية النادرة، وفُرش زيبيلين ناعمة، ولفائف من الكتان والقطن الخالص النقي الذي يستخدم في رتق المساحات الميتة للوحات ا

  • الظل   ترانيم العقد الصافي

    انقشعت غيوم الصيف العابرة عن سماء فلورنسا، وحلّت محلها حبات مطر خفيفة، دافئة، وناعمة بدأت تتساقط بانتظام فوق تلال "فيسولي" الشاهقة، لـتغسل زجاج النوافذ المقوسة للمكتبة الأثرية وتصدر حفيفاً رتيباً تداخل بـشكل ساحر مع صمت القاعة الشاسعة. تراجعت خيوط النهار بالكامل، واشتعلت الثريات البرونزية بأضواء خافتة انعكست فوق رفوف الجوز الداكنة وظهور المجلدات الجلدية العتيقة، محولة المحراب الفني المعزول إلى مساحة غارقة في دفء إنساني نادر لم تشهده أسوار القصر منذ قرون خلت.تحرك أليساندرو بجسده الضخم بخطوات متباطئة، متزنة، ومستقرة، خلت تماماً من عرج الألم القديم؛ فقد بدأت جراحه العميقة تتماثل للشفاء بفضل الراحة، وقميصه الحريري الأبيض الفضفاض كان يتحرك بنعومة فوق بنيته العضلية الفارهة وهو يسير بجانب إيلينا نحو الشرفة العريضة المطلة على أشجار السرو والوديان السفلية. كانت إيلينا تسير بجانبه بثيابها القطنية الناعمة، وعيناها العسليتان الواسعتين الصافيتين ترقبان تساقط المطر بـهدوء تام انقشعت معه ملامح الذعر القديم، وشعرت بأن الأنفاس المافيا المطبقة التي حاصرت أيامها قد تبددت لـيحل محلها هذا الشجن الوجداني

  • الظل   لمسة من المخمل

    لم تكن عتمة الليل التوسكاني مجرد غياب للضوء خلف نوافذ المكتبة الأثرية الشاهقة، بل استحالت إلى غلاف دافئ عزل الغرفة الشاسعة بالكامل عن بقايا صخب العالم الخارجي، وترك أروقة الجوز الداكنة تسبح في بحر من السكون الرتيب الممزق فقط بأنفاسهما المتهدجة. بقيت الأصابع النحيلة لإيلينا متداخلة برقة بالغة وعمق دافئ فوق كف أليساندرو اليمنى الموشومة، مثبتة حركة ريشته القديمة فوق أطراف المخطوطة الأثرية النادرة التي تآكلت حوافها القطنية بفعل الرطوبة والزمن. كان الامتزاج الجسدي بينهما قد تخطى في تلك الثواني الممتدة كافة حدود الحذر والشك القديم، ليتسلل التيار الدافئ والجاذبية المظلمة إلى مسام روحيهما، معلناً تراجع جبروت السجان أمام نقاء معشوقته.تراجع أليساندرو بجسده الضخم حركية طفيفة نحو الخلف، مستنداً بكامل ثقله وبنيته العضلية المهيبة على حافة المقعد المخملي الطويل ذو اللون القرمزي الداكن الملاصق للطاولة الدائرية، ودون أن يفلت كفها النحيل، سحب جسدها برفق شديد لتجلس بجانبه مباشرة فوق المخمل الناعم. تفصل بين ملامحهما سنتيمترات قليلة ملأت الهواء برائحة عطر الأرستقراطية الفاخرة ورائحة كحول التطهير والياسمي

  • الظل   حبر ومخطوطة

    تسلّق غسق الليل الفضي شرفات القصر العتيق ببطء شديد، لينشر ظلالاً هادئة وناعمة امتدت عبر النوافذ الزجاجية الشاهقة للمكتبة الأثرية، ممتصة ما تبقى من ضوء النهار التوسكاني الباهت. بقيت إيلينا مستقرة فوق المقعد المخملي القرمزي الداكن، وعيناها العسليتان تتأملان حركة ذرات الغبار الدقيقة العالقة في فضاء القاعة الشاسعة، بينما كان سكون المكان يلف أنفاسها برداء من السكينة الدافئة التي لم تعهدها منذ دخولها فلورنسا. كانت تداعب بأصابعها النحيلة أطراف المخطوطة اللاتينية القديمة، وشعرت بأن الرعب الذي سكن عظامها طوال أسابيع الحروب بدأ يتلاشى تدريجياً ليحل محله ذلك الفضول الإنساني العميق والمشحون بانتظار خروج أليساندرو من غرفته الحصينة.انقطع حبل الصمت الرتيب بصوت رنين حركة خافطة ومكتومة؛ انفتحت البوابات الخشبية الضخمة المصنوعة من خشب الأبنوس بانسيابية صامتة، ليدلف من خلالها أليساندرو بكامل قامته الفارهة وبنيته العضلية الضخمة المهيبة. لم يكن يرتدي الليلة حُلته الرسمية السوداء الصارمة، ولا سترته التكتيكية الملطخة بالدماء؛ بل كان يرتدي قميصاً كلاسيكياً بسيطاً وفضفاضاً من الحرير الأبيض الناعم، ترك أزراره

  • الظل   أروقة النسيان

    انقضى أسبوع كامل على معركة "لوكا" الخاطفة التي شلت حركة الخيانة في إقليم الغرب بأكمله، فاستقرت الأوضاع السياسية والعسكرية في الشمال التوسكاني، ولفت السكينة الحذرة والعميقة أرجاء القصر الفلورنسي العتيق الذي خلع رجاله ملابس الحرب والسترات التكتيكية السوداء ليحل محلها السكون الرتيب لليالي الصيف الهادئة الوادعة. تراجعت أصوات محركات السيارات المدرعة وحفيف الأسلحة الأوتوماتيكية الحادة عن الباحات الحديدية الكبرى المحيطة بالحصن، وبدأت خيوط الشمس الدافئة تغسل بانتظام وتأنٍ آثار الشظايا والرماد المتبقي فوق الأسوار الخارجية، لتعيد للمبنى الأثري الشاهق مهابته الأرستقراطية القديمة وعزلته الفاخرة التي طالما اشتهر بها لقرون خلت في سجلات عائلات الجريمة المنظمة بإيطاليا.في قلب هذا الهدوء النادر والساحر، كانت إيلينا تتحرك بحرية كاملة لأول مرة منذ أسرها، بأمر صارم ومباشر أصدره أليساندرو لكافة عناصر النخبة والخدم بقصر الكامورا، وهو أمر قضى بفتح الأبواب الداخلية ومنحها السيادة المطلقة للتجول في أرجاء الحصن دون رقابة مسلحة تشل حركتها الصامتة أو تذكرها بسجنها الذهبي. ارتدت ثوباً قطنياً فضفاضاً بلون الياسمي

  • الظل   قربان إقليم لوكا

    انطلقت الأفعى الحديدية المدرعة لقافلة عائلة الكامورا تخترق ضباب الليل الكثيف، متجهة نحو الغرب المشتعل حيث تقبع معاقل الخيانة في إقليم "لوكا". كانت السيارات الضخمة تتحرك بـسرعة جنونية وانسيابية مرعبة تنذر بـالدمار الشامل، ومصابيح الطوارئ الرمادية الباهتة تطلق ومضات متقطعة تكشف عن وعورة الطرق الجبلية الملتوية المؤدية إلى قلعة الدون ماتيو. انعدم الصوت تماماً داخل مقصورة السيارة الرئيسية الشاسعة، وحل محله هدير المحركات القوي وصوت أنفاس أليساندرو الحارة والمتهدجة وهو يجلس بكامل قامته الفارهة بجانب إيلينا، ممسكاً بـكفها النحيلة بقبضة موشومة تفرز حرارة التملك المطلق والعاطفة الوحشية التي لم تخمدها طعنات الألم الفظيع في خاصرته النازفة.كانت إيلينا تجلس متجمدة بالكامل، وجسدها الرقيق يستند على المقعد الجلدي الداكن البارد، وعيناها العسليتان الواسعتان تراقبان من خلف الزجاج المدرع الداكن معالم الطبيعة الشرسة التي بدأت تتكشف مع اقترابهم من حدود لوكا. كانت تشعر بـبقع دمه الدافئة الجديدة التي انبعثت جراء تمزق غرزه الطبية قبل قليل تلتصق بـثوبها المخملي، لتعيد إلى وعيها مرارة الواقع المطبق الذي يرفض من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status