Share

الفصل49:الرحيل

Author: Ikram
last update publish date: 2026-11-01 00:00:08

نظرت إليها، وشعرت بأن الكلمات التي كنت أريد قولها أصبحت أثقل مما توقعت. لم يكن الأمر متعلقًا بالعصا وحدها، بل بالمغادرة التي اقتربت حتى لم يعد هناك شيء يؤجلها. حاولت الابتسام، لكنني وجدت نفسي أقترب منها وأعانقها بدلًا من الإجابة.

احتضنتني أمي بقوة هادئة، ثم أبقت يدها على ظهري للحظات. لم تطلب مني أن أعدها بعودتي سريعًا، ولم تحاول إخفاء حقيقة أن الفراق صعب، بل اكتفت بأن تضمّني كما لو أنها تريد أن تمنحني بعض الطمأنينة أحملها معي.

أغمضت عينيّ، واستنشقت رائحتها المألوفة، وشعرت بأنني عدت للحظات إلى الأيام التي كنت ألجأ فيها إلى حضنها كلما أخافني شيء. لم أكن أعرف كيف سأواجه الأيام المقبلة، ولا إن كنت سأتمكن من إخفاء ارتباكي أمام أشخاص لا أعرفهم، لكن ذراعيها حولي جعلتني أشعر بأنني ما زلت أملك مكانًا أستطيع العودة إليه مهما تغيرت الأشياء.

"اعتني بنفسك، كارينا."

"سأفعل يا أمي."

حاولت أن أجعل صوتي ثابتًا، لكنني لم أستطع منع الحزن من الظهور فيه. ابتعدت عنها قليلًا، فرفعت أمي يدها ولمست خدي بحنان، ثم ابتسمت لي ابتسامة صغيرة بدت وكأنها تخفي خلفها كلمات كثيرة لم ترغب في قولها.

ابتعدت عنها أكثر، ثم لمست قلادتي التي ظلت حول عنقي طوال التجهيز والوداع. استقرت في مكانها المعتاد، مألوفة كما كانت منذ طفولتي، وشعرت برغبة في التأكد من أنها ثابتة، قبل أن أعيد يدي إلى حقيبتي وأحكم قبضتي حول حزامها.

كانت القلادة جزءًا من حياتي إلى درجة أنني نادرًا ما فكرت في وجودها حول عنقي، لكنني اليوم انتبهت إلى وزنها الخفيف فوق صدري. مررت أصابعي على سطحها للحظة، ثم تركتها تستقر في مكانها، وكأنني أطمئن نفسي إلى أن بعض الأشياء ستبقى معي حتى لو ابتعدت عن كل ما اعتدت عليه.

وقف لوسيان إلى جانبي، وقد خف مزاحه المعتاد، لكنه لم يترك اللحظة تمر دون تعليق خفيف. "حسنًا، إذا انتهيتما من الوداع، فربما ينبغي أن نتحرك قبل أن يقرر أبي القدوم إلينا ومعه قائمة جديدة من الأشياء التي يجب التأكد منها."

نظرت إليه، وظهرت ابتسامة صغيرة على وجهي رغم الحزن. "أنت من كان سيحتاج إلى قائمة لو تركناه يرتب الحقيبة."

"أنا على الأقل كنت سأضع الأشياء في أماكنها بدلًا من التحديق فيها."

"كنت أفكر."

"أعرف. لقد استمعنا جميعًا إلى هذه الحجة طوال الصباح."

هززت رأسي وأنا أحاول كتم ضحكتي، ثم نظرت إلى أمي مرة أخرى. كان لوسيان يتعمد إبقاء الحديث عاديًا، كأنه يعرف أن أي كلمة جادة أخرى قد تجعلني أعود إلى احتضانها وأتأخر عن الرحيل.

لم أكن متأكدة إن كان يفعل ذلك من أجلي أم من أجل نفسه، لكنه نجح في تخفيف شيء من الثقل الذي استقر في صدري. أحيانًا كان مزاحه مزعجًا، خصوصًا حين يصر على تذكيري بأخطائي الصغيرة، لكنه في هذه اللحظة بدا مألوفًا ومريحًا، مثل صوت أعرفه جيدًا وسط يوم لم أعد أعرف كيف سيمضي.

هززت رأسي وأنا أبتعد خطوة عن أمي، ثم حملت حقيبتي بمساعدة لوسيان. بقيت أمي عند الباب تراقبنا، فالتفتُّ إليها مرة أخيرة ولوحت بيدي، قبل أن أتبِع أخي نحو السيارة حيث كان أبي ينتظرنا.

لم تتحرك أمي من مكانها حتى وصلنا إلى السيارة، وحين التفتُّ إليها مجددًا وجدتها لا تزال تراقبنا. حاولت أن أحفظ ملامحها في ذاكرتي، لكن المسافة كانت تزداد بيننا، ولم أعد أرى سوى وقفتها الهادئة عند الباب.

فتح أبي صندوق السيارة، ووضع الأمتعة في مكانها بعناية، ثم أغلقه وتأكد من أن كل شيء أصبح جاهزًا. بعد ذلك استقر خلف المقود بنفسه، بينما جلست إلى جوار لوسيان، وقد أصبحت سيلفارا محفوظة في موضع آمن داخل أمتعتي.

وضعت حقيبتي الصغيرة بالقرب من قدمي، ثم تحسست موضع العصا للتأكد من أنها محفوظة كما ينبغي. تذكرت شاشة سجلها وبيانات الترقية التي ظهرت أمامي، وفكرت في عدد الأشياء التي سأحتاج إلى تعلمها خلال الفترة المقبلة، لكنني لم أفتح السجل مرة أخرى.

لم يكن هذا وقت الانشغال بالأرقام أو المواد المطلوبة، فقد كانت أفكاري معلقة بالمنزل الذي تركته خلفي، وبأمي التي بقيت عند الباب، وبالطريق الذي ينتظرني دون أن أعرف ما الذي سيحمله لي.

لم يبدأ أبي القيادة فورًا؛ انتظر حتى تأكد من أن أحزمة الأمان مثبتة، ثم نظر إلينا عبر المرآة. "هل أنتما مستعدان؟"

أجابه لوسيان أولًا: "إذا كانت كارينا قد انتهت من التفكير، فنحن مستعدان."

التفتُّ إليه بنظرة ضيقة، بينما ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه أبي. "إذن لننطلق."

تحركت السيارة مبتعدة عن المنزل، وبقيت أراقب المكان من النافذة حتى بدأ يتراجع خلفنا. كانت أمي لا تزال عند الباب حين التفتُّ في اللحظة الأخيرة، ولم أستطع تمييز ملامحها بوضوح من تلك المسافة، لكنني عرفت أنها بقيت تراقبنا ونحن نغادر.

لم ألوح مرة أخرى؛ اكتفيت بالنظر حتى حجبت المباني جزءًا من المكان عن عيني. كان كل شيء يبدو كما اعتدته، وهذا ما جعل الرحيل غريبًا، فالعالم لم يتغير، لكنني كنت أعرف أنني لن أراه من المكان نفسه بعد الآن.

ظللت أتابع الطريق بعينيّ، وأحاول ألا أفكر في المدة التي سأقضيها بعيدًا عن المنزل. لم يكن لدي جواب واضح عن موعد عودتي، ولم أكن أريد أن أختلق لنفسي وعدًا لا أعرف إن كنت سأتمكن من الوفاء به، لذلك اكتفيت بمراقبة المشاهد التي تتراجع خلفنا.

قاد أبي السيارة بهدوء عبر الشوارع المألوفة، بينما بقي لوسيان ينظر من النافذة دون أن يحاول ملء الصمت بالمزاح. مررنا بأماكن اعتدت رؤيتها في طريقي، وبعضها لم أكن ألتفت إليه عادةً، لكنني أخذت ألاحظ تفاصيلها هذه المرة وكأنني أحاول حفظها في ذاكرتي.

رأيت متجرًا صغيرًا اعتدت المرور بجانبه، وممرًا ضيقًا كنت أرى الأطفال يلعبون فيه أحيانًا، ثم ظهرت ساحة أعرفها جيدًا، تتجمع عند أطرافها بعض الأشجار التي بدأت أوراقها تتحرك مع الهواء. كانت هذه التفاصيل عادية إلى درجة أنني لم أكن أفكر فيها من قبل، لكنها بدت اليوم كأنها أجزاء من حياة كاملة سأتركها خلفي.

خفضت بصري للحظة، ثم رفعت يدي إلى القلادة مرة أخرى. لم أكن أعرف لماذا أكرر تلك الحركة، لكن لمسها كان يمنحني شعورًا بسيطًا بالاستقرار كلما ازدادت أفكاري اضطرابًا. ربما لأنني اعتدت وجودها منذ طفولتي، أو لأنني كنت أبحث عن شيء مألوف أستطيع التمسك به وأنا أواجه بداية لا أعرف عنها الكثير.

لم أكن أعرف إن كان لوسيان يشعر بما أشعر به، أم أنه اختار الصمت لأنه أدرك أن المزاح لن يخفف كل شيء. لم أسأله؛ تركته ينظر إلى الطريق، بينما انشغلت أنا بمراقبة المشاهد التي أخذت تتبدل خارج السيارة.

بعد فترة، التفت إليّ لوسيان، ثم نظر إلى الحقيبة الموضوعة بالقرب مني. "هل تأكدتِ من أنكِ وضعتِ كل شيء؟"

نظرت إليه باستغراب. "نعم، لماذا تسأل؟"

"أحاول فقط التأكد من أنكِ لن تتذكري شيئًا مهمًا بعد أن نبتعد مسافة طويلة."

"لقد راجعت محتوياتها أكثر من مرة."

"إذن لا بأس. كنت أريد أن أعرف إن كان عليّ الاستعداد للعودة."

ابتسمت وأنا أضرب ذراعه بخفة. "لن نعود بسبب شيء نسيته، حتى لو اضطررت إلى الاستغناء عنه."

رفع حاجبيه وكأنه لم يتوقع سماع هذه الإجابة، ثم عاد ينظر من النافذة. "سأحتفظ بهذه العبارة في ذاكرتي، فقد أحتاج إلى تذكيركِ بها لاحقًا."

ضحكت بهدوء، ثم استندت إلى المقعد. كان حديثنا بسيطًا، لكنه جعل الصمت أقل ثقلًا، ومنحني فرصة لالتقاط أنفاسي دون أن أشعر بأن عليّ شرح ما يدور داخلي.

وحين اقتربنا من محطة القطار، بدأت الحركة تزداد حولنا. ظهرت السيارات المتوقفة قرب المدخل، والمسافرون الذين يحملون حقائبهم، وأشخاص يتبادلون كلمات الوداع قبل أن يفترقوا، فيما خفف أبي السرعة واتجه إلى المكان المخصص للتوقف.

توقفت السيارة أخيرًا، والتفت أبي نحوي بهدوء. "وصلنا يا كارينا."

نظرت إلى المحطة من خلف الزجاج، ثم إلى لوسيان الذي فك حزام الأمان واستعد للنزول. وضعت يدي على مقبض الباب، لكنني توقفت لحظة، وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن أفتحه.

لم يكن المكان غريبًا في حد ذاته، فقد رأيت محطات القطار من قبل، لكن وجودي هنا اليوم جعل المشهد مختلفًا. كان الناس يتحركون في اتجاهات متعددة، يحمل كل منهم أمتعته وأفكاره ووجهته الخاصة، بينما بقيت أنا للحظات داخل السيارة، أحاول استيعاب أنني وصلت فعلًا إلى بداية الرحلة التي تحدثنا عنها طويلًا.

نزلت من السيارة، واستقبلتني أصوات المسافرين وحركتهم في الخارج. أخرج أبي الأمتعة من صندوق السيارة، بينما وقفت إلى جانبه أحمل حقيبتي، وسيلفارا محفوظة في أمتعتي، وقلادتي مستقرة حول عنقي كما كانت منذ بداية هذا اليوم.

رفعت عينيّ نحو محطة القطار، ولم أخطُ باتجاه مدخلها. كانت الرحلة التي تنتظرني على وشك أن تبدأ، لكنني في تلك اللحظة لم أكن بحاجة إلى التفكير في الخطوة التالية؛ اكتفيت بالوقوف إلى جانب أبي ولوسيان، وأنا أستوعب أنني وصلت إلى عتبة مغادرة عالمي المألوف، وأن ما ينتظرني ما يزال مجهولًا.

لم ألتفت إلى الخلف هذه المرة، ولم أحاول أن أحوّل حزني إلى وعد أو خوف. شددت قبضتي حول حزام حقيبتي، وبقيت واقفة أمام المحطة، بينما ظل القطار والرحلة التي ستبدأ به خارج هذه اللحظة، ينتظران وقتًا لم يحن بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل49:الرحيل

    نظرت إليها، وشعرت بأن الكلمات التي كنت أريد قولها أصبحت أثقل مما توقعت. لم يكن الأمر متعلقًا بالعصا وحدها، بل بالمغادرة التي اقتربت حتى لم يعد هناك شيء يؤجلها. حاولت الابتسام، لكنني وجدت نفسي أقترب منها وأعانقها بدلًا من الإجابة.احتضنتني أمي بقوة هادئة، ثم أبقت يدها على ظهري للحظات. لم تطلب مني أن أعدها بعودتي سريعًا، ولم تحاول إخفاء حقيقة أن الفراق صعب، بل اكتفت بأن تضمّني كما لو أنها تريد أن تمنحني بعض الطمأنينة أحملها معي.أغمضت عينيّ، واستنشقت رائحتها المألوفة، وشعرت بأنني عدت للحظات إلى الأيام التي كنت ألجأ فيها إلى حضنها كلما أخافني شيء. لم أكن أعرف كيف سأواجه الأيام المقبلة، ولا إن كنت سأتمكن من إخفاء ارتباكي أمام أشخاص لا أعرفهم، لكن ذراعيها حولي جعلتني أشعر بأنني ما زلت أملك مكانًا أستطيع العودة إليه مهما تغيرت الأشياء."اعتني بنفسك، كارينا.""سأفعل يا أمي."حاولت أن أجعل صوتي ثابتًا، لكنني لم أستطع منع الحزن من الظهور فيه. ابتعدت عنها قليلًا، فرفعت أمي يدها ولمست خدي بحنان، ثم ابتسمت لي ابتسامة صغيرة بدت وكأنها تخفي خ

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل48: هدية عند باب المنزل

    بقيت الشاشة أمامي لحظات أخرى، ثم خففت تركيزي عنها بعدما انتهيت من قراءة البيانات. لم تختفِ أهمية السجل لمجرد أنني قرأته؛ فقد أصبحت أعرف أن العصا ليست مجرد قطعة خشب مرصعة بالجواهر، بل أداة ذات وظيفة محددة وخصائص تحتاج إلى فهم قبل استخدامها. "هل فهمتِ ما تحتاجين إليه؟" سألت أمي، وهي تراقب وجهي. أومأت. "عرفت وظيفتها وبعض خصائصها، لكنني سأحتاج إلى وقت لأفهم كيفية استخدامها جيدًا." "وهذا أفضل من أن تتسرعي." مررت أمي يدها على كتفي، ثم رتبت طرف ملابسي الذي تحرك أثناء حمل الحقيبة. "لا أريدك أن تشعري بأن عليكِ معرفة كل شيء منذ اللحظة الأولى." خفضت عينيّ نحو العصا مرة أخرى، وأدرتها بين أصابعي لأتأمل الجواهر الصغيرة المثبتة حول رأسها المستدير. كان من الغريب أن أحمل أداة سحرية تخصني دون أن يكون لها اسم، خصوصًا أنني اعتدت منح أسماء حتى للأشياء التي لا تحتاج إليها. "أمي، هل يمكنني أن أختار لها اسمًا؟" سألت، وأنا أرفع العصا قليلًا أمامي. ابتسمت أمي. "بالطبع. إنها عصاكِ الآن، ومن حقكِ أن تختاري

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل47: بداية الحياة ما وراء العالم المألوف

    توقف في منتصف الطريق، ثم غيّر اتجاهه بعناد، فعلق الغرض عند طرف السجادة، وحاول سحبه مرة أخرى دون أن ينجح. راقبته للحظات، ثم قلت: "أعتقد أنه يحتاج إلى مساعدة." نظر لوسيان إلى الدب، ثم إليّ. "أظن أنكما تتشابهان أكثر مما تتصورين." "ماذا تقصد؟" "كل منكما يصر على إنهاء المهمة بطريقته، حتى عندما يكون هناك حل أسهل." ضيقت عينيّ نحوه. "يمكنني أن أتركك ترتب بقية الحقيبة وحدك." رفع حاجبيه مبتسمًا. "وهل هذا تهديد أم وعد؟" "يمكن أن يكون الاثنين." رفع يديه مستسلمًا، لكنه لم يخفِ ابتسامته، ثم انحنى والتقط الغرض الذي عجز الدب الصغير عن حمله ووضعه في مكانه. تابعت دينغ دينغ ترتيب الأغراض الأخرى، بينما ساعدني لوسيان في إغلاق الحقيبة، وأعدت فحص محتوياتها مرة أخيرة حتى أتأكد من أنني لم أنسَ شيئًا. "انتهيت،" أعلنت وأنا أبتعد عن السرير.

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل46:بين الذكرى والرحيل

    "أبي، هل يعني هذا أن العالم الذي نعيش فيه ليس سوى جزء صغير من عالم أكبر؟" ظل أبي ينظر إليّ للحظات، ثم وضع فنجانه على الطاولة بهدوء، وكأنه يريد أن يمنح سؤالي وقتًا كافيًا قبل أن يجيب. كانت أمي تجلس إلى جواري، بينما بقي لوسيان في المقعد المقابل، يستمع بصمت لم أعتده منه. قال أبي أخيرًا: "ما تعرفينه عن العالم لا يمثل إلا الجزء الذي عشتِ فيه حتى الآن. هناك أمور لا يمكن فهمها من خلال ما ترينه حولك فحسب، لأن تاريخ هذا العالم أقدم بكثير من الحكايات التي يتناقلها الناس." عقدت حاجبيّ وأنا أحاول استيعاب كلامه، ثم ملت قليلًا إلى الأمام. "وهل تقصد أن هناك عوالم أخرى فعلًا؟ عوالم مختلفة عن عالمنا، وليست مجرد أماكن بعيدة لم نزرها؟" أومأ أبي ببطء. "نعم، لكن معرفة وجودها لا تعني أن الوصول إليها أمر بسيط، ولا أن كل ما يُقال عنها صحيح. هناك تاريخ وراء عائلتنا، وأحداث جعلت معرفتنا بهذه الأمور مختلفة عن معرفة الآخرين." نظرت إلى أمي، فوجدتها تتابع الحديث بهدوء، ثم انتقلت عيناي إلى لوسيان الذي بدا أكثر اهتمامًا مما أظهره في البداية. لم يقاطع أبي، ولم يحاول إلقاء تعليق ساخر كما يفعل عادةً، وهذا وحده

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل45:كارينا بعد مراسم استيقاض 3

    ساد الصمت للحظة، وبقيت ابتسامة أمي معلقة على شفتيها وهي تنتظر ردنا. التفتُّ إلى لوسيان، فوجدته ينظر إليّ في اللحظة نفسها، وقد ارتفعت إحدى حاجبيه قليلًا في إشارة فهمتها على الفور. كان يعرف ما أفكر فيه، تمامًا كما كنت أعرف أنه يحاول تجنب المصير نفسه الذي ينتظرني إن قررت أمي استعادة إحدى قصص طفولتنا أمام الضيوف. تبادلنا نظرة سريعة، ولم أستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهي، بينما بدا أخي وكأنه يستعد للدفاع عن نفسه قبل أن توجه إليه أمي أي اتهام جديد. "لا حاجة لذلك، أمي،" قلنا معًا. ضحكت أمي، وأعادت كأسها إلى الطاولة، بينما انفجر الضيوف القريبون منا بالضحك. شعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهي، لكنني لم أعد أشعر بالإحراج الذي كان ينتابني في بداية الأمسية. على العكس، وجدت نفسي أضحك معهم، وألقي نظرة جانبية على لوسيان الذي هز رأسه مستسلمًا، قبل أن يرفع كأسه إلى شفتيه وكأن الأمر لا يعنيه على الإطلاق. كان بارعًا في إخفاء انزعاجه خلف ملامح هادئة، لكنني لم أستطع تجاهل النظرة التي منحني إياها، وكأنها تحذرني من أن دوري في إحراجه سيأتي لاحقًا. كان ذلك ك

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل44:كارينا بعد مراسم استيقاض 2

    كانت طريقته في الرد كافية لتجعلني أضحك، فيما اكتفى أبي بإلقاء نظرة تحذيرية على الرجل الذي بدا أنه استمتع باستفزازه أكثر مما استمتع بالحديث معي. وحين ابتعد الضيف، انحنيت نحو أبي وهمست: "أريد أن أعرف ماذا فعلت." "لا تريدين." "هذا يعني أنك فعلت شيئًا يستحق أن أعرفه." "هذا يعني أنني كنت في السادسة عشرة يومًا ما، وأنني لا أريد أن أسمع تعليقًا من ابنتي طوال الأسبوع القادم." ضحكت، ثم تشبثت بذراعه لحظة قبل أن أتركه يستقبل ضيفًا آخر. كان الاحتفال يستعيد حيويته شيئًا فشيئًا بعد هدوء المراسم، وعادت الموسيقى الخافتة تتردد بين الأعمدة، فيما انشغل بعض الحاضرين بالحديث قرب النوافذ، وانتقل آخرون إلى الطاولات التي رُتبت عليها أطباق صغيرة من الحلوى والفواكه. كانت القاعة واسعة بما يكفي لتسمح للمجموعات بالتشكل والتفرق دون أن يتداخل حديث إحداها مع الأخرى كثيرًا، وقد ساعد الضوء الذهبي المنبعث من الثريات على منح المكان دفئًا جعلني أنسى، لبعض الوقت، رهبة الوقوف داخل دائرة الزئبق قبل دقائق. وحين بدأت أشعر بأنني قضيت نصف حياتي في تبادل التحيات، ظهر لوسيان أمامي حاملًا كأسًا من العصير، ثم مدّه إليّ. "اشر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status