Share

الفصل45:كارينا بعد مراسم استيقاض 3

Penulis: Ikram
last update Tanggal publikasi: 2026-10-20 00:00:34

ساد الصمت للحظة، وبقيت ابتسامة أمي معلقة على شفتيها وهي تنتظر ردنا. التفتُّ إلى لوسيان، فوجدته ينظر إليّ في اللحظة نفسها، وقد ارتفعت إحدى حاجبيه قليلًا في إشارة فهمتها على الفور. كان يعرف ما أفكر فيه، تمامًا كما كنت أعرف أنه يحاول تجنب المصير نفسه الذي ينتظرني إن قررت أمي استعادة إحدى قصص طفولتنا أمام الضيوف. تبادلنا نظرة سريعة، ولم أستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهي، بينما بدا أخي وكأنه يستعد للدفاع عن نفسه قبل أن توجه إليه أمي أي اتهام جديد.

"لا حاجة لذلك، أمي،" قلنا معًا.

ضحكت أمي، وأعادت كأسها إلى الطاولة، بينما انفجر الضيوف القريبون منا بالضحك. شعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهي، لكنني لم أعد أشعر بالإحراج الذي كان ينتابني في بداية الأمسية. على العكس، وجدت نفسي أضحك معهم، وألقي نظرة جانبية على لوسيان الذي هز رأسه مستسلمًا، قبل أن يرفع كأسه إلى شفتيه وكأن الأمر لا يعنيه على الإطلاق. كان بارعًا في إخفاء انزعاجه خلف ملامح هادئة، لكنني لم أستطع تجاهل النظرة التي منحني إياها، وكأنها تحذرني من أن دوري في إحراجه سيأتي لاحقًا.

كان ذلك كافيًا ليجعل بقية المساء أخف مما توقعت. توقفت عن التفكير في المراسم لبعض الوقت، وسمحت لنفسي بالانشغال بأحاديث الناس وبالوجوه التي ابتسمت لي كلما مررت بجانبها. تلقيت مزيدًا من التهاني، وشكرت من قدموا لي هداياهم، واستمعت إلى نصائح ضيوف أكبر سنًا عن السنوات المقبلة. كان بعضهم يتحدث بجدية جعلتني أومئ برأسي باهتمام، بينما كنت أحاول في داخلي ألا أبدو كفتاة لا تعرف بعد ما الذي ينتظرها. ومع مرور الوقت، بدأت أكتشف أنني لم أعد بحاجة إلى بذل أي جهد لإظهار سعادتي؛ فقد كنت سعيدة بالفعل، وكان وجود عائلتي بالقرب مني يجعلني أشعر بأن هذه الليلة تخصني حقًا، لا أنها مجرد احتفال أُقيم من أجلي وحضره الآخرون.

ومع مرور الوقت، أخذت القاعة تفقد شيئًا فشيئًا ازدحامها الأول. غادرت بعض العائلات بعد أن ودعت أبي وأمي، بينما بقي عدد من الضيوف يتحدثون قرب النوافذ. انخفضت الموسيقى إلى نغمات أكثر هدوءًا، وبدأ العاملون يجمعون الأطباق الفارغة من الطاولات دون أن يقطعوا الأحاديث الدائرة حولهم. كان أبي يرافق بعض الضيوف إلى الباب، ثم يعود ليستقبل آخرين، فيما حرصت أمي على توديع كل من غادر بابتسامتها الودودة وسؤالهم إن كانوا يحتاجون إلى شيء قبل الرحيل.

راقبت والديّ للحظات، وشعرت بالامتنان للطريقة التي اعتنيا بها بكل تفصيل من تفاصيل هذه الليلة. لم تكن أمي تسمح لأي ضيف بأن يغادر دون أن يشعر بأنه موضع ترحيب، وكان أبي ينتقل بين المجموعات بهدوئه المعتاد، يصغي إلى هذا ويتبادل الحديث مع ذاك. بدا كل شيء طبيعيًا الآن، لكنني كنت أعرف أن هذه الليلة لم تكن عادية بالنسبة إليّ، حتى لو لم أستطع تحديد السبب تمامًا. فقد انتهت المراسم، وتلقيت التهاني، وأطفأت شموع كعكتي، ومع ذلك بقي في داخلي فضول لم أجد له إجابة، كأنني أنتظر أن يخبرني أحدهم بما تعنيه كل هذه التفاصيل بالنسبة إلى حياتي المقبلة.

أما أنا، فكنت قد خلعت حذائي للحظات تحت الطاولة لأريح قدميّ، بعدما بدأت أشعر بثقل الفستان مع طول الوقوف والجلوس. أسندت قدميّ إلى الأرض بحذر، واستمتعت بالراحة القصيرة التي منحتني إياها تلك الحركة البسيطة، قبل أن ألمح أمي تلتفت نحوي. أعدت حذائي بسرعة، وسحبت طرف فستاني فوق ركبتيّ، متظاهرة بأنني كنت أصلح القماش طوال الوقت. لم تقل أمي شيئًا، لكنها اكتفت بنظرة جعلتني أعتدل في جلستي، بينما حاولت إخفاء ابتسامتي. كنت أعرف تلك النظرة جيدًا؛ لم تكن غاضبة، لكنها كانت كافية لتذكرني بأنها تلاحظ أشياء أكثر مما أتصور.

اقترب لوسيان مني عندما انتهى من الحديث مع أحد الضيوف، ثم جلس على المقعد المجاور لي وألقى نظرة على القاعة التي بدأت تفرغ. بدا أقل انشغالًا الآن، وقد ارتخت كتفاه قليلًا بعدما أمضى وقتًا طويلًا واقفًا بين الضيوف. مرر نظره على الطاولات، ثم استقر بصره عليّ، وكأنما قرر أخيرًا أن يسألني عما كان يريد معرفته منذ فترة.

"هل استمتعتِ بليلتك؟"

نظرت إلى الطاولات، وإلى بقايا الكعكة التي لم يبقَ منها إلا القليل، وإلى آخر الضيوف الذين كانوا يستعدون للمغادرة. كان المكان لا يزال يحمل آثار الاحتفال، لكن الهدوء الذي أخذ يحل فيه جعلني أشعر بأن الليلة تقترب من نهايتها فعلًا.

"نعم، أكثر مما توقعت."

راقبني لوسيان لحظة، ثم مال برأسه قليلًا، وقد عادت إلى وجهه تلك الابتسامة التي أعرفها جيدًا.

"حتى المراسم؟"

فكرت قليلًا قبل أن أجيبه. لم أكن خائفة منها الآن، لكنني لم أستطع القول إنني فهمت كل ما حدث خلالها. كانت تجربة غريبة، مختلفة عن أي شيء مررت به من قبل، وقد وجدت نفسي أراقب ما حولي وأحاول أن أستوعب التفاصيل بدلًا من الاستسلام لقلقي. ومع ذلك، بقيت بعض الأسئلة في ذهني، ولم أكن متأكدة مما إذا كان من المفترض أن أطرحها الآن أم أنتظر حتى تتاح لي الفرصة المناسبة.

"كانت غريبة، لكنها لم تكن مخيفة كما ظننت."

بدا لوسيان مرتاحًا لإجابتي، أو ربما لم يرد أن يترك لي وقتًا طويلًا لأعود إلى التفكير في الأمر. استند إلى ظهر المقعد، ثم قال بنبرة مازحة:

"جيد. لأنني لا أريد أن أسمع غدًا أنك لن تحتفلي بعيد ميلادك القادم."

ابتسمت، ثم استندت إلى ظهر المقعد بدوري، وقد وجدت في مزاحه فرصة مناسبة للابتعاد عن الأسئلة التي لم أجد لها إجابات بعد.

"لا أعدك بشيء."

أطلق ضحكة خافتة، ثم نهض وهو يمد يده إليّ ليساعدني على الوقوف. وضعت يدي في يده، واستعنت به لأقف دون أن أتعثر بطرف فستاني، قبل أن أرتب ثيابي وأتبعه نحو أمي التي كانت تتحدث مع آخر الضيوف. وحين انتهت من توديعهم، عادت إلينا وأمسكت بيدي، بينما انضم أبي إلينا بعد أن أغلق الباب خلف آخر من غادروا.

بدا القصر مختلفًا بعد انصراف الضيوف؛ لم يعد المكان يمتلئ بالأحاديث والضحكات، ولم تبقَ سوى أصوات العاملين وهم يرتبون القاعة، وخطوات متباعدة تتردد في الممرات. كان الصمت الذي حلّ تدريجيًا مريحًا بعد ساعات من الضجيج، ومع ذلك شعرت بشيء من الحزن لأن الليلة التي انتظرتها طويلًا أوشكت على الانتهاء.

تأملت القاعة للمرة الأخيرة، وتذكرت كيف بدت قبل ساعات، حين كانت الطاولات محاطة بالضيوف، والموسيقى تملأ المكان، والأنظار تتجه إليّ كلما اقترب موعد المراسم. لم أكن أظن أنني سأرغب في بقاء تلك اللحظات، فقد قضيت جزءًا كبيرًا من الأمسية أتمنى أن يهدأ قلقي، لكنني الآن لم أكن مستعدة تمامًا لرؤية الاحتفال ينتهي. كان هناك شيء مميز في اجتماع الجميع من أجلي، وفي سماع التهاني ورؤية أمي وأبي يتابعان تفاصيل الأمسية باهتمام. حتى المزاح الذي تبادلته مع لوسيان بدا لي الآن ذكرى صغيرة أريد الاحتفاظ بها.

نظرت إلى أمي. "هل انتهى كل شيء؟"

ابتسمت وهي ترفع يدها لتلمس وجهي. كان في لمستها حنان مألوف جعلني أرتاح قليلًا، لكن كلماتها التالية جعلتني أرفع رأسي إليها باستغراب.

"انتهى الحفل، يا حبيبتي. أما الليلة، فلم تنتهِ بعد."

حدقت فيها لحظة، محاوِلةً فهم ما تقصده، لكن أبي سبقها إلى الكلام.

"هناك أمر نريد التحدث معك بشأنه."

توقفت ابتسامتي قليلًا، وانتقلت عيناي بين وجوههم الثلاثة. لم يكن صوت أبي مقلقًا، ولم تبدُ أمي متوترة، حتى لوسيان ظل هادئًا على نحو جعلني أكثر فضولًا مما كنت قبل لحظة. كان واقفًا إلى جوار أبي، وقد استقرت ملامحه على جديتها المعتادة، لكنه لم ينظر إليّ هذه المرة بروحه المرحة التي اعتدتها طوال المساء. لم يكن في وجهه ما يدل على أنه يحاول إخافتي، ومع ذلك جعلني صمته أشعر بأن الحديث المقبل يختلف عن كل ما سبق.

"هل فعلت شيئًا؟" سألت، وأنا أحاول أن أتذكر إن كنت قد أحرجت أحد الضيوف أو كسرت شيئًا خلال الاحتفال.

لم أستطع منع نفسي من استعادة بعض تفاصيل الأمسية في ذهني؛ نظرات أمي عندما خلعت حذائي، وضحك الضيوف عندما حاولت الإفلات من حكايات طفولتي، وحتى اللحظات التي انشغلت فيها بالمراسم أكثر مما ينبغي. لم أجد شيئًا يستحق أن يجتمع أفراد عائلتي من أجله، لكنني لم أكن متأكدة من أنني أعرف كل ما حدث حولي.

"ليس الأمر متعلقًا بشيء فعلتِه،" أجاب أبي.

"إذن، لماذا يبدو وكأنني على وشك تلقي خبر مهم؟"

تبادل أبي وأمي نظرة قصيرة، ثم وضع أبي يده على كتفي وأشار إلى الممر المؤدي إلى جناح العائلة.

"تعالي معنا إلى غرفة الجلوس. حان الوقت لنتحدث قليلًا."

لم يشرح أكثر من ذلك، ولم أجد في وجوههم ما يساعدني على معرفة ما ينتظرني. ألقيت نظرة على لوسيان، آملةً أن أجد لديه إجابة أو إشارة صغيرة تطمئنني، لكنه اكتفى بالنظر إليّ بهدوء قبل أن يتحرك خلف أبي. لم أكن معتادة على أن يترك أسئلتي بلا تعليق، وهذا وحده جعل فضولي يزداد.

تبعتهم عبر الممر الهادئ، فيما بقيت أصوات العاملين خلفنا تتلاشى شيئًا فشيئًا. كانت خطواتنا تتردد على الأرضية في ذلك السكون، ووجدت نفسي أتساءل عما إذا كان هذا الحديث مرتبطًا بالمراسم، أم أن هناك شيئًا آخر أراد أبي أن يخبرني به منذ وقت طويل. حاولت أن أستنتج الإجابة من طريقة سيره ومن صمت أمي، لكنني لم أصل إلى شيء.

وعندما وصلنا إلى الباب، فتحه أبي وترك لي المجال للدخول أولًا.

كانت الغرفة مضاءة بمصابيح جانبية، وقد أُعدت الطاولة الصغيرة بالشاي، بينما استقرت أربعة مقاعد حولها في ترتيب بدا مقصودًا أكثر مما ينبغي لجلسة عائلية عادية. جلست أمي بجانبي، وأخذ لوسيان المقعد المقابل، أما أبي فظل واقفًا للحظات، ينظر إلينا وكأنه يرتب أفكاره قبل أن يبدأ.

راقبت أخي وهو يجلس في مكانه، ولاحظت أنه لم يعد إلى المزاح الذي رافقنا في القاعة. كان ظهره مستقيمًا، ويداه مستريحتين أمامه، وملامحه هادئة، لكن تلك الجدية لم تكن غريبة عليه تمامًا. فقد رأيته في مناسبات أخرى يتخذ المظهر نفسه حين يكون منشغلًا بأمر لا يريد التحدث عنه. لم أعرف ما الذي يدور في ذهنه الآن، ولم أسأله؛ إذ بدا واضحًا أنه ينتظر أبي مثلي، وإن كان يعرف أكثر مما أعرف.

أما لوسيان، فبينما ظل وجهه ثابتًا، عادت إليه ذكرى بعيدة، تفصلها عن هذه الليلة أربعون عامًا. تذكّر حفل استيقاظه، حين كان هو من يجلس في موضع قريب من موضع كارينا، وتحيط به العائلة والضيوف في انتظار اكتمال المراسم. لم تكن تلك الذكرى حاضرة في ملامحه بوضوح، لكنها كانت تمر في داخله بصمت، وتعيد إليه إحساسًا قديمًا لم ينسه تمامًا. كان يعرف معنى أن يجلس المرء في هذه الغرفة بعد انتهاء الاحتفال، وأن يجد نفسه أمام حديث لم يكن مستعدًا له، مهما بدا هادئًا من الخارج.

لم يسمح لشيء من ذلك بأن يظهر على وجهه. لم يكن يريد أن يسبق أبي في الكلام، ولا أن يجعلني أظن أن هناك ما يدعو للخوف قبل أن أسمع الحقيقة بنفسي. اكتفى بالصمت، بينما بقيت عيناه تتنقلان بين أبي وأمي، وكأنه يمنحهما الوقت لبدء الحديث بالطريقة التي يريانها مناسبة.

ثم أغلق أبي الباب خلفه، والتفت نحوي.

"كارينا، ما حدث الليلة ليس سوى جزء صغير من الحقيقة التي ينبغي لك أن تعرفيها."

تجمدت يدي فوق فنجان الشاي قبل أن أرفعه، واختفت ابتسامتي ببطء. شعرت بأنني انتقلت فجأة من أجواء الاحتفال الدافئة إلى لحظة لا أعرف كيف أتعامل معها، وأن كل ما مررت به خلال الساعات الماضية ربما كان مقدمة لشيء لم أكن أعرف بوجوده.

"أي حقيقة؟"

سحب أبي مقعده وجلس أمامي، ثم قال بصوت هادئ لم أعهده منه إلا عندما يتحدث عن أمور لا تقبل المزاح:

"عن العالم الذي تنتمين إليه، وعن تاريخ عائلتنا الذي لم أخبرك به من قبل."

نظرت إلى أمي، ثم إلى لوسيان، لكن أيًا منهما لم يتكلم. بقيت عيناي على أخي للحظات، أبحث في ملامحه عن تفسير لجدّيته، إلا أنه لم يمنحني سوى نظرة هادئة جعلتني أدرك أنني لن أحصل منه على إجابة قبل أن يبدأ أبي حديثه.

وفي تلك اللحظة، أدركت أن انتهاء الحفل لم يكن نهاية هذه الليلة كما ظننت، بل بداية حديث قد يغير كل ما أعرفه عن عائلتي.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل47: بداية الحياة ما وراء العالم المألوف

    توقف في منتصف الطريق، ثم غيّر اتجاهه بعناد، فعلق الغرض عند طرف السجادة، وحاول سحبه مرة أخرى دون أن ينجح. راقبته للحظات، ثم قلت: "أعتقد أنه يحتاج إلى مساعدة." نظر لوسيان إلى الدب، ثم إليّ. "أظن أنكما تتشابهان أكثر مما تتصورين." "ماذا تقصد؟" "كل منكما يصر على إنهاء المهمة بطريقته، حتى عندما يكون هناك حل أسهل." ضيقت عينيّ نحوه. "يمكنني أن أتركك ترتب بقية الحقيبة وحدك." رفع حاجبيه مبتسمًا. "وهل هذا تهديد أم وعد؟" "يمكن أن يكون الاثنين." رفع يديه مستسلمًا، لكنه لم يخفِ ابتسامته، ثم انحنى والتقط الغرض الذي عجز الدب الصغير عن حمله ووضعه في مكانه. تابعت دينغ دينغ ترتيب الأغراض الأخرى، بينما ساعدني لوسيان في إغلاق الحقيبة، وأعدت فحص محتوياتها مرة أخيرة حتى أتأكد من أنني لم أنسَ شيئًا. "انتهيت،" أعلنت وأنا أبتعد عن السرير.

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل46:بين الذكرى والرحيل

    "أبي، هل يعني هذا أن العالم الذي نعيش فيه ليس سوى جزء صغير من عالم أكبر؟" ظل أبي ينظر إليّ للحظات، ثم وضع فنجانه على الطاولة بهدوء، وكأنه يريد أن يمنح سؤالي وقتًا كافيًا قبل أن يجيب. كانت أمي تجلس إلى جواري، بينما بقي لوسيان في المقعد المقابل، يستمع بصمت لم أعتده منه. قال أبي أخيرًا: "ما تعرفينه عن العالم لا يمثل إلا الجزء الذي عشتِ فيه حتى الآن. هناك أمور لا يمكن فهمها من خلال ما ترينه حولك فحسب، لأن تاريخ هذا العالم أقدم بكثير من الحكايات التي يتناقلها الناس." عقدت حاجبيّ وأنا أحاول استيعاب كلامه، ثم ملت قليلًا إلى الأمام. "وهل تقصد أن هناك عوالم أخرى فعلًا؟ عوالم مختلفة عن عالمنا، وليست مجرد أماكن بعيدة لم نزرها؟" أومأ أبي ببطء. "نعم، لكن معرفة وجودها لا تعني أن الوصول إليها أمر بسيط، ولا أن كل ما يُقال عنها صحيح. هناك تاريخ وراء عائلتنا، وأحداث جعلت معرفتنا بهذه الأمور مختلفة عن معرفة الآخرين." نظرت إلى أمي، فوجدتها تتابع الحديث بهدوء، ثم انتقلت عيناي إلى لوسيان الذي بدا أكثر اهتمامًا مما أظهره في البداية. لم يقاطع أبي، ولم يحاول إلقاء تعليق ساخر كما يفعل عادةً، وهذا وحده

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل45:كارينا بعد مراسم استيقاض 3

    ساد الصمت للحظة، وبقيت ابتسامة أمي معلقة على شفتيها وهي تنتظر ردنا. التفتُّ إلى لوسيان، فوجدته ينظر إليّ في اللحظة نفسها، وقد ارتفعت إحدى حاجبيه قليلًا في إشارة فهمتها على الفور. كان يعرف ما أفكر فيه، تمامًا كما كنت أعرف أنه يحاول تجنب المصير نفسه الذي ينتظرني إن قررت أمي استعادة إحدى قصص طفولتنا أمام الضيوف. تبادلنا نظرة سريعة، ولم أستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهي، بينما بدا أخي وكأنه يستعد للدفاع عن نفسه قبل أن توجه إليه أمي أي اتهام جديد. "لا حاجة لذلك، أمي،" قلنا معًا. ضحكت أمي، وأعادت كأسها إلى الطاولة، بينما انفجر الضيوف القريبون منا بالضحك. شعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهي، لكنني لم أعد أشعر بالإحراج الذي كان ينتابني في بداية الأمسية. على العكس، وجدت نفسي أضحك معهم، وألقي نظرة جانبية على لوسيان الذي هز رأسه مستسلمًا، قبل أن يرفع كأسه إلى شفتيه وكأن الأمر لا يعنيه على الإطلاق. كان بارعًا في إخفاء انزعاجه خلف ملامح هادئة، لكنني لم أستطع تجاهل النظرة التي منحني إياها، وكأنها تحذرني من أن دوري في إحراجه سيأتي لاحقًا. كان ذلك ك

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل44:كارينا بعد مراسم استيقاض 2

    كانت طريقته في الرد كافية لتجعلني أضحك، فيما اكتفى أبي بإلقاء نظرة تحذيرية على الرجل الذي بدا أنه استمتع باستفزازه أكثر مما استمتع بالحديث معي. وحين ابتعد الضيف، انحنيت نحو أبي وهمست: "أريد أن أعرف ماذا فعلت." "لا تريدين." "هذا يعني أنك فعلت شيئًا يستحق أن أعرفه." "هذا يعني أنني كنت في السادسة عشرة يومًا ما، وأنني لا أريد أن أسمع تعليقًا من ابنتي طوال الأسبوع القادم." ضحكت، ثم تشبثت بذراعه لحظة قبل أن أتركه يستقبل ضيفًا آخر. كان الاحتفال يستعيد حيويته شيئًا فشيئًا بعد هدوء المراسم، وعادت الموسيقى الخافتة تتردد بين الأعمدة، فيما انشغل بعض الحاضرين بالحديث قرب النوافذ، وانتقل آخرون إلى الطاولات التي رُتبت عليها أطباق صغيرة من الحلوى والفواكه. كانت القاعة واسعة بما يكفي لتسمح للمجموعات بالتشكل والتفرق دون أن يتداخل حديث إحداها مع الأخرى كثيرًا، وقد ساعد الضوء الذهبي المنبعث من الثريات على منح المكان دفئًا جعلني أنسى، لبعض الوقت، رهبة الوقوف داخل دائرة الزئبق قبل دقائق. وحين بدأت أشعر بأنني قضيت نصف حياتي في تبادل التحيات، ظهر لوسيان أمامي حاملًا كأسًا من العصير، ثم مدّه إليّ. "اشر

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل43:كارينا بعد مراسم استيقاض

    اشتعلت الشموع المحيطة بي دفعة واحدة، فارتفع الضوء من حول دائرة الزئبق حتى اضطررت إلى إغماض عيني للحظة. شعرت بحرارة لطيفة تلامس وجهي، وسمعت حفيفًا خافتًا يتردد في القاعة، أعقبه صمت قصير بدا أطول مما كان عليه في الحقيقة. وحين فتحت عيني مجددًا، كانت الرموز المرسومة تحت قدمي تتوهج بضوء فضي هادئ، بينما انعكست ألسنة اللهب على الأرضية المصقولة، فبدت كأنها تمتد في خطوط متشابكة حول الدائرة. توقفت الكلمات التي كان المسؤول عن المراسم يتلوها للحظات، ثم استأنفها بصوت ثابت، ورفع الكتاب القديم الذي يحمله أمامه. لم يكن في نبرته ما يوحي بالقلق أو المفاجأة؛ فقد كانت هذه اللحظة جزءًا من الطقس الذي جاء الجميع لمشاهدته. تابع تلاوة الكلمات الختامية، وتبعتها حركة خفيفة في الضوء المحيط بي، قبل أن تخفت العلامات الفضية تدريجيًا وتعود دائرة الزئبق إلى سكونها. لم أشعر بشيء مؤلم، ولم يحدث ما يدعو إلى الخوف، لكن الوقوف في مركز كل تلك الأضواء جعلني واعية تمامًا بأن الأنظار كانت تتجه إليّ من كل جانب. أغلق المسؤول كتابه أخيرًا، ثم انحنى لي انحناءة رسمية قبل أن يعلن اكتمال مراسم استيقاظ النسب. عندها فقط انفرج التوت

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل 42: مراسم الاستيقاظ

    خفض بعض الضيوف أصواتهم عندما ظهرت أدوات المراسم في وسط القاعة، وتحولت نظراتهم من الإعجاب بالزينة إلى ترقب أكثر جدية. حتى أمي، التي كانت تبتسم للنساء القريبات منها، وضعت يدها على كتفي وأخذت نفسًا هادئًا. لم أفهم سبب تغير الأجواء بهذه السرعة، لكنني شعرت بأن ما سيحدث يتجاوز فقرة عادية من فقرات الحفل. بدأت الشموع المحيطة بالمنصة تضيء واحدة تلو الأخرى، بوهج أزرق رقيق سرى بين الفتائل كما لو أن نسمة غير مرئية مرت فوقها. وفي الوقت نفسه، أصدرت البلورات صوتًا خافتًا يشبه رنين الزجاج حين يلامسه الماء. انعكس ضوؤها على الأرضية الرخامية في دوائر صغيرة متداخلة، بينما استقرت كل بلورة في مكانها. توقفت عن متابعة الوجوه، وحدقت في الضوء الذي ينساب حول المنصة. لم أكن قد رأيت شيئًا كهذا من قبل، ومع ذلك لم يبدُ الأمر غريبًا على الضيوف. وقفوا بهدوء، ووضع بعضهم كؤوسه فوق الطاولات، بينما اتخذ أفراد عائلتي أماكنهم قرب المساحة المخصصة للمراسم. اقتربت أمي مني حتى لامس كتفها كتفي، ثم همست بصوت لم يسمعه سوانا: "ابقي قريبة مني، كارينا، واتبعي ما يُطلب من

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status