Share

عناصر خمسة

Author: Ikram
last update publish date: 2026-09-25 00:16:17

لم تعرف كارينا ما الذي حدث لها في اللحظة التي اختفى فيها كل شيء.

كان آخر شيء تتذكره إحساسًا غريبًا اجتاح جسدها فجأة، ثم دوارًا حادًا جعل الأرض تبدو وكأنها تميل تحت قدميها بطريقة لم تستطع مقاومتها. حاولت أن تتمسك بأي شيء قريب منها، لكنها لم تجد شيئًا تستطيع الإمساك به، وشعرت للحظة بأن الأصوات من حولها أصبحت بعيدة جدًا، وكأنها تنزلق إلى مكان لا تستطيع العودة منه.

ثم اختفى كل شيء.

لم تعد تسمع أصوات الناس.

لم تعد تشعر ببرودة الأرض تحت قدميها.

حتى جسدها نفسه بدا وكأنه ابتعد عنها دون أن تفهم كيف حدث ذلك.

وحين فتحت عينيها، لم تجد المركز التجاري أمامها، ولم تجد أمها، ولم تجد الوجوه التي كانت تحيط بها قبل لحظات.

وجدت الظلام فقط.

كان ظلامًا كثيفًا امتد في جميع الاتجاهات، حتى بدا وكأنه مساحة بلا بداية ولا نهاية. لم يكن هناك سقف تستطيع رؤيته، ولا أرض واضحة تحت قدميها، ولا جدار يمكن أن يساعدها على معرفة حجم المكان الذي وجدت نفسها داخله.

رفعت كارينا يدها ببطء أمام وجهها، لكنها لم تستطع رؤية أصابعها.

توقفت أنفاسها للحظة، ثم أعادتها ببطء وهي تحاول السيطرة على ارتباكها.«أين أنا؟»

ارتد صوتها في الظلام بطريقة غريبة، ثم اختفى بعد لحظات دون أن يأتيه أي رد.

التفتت خلفها بسرعة، رغم أنها لم تكن تعرف لماذا فعلت ذلك، ثم نظرت إلى الجهة المقابلة وهي تحاول العثور على أي مصدر للضوء. لم يكن هناك شيء يتحرك، ولم يظهر أمامها أي طريق، حتى إنها بدأت تشعر بأن الظلام نفسه يراقبها دون أن تملك دليلًا على ذلك.

تقدمت خطوة واحدة بحذر.

لامست قدمها سطحًا صلبًا لم تستطع رؤيته.

توقفت فورًا.

انحنت قليلًا، ومدت يدها نحو الأسفل، لكنها لم تجد سوى سطح بارد أملس يمتد تحتها دون نهاية واضحة. حاولت أن تتذكر كيف وصلت إلى هذا المكان، لكن ذاكرتها بدت مشوشة بصورة جعلت الأحداث الأخيرة تتداخل في رأسها.

تذكرت أمها.

تذكرت المركز التجاري.

تذكرت الخدش.

ثم تذكرت الدوار.

بعد ذلك لم تجد شيئًا.

وضعت يدها على رأسها، وشعرت بضغط خفيف خلف عينيها، بينما بدأت أسئلة كثيرة تتزاحم في ذهنها دون أن تجد أي إجابة.

هل كانت نائمة؟

هل أغمي عليها؟

هل كانت ما تزال في المركز التجاري؟

أم أنها انتقلت بطريقة لا تعرفها إلى مكان آخر؟

لم تعرف كارينا أي إجابة، ولذلك بدأت تمشي ببطء، محاولة الاعتماد على صوت خطواتها لمعرفة حجم المكان المحيط بها.

لكن خطواتها لم تُصدر صوتًا واضحًا.

كان الأمر أشبه بالمشي فوق سطح يمتص الأصوات قبل أن تصل إلى الهواء.

توقفت بعد عدة خطوات، وشعرت بالخوف يتسلل إليها رغم محاولتها منعه.

لم تكن تخاف من الظلام وحده.

كانت تخاف من عدم معرفتها بما يوجد داخله.

رفعت صوتها مرة أخرى، وهذه المرة حاولت أن تجعل نبرتها أكثر ثباتًا.«هل يوجد أحد هنا يستطيع سماعي؟»

لم يأتِ أي جواب.

انتظرت.

مرت عدة ثوانٍ.

ثم بدأت تتراجع خطوة ببطء، حتى ظهر شيء لم يكن موجودًا قبل لحظات.

نقطة ضوء صغيرة.

كانت بعيدة عنها، ضعيفة للغاية، لكنها كانت واضحة وسط ذلك السواد الكامل.

ثبتت كارينا عينيها عليها.

لم تكن تعرف مصدرها، لكنها شعرت بشيء داخلها يدفعها نحوها.

بدأت تسير.

ومع كل خطوة، أصبح الضوء أوضح قليلًا، بينما بدأ الظلام المحيط بها يتراجع تدريجيًا وكأنه ينفتح أمامها.

ثم تغير الهواء.

شعرت برطوبة باردة تلامس وجهها.

توقفت.

كان هناك صوت بعيد يشبه سقوط قطرات الماء فوق أوراق كثيرة.

اقترب الصوت أكثر.

ثم ظهرت أول قطرة على خدها.

رفعت كارينا رأسها.

وفي اللحظة التالية، اختفى الظلام بالكامل.

وجدت نفسها واقفة وسط غابة كثيفة تحت المطر.

كانت الأشجار شاهقة بصورة جعلتها تبدو كأنها أعمدة طبيعية تحمل سماءً لا تستطيع رؤية نهايتها. امتدت جذوعها السميكة في جميع الاتجاهات، بينما تشابكت الأغصان فوق رأسها حتى حجبت معظم الضوء.

كانت الأرض مغطاة بطبقة سميكة من الأوراق المبللة، تتخللها جذور ضخمة خرجت من التربة والتفت حول الصخور القديمة. وانتشرت بين الأشجار نباتات غريبة بأوراق طويلة لامعة، بينما كانت قطرات المطر تنزلق من أطرافها وتسقط فوق الأرض بصوت منتظم.

وقفت كارينا وسط كل ذلك وهي لا تزال غير قادرة على فهم ما يحدث.

كانت ملابسها مبللة.

شعرها التصق بوجهها.

والبرد تسلل تدريجيًا إلى ذراعيها.

مدت يدها نحو إحدى الأشجار القريبة، ولمست لحاءها الخشن بحذر، وكأنها تريد التأكد من أن هذا المكان حقيقي فعلًا.

كان ملمس الخشب واضحًا تحت أصابعها.

سحبت يدها ببطء.«هذا ليس حلمًا عاديًا.»

قالتها بصوت خافت، ثم نظرت حولها مرة أخرى.

كانت الغابة جميلة بطريقة غريبة، لكنها لم تكن مريحة.

كان هناك شيء ساكن بين الأشجار.

شيء لم تستطع رؤيته.

تحركت أوراق شجيرة بعيدة رغم أن الريح لم تكن قوية، فثبتت كارينا مكانها ونظرت نحوها بحذر.

لم يظهر شيء.

انتظرت قليلًا.

ثم بدأت تمشي باتجاه آخر، محاولة العثور على طريق يخرجها من الغابة.

كلما تقدمت، ظهرت أمامها تفاصيل جديدة لم تكن تراها من بعيد.

زهور زرقاء صغيرة كانت تضيء من الداخل بين جذور الأشجار.

حجارة مغطاة بطبقة رقيقة من الطحالب الخضراء.

جدول ضيق يجري بين الصخور، وكانت مياهه صافية لدرجة أنها استطاعت رؤية الحصى الصغيرة في قاعه.

انحنت قرب الجدول.

وضعت أطراف أصابعها في الماء.

كان باردًا.

وحقيقيًا.

رفعت يدها بسرعة، ثم حدقت في قطرات الماء المتبقية فوق أصابعها.

لم تكن تعرف كيف يمكنها أن تشعر بالتفاصيل بهذه الدقة إذا كانت فاقدة للوعي.

ولم تكن تعرف لماذا بدا هذا المكان وكأنه ينتظرها منذ وقت طويل.

رفعت رأسها نحو الأشجار.

للحظة قصيرة، رأت بين الأغصان وميضًا أزرق خافتًا.

توقفت.

ثم اختفى.

تقدمت خطوة.

ظهر الوميض مرة أخرى على مسافة أبعد.

لم يكن ضوءًا عاديًا.

كان يشبه لون الماء عندما يعكس ضوء القمر، لكنه كان أكثر نقاءً وهدوءًا.

مدت كارينا يدها نحوه دون وعي.

وفي اللحظة التي تحركت فيها، هبت ريح باردة بين الأشجار.

ارتجفت الأوراق.

تحرك الضباب القريب فوق الأرض.

ثم انطفأ الضوء.

بقيت كارينا واقفة مكانها، تحدق في الفراغ الذي اختفى فيه.

لم تعرف لماذا شعرت بالحزن عندما اختفى.

ولم تعرف لماذا شعرت في الوقت نفسه بأنها يجب أن تستمر في السير.

لكنها لم تتحرك فورًا.

كانت هناك أسئلة كثيرة في رأسها.

أين أمها الآن؟

هل يعرف لوسيان ما حدث؟

هل هي ما تزال داخل المركز التجاري؟

وهل يستطيع أحد رؤيتها في هذا المكان؟

لم تجد أي جواب.

لذلك رفعت ذقنها، ومسحت الماء عن وجهها، ثم بدأت تمشي بين الأشجار من جديد.

---

في العالم الحقيقي، بقيت كارينا مستلقية فوق السرير داخل غرفة الفحص في قصر رافين.

كانت إيما تجلس إلى جانبها، وتمسك يدها بحذر، بينما وقف لوسيان بالقرب من الطرف الآخر للسرير وهو يراقب المؤشرات السحرية والطبية التي ظهرت أمام إيلينا.

كان الصمت داخل الغرفة أثقل من المعتاد.

لم تعد إيما تسأل عن النتائج كل دقيقة، لأنها بدأت تدرك أن إيلينا نفسها لا تملك جوابًا واضحًا.

قال لوسيان بصوت منخفض:

«هل تغير شيء منذ الفحص الأخير؟»

رفعت إيلينا عينيها عن الأداة التي كانت تستخدمها، ثم هزت رأسها ببطء.

«لا توجد تغيرات واضحة، وكل المؤشرات الأساسية ما زالت مستقرة.»

اقترب لوسيان خطوة، ثم نظر إلى وجه كارينا.«ومع ذلك، هي لا تستيقظ.»

أجابت إيلينا بحذر:«وهذا هو الجزء الذي لا أستطيع تفسيره حتى الآن.»

كانت إيما تمسح شعر كارينا بعيدًا عن جبينها، ثم أعادت الغطاء فوق كتفها بحركة هادئة.«ربما تحتاج إلى وقت فقط.»

لم يرد لوسيان مباشرة.

بقي ينظر إلى أخته، وكأنه يحاول العثور على أي علامة صغيرة تخبره بأنها تسمعه.

في تلك اللحظة، اهتز هاتف إيما فوق الطاولة.

نظرت إليه.

ظهر اسم زوجها على الشاشة.

مدت يدها نحو الهاتف، لكنها لم تجب.

استمر الاتصال لعدة ثوانٍ.

ثم انتهى.

عاد الهاتف للرنين مرة أخرى بعد لحظات قصيرة.

نظرت إيما إلى لوسيان، ثم إلى كارينا.

كان وجهها مترددًا.

قال لوسيان بهدوء:«ربما يريد معرفة ما حدث.»

أغلقت إيما عينيها للحظة، ثم ضغطت على زر إنهاء الاتصال.«ليس الآن.»

نظر إليها لوسيان دون أن يسأل المزيد.

وضعت إيما الهاتف بعيدًا، ثم عادت إلى يد ابنتها.

«لا أستطيع شرح شيء وأنا لا أعرف ما يحدث لها ،لم يرد حين اتصلت لماذا ارد انا.»

لم يعلق لوسيان على كلامها، لكنه فهم السبب وراء قرارها.

عاد نظره إلى كارينا.«سننتظر قليلًا، ثم نعيد الفحص إذا احتجنا لذلك.»

هزت إيلينا رأسها موافقة.

وبقي الثلاثة حول السرير، بينما كانت كارينا في مكان آخر تمامًا، لا تعرف شيئًا عن الأصوات التي تحيط بجسدها في العالم الحقيقي.

---

عادت كارينا إلى الغابة.

لم تعرف كم مضى من الوقت منذ وصولها.

ربما دقائق.

ربما ساعات.

لم يكن في السماء شمس تستطيع استخدامها لمعرفة الوقت، ولم يتغير المطر بما يكفي ليمنحها أي إحساس بمرور الساعات.

واصلت السير حتى بدأت الغابة تتغير تدريجيًا.

اختفت الأشجار الطويلة.

أصبح الهواء أكثر دفئًا.

ثم توقف المطر.

توقفت كارينا أيضًا.

رفعت رأسها ببطء، وشعرت بحرارة غير مألوفة تلامس وجهها.

لم تعد تسمع صوت الماء.

حل مكانه صوت آخر.

هدير عميق.

بعيد.

ثم أقرب.

وضعت يدها على صدرها عندما شعرت بأن الأرض تحت قدميها بدأت تهتز قليلًا.

نظرت أمامها.

كانت الأشجار تختفي واحدة تلو الأخرى.

تحولت التربة الخضراء إلى أرض سوداء.

وظهرت شقوق حمراء بين الصخور.

تراجعت كارينا خطوة، بينما ارتفعت الحرارة حولها بصورة جعلت الهواء نفسه يبدو ثقيلًا.

وفي الأفق، ظهر جبل ضخم.

كان الجبل مغطى بالصخور الداكنة، بينما كانت أنهار من النار تنساب ببطء على جوانبه.

تجمدت كارينا في مكانها.

لم تستطع الكلام.

لم تكن قد رأت شيئًا كهذا من قبل.

ومع ذلك، لم تشعر بأن المكان يريد قتلها.

كان مخيفًا.

لكنه كان يحمل إحساسًا غريبًا بالقوة.

رفعت يدها أمام وجهها لتحمي نفسها من الحرارة، ثم بدأت تراقب النار وهي تتحرك فوق الصخور.

كان لونها يتغير باستمرار.

أحمر.

برتقالي.

ذهبي.

ثم ظهر داخلها ضوء أعمق لم تستطع تحديد لونه.

شعرت كارينا بقلبها يخفق بسرعة.

ثم سمعت صوتًا بعيدًا.

لم يكن صوت شخص.

كان أشبه بزفير الأرض نفسها.

وضعت قدمها أمام الأخرى.

اقتربت خطوة.

ثم أخرى.

ولم تكن تعرف أن هذه المشاهد لم تكن مجرد أماكن عشوائية، بل كانت أول خيوط شيء أكبر بدأ يستيقظ داخلها ببطء.

شيء لم تكن مستعدة لمعرفة حقيقته بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    عناصر خمسة

    لم تعرف كارينا ما الذي حدث لها في اللحظة التي اختفى فيها كل شيء.كان آخر شيء تتذكره إحساسًا غريبًا اجتاح جسدها فجأة، ثم دوارًا حادًا جعل الأرض تبدو وكأنها تميل تحت قدميها بطريقة لم تستطع مقاومتها. حاولت أن تتمسك بأي شيء قريب منها، لكنها لم تجد شيئًا تستطيع الإمساك به، وشعرت للحظة بأن الأصوات من حولها أصبحت بعيدة جدًا، وكأنها تنزلق إلى مكان لا تستطيع العودة منه.ثم اختفى كل شيء.لم تعد تسمع أصوات الناس.لم تعد تشعر ببرودة الأرض تحت قدميها.حتى جسدها نفسه بدا وكأنه ابتعد عنها دون أن تفهم كيف حدث ذلك.وحين فتحت عينيها، لم تجد المركز التجاري أمامها، ولم تجد أمها، ولم تجد الوجوه التي كانت تحيط بها قبل لحظات.وجدت الظلام فقط.كان ظلامًا كثيفًا امتد في جميع الاتجاهات، حتى بدا وكأنه مساحة بلا بداية ولا نهاية. لم يكن هناك سقف تستطيع رؤيته، ولا أرض واضحة تحت قدميها، ولا جدار يمكن أن يساعدها على معرفة حجم المكان الذي وجدت نفسها داخله.رفعت كارينا يدها ببطء أمام وجهها، لكنها لم تستطع رؤية أصابعها.توقفت أنفاسها للحظة، ثم أعادتها ببطء وهي تحاول السيطرة على ارتباكها.«أين أنا؟»ارتد صوتها في الظلام

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل 17: غيبوبة سحرية

    ظهر لوسيان أمام إيما مباشرة، بينما كانت بقايا دائرة الانتقال السحرية لا تزال تتلاشى على أرضية المكان، تاركة خلفها خيوطًا رقيقة من الضوء أخذت تختفي تدريجيًا وسط هواء المركز التجاري المزدحم. لم ينتظر حتى تستقر أنفاسه بعد الانتقال، بل اتجه نحو والدته بخطوات سريعة، وكانت عيناه تبحثان عن كارينا قبل أن تلتفتا إلى أي شيء آخر حوله.وما إن رآها ساكنة بين ذراعي إيما حتى تغيرت ملامحه، وانحنى أمامها دون تردد، واضعًا أصابعه على معصمها ليتحقق من نبضها. بقي صامتًا للحظات وهو يراقب تنفسها، ثم قرب يده من وجهها ليتأكد من حرارة جلدها وأي استجابة لحركته. كانت كارينا لا تزال فاقدة للوعي، لكن تنفسها بقي منتظمًا، ولم يظهر عليها ما يشير إلى اضطراب واضح.رفع لوسيان عينيه نحو إيما، ثم عاد بنظره إلى شقيقته مرة أخرى، وكأنه يريد التأكد قبل أن يسمح لنفسه بالسؤال:.«نبضها مستقر، وتنفسها طبيعي، لكن لماذا لم تستيقظ حتى الآن؟»نظرت إيما إليه بعينين متعبتين، وبدا عليها أنها كانت تنتظر هذا السؤال منذ اللحظة التي اتصلت به فيها. حاولت أن ترتب أفكارها، لكن الخوف جعل

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل 16: خوف فشل تعويذة

    لم تستوعب إيما ما حدث إلا بعد أن أصبح جسد كارينا ساكنًا بين ذراعيها. بقيت للحظات تحدق في وجه ابنتها، وكأن عقلها يرفض تصديق أن الفتاة التي كانت تقف أمامها قبل لحظات أصبحت الآن لا تستجيب لأي شيء من حولها. رفعت يدها المرتجفة ولمست خدها، ثم مررتها على جبينها محاولة أن تجد أي علامة تخبرها بأن الأمر أقل خطورة مما يبدو. «كارينا... حبيبتي، افتحي عينيك.» خرج صوتها ضعيفًا ومختنقًا، يحمل خوفًا حاولت إخفاءه حتى عن نفسها. هزت كتف ابنتها برفق، ثم أعادت مناداتها مرة أخرى، لكن عيني كارينا بقيتا مغلقتين دون أن تتحرك رموشها. اقتربت إيما منها أكثر، وضعت أذنها قرب فمها، وانتظرت لحظة طويلة قبل أن تسمع زفيرًا خافتًا. تنفست إيما أخيرًا، لكنها لم تشعر بالاطمئنان الكامل. بقي قلبها يخفق بعنف، وكأن جسدها نفسه يرفض تصديق أن ابنتها بخير لمجرد أنها تتنفس. أمسكت يد كارينا وضمتها بين كفيها، ثم راحت تفرك أصابعها ببطء، كأن تلك الحركة الصغيرة يمكنها أن تعيد الدفء إلى جسدها وتدفعها للعودة إلى وعيها. «أنا هنا معك

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل 15: دمية دينغ دينغ

    دخلت كارينا المتجر بسرعة، وكأنها تخشى أن يختفي الفستان الذي أعجبها فجأة. كانت عيناها تتحركان بين الفساتين المعلقة، بينما كانت ابتسامتها تكبر كلما تقدمت أكثر. بدا المتجر واسعًا من الداخل، تحيط به مرايا طويلة وإضاءة دافئة وهادئة، بينما امتدت الفساتين على جانبي المكان بألوان وتصاميم مختلفة تمامًا. قفزت كارينا بسعادة صغيرة عندما لمحت صفًا جديدًا من الفساتين. كانت قد نجحت أخيرًا في إغاظة لوسيان، ولم تعد تهتم بغضبه أو بمحاضرته القادمة عن المال. التفتت نحو أمها وهي تضحك، ثم أشارت بحماس نحو أول فستان وقعت عيناها عليه. «أمي، انظري إليه، هذا هو الفستان الذي أريده تمامًا. لن أبحث عن غيره، لأنني أحببته بمجرد أن رأيته أمامي.» نظرت إيما إلى الفستان الذي أشارت إليه ابنتها، ثم ابتسمت بهدوء. كان الفستان أنيقًا بلون ناعم، بتصميم مناسب لفتاة ستحتفل بعيد ميلادها السادس عشر، ولم يكن مزينًا بطريقة مبالغ فيها. كانت تفاصيله الدقيقة كافية لجعله مناسبًا لمناسبة كبيرة دون أن يبدو أثقل من عمر كارينا. قالت إيما وهي تقترب من الفستان وتلمس طرفه بهدوء: «يبدو جميلًا فعلًا، لكن جربيه أولًا حتى نتأكد من مقاسه و

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل 14: الجرعات

    أجاب لوسيان: «وهذه هي الفكرة التي يحاول الاختبار قياسها، لأن الشخص الذي يملك عشر أدوات ولا يعرف كيف يختار بينها قد يكون في وضع أسوأ من شخص يملك ثلاث أدوات فقط ويعرف وظيفة كل واحدة منها جيدًا.» انتقل ناثان بعد ذلك إلى قسم آخر داخل المجلد نفسه، ولم يضعه جانبًا كما فعل مع سجل الوحوش، لأن الصفحات التالية كانت مرتبطة مباشرة بما قرأوه للتو. قال ناثان: «وهنا تأتي الجرعات، وهي مرتبطة بالمعدات أيضًا، لأن الاختبار لا يسمح للطالب بحمل كمية غير محدودة منها، كما أن الحدود تتغير حسب نوع الجرعة وتصنيف العالم.» فتح لوسيان جدولًا آخر وقال: «مثل جرعة تخفيف التعب، فالعالم F يسمح بحد أقصى يصل إلى خمسين جرعة وفق هذه القواعد، بينما ترتفع الحدود في التصنيفات الأعلى، مع بقاء الاختلاف بين أنواع الجرعات قائمًا.» قال ريان: «خمسون جرعة تبدو كثيرة جدًا، لكن إذا كان الاختبار طويلًا وربما يتطلب البقاء داخل العالم لفترة طويلة، فقد تصبح هذه الكمية منطقية أكثر مما تبدو عليه

  • العقد السحري المحرّم حين استيقظ الدم الذي نسيه العالم    الفصل 13: الوحوش و المعدات

    أغلق ناثان الصفحة ببطء، ثم قال: «دعونا نترك هذا النوع الآن، ونعود إلى الوحوش التي يمكننا التعامل معها من الناحية الدراسية دون أن نبقى عالقين في تفاصيل هذه التجارب القديمة.» انتقل إلى صفحة أخرى، وظهر في الرسم نمر ضخم يقف بين الأشجار الكثيفة، وكانت عيناه بالكاد تظهران بين الأوراق، بينما بدا جسده شبه مختفٍ داخل الظلال. قال ناثان: «النمر المفترس يعيش منفردًا، ويعتمد على التخفي والصبر أكثر من اعتماده على القوة المباشرة، فهو يراقب فريسته لفترات طويلة وينتظر اللحظة التي تصبح فيها غير منتبهة إلى محيطها.» أضافت إيلينا وهي تتأمل الرسم: «وحواسه قوية أيضًا، ولذلك يستطيع تحديد مكان الفريسة من حركتها أو رائحتها حتى عندما لا يستطيع رؤيتها بوضوح.» ابتسم ريان وقال: «إذن أخطر شيء فيه أننا قد لا نعرف أنه موجود أصلًا حتى يبدأ بالاقتراب منا، وهذا يجعل مراقبة البيئة أكثر أهمية من محاولة البحث عنه مباشرة.» أجابه لوسيان: «وإذا تمكنت من رؤيته بوضوح، فقد يعني ذلك أنه أصبح قريبًا منك بالفعل، ولذلك لا أعتقد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status