Masukظهر لوسيان أمام إيما مباشرة، بينما كانت بقايا دائرة الانتقال السحرية لا تزال تتلاشى على أرضية المكان، تاركة خلفها خيوطًا رقيقة من الضوء أخذت تختفي تدريجيًا وسط هواء المركز التجاري المزدحم.
لم ينتظر حتى تستقر أنفاسه بعد الانتقال، بل اتجه نحو والدته بخطوات سريعة، وكانت عيناه تبحثان عن كارينا قبل أن تلتفتا إلى أي شيء آخر حوله. وما إن رآها ساكنة بين ذراعي إيما حتى تغيرت ملامحه، وانحنى أمامها دون تردد، واضعًا أصابعه على معصمها ليتحقق من نبضها. بقي صامتًا للحظات وهو يراقب تنفسها، ثم قرب يده من وجهها ليتأكد من حرارة جلدها وأي استجابة لحركته. كانت كارينا لا تزال فاقدة للوعي، لكن تنفسها بقي منتظمًا، ولم يظهر عليها ما يشير إلى اضطراب واضح. رفع لوسيان عينيه نحو إيما، ثم عاد بنظره إلى شقيقته مرة أخرى، وكأنه يريد التأكد قبل أن يسمح لنفسه بالسؤال:.«نبضها مستقر، وتنفسها طبيعي، لكن لماذا لم تستيقظ حتى الآن؟» نظرت إيما إليه بعينين متعبتين، وبدا عليها أنها كانت تنتظر هذا السؤال منذ اللحظة التي اتصلت به فيها. حاولت أن ترتب أفكارها، لكن الخوف جعل التفاصيل متداخلة في ذهنها، فرفعت يدها وأشارت إلى موضع الخدش الظاهر على جلد كارينا.«لا أعرف ماذا حدث بالضبط، لوسيان. كل شيء حصل بسرعة شديدة، ولم أتمكن من فهم السبب.» اقترب لوسيان قليلًا من الخدش، وتفحصه بعينيه دون أن يلمسه، ثم أعاد نظره إلى والدته.«أخبريني بما رأيته منذ البداية، حتى لو كنتِ تعتقدين أن بعض التفاصيل غير مهمة.» أخذت إيما نفسًا عميقًا، وحاولت استعادة المشهد كما حدث، دون أن تضيف تفسيرًا لما لم تره بنفسها.«كانت هناك امرأة قريبة من كارينا، وكانت تحمل حقيبة بيدها، لكنني لم أكن أراقبها في تلك اللحظة، لأن انتباهي كان على كارينا.» توقفت للحظات، ثم تابعت وهي تحاول تذكر ما حدث بعد ذلك.«رأيت الخدش، وبعدها فقدت كارينا وعيها فجأة. وعندما انحنيت نحوها، لم أعد أفكر في أي شخص آخر حولي.» ظل لوسيان صامتًا لثوانٍ، ثم سألها بنبرة أكثر تركيزًا:«وماذا عن المرأة؟ هل تعرفين إلى أين ذهبت بعد ذلك؟» هزت إيما رأسها ببطء، وشدت أصابعها حول يد كارينا.«لا أعرف. لم ألتفت إليها بعد سقوط كارينا، وربما غادرت المكان قبل أن أنتبه حتى إلى ذلك.» لم يحاول لوسيان استنتاج ما إذا كانت المرأة مسؤولة عما حدث، فلم يكن يملك دليلًا يسمح له بذلك. اكتفى بأن ألقى نظرة على ناثان وريان، اللذين كانا يقفان بالقرب منه ويتابعان الحديث بصمت. «ابقيا هنا وابحثا عنها، لكن لا تقتربا منها بطريقة تجعلها تدرك أن أحدًا يراقبها.» أومأ ناثان، ثم نظر إلى الممرات المحيطة بهم. «سأذهب إلى غرفة المراقبة وأحاول الوصول إلى التسجيلات. إذا ظهرت في الكاميرات، أستطيع تتبع الطريق الذي سلكته منذ اللحظة التي اقتربت فيها من كارينا.» نظر إليه ريان، ثم قال بهدوء:«وأنا سأتحقق من المخارج. إذا كانت لا تزال داخل المركز، فقد نعرف من أي جهة غادرت.» ثم أضاف بعد لحظة:«سأضع تعويذات مراقبة بسيطة عند المخارج، ولن يشعر أحد بوجودها.» نظر لوسيان إليهما بجدية. «لا أريد مواجهة أو مطاردة داخل المركز التجاري. نحتاج فقط إلى معرفة أين ذهبت، وما الذي فعلته بعد ذلك.» قال ناثان وهو يستدير نحو الممر:«فهمت. لن نفترض شيئًا قبل أن نجد دليلًا.» ابتسم ريان ابتسامة خفيفة وهو يتبعه.«وهذا يعني أنني لن أضطر إلى سحبك من مشكلة جديدة اليوم.» التفت ناثان إليه دون أن يتوقف:«قل هذا لنفسك أولًا.» راقبهما لوسيان للحظة، ثم أعاد انتباهه إلى كارينا، بينما بقيت إيلينا إلى جواره. أخرجت إيلينا أدواتها السحرية الصغيرة، ثم انحنت قليلًا نحو كارينا، قبل أن ترفع نظرها إلى لوسيان. «يجب أن نفحصها فورًا، لكن ليس هنا أمام الناس.» أومأ لوسيان دون تردد.«لنخرج من هنا.» حمل كارينا بحذر بين ذراعيه، بينما سارت إيما إلى جانبه، وتبعتها إيلينا وهي تجمع أدواتها. اتجهوا عبر ممر جانبي أكثر هدوءًا حتى وصلوا إلى موقف السيارات السفلي، بعيدًا عن الزحام والعيون المتطفلة. وقبل أن يخرجوا إلى الساحة المفتوحة، توقف لوسيان للحظة ونظر إلى الكاميرات المعلقة في أعلى الجدران. مد يده بحركة صغيرة، فانتشرت تعويذة خافتة حول الممر، لم تتسبب في تعطيل الأجهزة، لكنها جعلت تسجيلاتها تعيد ثوانٍ متكررة من الممر، بحيث لا يظهر مرورهم الحقيقي بوضوح. واصلوا طريقهم حتى وصلوا إلى سيارة تنتظر في مكان بعيد عن حركة الزوار. وضع لوسيان كارينا في المقعد الخلفي بعناية، وجلست إيما إلى جانبها، بينما جلست إيلينا في الجهة المقابلة لتراقب حالتها طوال الطريق. بعد مسافة قصيرة، وصلوا إلى نقطة انتقال آمنة تابعة لعائلة رافين، حيث يمكنهم استخدام السحر دون إثارة انتباه الغرباء. نزل لوسيان من السيارة، ثم حمل كارينا مرة أخرى، بينما بدأت إيلينا في تجهيز دائرة الانتقال. ظهرت الرموز السحرية على الأرض تدريجيًا، وتداخلت الخطوط المضيئة مع بعضها حتى اكتملت الدائرة. وقف لوسيان في مركزها وهو يحمل كارينا بين ذراعيه، ثم نظر إلى إيلينا. «إلى القصر مباشرة. لا أريد إضاعة المزيد من الوقت.» بدأت المانا تتجمع حول الدائرة، وارتفعت خيوط الضوء من الأرض حتى أحاطت بهم بالكامل، ثم اختفى المكان من حولهم خلال لحظة واحدة. عندما عاد الضوء إلى طبيعته، كانوا قد وصلوا إلى قصر عائلة رافين، حيث كانت الغرفة المخصصة للفحوص السحرية جاهزة لاستقبال كارينا. وضعها لوسيان فوق السرير بحذر، وبقي واقفًا بجانبها للحظات قبل أن يتراجع خطوة ليسمح لإيلينا ببدء الفحص. رفعت إيلينا يديها فوق جسد كارينا، وبدأت تستدعي تعويذة الكشف التي تستطيع قراءة الحالة الجسدية والطاقية للشخص. انتشرت خطوط ضوئية حول جسد كارينا، ثم تجمعت أمام إيلينا على هيئة سجل سحري متغير، تتبدل رموزه كلما تقدمت التعويذة في الفحص. ظهرت القراءة الأولى أمامهم بوضوح: الحالة الجسدية: مستقرة. الحالة العقلية: نوم عميق. الإصابات الداخلية: لا توجد. النزيف: لا يوجد. السموم: لا يوجد أثر. الطاقة الخارجية: لا توجد. التلوث السحري: لا يوجد. أثر جرح: غير موجود. المانا: مستقرة. حدقت إيلينا في السطر الأخير للحظات، ثم رفعت عينيها نحو الخدش الظاهر على جلد كارينا، قبل أن تعيد النظر إلى السجل السحري بعدم فهم. «التعويذة لا ترى الجرح الموجود أمامنا.» اقترب لوسيان من السجل، بينما بقيت إيما واقفة إلى جانب السرير وهي تمسك يد ابنتها. «هل يمكن أن يكون الخدش سطحيًا لدرجة أن التعويذة لا تعتبره إصابة؟» هزت إيلينا رأسها ببطء:«ربما، لكن هذا لا يفسر فقدانها للوعي.» ظهرت قراءة جديدة أسفل النتائج السابقة: القدرة على الاستيقاظ: غير متاحة. الحالة الحالية: لا يمكن تحديدها. تغير الضوء المحيط بالسجل فجأة، وبدأت الرموز ترتجف بطريقة غير مستقرة، ثم ظهرت علامات حمراء بين الكلمات. خطأ في تحديد الحالة. فشل في تحليل البيانات. غي... غيب... غيبوبة سحرية. تراجعت إيلينا خطوة وأوقفت التعويذة فورًا، فانطفأت الرموز المتداخلة قبل أن تستمر في التشوه. قالت بجدية:«هذه ليست نتيجة يمكن الاعتماد عليها. السجل يعطينا كلمات متناقضة، لكنه لا يقدم تشخيصًا ثابتًا.» نظر إليها لوسيان بحدة:«أعيديها. ربما حدث خلل في التعويذة.» أومأت إيلينا دون اعتراض، ثم أعادت تشكيل دائرة الكشف حول السرير. بدأت المانا تتجمع من جديد، وعادت الخطوط الضوئية إلى الظهور حول جسد كارينا. هذه المرة بقي السجل أكثر استقرارًا في البداية. الحالة الجسدية: مستقرة. الحالة العقلية: نوم عميق. الأثر السحري الخارجي: غير موجود. المانا: مستقرة. الإصابات الداخلية: لا توجد. التلوث السحري: لا يوجد. الحالة: غير محددة. خطأ في القراءة. اختفت الكلمات للحظة، ثم عادت الرموز إلى الدوران بسرعة غير طبيعية قبل أن ينطفئ جزء من السجل. بقي لوسيان يحدق فيه لعدة ثوانٍ، وكأن عقله يرفض قبول أن تعويذة الكشف التي يفترض أن تمنحهم إجابة واضحة عاجزة حتى عن تحديد حالة أخته. اشتدت قبضته تدريجيًا، ثم استدار وضرب الحائط بجانب السرير بقوة، فارتد صوت الضربة داخل الغرفة وأفزع إيما التي التفتت نحوه بسرعة. «لا يمكن أن تكون النتيجة بهذه الفوضى. إما أن تكون التعويذة قادرة على القراءة، أو أنها فشلت في تحديد شيء أساسي.» خفضت إيلينا يديها، ثم نظرت إلى كارينا بقلق واضح. «هذا بالضبط ما يحدث. الفحص يلتقط المعلومات الطبيعية، لكنه يفشل كلما حاول تحديد سبب عدم استيقاظها.» قالت إيما بصوت خافت: «هل يمكن أن يكون هناك شيء لا تستطيع التعويذة الوصول إليه؟» رفعت إيلينا نظرها إليها، ثم أجابت بحذر: «لا أعرف، ولهذا لا أريد أن أعطيكم تفسيرًا لا أستطيع إثباته.» نظر لوسيان إلى كارينا، ثم إلى السجل المنطفئ. «إذن لا نعرف شيئًا.» قالت إيلينا بهدوء: «نعرف أنها مستقرة، ونعرف أن الفحص لم يجد إصابة داخلية أو سمًا أو أثرًا خارجيًا واضحًا. لكننا لا نعرف لماذا لم تستيقظ.» بقيت إيما ممسكة بيد كارينا، بينما وقف لوسيان قرب السرير وعيناه معلقتان بوجه شقيقته. وفي مكان آخر من المركز التجاري، كان ناثان يقف أمام شاشات المراقبة، يعيد تسجيلات الكاميرات بحثًا عن المرأة التي وصفتها إيما، محاولًا تتبع مسارها دون افتراض سبب وجودها أو علاقتها بسقوط كارينا. أما ريان، فكان يتحرك بين المخارج المختلفة للمركز التجاري، يثبت تعويذات مراقبة خفية عند كل بوابة، ثم يتابع العلامات السحرية التي تظهر له عند مرور الأشخاص، منتظرًا أي إشارة قد تساعدهما في معرفة الطريق الذي سلكته المرأة. داخل قصر رافين، بقيت كارينا ساكنة فوق السرير، بينما ظلت إيلينا واقفة أمام السجل السحري المنطفئ، تحاول فهم سبب عجز تعويذة الكشف عن الوصول إلى الإجابة. وفي اللحظة التي انشغل فيها الجميع بالنتائج المتناقضة، ظهر للحظة قصيرة بريق كريستالي خافت في مكان قريب من كارينا. لم يلتفت إليه أحد. اختفى البريق بالسرعة نفسها التي ظهر بها، وعاد كل شيء إلى سكونه، دون أن يلاحظ أي شخص ما حدث. اقتربت إيلينا من كارينا مرة أخرى، ثم أخرجت بلورة صغيرة بلون أخضر ناعم من حقيبتها السحرية، ووضعتها بين كفيها قبل أن تبدأ بترديد تعويذة شفاء هادئة. انتشرت خيوط من الضوء الأخضر حول جسد كارينا، ثم استقرت فوق موضع الخدش، بينما بدأت المانا تتحرك ببطء داخل جسدها. بقي لوسيان يراقب المشهد بصمت، وعيناه لا تفارقان وجه شقيقته. «هذه تعويذة شفاء متوسطة مستوي سحري، تبدو عديمة فائدة لحلتها حالية ،لكنها ستساعد جسدها على استعادة توازنه.» ازدادت إضاءة البلورة قليلًا، ثم بدأ الخدش يختفي تدريجيًا حتى لم يبقَ منه سوى أثر باهت. توقفت إيلينا، وأغلقت كفيها حول البلورة. «الإصابة اختفت، لكن حالتها لم تتغير.» نظر لوسيان إلى كارينا بقلق، بينما بقيت عينا إيما معلقتين بوجه ابنتها، منتظرة أي حركة.نظرت إليها، وشعرت بأن الكلمات التي كنت أريد قولها أصبحت أثقل مما توقعت. لم يكن الأمر متعلقًا بالعصا وحدها، بل بالمغادرة التي اقتربت حتى لم يعد هناك شيء يؤجلها. حاولت الابتسام، لكنني وجدت نفسي أقترب منها وأعانقها بدلًا من الإجابة.احتضنتني أمي بقوة هادئة، ثم أبقت يدها على ظهري للحظات. لم تطلب مني أن أعدها بعودتي سريعًا، ولم تحاول إخفاء حقيقة أن الفراق صعب، بل اكتفت بأن تضمّني كما لو أنها تريد أن تمنحني بعض الطمأنينة أحملها معي.أغمضت عينيّ، واستنشقت رائحتها المألوفة، وشعرت بأنني عدت للحظات إلى الأيام التي كنت ألجأ فيها إلى حضنها كلما أخافني شيء. لم أكن أعرف كيف سأواجه الأيام المقبلة، ولا إن كنت سأتمكن من إخفاء ارتباكي أمام أشخاص لا أعرفهم، لكن ذراعيها حولي جعلتني أشعر بأنني ما زلت أملك مكانًا أستطيع العودة إليه مهما تغيرت الأشياء."اعتني بنفسك، كارينا.""سأفعل يا أمي."حاولت أن أجعل صوتي ثابتًا، لكنني لم أستطع منع الحزن من الظهور فيه. ابتعدت عنها قليلًا، فرفعت أمي يدها ولمست خدي بحنان، ثم ابتسمت لي ابتسامة صغيرة بدت وكأنها تخفي خ
بقيت الشاشة أمامي لحظات أخرى، ثم خففت تركيزي عنها بعدما انتهيت من قراءة البيانات. لم تختفِ أهمية السجل لمجرد أنني قرأته؛ فقد أصبحت أعرف أن العصا ليست مجرد قطعة خشب مرصعة بالجواهر، بل أداة ذات وظيفة محددة وخصائص تحتاج إلى فهم قبل استخدامها. "هل فهمتِ ما تحتاجين إليه؟" سألت أمي، وهي تراقب وجهي. أومأت. "عرفت وظيفتها وبعض خصائصها، لكنني سأحتاج إلى وقت لأفهم كيفية استخدامها جيدًا." "وهذا أفضل من أن تتسرعي." مررت أمي يدها على كتفي، ثم رتبت طرف ملابسي الذي تحرك أثناء حمل الحقيبة. "لا أريدك أن تشعري بأن عليكِ معرفة كل شيء منذ اللحظة الأولى." خفضت عينيّ نحو العصا مرة أخرى، وأدرتها بين أصابعي لأتأمل الجواهر الصغيرة المثبتة حول رأسها المستدير. كان من الغريب أن أحمل أداة سحرية تخصني دون أن يكون لها اسم، خصوصًا أنني اعتدت منح أسماء حتى للأشياء التي لا تحتاج إليها. "أمي، هل يمكنني أن أختار لها اسمًا؟" سألت، وأنا أرفع العصا قليلًا أمامي. ابتسمت أمي. "بالطبع. إنها عصاكِ الآن، ومن حقكِ أن تختاري
توقف في منتصف الطريق، ثم غيّر اتجاهه بعناد، فعلق الغرض عند طرف السجادة، وحاول سحبه مرة أخرى دون أن ينجح. راقبته للحظات، ثم قلت: "أعتقد أنه يحتاج إلى مساعدة." نظر لوسيان إلى الدب، ثم إليّ. "أظن أنكما تتشابهان أكثر مما تتصورين." "ماذا تقصد؟" "كل منكما يصر على إنهاء المهمة بطريقته، حتى عندما يكون هناك حل أسهل." ضيقت عينيّ نحوه. "يمكنني أن أتركك ترتب بقية الحقيبة وحدك." رفع حاجبيه مبتسمًا. "وهل هذا تهديد أم وعد؟" "يمكن أن يكون الاثنين." رفع يديه مستسلمًا، لكنه لم يخفِ ابتسامته، ثم انحنى والتقط الغرض الذي عجز الدب الصغير عن حمله ووضعه في مكانه. تابعت دينغ دينغ ترتيب الأغراض الأخرى، بينما ساعدني لوسيان في إغلاق الحقيبة، وأعدت فحص محتوياتها مرة أخيرة حتى أتأكد من أنني لم أنسَ شيئًا. "انتهيت،" أعلنت وأنا أبتعد عن السرير.
"أبي، هل يعني هذا أن العالم الذي نعيش فيه ليس سوى جزء صغير من عالم أكبر؟" ظل أبي ينظر إليّ للحظات، ثم وضع فنجانه على الطاولة بهدوء، وكأنه يريد أن يمنح سؤالي وقتًا كافيًا قبل أن يجيب. كانت أمي تجلس إلى جواري، بينما بقي لوسيان في المقعد المقابل، يستمع بصمت لم أعتده منه. قال أبي أخيرًا: "ما تعرفينه عن العالم لا يمثل إلا الجزء الذي عشتِ فيه حتى الآن. هناك أمور لا يمكن فهمها من خلال ما ترينه حولك فحسب، لأن تاريخ هذا العالم أقدم بكثير من الحكايات التي يتناقلها الناس." عقدت حاجبيّ وأنا أحاول استيعاب كلامه، ثم ملت قليلًا إلى الأمام. "وهل تقصد أن هناك عوالم أخرى فعلًا؟ عوالم مختلفة عن عالمنا، وليست مجرد أماكن بعيدة لم نزرها؟" أومأ أبي ببطء. "نعم، لكن معرفة وجودها لا تعني أن الوصول إليها أمر بسيط، ولا أن كل ما يُقال عنها صحيح. هناك تاريخ وراء عائلتنا، وأحداث جعلت معرفتنا بهذه الأمور مختلفة عن معرفة الآخرين." نظرت إلى أمي، فوجدتها تتابع الحديث بهدوء، ثم انتقلت عيناي إلى لوسيان الذي بدا أكثر اهتمامًا مما أظهره في البداية. لم يقاطع أبي، ولم يحاول إلقاء تعليق ساخر كما يفعل عادةً، وهذا وحده
ساد الصمت للحظة، وبقيت ابتسامة أمي معلقة على شفتيها وهي تنتظر ردنا. التفتُّ إلى لوسيان، فوجدته ينظر إليّ في اللحظة نفسها، وقد ارتفعت إحدى حاجبيه قليلًا في إشارة فهمتها على الفور. كان يعرف ما أفكر فيه، تمامًا كما كنت أعرف أنه يحاول تجنب المصير نفسه الذي ينتظرني إن قررت أمي استعادة إحدى قصص طفولتنا أمام الضيوف. تبادلنا نظرة سريعة، ولم أستطع منع ابتسامة صغيرة من الظهور على وجهي، بينما بدا أخي وكأنه يستعد للدفاع عن نفسه قبل أن توجه إليه أمي أي اتهام جديد. "لا حاجة لذلك، أمي،" قلنا معًا. ضحكت أمي، وأعادت كأسها إلى الطاولة، بينما انفجر الضيوف القريبون منا بالضحك. شعرت بحرارة خفيفة تصعد إلى وجهي، لكنني لم أعد أشعر بالإحراج الذي كان ينتابني في بداية الأمسية. على العكس، وجدت نفسي أضحك معهم، وألقي نظرة جانبية على لوسيان الذي هز رأسه مستسلمًا، قبل أن يرفع كأسه إلى شفتيه وكأن الأمر لا يعنيه على الإطلاق. كان بارعًا في إخفاء انزعاجه خلف ملامح هادئة، لكنني لم أستطع تجاهل النظرة التي منحني إياها، وكأنها تحذرني من أن دوري في إحراجه سيأتي لاحقًا. كان ذلك ك
كانت طريقته في الرد كافية لتجعلني أضحك، فيما اكتفى أبي بإلقاء نظرة تحذيرية على الرجل الذي بدا أنه استمتع باستفزازه أكثر مما استمتع بالحديث معي. وحين ابتعد الضيف، انحنيت نحو أبي وهمست: "أريد أن أعرف ماذا فعلت." "لا تريدين." "هذا يعني أنك فعلت شيئًا يستحق أن أعرفه." "هذا يعني أنني كنت في السادسة عشرة يومًا ما، وأنني لا أريد أن أسمع تعليقًا من ابنتي طوال الأسبوع القادم." ضحكت، ثم تشبثت بذراعه لحظة قبل أن أتركه يستقبل ضيفًا آخر. كان الاحتفال يستعيد حيويته شيئًا فشيئًا بعد هدوء المراسم، وعادت الموسيقى الخافتة تتردد بين الأعمدة، فيما انشغل بعض الحاضرين بالحديث قرب النوافذ، وانتقل آخرون إلى الطاولات التي رُتبت عليها أطباق صغيرة من الحلوى والفواكه. كانت القاعة واسعة بما يكفي لتسمح للمجموعات بالتشكل والتفرق دون أن يتداخل حديث إحداها مع الأخرى كثيرًا، وقد ساعد الضوء الذهبي المنبعث من الثريات على منح المكان دفئًا جعلني أنسى، لبعض الوقت، رهبة الوقوف داخل دائرة الزئبق قبل دقائق. وحين بدأت أشعر بأنني قضيت نصف حياتي في تبادل التحيات، ظهر لوسيان أمامي حاملًا كأسًا من العصير، ثم مدّه إليّ. "اشر