Share

الإدمان

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-18 19:58:05

لم يكن جواد يعترف بإدمانه لأي شيء.

لا الكحول، ولا العنف، ولا السلطة.

لكنه وهو يقف قرب النافذة داخل المنزل القديم، والسيجارة ترتجف بين أصابعه للمرة الأولى منذ سنوات…

عرف الحقيقة أخيرًا.

لقد أدمن لارا.

أو ربما أدمن الشعور الذي توقظه داخله.

ذلك الجزء الوحشي، الأناني، والجائع دائمًا للمزيد.

كانت لارا مستلقية فوق الأريكة خلفه بصمت، تراقب ظهره بعينيها الداكنتين.

خصلات شعرها مبعثرة، وعلامات التعب واضحة فوق ملامحها، لكن ابتسامتها الصغيرة لم تختفِ.

كانت تعرفه جيدًا.

تعرف أن الصمت الذي يسبق عودته إليها دائمًا يبدو هكذا.

ثقيلاً. مضطربًا. وخطرًا.

“أنت تفكر كثيرًا.”

قالتها بهدوء.

لم يلتفت نحوها.

“وأنتِ تستمتعين بذلك كثيرًا.”

ضحكت بخفوت وهي تنهض ببطء.

ثم اقتربت منه حتى أصبحت خلفه مباشرة.

“لأنك كل مرة تحاول الهرب… تعود أصعب.”

أغمض عينيه للحظة عندما لمست أصابعها ظهره ببطء.

اللعنة…

حتى لمساتها أصبحت تعرف كيف تصل إليه فورًا.

استدار نحوها أخيرًا.

وكانت نظراته هذه المرة مختلفة.

أثقل. أكثر اضطرابًا. وكأن شيئًا داخله بدأ ينهار تدريجيًا.

لاحظت لارا ذلك فورًا.

ودائمًا كانت تحب اللحظة التي يفقد فيها سيطرته.

“ما هذه النظرة؟”

همست بها وهي تبتسم بخفة.

اقترب منها دون رد.

ثم أمسك خصرها فجأة وجذبها نحوه بقوة جعلتها تلهث بخفوت.

لكن بدل أن تتراجع…

ابتسمت.

“ها قد عدنا مجددًا.”

شعر بالغضب من ابتسامتها، من قدرتها على فهمه بهذه السهولة، ومن حقيقة أنها أصبحت تعرف تمامًا كيف تدفعه للعودة إليها كل مرة.

“توقفي عن النظر إليّ هكذا.”

قالها بصوت منخفض وخشن.

رفعت حاجبها بخفة.

“وكيف أنظر إليك؟”

قبض على فكّه بعنف.

“كأنكِ تعرفين ما أريده.”

اقتربت أكثر حتى أصبحت شفاهها قريبة جدًا من شفتيه.

ثم همست:

“لكنني أعرف فعلًا.”

كان بينهما شيء يتجاوز الرغبة العادية منذ زمن طويل.

شيء أقرب إلى حرب مستمرة يحاول كل واحد منهما فيها السيطرة على الآخر.

جواد يريد إخضاعها، إثبات أنها ما زالت تنتمي إليه بطريقة ما.

ولارا…

كانت تستمتع بذلك أكثر مما ينبغي.

تستمتع برؤية ذلك الجانب المظلم داخله يظهر فقط معها.

ولهذا كلما ابتعد عنها، أعادته نحوه مجددًا.

ببطء. بقسوة. وبكل الطرق التي تحفظ ضعفه جيدًا.

دفن جواد وجهه قرب عنقها بينما تشبثت هي به، تضحك بخفوت بين أنفاسها المرتبكة.

“أنت مجنون.”

همست بها.

رفع عينيه إليها فورًا.

“وأنتِ السبب.”

اتسعت ابتسامتها أكثر عند سماعه يقولها.

كانت تحب عندما يفقد بروده أخيرًا.

عندما يتحول ذلك الرجل المسيطر إلى شخص مدفوع بها وحدها.

شخص يريد المزيد بلا توقف، كأنه يحاول إخماد شيء مشتعل داخله منذ سنوات.

مرت الساعات ببطء شديد.

ضوء الصباح تمدد فوق الأرض الخشبية القديمة، لكن لا أحد منهما اهتم بالوقت.

العالم خارج هذا المنزل بدا بعيدًا جدًا.

لا ملفات، لا شرطة، لا جثث، ولا أسرار.

فقط هما، وهذه العلاقة السامة التي تشبه الإدمان أكثر من أي شيء آخر.

كانت لارا مستلقية قربه لاحقًا، تراقب ملامحه بصمت بينما يحاول التقاط أنفاسه.

ثم قالت فجأة:

“أتعلم ما أكثر شيء أخافه؟”

نظر إليها دون رد.

فابتسمت بخفة مريرة.

“أن تستيقظ يومًا وتقرر أنك لم تعد تريدني.”

شعر بشيء مؤلم يتحرك داخل صدره للحظة قصيرة.

لأن هذا الخوف تحديدًا… كان يسكنه هو أيضًا.

لكن بطريقته الخاصة.

اقترب منها مجددًا، يمرر أصابعه فوق وجهها ببطء.

“أنتِ تعرفين أن المشكلة ليست في الرغبة.”

ضحكت بخفوت.

“أعرف.”

ثم رفعت عينيها إليه مباشرة.

“المشكلة أنكَ تشعر بشيء يشبه الحب… وهذا يرعبك.”

تجمّد للحظة.

ولم يجب.

لأن صمته هذه المرة… كان اعترافًا أكثر من أي كلمة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   عندما دخل الظل

    الصمت داخل النفق أصبح خانقًا بعد كلمات مروان.حتى صوت المطر بالخارج بدا بعيدًا فجأة.“إنه كيان بنفسه.”ياسين أول من تكلم.“رائع.”قالها وهو يرفع سلاحه.“كنت أظن ليلتنا سيئة بالفعل.”لكن أحدًا لم يضحك.لأن الخوف الحقيقي لم يكن من الاسم فقط…بل من رد فعل جواد.وجهه شحب بطريقة واضحة، وعيناه اتجهتا فورًا نحو مدخل النفق.كأن جسده كله دخل حالة تأهب غريزية.لارا لاحظت ذلك فورًا.“جواد.”قالتها بهدوء منخفض.“من هو بالضبط؟”لكنه لم يجب.بل وقف رغم ألمه، ثم أمسك سلاحه ببطء.“يجب أن نخرج من هنا الآن.”“إلى أين؟”سأل سليم بعصبية.“النفق له مخرج واحد!”“هناك ممر سفلي.”قال حسام بسرعة.“قديم… لكنه قد يوصلنا للحي الشرقي.”“وقد يكون مغلقًا أو منهارًا.”رد آدم.“هل لديك اقتراح أفضل؟”قبل أن يرد—توقفت أصوات المطر بالخارج فجأة.لا…ليس المطر.بل إطلاق النار.صوت السيارات. الرجال. كل شيء.اختفى دفعة واحدة.الصمت أصبح مرعبًا.كارما ضمت قبضتها فوق السلاح.“أنا أكره هذا.”همست.ثم…بدأت خطوات تُسمع من الخارج.هادئة. ثابتة. بطيئة جدًا.وكأن صاحبها لا يخشى شيئًا إطلاقًا.مروان تراجع للخلف بعنف.الخوف بعينيه

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الرجل الذي يتوقف الجميع لأجله

    المطر كان يهطل بغزارة فوق الأزقة الضيقة خلف المبنى المهجور.الجميع يركض، أصوات الرصاص تعود من بعيد، وأنفاسهم أصبحت أثقل مع كل خطوة.لكن لارا…كانت ما تزال تنظر خلفها.نحو الرجل الواقف فوق المبنى المقابل.لم يتحرك.لم يرفع سلاحًا.فقط وقف هناك، بهدوء مرعب، كأنه لا يحتاج لفعل أي شيء كي يخافه الجميع.حتى رجال المنظمة أنفسهم توقفوا للحظات.وكأن وجوده وحده أمر غير متوقع.“لارا!”جواد جذبها بعنف من ذراعها.“تحركي!”التفتت له أخيرًا.“من هذا؟”فكه تشنج للحظة.“ليس الآن.”قالها بسرعة وهو يدفعها للأمام.لكنها لم تخطئ تلك النظرة بعينيه.جواد يعرفه.بل ويخافه.وذلك وحده كان كافيًا ليزرع القلق داخلها.بعد دقائق طويلة من الركض…وصلوا أخيرًا إلى نفق قديم أسفل أحد الجسور المهجورة.الجميع كان يلهث بقوة.الملابس مبتلة، والإرهاق واضح على الوجوه.سليم انحنى واضعًا يديه فوق ركبتيه.“أقسم… أنني سأموت بسبب الجري وليس الرصاص.”“اصمت.”قالها حسام وهو يراقب مدخل النفق بحذر.أما كارما…فكانت تنظر نحو لارا بصمت.ثم أخيرًا اقتربت منها.“أنتِ شاحبة.”“أنا بخير.”ردت فورًا.كارما رفعت حاجبًا.“الكذبة واضحة جدًا لد

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الفتى الذي يعرف الطريق

    الصمت خيّم على المبنى المهجور للحظات طويلة بعد كلام الطفل الأمطار بالخارج كانت تضرب النوافذ المحطمة بعنف، والبرد بدأ يتسلل للمكان تدريجيًا.لكن أحدًا لم يتحرك.“ماذا قلت؟”سأل حسام أخيرًا بحدة.الطفل ارتجف أكثر، وعيناه تحركتا بين الأسلحة الموجهة نحوه.بدا في الثانية عشرة تقريبًا، نحيفًا جدًا، ووجهه شاحب من الخوف والإرهاق.كارما كانت أول من اقترب.خفضت سلاحها تمامًا، ثم ركعت أمامه بحذر.“اهدأ.”قالتها بصوت أخف من المعتاد.“لن يؤذيك أحد.”الطفل ظل يحدق بها للحظات، ثم ابتلع ريقه بصعوبة.“هم يراقبون المكان.”همس.توتر الجميع فورًا.“من؟”سأل ياسين.“رجال المنظمة.”سليم شتم بصوت منخفض.“رائع. الليلة تتحسن فعلًا.”لكن لارا لم تهتم بكل ذلك.كانت ما تزال واقفة بعيدًا، تنظر نحو جواد بصمت بارد.وكلامه قبل قليل ما زال يدور داخل رأسها.“طلب مني أبعدكِ عنهم مهما حدث.”شيء داخلها كان غاضبًا.ليس فقط لأن جواد أخفى الأمر…بل لأن الجميع دائمًا يقرر عنها.أبوها. جواد. حتى ليلان أحيانًا.الجميع يتصرف وكأن لارا تحتاج من ينقذها، بينما هي طوال عمرها كانت تنقذ نفسها وحدها.“لارا.”صوت جواد قطع أفكارها.لكن

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الكلمات الأخيرة

    النار كانت تلتهم أطراف الميناء ببطء.الدخان الأسود صعد للسماء، وامتزج بالضباب الكثيف حتى أصبح المكان كله يبدو كجحيم مفتوح.الرصاص ما زال ينطلق من بعيد، لكن تركيز لارا لم يعد على أي شيء سوى جواد.“أخبرها ماذا قال لك والدها قبل أن يختفي.”صوت رائد اخترق الفوضى بوضوح مرعب.جواد ظل ينظر نحوه للحظات طويلة.ثم شد فكه بعنف.وكأن شيئًا داخله يقاوم الخروج.“جواد.”قالتها لارا هذه المرة بهدوء أخطر من الصراخ.“ماذا يقصد؟”رائد ابتسم.“أوه، يبدو أنه لم يخبركِ.”“اخرس.”خرجت من جواد بحدة مفاجئة.لكن رائد ضحك فقط.ثم بدأ يتراجع ببطء وسط رجاله.“الذاكرة شيء ممتع… خصوصًا عندما تعود متأخرة.”“لا تدعه يهرب!”صرخ سليم وهو يطلق النار.الفوضى انفجرت من جديد.رجال المنظمة بدأوا بالانسحاب المنظم، يغلقون الطريق بالنيران حتى يمنعوا المجموعة من اللحاق برائد.ياسين شتم بعنف وهو ينحني خلف حاوية معدنية.“أقسم أنني سأقتله بيدي.”“خذ رقمًا وانتظر الدور.”ردت كارما وهي تعيد تعبئة سلاحها بسرعة.لكن عينيها تحركتا فورًا نحو لارا.ولأول مرة منذ بداية المواجهة…بدت لارا غير مستقرة فعلًا.جواد أمسك ذراعها برفق.“يجب أن نت

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الذكريات التي رفضت أن تموت

    الضباب فوق الميناء أصبح أكثر كثافة.الأضواء البيضاء تنعكس فوق المياه السوداء، والرصاص ما زال يتردد بعيدًا بين الحاويات المعدنية.لكن رغم الفوضى…كان تركيز الجميع منصبًا على جواد.“قل لهم ماذا رأيت تلك الليلة.”صوت رائد ظل يتردد بالمكان كسم بطيء.جواد وقف ثابتًا أمام لارا، لكن أنفاسه لم تعد منتظمة.شيء داخل رأسه بدأ يتشقق.صور متقطعة.ممرات بيضاء طويلة. صفارات إنذار. رجل يركض وسط الدخان.ثم…عينان مألوفتان تنظران له قبل انفجار ضخم.“جواد.”صوت لارا أعاده للحظة للحاضر.نظر لها.وعندما رأت عينيه…شعرت بانقباض داخل صدرها.لأنها لم تره هكذا من قبل.مرتبك. ضائع. وكأنه عاد فجأة لذلك الطفل الذي خرج من المختبر محطمًا.“انظر لي.”قالتها بهدوء منخفض.لكن رائد ضحك.“لا فائدة.”ثم اقترب خطوة بطيئة.“ذاكرته بدأت تعود بالفعل.”“اخرس.”خرجت من لارا بحدة.لكن رائد تجاهلها تمامًا.“كان والدكِ هناك تلك الليلة.”قالها وهو ينظر لها مباشرة.“دخل المختبر قبل الحريق بساعات.”تجمدت ليلان فورًا.أما لارا فبقيت ملامحها باردة، لكن عينيها أصبحت أكثر ظلمة.“لماذا؟”سألت أخيرًا.“لأنه كان يحاول إخراج شخص ما.”تبادل

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الليلة التي انفتح فيها الجرح القديم

    الهواء في الميناء أصبح أثقل فجأة.الضباب، أصوات الأمواج، الكشافات البيضاء الحادة…كل شيء صار يبدو كأنه جزء من كابوس قديم عاد للحياة.رائد وقف فوق الحاوية المعدنية العالية، ينظر إليهم بابتسامته الباردة المعتادة.لكن عيناه كانتا مثبتتين على جواد.“هل أخبرتهم أخيرًا… ماذا فعلت بالمختبر تلك الليلة؟”الصمت انفجر داخل المجموعة.ليلان نظرت لجواد بارتباك. كارما عقدت حاجبيها. حتى سليم توقف عن الحركة للحظة.أما لارا…فقط راقبته.راقبت ذلك التوتر الخاطف الذي مر بعينيه قبل أن يختفي.“لا تستمعوا له.”قالها جواد بهدوء.رائد ضحك بصوت منخفض.“ما زلت تفعلها.”“تفعل ماذا؟”سأل آدم بحدة.لكن رائد لم ينظر إلا لجواد.“يخفي الحقيقة.”لارا تقدمت خطوة للأمام، وسلاحها موجه مباشرة نحو رأس رائد.“تكلم بوضوح أو سأفجر جمجمتك.”ابتسم لها ببطء.“اشتقتُ لكِ أيضًا يا لارا.”“قل ما لديك.”خرج صوتها باردًا بشكل مرعب.رائد أسند ذراعيه فوق السور المعدني للحاوية، ثم قال بهدوء:“في الليلة التي احترق فيها المختبر…”نظر نحو جواد.“هو من أشعل النار.”شهقت كارما بخفوت.أما ليلان فنظرت لجواد بصدمة واضحة.لكن جواد بقي صامتًا.وذ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status