Share

الدم فوق الماء

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-19 06:25:59

“لن تأتي معي.”

قالها جواد بحدة وهو يجهز سلاحه داخل غرفة المكتب.

أما لارا، فكانت تستند إلى الباب بذراعيها المعقودتين وعيناها مثبتتان عليه ببرود مستفز.

“وأنت تظن أنني سأطيعك؟”

“هذه المرة نعم.”

اقترب منها بخطوات سريعة حتى أصبح أمامها مباشرة.

“إذا كان مراد هناك، فأنتِ الهدف الحقيقي.”

ضحكت بخفة.

“هذا لم يمنعني من الذهاب سابقًا.”

قبض على فكّه بعنف.

“لارا…”

لكنها قاطعته بابتسامة صغيرة:

“أنت خائف عليّ.”

“لأنكِ لا تفكرين.”

اتسعت ابتسامتها أكثر.

“بل لأنك بدأت تحبني أكثر مما يجب.”

شعر بالتوتر يزداد داخله فورًا.

لأنها محقة مرة أخرى.

وهذا ما أزعجه.

“ستبقين هنا.”

قالها للمرة الأخيرة قبل أن يلتقط مفاتيحه ويتجه للخارج.

راقبته لارا بصمت حتى اختفى.

ثم انتظرت عشر ثوانٍ فقط.

قبل أن تبتسم ببطء.

“غبي.”

بعد نصف ساعة، كانت سيارة جواد تشق طريقها نحو الميناء القديم وسط الضباب الكثيف.

أما خلفه بمسافة بعيدة…

فكانت سيارة سوداء أخرى تتحرك بصمت.

لارا.

أخرجت سيجارة وأشعلتها بينما تراقب أضواء سيارته من بعيد.

هي تعرف أنه سيغضب عندما يكتشف الأمر.

لكن فكرة ذهابه وحده نحو مراد كانت أسوأ من أن تتحملها.

حتى لو أنكرت ذلك.

الميناء القديم بدا كمدينة مهجورة.

حاويات ضخمة، ضباب كثيف، وصوت أمواج تضرب الحديد الصدئ باستمرار.

ترجل جواد من السيارة ببطء وهو يرفع سلاحه بحذر.

كل شيء هادئ أكثر من اللازم.

وهذا سيئ.

“نور!”

صاح بصوت منخفض لكنه حاد.

لا رد.

بدأ يتحرك بين الحاويات بحذر بينما عينيه تمسحان المكان بسرعة.

ثم فجأة…

رن هاتفه.

لارا.

أغلقه فورًا بغضب.

لكنه توقف بعدها بثانية.

انتظر.

كيف عرفت أنه وصل؟

اتسعت عيناه تدريجيًا.

“اللعنة.”

في الجهة الأخرى من الميناء، كانت لارا تتحرك بصمت بين الحاويات المعدنية.

خطواتها هادئة، وعيناها يقظتان بطريقة مخيفة.

لكنها لم تلاحظ الظل الذي كان يراقبها من الأعلى.

رجل ملثم يقف فوق إحدى الحاويات، وبيده بندقية مزودة بكاتم صوت.

راقبها للحظات طويلة.

ثم رفع السلاح ببطء.

شعرت لارا فجأة بشيء خاطئ.

إحساس قديم بالخطر.

استدارت بسرعة—

وفي اللحظة نفسها دوى صوت مكتوم.

اخترقت الرصاصة الحاوية المعدنية بجانب رأسها مباشرة.

شهقت وهي تتراجع فورًا للخلف.

“قناص.”

همست بها.

ثم انطلقت رصاصة ثانية.

لكن قبل أن تصيبها—

اندفع جواد نحوها فجأة وأسقطها أرضًا بعنف.

اصطدم جسدها بالأرض بينما التف ذراعه حولها يحميها.

ثم دوّت الرصاصة الثالثة فوقهما مباشرة.

“هل جننتِ؟!”

صرخ بها وهو يسحبها خلف إحدى الحاويات.

تنفست بسرعة بينما قلبها يكاد يخرج من صدرها.

“أخبرتك أنني قادمة.”

“وأنا أخبرتكِ أن تبقي في المنزل!”

رفع جواد سلاحه بسرعة وأطلق عدة طلقات نحو الأعلى.

لكن القناص اختفى فورًا.

“اللعنة!”

قبض على ذراعها بقوة وهو يفحصها بعينيه بسرعة.

“هل أصابكِ شيء؟”

هزت رأسها بصعوبة.

لكنها كانت ترتجف.

ولأول مرة منذ سنوات…

شعرت بالخوف الحقيقي من الموت.

لاحظ ذلك فورًا.

لاحظ ارتجاف أصابعها، وطريقتها في التشبث بقميصه دون وعي.

فهدأ صوته مباشرة.

“انظري إليّ.”

رفعت عينيها نحوه ببطء.

“أنتِ بخير.”

همس بها.

لكنها لم تستطع الرد للحظة.

لأن فكرة أنه اندفع أمام الرصاص لأجلها…

حطمت شيئًا داخلها.

“كان سيقتلك.”

قالتها بصوت منخفض مرتجف.

اقترب منها أكثر.

“ولن أسمح بذلك.”

حبست أنفاسها فورًا.

أما هو، فرفع يده وأبعد خصلة شعر التصقت بوجهها بسبب المطر.

“هل تفهمين الآن لماذا لا أريدكِ هنا؟”

لكنها بدل أن تجيب…

أمسكت قميصه فجأة وجذبته نحوها بعنف.

قبلته بقوة وكأنها تحاول التأكد أنه ما زال حيًا.

تجمّد للحظة.

ثم أمسك وجهها بسرعة وهو يبادلها القبلة بعنف أكبر.

المطر حولهما، صوت البحر، والرصاص الذي كاد يقتلها منذ دقائق…

كل شيء اختفى.

بقي فقط ذلك الشعور المجنون بأنها كادت تفقده.

أو يفقدها.

لكن اللحظة انتهت فجأة عندما دوى صوت تصفيق بطيء من خلفهما.

ابتعد الاثنان فورًا.

ثم ظهر مراد من بين الضباب.

يرتدي معطفه الأسود، ويبتسم بهدوء مرعب.

“رومانسي جدًا.”

شعرت لارا بالبرودة تسري داخل جسدها فور رؤيته.

أما جواد، فرفع سلاحه مباشرة نحوه.

“أين نور؟”

ضحك مراد بخفوت.

“ما زلت تفكر بالفتاة؟”

ثم نظر إلى لارا.

“بينما ابنتي كادت تموت للتو.”

اقتربت لارا خطوة للأمام بعينين مشتعلتين.

“أنت من أرسل القناص.”

“اختبار فقط.”

قالها ببساطة صادمة.

“وأنت نجحتِ.”

شحب وجهها تدريجيًا.

أما جواد، فشعر بالغضب ينفجر داخله.

“أنت مريض.”

ابتسم مراد ببطء.

“بل فضولي.”

ثم نظر إلى جواد مباشرة.

“وأردت أن أعرف…”

مال رأسه قليلًا.

“هل ستموت لأجلها فعلًا؟”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   عندما دخل الظل

    الصمت داخل النفق أصبح خانقًا بعد كلمات مروان.حتى صوت المطر بالخارج بدا بعيدًا فجأة.“إنه كيان بنفسه.”ياسين أول من تكلم.“رائع.”قالها وهو يرفع سلاحه.“كنت أظن ليلتنا سيئة بالفعل.”لكن أحدًا لم يضحك.لأن الخوف الحقيقي لم يكن من الاسم فقط…بل من رد فعل جواد.وجهه شحب بطريقة واضحة، وعيناه اتجهتا فورًا نحو مدخل النفق.كأن جسده كله دخل حالة تأهب غريزية.لارا لاحظت ذلك فورًا.“جواد.”قالتها بهدوء منخفض.“من هو بالضبط؟”لكنه لم يجب.بل وقف رغم ألمه، ثم أمسك سلاحه ببطء.“يجب أن نخرج من هنا الآن.”“إلى أين؟”سأل سليم بعصبية.“النفق له مخرج واحد!”“هناك ممر سفلي.”قال حسام بسرعة.“قديم… لكنه قد يوصلنا للحي الشرقي.”“وقد يكون مغلقًا أو منهارًا.”رد آدم.“هل لديك اقتراح أفضل؟”قبل أن يرد—توقفت أصوات المطر بالخارج فجأة.لا…ليس المطر.بل إطلاق النار.صوت السيارات. الرجال. كل شيء.اختفى دفعة واحدة.الصمت أصبح مرعبًا.كارما ضمت قبضتها فوق السلاح.“أنا أكره هذا.”همست.ثم…بدأت خطوات تُسمع من الخارج.هادئة. ثابتة. بطيئة جدًا.وكأن صاحبها لا يخشى شيئًا إطلاقًا.مروان تراجع للخلف بعنف.الخوف بعينيه

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الرجل الذي يتوقف الجميع لأجله

    المطر كان يهطل بغزارة فوق الأزقة الضيقة خلف المبنى المهجور.الجميع يركض، أصوات الرصاص تعود من بعيد، وأنفاسهم أصبحت أثقل مع كل خطوة.لكن لارا…كانت ما تزال تنظر خلفها.نحو الرجل الواقف فوق المبنى المقابل.لم يتحرك.لم يرفع سلاحًا.فقط وقف هناك، بهدوء مرعب، كأنه لا يحتاج لفعل أي شيء كي يخافه الجميع.حتى رجال المنظمة أنفسهم توقفوا للحظات.وكأن وجوده وحده أمر غير متوقع.“لارا!”جواد جذبها بعنف من ذراعها.“تحركي!”التفتت له أخيرًا.“من هذا؟”فكه تشنج للحظة.“ليس الآن.”قالها بسرعة وهو يدفعها للأمام.لكنها لم تخطئ تلك النظرة بعينيه.جواد يعرفه.بل ويخافه.وذلك وحده كان كافيًا ليزرع القلق داخلها.بعد دقائق طويلة من الركض…وصلوا أخيرًا إلى نفق قديم أسفل أحد الجسور المهجورة.الجميع كان يلهث بقوة.الملابس مبتلة، والإرهاق واضح على الوجوه.سليم انحنى واضعًا يديه فوق ركبتيه.“أقسم… أنني سأموت بسبب الجري وليس الرصاص.”“اصمت.”قالها حسام وهو يراقب مدخل النفق بحذر.أما كارما…فكانت تنظر نحو لارا بصمت.ثم أخيرًا اقتربت منها.“أنتِ شاحبة.”“أنا بخير.”ردت فورًا.كارما رفعت حاجبًا.“الكذبة واضحة جدًا لد

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الفتى الذي يعرف الطريق

    الصمت خيّم على المبنى المهجور للحظات طويلة بعد كلام الطفل الأمطار بالخارج كانت تضرب النوافذ المحطمة بعنف، والبرد بدأ يتسلل للمكان تدريجيًا.لكن أحدًا لم يتحرك.“ماذا قلت؟”سأل حسام أخيرًا بحدة.الطفل ارتجف أكثر، وعيناه تحركتا بين الأسلحة الموجهة نحوه.بدا في الثانية عشرة تقريبًا، نحيفًا جدًا، ووجهه شاحب من الخوف والإرهاق.كارما كانت أول من اقترب.خفضت سلاحها تمامًا، ثم ركعت أمامه بحذر.“اهدأ.”قالتها بصوت أخف من المعتاد.“لن يؤذيك أحد.”الطفل ظل يحدق بها للحظات، ثم ابتلع ريقه بصعوبة.“هم يراقبون المكان.”همس.توتر الجميع فورًا.“من؟”سأل ياسين.“رجال المنظمة.”سليم شتم بصوت منخفض.“رائع. الليلة تتحسن فعلًا.”لكن لارا لم تهتم بكل ذلك.كانت ما تزال واقفة بعيدًا، تنظر نحو جواد بصمت بارد.وكلامه قبل قليل ما زال يدور داخل رأسها.“طلب مني أبعدكِ عنهم مهما حدث.”شيء داخلها كان غاضبًا.ليس فقط لأن جواد أخفى الأمر…بل لأن الجميع دائمًا يقرر عنها.أبوها. جواد. حتى ليلان أحيانًا.الجميع يتصرف وكأن لارا تحتاج من ينقذها، بينما هي طوال عمرها كانت تنقذ نفسها وحدها.“لارا.”صوت جواد قطع أفكارها.لكن

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الكلمات الأخيرة

    النار كانت تلتهم أطراف الميناء ببطء.الدخان الأسود صعد للسماء، وامتزج بالضباب الكثيف حتى أصبح المكان كله يبدو كجحيم مفتوح.الرصاص ما زال ينطلق من بعيد، لكن تركيز لارا لم يعد على أي شيء سوى جواد.“أخبرها ماذا قال لك والدها قبل أن يختفي.”صوت رائد اخترق الفوضى بوضوح مرعب.جواد ظل ينظر نحوه للحظات طويلة.ثم شد فكه بعنف.وكأن شيئًا داخله يقاوم الخروج.“جواد.”قالتها لارا هذه المرة بهدوء أخطر من الصراخ.“ماذا يقصد؟”رائد ابتسم.“أوه، يبدو أنه لم يخبركِ.”“اخرس.”خرجت من جواد بحدة مفاجئة.لكن رائد ضحك فقط.ثم بدأ يتراجع ببطء وسط رجاله.“الذاكرة شيء ممتع… خصوصًا عندما تعود متأخرة.”“لا تدعه يهرب!”صرخ سليم وهو يطلق النار.الفوضى انفجرت من جديد.رجال المنظمة بدأوا بالانسحاب المنظم، يغلقون الطريق بالنيران حتى يمنعوا المجموعة من اللحاق برائد.ياسين شتم بعنف وهو ينحني خلف حاوية معدنية.“أقسم أنني سأقتله بيدي.”“خذ رقمًا وانتظر الدور.”ردت كارما وهي تعيد تعبئة سلاحها بسرعة.لكن عينيها تحركتا فورًا نحو لارا.ولأول مرة منذ بداية المواجهة…بدت لارا غير مستقرة فعلًا.جواد أمسك ذراعها برفق.“يجب أن نت

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الذكريات التي رفضت أن تموت

    الضباب فوق الميناء أصبح أكثر كثافة.الأضواء البيضاء تنعكس فوق المياه السوداء، والرصاص ما زال يتردد بعيدًا بين الحاويات المعدنية.لكن رغم الفوضى…كان تركيز الجميع منصبًا على جواد.“قل لهم ماذا رأيت تلك الليلة.”صوت رائد ظل يتردد بالمكان كسم بطيء.جواد وقف ثابتًا أمام لارا، لكن أنفاسه لم تعد منتظمة.شيء داخل رأسه بدأ يتشقق.صور متقطعة.ممرات بيضاء طويلة. صفارات إنذار. رجل يركض وسط الدخان.ثم…عينان مألوفتان تنظران له قبل انفجار ضخم.“جواد.”صوت لارا أعاده للحظة للحاضر.نظر لها.وعندما رأت عينيه…شعرت بانقباض داخل صدرها.لأنها لم تره هكذا من قبل.مرتبك. ضائع. وكأنه عاد فجأة لذلك الطفل الذي خرج من المختبر محطمًا.“انظر لي.”قالتها بهدوء منخفض.لكن رائد ضحك.“لا فائدة.”ثم اقترب خطوة بطيئة.“ذاكرته بدأت تعود بالفعل.”“اخرس.”خرجت من لارا بحدة.لكن رائد تجاهلها تمامًا.“كان والدكِ هناك تلك الليلة.”قالها وهو ينظر لها مباشرة.“دخل المختبر قبل الحريق بساعات.”تجمدت ليلان فورًا.أما لارا فبقيت ملامحها باردة، لكن عينيها أصبحت أكثر ظلمة.“لماذا؟”سألت أخيرًا.“لأنه كان يحاول إخراج شخص ما.”تبادل

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الليلة التي انفتح فيها الجرح القديم

    الهواء في الميناء أصبح أثقل فجأة.الضباب، أصوات الأمواج، الكشافات البيضاء الحادة…كل شيء صار يبدو كأنه جزء من كابوس قديم عاد للحياة.رائد وقف فوق الحاوية المعدنية العالية، ينظر إليهم بابتسامته الباردة المعتادة.لكن عيناه كانتا مثبتتين على جواد.“هل أخبرتهم أخيرًا… ماذا فعلت بالمختبر تلك الليلة؟”الصمت انفجر داخل المجموعة.ليلان نظرت لجواد بارتباك. كارما عقدت حاجبيها. حتى سليم توقف عن الحركة للحظة.أما لارا…فقط راقبته.راقبت ذلك التوتر الخاطف الذي مر بعينيه قبل أن يختفي.“لا تستمعوا له.”قالها جواد بهدوء.رائد ضحك بصوت منخفض.“ما زلت تفعلها.”“تفعل ماذا؟”سأل آدم بحدة.لكن رائد لم ينظر إلا لجواد.“يخفي الحقيقة.”لارا تقدمت خطوة للأمام، وسلاحها موجه مباشرة نحو رأس رائد.“تكلم بوضوح أو سأفجر جمجمتك.”ابتسم لها ببطء.“اشتقتُ لكِ أيضًا يا لارا.”“قل ما لديك.”خرج صوتها باردًا بشكل مرعب.رائد أسند ذراعيه فوق السور المعدني للحاوية، ثم قال بهدوء:“في الليلة التي احترق فيها المختبر…”نظر نحو جواد.“هو من أشعل النار.”شهقت كارما بخفوت.أما ليلان فنظرت لجواد بصدمة واضحة.لكن جواد بقي صامتًا.وذ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status