Share

الهروب الوحيد

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-19 06:31:23

“هل ستموت لأجلها فعلًا؟”

ظل سؤال مراد معلقًا وسط الضباب بينما اشتدت قبضة جواد فوق سلاحه.

أما لارا…

فشعرت بشيء أسوأ من الخوف يزحف داخل صدرها.

الذنب.

لأن الرصاصة كانت موجهة إليها. ولأن جواد اندفع أمامها دون تفكير.

وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة…

أدركت أنها قد تكون السبب الحقيقي في موته يومًا ما.

“أين نور؟”

كرر جواد بحدة.

لكن مراد تجاهله كليًا، واستمر بالنظر إلى لارا بطريقة جعلت معدتها تنقبض.

“أنتِ تتغيرين.”

قالها بهدوء.

لم ترد.

فابتسم أكثر.

“وهذا خطير.”

اقترب خطوة إضافية.

“الحب يجعل الناس ضعفاء.”

شعرت لارا بأنفاسها تضطرب قليلًا.

لأنها تعرف أنه محق.

هي أصبحت أضعف فعلًا.

تغضب عندما يقترب أحد من جواد. تخاف عندما يتأذى. وتفكر به أكثر مما ينبغي.

وذلك النوع من التعلق… قتل أمها.

“لا تنظر إليها.”

قالها جواد ببرود قاتل وهو يتحرك أمام لارا كحاجز.

ضحك مراد بخفوت.

“أنت تحاول حمايتها مني؟”

ثم أضاف وهو يرفع عينيه نحو لارا:

“المشكلة الحقيقية ليست أنا يا جواد.”

ساد الصمت للحظة.

ثم قال جملته الأخيرة قبل أن يختفي داخل الضباب:

“بل ما ستفعله بك ابنتي عندما تحبك بالكامل.”

عادا إلى المنزل قبل الفجر.

لكن شيئًا تغير.

جواد شعر به فورًا.

لارا أصبحت هادئة أكثر من اللازم.

صامتة. شاردة. ولا تنظر إليه بالطريقة المعتادة.

وهو يكره ذلك.

دخلت غرفتها مباشرة دون كلمة.

لكن قبل أن تغلق الباب، أوقفها صوته.

“لارا.”

توقفت.

“انظري إليّ.”

استدارت ببطء.

لاحظ فورًا التعب داخل عينيها، والشيء الآخر…

الخوف.

“ماذا قال لكِ مراد؟”

سألها بهدوء.

ابتسمت ابتسامة صغيرة مرهقة.

“الحقيقة غالبًا.”

ثم أغلقت الباب.

لم تنم تلك الليلة.

جلست فوق الأرض قرب السرير تضم ركبتيها إلى صدرها بينما تعيد كل شيء داخل رأسها.

الرصاص. خوفها عليه. وطريقة مراد التي بدت وكأنه يعرف ما سيحدث قبلها.

ثم تذكرت أمها.

مريم.

المرأة التي أحبت رجلًا وحشًا حتى دمّر حياتها بالكامل.

شعرت لارا بالغثيان فجأة.

ماذا لو أصبحت مثل أبيها فعلًا؟

ماذا لو كان كل شخص تحبه… ينتهي محطّمًا بسببها؟

في الصباح، اختفت.

لم تخبر أحدًا.

فقط غادرت المنزل قبل أن يستيقظ الباقون.

“ماذا تعني أنها رحلت؟”

قالها جواد بحدة وهو ينظر إلى كارما.

هزت رأسها بتوتر.

“غرفتها فارغة منذ الفجر.”

قبض على فكّه بعنف.

ثم أخرج هاتفه واتصل بها.

مرة. اثنتين. خمس مرات.

لا رد.

شعر بالغضب يشتعل داخله بسرعة.

لأنه يعرف لارا جيدًا.

وعندما تهرب…

فهي تفعل ذلك لأنها خائفة من شيء.

أو من نفسها.

في الجهة الأخرى من المدينة، كانت لارا داخل شقة قديمة مهجورة تملكها منذ سنوات.

مكان تستخدمه عندما تريد الاختفاء.

جلست فوق الأريكة بصمت بينما تنظر إلى هاتفها الذي لم يتوقف عن الرنين.

جواد.

أغلقت الشاشة دون رد.

ثم دفنت وجهها بين يديها للحظة.

هي تريد العودة.

بل تريد أن تركض إليه الآن.

لكن هذا هو السبب الذي يجعلها تبتعد أصلًا.

لأنها بدأت تحتاجه أكثر مما يجب.

رن الهاتف مجددًا.

لكن هذه المرة… لم يكن جواد.

مراد.

تصلب جسدها فورًا.

أجابت بعد ثوانٍ بصمت.

جاءها صوته الهادئ:

“أحسنتِ.”

أغمضت عينيها بغضب.

“ماذا تريد؟”

“أردت فقط أن أعرف…”

توقف لحظة قصيرة.

“كم ستستطيعين الابتعاد عنه قبل أن تنهاري.”

أنهت المكالمة فورًا.

لكن كلماتِه بقيت داخل رأسها مثل السم.

في المساء، كان جواد يتحرك بعصبية داخل غرفة المكتب بينما ياسين يراقبه بصمت.

“لن تختفي هكذا دون سبب.”

قالها جواد وهو يشعل سيجارة أخرى.

“هي تفعل ذلك عندما تشعر أن الأمور خرجت عن سيطرتها.”

رفع ياسين حاجبه.

“أو عندما تبدأ بالاهتمام فعلًا.”

تجمّد جواد للحظة.

ثم رفع عينيه نحوه ببطء.

“ماذا تقصد؟”

تنهد ياسين.

“لارا لا تهرب من الأشخاص الذين تكرههم.”

ساد الصمت.

ثم أضاف بهدوء:

“هي تهرب عندما تخاف أن تخسر أحدًا.”

شعر جواد بشيء ثقيل يستقر داخل صدره فورًا.

لأن ذلك منطقي بشكل مؤلم.

في الوقت نفسه، كانت كارما تقف بالمطبخ عندما سمعت صوتًا خلفها.

التفتت بسرعة.

ثم تجمدت.

امرأة تقف قرب باب الحديقة الخلفية.

المعطف الأسود نفسه. والشعر الطويل نفسه.

لكن هذه المرة…

استطاعت رؤية وجهها بوضوح.

شعرت بأن الدم انسحب من جسدها بالكامل.

لأن المرأة تشبه لارا.

لكنها ليست لارا.

ابتسمت المرأة بهدوء صغير.

ثم وضعت إصبعها فوق شفتيها وكأنها تطلب الصمت.

واختفت مجددًا داخل الظلام.

أما في مكان آخر…

فكانت نور ما تزال محتجزة، لكن هذه الليلة لم تكن وحدها.

جلست المرأة الغامضة أمامها أخيرًا تحت الضوء الكامل.

ملامح هادئة. عيناها مليئتان بالحزن. وصوتها ناعم بصورة غريبة.

“أنتِ لا تشبهينه.”

قالتها فجأة.

ارتجفت نور.

“من؟”

ابتسمت المرأة ابتسامة صغيرة باهتة.

“جواد.”

ثم أضافت وهي تنظر بعيدًا:

“لهذا ربما ما زالت لديك فرصة للنجاة.”

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   عندما دخل الظل

    الصمت داخل النفق أصبح خانقًا بعد كلمات مروان.حتى صوت المطر بالخارج بدا بعيدًا فجأة.“إنه كيان بنفسه.”ياسين أول من تكلم.“رائع.”قالها وهو يرفع سلاحه.“كنت أظن ليلتنا سيئة بالفعل.”لكن أحدًا لم يضحك.لأن الخوف الحقيقي لم يكن من الاسم فقط…بل من رد فعل جواد.وجهه شحب بطريقة واضحة، وعيناه اتجهتا فورًا نحو مدخل النفق.كأن جسده كله دخل حالة تأهب غريزية.لارا لاحظت ذلك فورًا.“جواد.”قالتها بهدوء منخفض.“من هو بالضبط؟”لكنه لم يجب.بل وقف رغم ألمه، ثم أمسك سلاحه ببطء.“يجب أن نخرج من هنا الآن.”“إلى أين؟”سأل سليم بعصبية.“النفق له مخرج واحد!”“هناك ممر سفلي.”قال حسام بسرعة.“قديم… لكنه قد يوصلنا للحي الشرقي.”“وقد يكون مغلقًا أو منهارًا.”رد آدم.“هل لديك اقتراح أفضل؟”قبل أن يرد—توقفت أصوات المطر بالخارج فجأة.لا…ليس المطر.بل إطلاق النار.صوت السيارات. الرجال. كل شيء.اختفى دفعة واحدة.الصمت أصبح مرعبًا.كارما ضمت قبضتها فوق السلاح.“أنا أكره هذا.”همست.ثم…بدأت خطوات تُسمع من الخارج.هادئة. ثابتة. بطيئة جدًا.وكأن صاحبها لا يخشى شيئًا إطلاقًا.مروان تراجع للخلف بعنف.الخوف بعينيه

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الرجل الذي يتوقف الجميع لأجله

    المطر كان يهطل بغزارة فوق الأزقة الضيقة خلف المبنى المهجور.الجميع يركض، أصوات الرصاص تعود من بعيد، وأنفاسهم أصبحت أثقل مع كل خطوة.لكن لارا…كانت ما تزال تنظر خلفها.نحو الرجل الواقف فوق المبنى المقابل.لم يتحرك.لم يرفع سلاحًا.فقط وقف هناك، بهدوء مرعب، كأنه لا يحتاج لفعل أي شيء كي يخافه الجميع.حتى رجال المنظمة أنفسهم توقفوا للحظات.وكأن وجوده وحده أمر غير متوقع.“لارا!”جواد جذبها بعنف من ذراعها.“تحركي!”التفتت له أخيرًا.“من هذا؟”فكه تشنج للحظة.“ليس الآن.”قالها بسرعة وهو يدفعها للأمام.لكنها لم تخطئ تلك النظرة بعينيه.جواد يعرفه.بل ويخافه.وذلك وحده كان كافيًا ليزرع القلق داخلها.بعد دقائق طويلة من الركض…وصلوا أخيرًا إلى نفق قديم أسفل أحد الجسور المهجورة.الجميع كان يلهث بقوة.الملابس مبتلة، والإرهاق واضح على الوجوه.سليم انحنى واضعًا يديه فوق ركبتيه.“أقسم… أنني سأموت بسبب الجري وليس الرصاص.”“اصمت.”قالها حسام وهو يراقب مدخل النفق بحذر.أما كارما…فكانت تنظر نحو لارا بصمت.ثم أخيرًا اقتربت منها.“أنتِ شاحبة.”“أنا بخير.”ردت فورًا.كارما رفعت حاجبًا.“الكذبة واضحة جدًا لد

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الفتى الذي يعرف الطريق

    الصمت خيّم على المبنى المهجور للحظات طويلة بعد كلام الطفل الأمطار بالخارج كانت تضرب النوافذ المحطمة بعنف، والبرد بدأ يتسلل للمكان تدريجيًا.لكن أحدًا لم يتحرك.“ماذا قلت؟”سأل حسام أخيرًا بحدة.الطفل ارتجف أكثر، وعيناه تحركتا بين الأسلحة الموجهة نحوه.بدا في الثانية عشرة تقريبًا، نحيفًا جدًا، ووجهه شاحب من الخوف والإرهاق.كارما كانت أول من اقترب.خفضت سلاحها تمامًا، ثم ركعت أمامه بحذر.“اهدأ.”قالتها بصوت أخف من المعتاد.“لن يؤذيك أحد.”الطفل ظل يحدق بها للحظات، ثم ابتلع ريقه بصعوبة.“هم يراقبون المكان.”همس.توتر الجميع فورًا.“من؟”سأل ياسين.“رجال المنظمة.”سليم شتم بصوت منخفض.“رائع. الليلة تتحسن فعلًا.”لكن لارا لم تهتم بكل ذلك.كانت ما تزال واقفة بعيدًا، تنظر نحو جواد بصمت بارد.وكلامه قبل قليل ما زال يدور داخل رأسها.“طلب مني أبعدكِ عنهم مهما حدث.”شيء داخلها كان غاضبًا.ليس فقط لأن جواد أخفى الأمر…بل لأن الجميع دائمًا يقرر عنها.أبوها. جواد. حتى ليلان أحيانًا.الجميع يتصرف وكأن لارا تحتاج من ينقذها، بينما هي طوال عمرها كانت تنقذ نفسها وحدها.“لارا.”صوت جواد قطع أفكارها.لكن

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الكلمات الأخيرة

    النار كانت تلتهم أطراف الميناء ببطء.الدخان الأسود صعد للسماء، وامتزج بالضباب الكثيف حتى أصبح المكان كله يبدو كجحيم مفتوح.الرصاص ما زال ينطلق من بعيد، لكن تركيز لارا لم يعد على أي شيء سوى جواد.“أخبرها ماذا قال لك والدها قبل أن يختفي.”صوت رائد اخترق الفوضى بوضوح مرعب.جواد ظل ينظر نحوه للحظات طويلة.ثم شد فكه بعنف.وكأن شيئًا داخله يقاوم الخروج.“جواد.”قالتها لارا هذه المرة بهدوء أخطر من الصراخ.“ماذا يقصد؟”رائد ابتسم.“أوه، يبدو أنه لم يخبركِ.”“اخرس.”خرجت من جواد بحدة مفاجئة.لكن رائد ضحك فقط.ثم بدأ يتراجع ببطء وسط رجاله.“الذاكرة شيء ممتع… خصوصًا عندما تعود متأخرة.”“لا تدعه يهرب!”صرخ سليم وهو يطلق النار.الفوضى انفجرت من جديد.رجال المنظمة بدأوا بالانسحاب المنظم، يغلقون الطريق بالنيران حتى يمنعوا المجموعة من اللحاق برائد.ياسين شتم بعنف وهو ينحني خلف حاوية معدنية.“أقسم أنني سأقتله بيدي.”“خذ رقمًا وانتظر الدور.”ردت كارما وهي تعيد تعبئة سلاحها بسرعة.لكن عينيها تحركتا فورًا نحو لارا.ولأول مرة منذ بداية المواجهة…بدت لارا غير مستقرة فعلًا.جواد أمسك ذراعها برفق.“يجب أن نت

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الذكريات التي رفضت أن تموت

    الضباب فوق الميناء أصبح أكثر كثافة.الأضواء البيضاء تنعكس فوق المياه السوداء، والرصاص ما زال يتردد بعيدًا بين الحاويات المعدنية.لكن رغم الفوضى…كان تركيز الجميع منصبًا على جواد.“قل لهم ماذا رأيت تلك الليلة.”صوت رائد ظل يتردد بالمكان كسم بطيء.جواد وقف ثابتًا أمام لارا، لكن أنفاسه لم تعد منتظمة.شيء داخل رأسه بدأ يتشقق.صور متقطعة.ممرات بيضاء طويلة. صفارات إنذار. رجل يركض وسط الدخان.ثم…عينان مألوفتان تنظران له قبل انفجار ضخم.“جواد.”صوت لارا أعاده للحظة للحاضر.نظر لها.وعندما رأت عينيه…شعرت بانقباض داخل صدرها.لأنها لم تره هكذا من قبل.مرتبك. ضائع. وكأنه عاد فجأة لذلك الطفل الذي خرج من المختبر محطمًا.“انظر لي.”قالتها بهدوء منخفض.لكن رائد ضحك.“لا فائدة.”ثم اقترب خطوة بطيئة.“ذاكرته بدأت تعود بالفعل.”“اخرس.”خرجت من لارا بحدة.لكن رائد تجاهلها تمامًا.“كان والدكِ هناك تلك الليلة.”قالها وهو ينظر لها مباشرة.“دخل المختبر قبل الحريق بساعات.”تجمدت ليلان فورًا.أما لارا فبقيت ملامحها باردة، لكن عينيها أصبحت أكثر ظلمة.“لماذا؟”سألت أخيرًا.“لأنه كان يحاول إخراج شخص ما.”تبادل

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الليلة التي انفتح فيها الجرح القديم

    الهواء في الميناء أصبح أثقل فجأة.الضباب، أصوات الأمواج، الكشافات البيضاء الحادة…كل شيء صار يبدو كأنه جزء من كابوس قديم عاد للحياة.رائد وقف فوق الحاوية المعدنية العالية، ينظر إليهم بابتسامته الباردة المعتادة.لكن عيناه كانتا مثبتتين على جواد.“هل أخبرتهم أخيرًا… ماذا فعلت بالمختبر تلك الليلة؟”الصمت انفجر داخل المجموعة.ليلان نظرت لجواد بارتباك. كارما عقدت حاجبيها. حتى سليم توقف عن الحركة للحظة.أما لارا…فقط راقبته.راقبت ذلك التوتر الخاطف الذي مر بعينيه قبل أن يختفي.“لا تستمعوا له.”قالها جواد بهدوء.رائد ضحك بصوت منخفض.“ما زلت تفعلها.”“تفعل ماذا؟”سأل آدم بحدة.لكن رائد لم ينظر إلا لجواد.“يخفي الحقيقة.”لارا تقدمت خطوة للأمام، وسلاحها موجه مباشرة نحو رأس رائد.“تكلم بوضوح أو سأفجر جمجمتك.”ابتسم لها ببطء.“اشتقتُ لكِ أيضًا يا لارا.”“قل ما لديك.”خرج صوتها باردًا بشكل مرعب.رائد أسند ذراعيه فوق السور المعدني للحاوية، ثم قال بهدوء:“في الليلة التي احترق فيها المختبر…”نظر نحو جواد.“هو من أشعل النار.”شهقت كارما بخفوت.أما ليلان فنظرت لجواد بصدمة واضحة.لكن جواد بقي صامتًا.وذ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status