مشاركة

الليل الذي ابتلعهم

مؤلف: أ.أ
last update تاريخ النشر: 2026-05-22 07:08:22

لم يتوقف بكاء لارا.

حتى بعد مرور ساعة كاملة…

كانت ما تزال جالسة على أرضية الشاحنة، تحتضن جسد جواد بقوة وكأنها تخشى أن يأخذه أحد منها.

وصلوا أخيرًا إلى مخبأ قديم مهجور قرب أطراف المدينة.

مبنى نصف محطم، بارد، ورائحته رطوبة وصدأ.

لكنه كان المكان الوحيد الآمن حاليًا.

سليم فتح الباب المعدني بسرعة.

“انزلوا بسرعة.”

صوته كان متوترًا بشكل غريب، لكن أحدًا لم ينتبه.

لأن كل الأنظار كانت على لارا.

“لارا…”

قالها ياسين بحذر وهو يقترب منها.

“علينا الدخول.”

هزت رأسها بعنف.

“لن أتركه.”

“لن نتركه.”

قالها هذه المرة بنبرة أهدأ.

لكنها لم تبدُ مقتنعة.

ثم فجأة حملت جواد بنفسها.

رغم التعب، ورغم الدماء التي غطت ملابسها.

حملته وكأنها ترفض السماح لأي شخص آخر بلمسه.

الجميع صمت وهو يراها تدخل المبنى بخطوات بطيئة.

كأنها تحمل قلبها الميت بين ذراعيها.

في الداخل…

وضعته فوق أريكة قديمة مغطاة بالغبار.

ثم جلست بجانبه فورًا.

قريبة جدًا.

قريبة لدرجة أنها ما زالت تسمع صوته داخل رأسها.

“لا تتركيني.”

“سأعود.”

“أحبك.”

كل كلمة قالها لها كانت تعيد تمزيقها من الداخل.

كارما أغلقت الباب الخلفي للمخبأ، ثم استندت عليه بتعب.

وعيناها ممتلئتان بالدموع.

“هذا ليس حقيقيًا…”

همستها خرجت ضعيفة.

ياسين اقترب منها فورًا.

شدها نحوه دون كلام.

ولأول مرة…

كارما لم تحاول التظاهر بالقوة.

دفنت وجهها بصدره وبدأت تبكي بصمت.

“كان دائمًا يخرج حيًا…”

قالتها بصوت مختنق.

“دائمًا.”

أما آدم…

فكان واقفًا بعيدًا بالممر.

لا يتحرك.

لا يتكلم.

ينظر فقط نحو الغرفة التي وُضع فيها جواد.

ليلان اقتربت منه بحذر.

“آدم…”

لكنه لم ينظر لها.

كانت عيناه فارغتين بطريقة أخافتها.

“أنت بخير؟”

سألته بهدوء.

ضحك فجأة.

ضحكة قصيرة مكسورة تمامًا.

“هل يبدو هذا سؤالًا ذكيًا الآن؟”

تراجعت خطوة صغيرة.

لكنها لم تبتعد.

“آدم…”

وفجأة ضرب الحائط بقبضته بعنف.

حتى ارتج الجدار القديم.

“كان يجب أن أموت أنا!”

صرخها خرجت مليئة بالغضب.

“ليس هو!”

شهقت ليلان بخفوت.

ثم دون تفكير…

أمسكت ذراعه.

“لا تقل هذا.”

همستها كانت هادئة جدًا.

التفت لها أخيرًا.

وعيناه كانتا حمراوين.

ممتلئتين بشيء يشبه الانهيار.

“هو أنقذني طوال حياتي.”

قالها بصوت متقطع.

“حتى عندما كنت أستحق أن يتركني.”

شعرت ليلان بشيء ينقبض داخل صدرها.

ثم اقتربت أكثر.

“هذا ما يفعله من يحبوننا.”

ساد الصمت بينهما.

ثم فجأة…

انهار آدم.

ليس بالبكاء الصريح.

لكن بطريقة أسوأ.

جلس أرضًا ببطء، وأسند رأسه للحائط كأن جسده لم يعد قادرًا على حمله.

وللمرة الأولى…

مدت ليلان يدها نحوه بنفسها.

وجلست بجانبه.

قريبة.

هادئة.

بعد لحظات طويلة…

شعرت بثقل رأسه يستند على كتفها.

تجمدت للحظة.

لكنه لم ينتبه حتى لما فعل.

كان محطمًا أكثر من أن يلاحظ.

فنظرت أمامها بصمت…

وتركت رأسه فوق كتفها.

أما داخل الغرفة…

فكانت لارا وحدها مع جواد.

الشمعة الصغيرة قرب الأريكة كانت تضيء ملامحه بهدوء مؤلم.

هادئ جدًا.

أكثر مما ينبغي.

لارا جلست بجانبه على الأرض.

ركبتاها مضمومتان لصدرها، وعيناها لا تفارقانه.

“أكرهك.”

همستها خرجت باهتة.

“أكرهك لأنك فعلت هذا بي.”

صمت.

ثم اقتربت ببطء.

ومدت يدها تلمس شعره.

كما كان يفعل هو دائمًا معها.

“ماذا سأفعل الآن؟”

سألت بصوت مكسور.

وكأنها تنتظر إجابة فعلًا.

لكن لا شيء جاء.

فانحنت نحوه أخيرًا.

وضعت جبينها فوق صدره الساكن.

ثم بدأت تبكي مجددًا…

بهدوء هذه المرة.

بكاء مرهق. مستنزف. كأن روحها نفسها تعبت.

خارج الغرفة…

كان سليم يتحرك بسرعة بالممرات المظلمة للمخبأ.

يفتح حقائب طبية قديمة، ويبحث بعصبية واضحة.

حسام لاحظه أخيرًا.

“ماذا تفعل؟”

“أحتاج أدوات أكثر.”

قالها بسرعة دون أن يرفع عينيه.

ضيق حسام عينيه.

“سليم…”

لكن سليم اقترب منه فجأة وهمس بحدة:

“اخفض صوتك… هو ما زال حيًا.”

تجمد حسام بالكامل.

“ماذا؟!”

“الرصاصة مرت خطيرًا جدًا… ونبضه ضعيف لدرجة أنها بدت كنهاية.”

قالها بسرعة وهو يبحث داخل الحقيبة.

“لكن هناك فرصة.”

اتسعت عينا حسام بصدمة.

“ولماذا لم تخبرهم؟!”

نظر سليم نحو الغرفة المغلقة حيث تجلس لارا.

ثم قال بهدوء ثقيل:

“لأنني لست متأكدًا أنني سأستطيع إنقاذه بعد.”

وفي الداخل…

كانت لارا تبكي فوق صدر جواد، دون أن تعرف…

أن قلبه ما زال يقاتل بصعوبة في الظلام.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   المرحلة الأخيرة

    الإنذار داخل المختبر لم يتوقف.الضوء الأحمر كان يومض بعنف فوق الجميع، وصوت التحذير المعدني يتكرر بلا رحمة.“Security breach detected.”“Initiating lockdown.”لكن لا أحد كان يركز معه الآن.لأن لارا كانت ما تزال على الأرض، تتنفس بصعوبة، وعيناها فارغتان بشكل مرعب.“لارا.”جواد أمسك وجهها برفق، محاولًا إجبارها على التركيز عليه.“انظري إليّ.”لكنها لم تكن تراه.كانت ترى الدم.الكثير من الدم.صوت أمها وهي تبكي.“خذهما واهرب!”صوت تحطم الزجاج.صرخة ليلان الصغيرة.ثم—الرصاصة.شهقت بعنف وكأنها عادت للتو من الغرق.ثم دفعت يد جواد فجأة، وقفت مترنحة، وعيناها اتجهتا مباشرة نحو الشاشة.نحو والدها.“أنت قتلتها…”همستها خرجت مرتجفة، لكنها كانت مليئة بشيء أخطر من البكاء.الكراهية.الرجل على الشاشة ظل ينظر إليها بهدوء بارد.“نعم.”قالها ببساطة.“وفعلت ما كان يجب فعله.”انفجر الغضب داخلها فجأة.أطلقت النار على الشاشة مرة أخرى.الزجاج تناثر بكل مكان، لكن صورته ظهرت مجددًا على شاشة أخرى.ثم أخرى.ثم أخرى.حتى بدا وكأن المختبر كله يراقبهم بعينيه.“أنت مريض!”صرخت ليلان وهي تبكي.“كانت أمنا!”“وكانت خائنة.

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الشيء الذي دفنوه داخلها

    الصمت داخل المختبر أصبح خانقًا بعد كلمات والد لارا.“لأن المرحلة الأخيرة بدأت أخيرًا.”الأضواء الحمراء كانت تومض فوقهم بعنف، تعكس ظلالًا مشوهة على الوجوه المتوترة.لكن لارا لم تعد ترى شيئًا حولها.كانت تنظر فقط إلى وجه أبيها على الشاشة.نفس النظرة القديمة. نفس البرود. ونفس الإحساس المقرف الذي كان يجعلها تشعر دائمًا أنها ليست “ابنته”… بل شيء يملكه.“ما الذي تقصده؟”سأل سليم بحدة.لكن الرجل تجاهله تمامًا.عيناه بقيتا مثبتتين على لارا.وكأن باقي الموجودين غير مهمين أصلًا.“كبرتِ أكثر مما توقعت.”قالها بهدوء غريب.“لكن ما زلت أراكِ بوضوح.”“وأنا لا أريد رؤيتك أصلًا.”ردت لارا ببرود قاتل.ابتسم.ابتسامة صغيرة باردة جدًا.“الكراهية دائمًا كانت تليق بكِ.”جواد تحرك خطوة أمامها فورًا.“لا تتحدث معها.”قالها بصوت منخفض، لكن خطير بما يكفي ليجعل حتى آدم ينظر له بحذر.هذه المرة…نظر الأب إليه أخيرًا.وصمت لثوانٍ طويلة.ثم ضحك بخفوت.“ما زلت حيًا إذًا.”“للأسف بالنسبة لك.”رد جواد ببرود.لكن الرجل لم يبدُ منزعجًا.بل نظر إليه بطريقة جعلت التوتر يزداد داخل المكان.كأنه ينظر لشيء صنعه بنفسه… ثم خرج

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   ما تبقى بعد الانفجار

    الانفجار ابتلع الممر بالكامل.الحرارة اندفعت خلفهم كوحش هائج، والهواء نفسه تحول إلى كتلة نارية دفعت الجميع بعنف للأمام.لارا فقدت توازنها فورًا، لكن جواد جذبها إليه قبل أن ترتطم بالأرض.ثم سقطا معًا فوق المياه القذرة التي غمرت أرضية الممر.الصراخ، الدخان، وصوت المعدن المنهار…كل شيء اختلط بشكل مرعب.“الأطفال!”صرخت ليلان وسط الفوضى.“هم معي!”ردت كارما وهي تحاول حماية طفل صغير بجسدها بينما ياسين يسندها من الخلف.أما سليم فكان يسعل بعنف، وقد امتلأ وجهه بالغبار والدماء الصغيرة الناتجة عن الشظايا.“تحركوا!”صرخ آدم رغم الألم الوحشي بذراعه المصابة.“السقف ينهار!”وبالفعل…بدأت التشققات تنتشر فوقهم بسرعة.قطع معدنية ضخمة سقطت خلفهم، وأغلقت الممر الذي أتوا منه بالكامل.توقف الجميع للحظة، ينظرون للخلف بصمت ثقيل.التجربة رقم تسعة…اختفى.ابتلعه الانفجار.لكن كلماته الأخيرة بقيت عالقة داخل رأس جواد كطعنة.“لا تدعهم يعيدونك للقفص…”أنفاسه أصبحت أثقل، والأصوات داخل رأسه عادت مجددًا بشكل أبعد وأضعف.لارا لاحظت شروده فورًا.“جواد.”همست وهي تمسك يده.نظر لها ببطء، وكأنه عاد للتو من مكان بعيد جدًا.

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   المختبر القديم

    الصمت الذي أعقب كلمات جواد كان أسوأ من صوت الإنذار نفسه.“إنه أحد المختبرات القديمة.”الضوء الأحمر الخافت جعل الممر يبدو كأنه جزء من كابوس قديم.الجدران المعدنية المتآكلة. المياه القذرة تحت أقدامهم. ورائحة الصدأ والدم القديم…كل شيء بالمكان بدا ميتًا.لكن ليس مهجورًا.ليلان ضمت الأطفال إليها فورًا.“ماذا يعني مختبر؟”سألت بصوت مرتبك وخائف.جواد لم يجب مباشرة.كانت عيناه تتحركان ببطء فوق الجدران، وكأن المكان يوقظ داخله ذكريات لا يريدها.أما كيان…فنظرته أصبحت أكثر حذرًا لأول مرة.“لم يكن من المفترض أن يبقى هذا المكان موجودًا.”قالها بهدوء.سليم ضحك بسخرية عصبية.“رائع. كل دقيقة نكتشف أن حياتنا أسوأ مما توقعنا.”لكن آدم لم يكن ينظر إلا لجواد.لاحظ شحوب وجهه. توتر كتفيه. ويده التي انقبضت بقوة حتى برزت عروقها.“جواد.”قالها بهدوء هذه المرة.“هل تستطيع المتابعة؟”صمت لثوانٍ.ثم أومأ ببطء.لكن لارا عرفت فورًا أنه يكذب.لأنها كانت تشعر بارتجاف يده.اقتربت منه أكثر دون كلام، فنظر لها للحظة قصيرة.لحظة ممتلئة بتعب هائل.“إذا شعرت بأي شيء غريب… تخبرني فورًا.”همست.ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا.متع

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً    الطريق الذي لا عودة منه

    صوت انهيار الصخور فوق النفق أصبح أعلى من الرصاص نفسه.الغبار ملأ الهواء، والجدران بدأت تهتز بعنف متقطع جعل الجميع يشعر أن المكان سيسقط فوق رؤوسهم بأي لحظة.لكن رغم ذلك…لم يتحرك أحد لثوانٍ.---لأنهم كانوا ينظرون فقط إلى جواد.المنهار بين ذراعي لارا.---أنفاسه كانت مضطربة بشكل مؤلم، وجسده يرتجف بعنف، وكأنه خرج للتو من حرب داخل عقله.أما لارا…فكانت تضمه بقوة، يدها تمر فوق شعره ببطء، وكأنها تحاول إعادته لنفسه قطعة قطعة.---ليلان حبست دموعها بصعوبة.حتى آدم، الذي رفع سلاحه قبل دقائق نحوه، خفضه ببطء الآن.---أما كيان…فظل يراقب بصمته المرعب المعتاد.لكن تلك النظرة الغامضة لم تختفِ من عينيه.---“علينا التحرك.”قالها سليم أخيرًا بعصبية وهو ينظر للسقف المتشقق.“النفق سينهار بالكامل.”---صوت انفجار آخر دوّى بعيدًا، ثم تبعته صرخات رجال المنظمة من الممر الأمامي.---“إنهم يدخلون من الجهة الثانية أيضًا!”صرخ حسام.---كارما أمسكت الأطفال بسرعة أكبر.“أقسم إذا متنا داخل هذا المكان سألعنكم جميعًا.”---رغم التوتر…خرجت ضحكة قصيرة متعبة من ياسين.ثم اقترب منها سريعًا، وأخذ طفلًا من بين ذراعيه

  • الفتاة اللتي احترقت اولاً   الممر السفلي

    صوت الرصاص داخل النفق كان يقترب بسرعة مرعبة.صرخات الرجال. ارتطام الأحذية بالأرض المبللة. وأصوات الأطفال الخائفة…كل شيء اختلط داخل فوضى خانقة جعلت التنفس نفسه صعبًا.“لارا تحركي!”صرخ آدم من عند باب الممر السفلي وهو يساعد طفلين على النزول بسرعة.لكنها لم تبتعد عن جواد.كان جالسًا على ركبتيه الآن، يداه تضغطان رأسه بعنف، وأنفاسه خارجة بشكل متقطع ومؤلم.وكأن حربًا كاملة تدور داخل عقله.“جواد…”همست وهي تمسك وجهه مجددًا.“اسمع صوتي.”عيناه رفعتا نحوها ببطء.متعبتان. ضائعتان. وممتلئتان برعب لم تره فيه من قبل.“اهربي…”خرجت منه بصعوبة.“قبل أن—”رصاصة اخترقت الجدار قربهما.تناثر الحجر فوق كتف لارا، فالتفت الجميع فورًا.“إنهم دخلوا!”صرخ ياسين وهو يطلق النار نحو الممر الرئيسي.حسام كان يدفع الأطفال للداخل بسرعة.“تحركوا! بسرعة!”أما كيان…فما يزال واقفًا وسط الفوضى بهدوء مقلق.يراقب فقط.سليم أمسك ذراعه بعنف.“إما أن تتكلم أو تبتعد من أمامنا!”كيان أبعد يده ببرود.“لن ينجو أحد إذا فقد السيطرة بالكامل.”“ماذا يحدث له؟!”صرخت لارا.كيان نظر لها للحظة.ثم قال:“هناك أوامر مزروعة داخل عقله.”ال

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status