LOGINتوقف أيمن عن البحث في الصندوق ..وهو يخرج ملفا بني اللون من الجلد ..قام بفتحه وقال: أظن أن هذا هو
قالها ثم بدأ يقرأ بصوت مرتفع
"سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله..
صلاة الله و سلامه علي أشرف الخلق سيدنا محمد "صل اللي عليه وسلم"
أما بعد ....
رأيت من الضرورة كتابة تلك الكلمات لا لشيء غير توثيق ما حدث خلال الأيام القليلة الماضية, فقد أراني الشيخ عمران الإدريسي من العجائب ما جعلني في شك من أمري ولكني خلصت في النهاية إلي أن كون الله واسع ومخلوقاته متنوعة ..ويجب علي كرجل مؤمن أن أثق أن كل شيء بأمر الله وحده لا شريك له
" لذلك وجب التعريف عن نفسي أنا الفقير إلي الله "محمد عبد الله الجهيني" ولدت في أحدي قري الصعيد و درست في الأزهر الشريف ولكني لم أكمل دراستي واتجهت للعيش في أحدي قري وجه بحري متبعا بذلك خطي أستاذي وشيخي الجليل ومن علمني كل شيء الشيخ "عمران الإدريسي"
في الأعوام القليلة الماضية كنت أسمع وأري الكثير من العجائب, فالكثير من الرجال والنساء يأتون إلي الشيخ عمران حفظه الله للمشورة في أمور الدنيا والدين أو العلاج..وخلال تلك السنوات القليلة التي رافقت فيها الشيخ الجليل ..كنت مساعده وخادمه ومرافقه..والشيخ لم يبخل علي بأي شيء..بل كان يعاملني وكأني أحد أبنائه إلا أنني لاحظت حضور أحد الرجال بشكل منتظم..الرجل كان شابا ويبدوا من الأعيان..ألا أنه لم يكن يصلي..بل ينتظر انتهاء صلاة العشاء ثم يدخل للشيخ مباشرة دون التحدث مع أي أحد آخر...عادة ما يأتي متخفيا وكأنه يخشى أن يراه أحد, الشيء الغريب الآخر أني كنت مرافق للشيخ في كل جلساته ..ولكن ما أن يأتي هذا الرجل حتى يصرفني الشيخ ويطلب مني الذهاب إلي حجرتي, لاحظت كذلك توتر الرجل الغريب في الفترة الأخيرة ..كما انه لم يعد مهتما بالتخفي كما كان ...كنت ألاحظ الكثير ولكني لم أناقش الشيخ في أي من أمور هذا الرجل ...إلي أن جاء اليوم الذي استدعاني فيه الشيخ وطلب مني الذهاب إلي القاهرة وإحضار شيء بالغ الأهمية ...بالطبع ذهبت مسرعا كما أمرني شيخنا الجليل إلي العنوان كما أعطنيه...ولكني أصبت بصدمة عندما وجدت الشيء الذي يجب إحضاره ..هي امرأة ..امرأة حامل تبدوا وكأنها ستلد عما قريب ..وصلت إلي الشيخ ووضعت بين يديه المرأة التي كشفت عن وجهها لأجدها فتاة صغيرة لا تتعدي السادسة عشر
كلفني الشيخ عمران بإحضار طبيب وترك حجرتي للفتاة والنوم في الجامع ..وهذا ما فعلته كل شيء حتى هذا اليوم لم يكن غريبا ..ربما مريب بعض الشيء ولكني لم أكن أحكم علي أي شخص
ولكن في صباح يوم الثلاثاء الموافق السابع والعشرون من شهر محرم 1365 هجريا ويوازي الأول من يناير عام 1946 ميلاديا, استدعاني الشيخ عمران وعلي وجهه أمارات التعب والقلق...أخبرني الشيخ انه يشعر باقتراب أجله وأنه ربما لا يصمد حتى يوم ميلاد الطفل...طمأنت الشيخ أني سأرعى الفتاة والطفل, ولكنه أخبرني أن الفتاة لن تصمد هي أيضا...تعجبت من موقف الشيخ فطالما كان متفائلا واثقا بالله عز وجل
تنفس الشيخ ثم طلب مني الجلوس ..وجعلني أقسم علي عدم أخبار احد ما سيخبرني به الآن
أخبرني الشيخ عمران عن الرجل الغريب الذي يزوره بشكل منتظم كل أسبوع, واخبرني أنه يدعي السيد قاسم وأنه واحد من الأعيان وبرغم أنه غير مسلم ولا يتبع أي دين ولكنه رجل صالح يسعى إلي الخلاص و تدمير بؤرة من بؤر الشيطان أعوذ بالله منه ومن شروره هو وقبيلته
أخبرني كذلك عن قرية السيد قاسم التي هالني أن هذا المكان لا يذكر فيه أسم الله, وبرغم كوننا في بلد الأزهر الشريف إلا أن هذا الأرض كانت ملعونة وغير مباركة
أخبرني كذلك أن أول مخطوطة كتبت عن تلك القرية كانت مع الفتح الإسلامي ..حيث بدأ العرب الأوائل في نشر كلمة الله بين ربوع مصر, عندها استوقفتهم تلك القرية لما وجدوا فيها من أمور غريبة وعجيبة وفظائع تتم تحت مسمي العهد أو الميثاق..ولان الإسلام جاء لمحاربة الفسق والفجور كان لابد عليهم من محاربة الجهل والفسوق في هذا المكان...
أما عن القرية فكانت تحت حكم عشيرتين لديهم من المال ما يكفي لتجهيز جيش من مائة ألف رجل ولديهم من الماشية ما يكفي لإطعام بلاد الشام, كل هذا ويتركون باقي القرى المجاورة تعاني من الجوع والفقر...عرف المسلمين كذلك أن أهل تلك القرية لا يدينون بأي ديانة معروفة سماوية أو غير ذلك..فلا هم مسيحيين أو يهود..ولا هم من عبدت الشمس ولا النجوم ولا حتى عبدت النار لم يكونوا يسجدوا لأي إله علي الإطلاق ولكنهم يسيرون أمور حياتهم بمخطوطة قديمة لم يعرف أحد متى وأين كتبت مخطوطة يطلقون عليها "الميثاق المقدس" تلك المخطوطة كانت تتكون من مجموعة من البنود أو القوانين ..ولقد كانت في معظمها كفر بالله عز وجل
ولما كانت رسالة الإسلام هي نشر الفضائل قرر المسلمين محاربة الفجور في تلك القرية, بالطبع عرض قاطني القرية عليهم الكثير من الأموال والنساء كالحكام الرومانيين ولكنهم لم يوفقوا..
مرغمين اضطروا إلي الإذعان للمسلمين الأوائل وترك بعض الكبائر وتهذيب بعض السلوكيات ودفع الجزية ..علي أن يقوم بعض المسلمين باتخاذ القرية مسكنا لهم للمراقبة ونشر كلمة الإسلام ...كما تم التخلص من المخطوطة القديمة "الميثاق" وتم التعامل بكتاب الله وسنته هدف المسلمين هو تحويل تلك القرية إلي الإسلام بأكثر الطرق سلمية ورجال القرية ظنوا المسلمين مثلهم مثل أي حكام جاءوا إلي مصر ..قوي في بدايته ثم سيتغلبون عليه ببعض المال والنساء..ولذلك وافقوا في البداية علي كل شيء
إلي هنا والأمور بخير مرت سنوات وأحضر المسلمين عائلاتهم ليمكثوا بالقرية, عندها لاحظ المسلمين الكثير من الأمور الغريبة علي أهل القرية..لقد كانوا أكثر قوة ولا يمرضوا إلا نادرا..وإن أصيبوا فجراحهم تلتئم سريعا..كما عرفوا إنهم يمتهنون السحر...و أن ثرواتهم مجهولة المصدر..كما عرفوا أن العشيرتين لا يتزاوجان أبدا...
ولكن هناك بارقة أمل ..لقد جاء شاب من احدى العشيرتين وقرر الدخول في الإسلام ومعرفة تعاليمه...بدأ الشاب في التعلم ..ثم جاء بعدها بزوجته وأخيه ...ثم بدأ المزيد في الدخول في الإسلام..ولكن كل من أسلموا من عشيرة واحدة دون الأخرى..فرح المسلمين بذلك كثيرا وظنوا أن تلك هي بداية النهاية ..إلا أن البعض شك ..أن دخولهم المفاجئ في الإسلام له غرض آخر ....
بعد فترة تحققت شكوك المسلمين حيث أن العشيرة التي دخلت إلي الإسلام طلبت من المسلمين إحضار جيش لقتال العشيرة الأخرى..لأنهم مشركين
عندها تحققت شكوك المسلمين وعرفوا أن دخولهم للإسلام كان له غرضا آخر ..ولذلك رفضوا وذكروهم بأمر الله عز وجل وتعاليم الدين الإسلامي ..ولكنهم ظلوا علي ما هم عليه ..ولكن يجدر الإشارة إلي أن بعض أفراد العشيرة قد دخلوا إلي الإسلام حقا...
بالطبع بدأت المشاكل في الظهور ...لقد بدأت باختفاء بعض الماشية من عشيرة لتتهم به العشيرة الأخرى ...ثم بدأت الفتيات من كلا العشيرتين في الاختفاء.. بالتحديد تسع فتيات مما أشعل الأمور حقا...شعر بعدها المسلمين أن قاطني القرية في ضلال إلا القليل..وبرغم هذا لم يكونوا ليتخلون عنهم, إلي أن حدثت الكارثة يوما ما
أستيقظ الجميع علي صوت صراخ ثم بدأت الأرض في الاهتزاز...البيوت تتهدم وتحترق والنساء تخرج من بيوتهن عراي كالمجانين ....الماشية تتلوي في الحظائر والجوارح تخرج من كهوفها لتهجم عليهم دون سبب..أسرع بعض أهل القرية إلي المسلمين واخبروهم بوجود ساحرة قوية تسكن خارج القرية لابد وإنها وراء كل تلك الأحداث..خاصة و أن دخول المسلمين للقرية شكل لها تهديدا...
أتجه بعض رجال القرية مع بعض المسلمين الذين أصروا علي الذهاب إلي مكان الساحرة التي كانت تسكن هي وعشيرتها في الكهوف في منطقة ليست ببعيدة عن القرية...
"الآن يقص أحد المرافقين من المسلمين الأوائل ما حدث...لقد اجتازوا مسيرة نصف يوم حتى بدأت الشمس في البزوغ عندها وصلوا إلي مكان عشيرة الساحرة ..كانوا أقرب إلي البربر قاطني شمال أفريقيا..وعلي عكس سكان مصر كانوا غير متحضرين ولا يرتدوا ما يغطي عوراتهم كما كانوا همجيين وبدئوا في الهجوم ما أن رأونا...استطعنا قتل الكثير منهم إلي أن وصلنا إلي كهف الساحرة و التي كانت تسكن كهف كبير كريه الرائحة ..كانت امرأة شابة متسخة وترتدي السواد...هالني رؤيتها ..خاصة مع جثث التسع فتيات منزوعي الملابس مقطوعي الرأس...تقدم احد الرجال وقال بسم الله و أطاح برأس الساحرة... بعدها أحرق الرجال الكهف مع جثث الموتى ثم عادوا إلي القرية مع من أسروهم من عشيرة الساحرة...
و بعد أن هدأت الأمور تم التحقيق في الأمر ..ليكتشفوا أن احدي العشيرتين هي من طلبت من الساحرة إلقاء سحرها علي القرية... تمت معاقبة الجناة وأستمر المسلمين في محاولة نشر كلمة الله وتم اختيار حاكم مسلم للقرية كي يعدل بين العشيرتين..ولكن بعد فترة من الزمن تم اكتشاف تغيرات في طباع أهل القرية...بدأ الأمر بجثث ممزقة لبعض النساء التي وجدت في الحقول البعيدة وكانت تبدوا وكأن ذئب هاجمها
كأن اللعنات صبت علي القرية ...البعض قال أن الساحرة هي الفاعلة ..والبعض قال أن أرض القرية ملعونة منذ آلاف السنين, الكثير والكثير من الأقاويل ولكن الأمور بدأت تسير إلي الأسوأ عندما هجم الطاعون علي القرية قاتلا نصف السكان...الماء أصبح ملوثا و الزرع فسد ...كل تلك المصائب لم تكن شيئا حتى بدأ أهل القرية الحرب ..قامت عشيرة بمهاجمة آخري مما أشعل النار في الجميع, ربما تظن أن الأمور هدأت بعد ذلك ولكنه هيهات..أصبحت القرية ملعونة بالفعل..رجال القرية يتحولون لوحوش بليل ليصطادوا فرائسهم من النساء أو الأطفال, ثم خرجت عليهم أشباح الموتى ليجنوا أكثر ..وبسبب كثرة المصائب قرر أهل القرية الرحيل عن هذا المكان غير المقدس ولكنهم طلبوا من الحاكم المسلم أن يكتب ميثاقا كي لا تبغي عشيرة علي أخري ..وكي لا ينسوا من السبب في كل تلك اللعنات
إذعانا لرجال القرية ولتهدئه الأمور قام الحاكم المسلم بكتابة "الميثاق"...ثم بعد ذلك رحل عن القرية لأداء مناسك الحج و لم يعد بعدها أبدا...البعض قال أنه توفي والبعض قال أنه لم يستطع العودة إلي القرية حيث مات كل أبنائه بسبب الطاعون...لذلك قرر باقي الرجال بناء القرية الجديدة ...
معا اجتمع أهل القرية من العشيرتين للتصالح ودرء الماضي, وأرادوا تغيير بعض بنود الميثاق..ولكنهم ما أن يضعوا نصا للميثاق الجديد حتى تحدث مصيبة ما للقرية ...ألا أنهم لاحظوا أن أحد الرجال قام بكتابة نصا في الميثاق و لم يحدث شيء بعدها...ومن هنا بدأ الأمر...لقد بدأ الرجال في تقسيم القرية إلي عشائر جديدة
أولهما عشيرة الكتاب: وكانت تتكون من رجل واحد فقط وهو من أستطاع كتابة نصوص جديدة في الميثاق الأصلي ...أو تعديل بعض النصوص القديم(وكان من نسل المسلمين الأوائل)
عشيرة المعاقبون: وكانت تتكون في معظمها من العشيرة التي أوكلت للساحرة ألقاء اللعنات والبعض منهم كان من العشيرة الأخرى والذين أوقدوا نار الفتنة والحرب ..لذلك تمت معاقبتهم (وتلك العشيرة لم يكن بها أي شخص يدين بدين الإسلام)
عشيرة الخدام: وكانت تتكون في أصلها ممن بقي من عشيرة الساحرة حيث تم استخدامهم كخدام لباقي العشائر
إلي هنا تنتهي عشائر القرية الجديدة إلا إنهم بعد ذلك قاموا بتعين بعض الرجال ليراقبوا سير وتسهيل الأمور في القرية وإلزام الخدام والمعاقبون بتنفيذ أوامر الجميع وتم أطلاق أسم المراقبين عليهم
أنتهي الشيخ عمران من سرد قصة القرية ثم أخبرني عن السيد قاسم وتواصله معه لمحاولة تدمير تلك اللعنات.. أخبرني أن القرية الآن بها ثلاث عشائر, المعاقبون و المراقبون و الأسياد...وهي العشيرة الثالثة التي ظهرت لتمارس تسلطها علي باقي العشائر, كما أن هناك الخدام..وأن كان عددهم قليل...ثم أخبرني عن العشيرة الأهم..عشيرة الكتاب التي أوشكت علي الانقراض وأخر أمل لهم هي تلك الفتاة..فإن كانت تحمل ذكرا فقد نجا الجميع..لأنه الذكر هو الوحيد القادر علي الكتابة في الميثاق الأول دون حدوث كارثة..وأن أستطاع الكاتب تعديل الميثاق..بل وإلغائه..لعاش الجميع في سلام وتوقفت اللعنات التي مازالوا يعانون منها حتى اليوم
أكمل الشيخ حديثه وأخبرني إن كان الفتي ذكرا فيجب أن ينشئ في تلك القرية ليري ويعرف كل شيء حتى يبلغ سن الرشد المناسب ليكتب في الميثاق..وان كانت فتاة كسابقتها...فوجب علي رعايتها..حتى تتزوج و تنجب ذكرا.. أخبرني كذلك أن موعد إنجاب الفتاة أقترب, ولذلك وجب عليهم الاستعداد للأسوأ, وقد كان
ففي اليوم التالي تحديدا بعد صلاة العشاء بدأت الفتاة تشعر بآلام الولادة, عندها تغير شيئا ما ...الهواء أصبح ثقيلا وشعر الجميع بحضور غريب..لذلك سارع الشيخ في تلاوة آيات من القرآن الكريم..مر الوقت وبدأ الجميع يسمع صوت صراخها...ثم صوت بكاء طفل رضيع ..أبتسم الشيخ وأكمل قراءته..ثم مرة أخري الهواء أصبح ثقيلا كما جاءت ريح كريهة الرائحة لتطفئ كل المصابيح حولنا ويسود الظلام, شعرت بهزة تحت قدمي ثم بدأ صوت عويل مجموعة من النساء يصل إلي مسامعي...نظرت حولي ولكن الشيخ أمسك بقدمي وجذبني إلي الأرض مرة أخرى, كل هذا وهو يتلو القرآن بدون توقف..الباب كان خلفي لذلك ألقيت نظرة سريعة..ليتوقف قلبي خوفا..هناك رأيتها..امرأة ترتدي جلبابا أسود وشعرها أبيض أشعث..تقف علي الباب وتحرك شفتيها بسرعة..كانت تبدوا وكأنها تحاول دخول الغرفة..ولكنها لم تستطع و من خلفها برزت أكثر من امرأة لم تختلف هيئتهن عنها كثيرا..عرفت وقتها أن تلك المرأة ساحرة..أو شيء كهذا..جلست مرة أخرى وبدأت تلاوة القرآن ..عندها شعرت باقتراب تلك المرأة مني..فزعت ووقفت لأجدها مازالت عند الباب تبتسم, نظرت للشيخ عمران ..فأشار علي بالجلوس
بذخ صوت النساء..والشيخ صوته يعلو كذلك ..وأنا أحاول مواصلة التلاوة مع الشيخ..عندها تغير الأمر..لقد حاولت أحد النسوة الدخول إلي المنزل ..ولكن لسببا ما وقعت علي الأرض تتلو من الألم
عندها علمت نحن الأقوى ..أو بمعني آخر نحن أقوى بالقرءان لذلك جلست كما جلس الشيخ عمران ولم أعبأ بالنسوة خلفي ..جلست وبدأ صوتي يحلق بالذكر, ألقيت نظرة علي الشيخ عمران فأبتسم بركن فمه وهو يتلو بصوت أخاذ... مرت دقائق وعندها فكرت كيف سينتهي الأمر كيف سنخرج الفتي من هنا وتلكن النسوة لا يغادرن عندها أرتعش صوتي ووجدت الشيخ عمران يضغط علي ذراعي وكأنه يطلب مني التركيز ...ربما هو الشيطان ...ربما هو من يدخل القلق إلي روحي ويجعلني أفكر في المستقبل ...الله ينقذني الآن ..فلما لا ينقذني بعد ساعة
عندها أرتفع صوتي مرة أخرى بالتلاوة وكلما زارتني فكرة سيئة برأسي أرتفع صوتي أكثر..ساعة أو أكثر مرت ونحن هكذا..كل بضعة دقائق يفتح الطبيب الباب ليجدنا علي هذا الوضع فيغلقه مرة أخرى
مرت ساعة أخري ثم بدأ شيء في التغير..الساحرات من خلفي كن يصرخن ثم يختفين ..واحدة تلو الأخرى حتى المرأة التي تبدوا كبيرتهن...ظلت تقاوم لبعض الوقت حتى صرخت ووقعت أرضا تتألم ومن ثمة اختفت...عندها توقف الشيخ عمران عن التلاوة فجأة ونظر حوله وأبتسم
فعلت المثل لأجد في الغرفة معنا ما يزيد عن عشرون شيخا يتلوا آيات الله...لم أعرف من أين جاءوا وكيف تجاوزوا الساحرات ودخلوا ..كانت أثوابهم غريبة الشكل وهيئتهم كذلك..البعض كان وجهه أبيض بلون الحليب والبعض الأخر أسود كالليل ولكن أصواتهم كانت عذبة وكأنهم من الجنة..بضعة دقائق مرت ثم بدأ الشيوخ في الاختفاء كما ظهروا
أبتسم الشيخ عمران وقال لي: الآن أدخل إلي الغرفة وأخرج الفتي
قلت له وقتها: وكيف عرفت أنه فتي يا شيخنا
قال: لم يكونوا ليظهروا لو كانت فتاة
عندها تحركت ودخلت إلي الغرفة لأجد الطبيب يحمل طفلا جميلا وأجد أمه قد فارقت الحياة...بعدها ببضعة أيام جاء إلي المسجد السيد "قاسم" وأخذ الفتي, كنت أظن أن مهمتي انتهت وقتها ولكن بعد بضعة أشهر توفي الشيخ عمران وبالطبع أوصاني بالفتي ...الفتي الذي كنت أذهب إلي قريته الملعونة كل جمعة بعد انتهاء صلاة العشاء لأقرأ له القرآن وأعالجه من بعض المس والسحر الذي أصابه...
لقد بلغ عامه الثالث الآن وسأستمر حتى يوم وفاتي في رعاية الفتي كما أوصاني الشيخ عمران...
أستمر تعاوني مع السيد "قاسم" أنه رجل كتوم ولكني أثق أنه يريد إنهاء الفجور والكفر في قريته ولذلك سأساعده بكل ما أوتيت من قوة
***
أسقط أيمن المذكرة الجلدية من يده وصدره يعلو ويهبط...أسرعت حنين تأخذها وتقرأ ما بها مرة أخرى
حنين صارخة: ما معني هذا؟؟؟ أي أن هناك لعنة بالفعل؟؟؟ أذن كيف نوقفها؟؟...أيمن هل هناك كاتب آخر..أيمن لما لا تجيبني؟؟؟
أيمن بشرود: كان أمجد محقا..أبي.. كان حقا يبحث عن خلاص لتلك القرية...لم يكن يستمتع بالأمر
حنين: ما معني هذا؟؟ هل أنتهي الأمر..لا يمكننا التخلص من اللعنة الآن
نظر لها أيمن ولم يقوى علي الرد...
فجأة تحولت حنين وظلت تبعثر الأوراق كالمجنونة: كلا لابد وأن هناك شيئا ما..كلا لن أستسلم ..يجب أن أنقذه
قالتها وهي تمسك ببعض الكتب وتنظر بداخلها كالمجنونة ثم نظرت لأيمن الذي كان يراقبها..أبتسم بآسي وقال: لا يوجد أمل..لقد ضاع كل شيء عندما قتل ممدوح..الآن لم يبقي شيء
حنين بصوت هامس: كلا لقد وعدته..سأنقذه
قطب أيمن جبينه وقال: ما كان عليك قطع الوعود أذن..لا يمكن إنقاذنا..ألم تنوين الرحيل..ارحلي أذن..أمجد لن يتغير ..سيظل هكذا..لذلك ارحلي أنت
حنين صارخة: كلا..لنبحث أكثر..لابد وأن هناك حل أخر
أيمن بنفاذ صبر: حنين..ارحلي ..لم يبقي لك شيئا هنا
تراخت حنين وتركت ما بيدها يسقط ...ثم انهمرت دموعها وقالت: يبقي لي الانتقام ...سأنتقم من قاتل ممدوح ..لقد أفسد الأمر علي الجميع وأنا سأفسد الأمر عليه
أيمن بغضب: هل أنت مجنونة..ارحلي واتركي هذا المكان الملعون
قالها ثم رحل مسرعا..تساقطت دموعها وهي تنظر إلي الأوراق المبعثرة حولها
خرج أيمن غاضبا..لقد عرف الآن ما قتل أبيه..أنه اليأس والإحباط..أن تظل كل تلك السنوات تنتظر النهاية ..وأحدهم يقوم بـ...
"اللعنة" قالها أيمن وهو يدلف إلي سيارته ثم انطلق مخلفا سحابة من الغبار...أوشك رأسه علي الانفجار وهو يسأل نفسه ..من ساعد في قتل ممدوح ..اخبره سامح أن العم برهان كان يعرف بخطة أبيه ولكن من خان ممدوح ..من اخبر عمه أن الكاتب هو ممدوح بالتحديد وليس شخص آخر؟ ...والاهم من وضع المادة التي حفزت الذئاب علي مهاجمته وقتله؟ ...ومن كررها مع وحيد ؟...لابد وأنه شخص قريب منا...
أوقف أيمن السيارة و صدره يعلو ويهبط ...كان يريد الصراخ ..ولكنه تماسك وتذكر أمجد ...أنه وحيد الآن في جحر الثعابين عليه الذهاب إليه ليكون بجانبه
جلست حنين تراقب الجميع وهي لا تقوي علي الوقوف...حدقت في الجسد الممدد بجانبها ..ثم عادت ونظرت إلي السماء فضوء الشمس كان يظهر علي استحياء"سيكون بخير"رفعت حنين رأسها في تعب فوجدت القائل أبيها..كان وجهه مسودا ويديه تنزف..جلس بصعوبة بجانبها و أكمل: سيكون بخير..لقد تحرك جسده منذ قليل مفعول الدواء الذي أعطاه إياه سامح بدأ في الزوال..توقف عن الحديث وهو ينظر إلي يديه ثم قال: آلا تعرفين أين سامح ألقت حنين نظرة علي حسن الجالس في ركن بعيد يبكي بمفرده وقالت: ابتلعته الأرض هو وميثاقه تسمر أبيها قليلا ثم قال: حقا...هل رأيته بالفعلحنين: نعم رأيته..أظنـقطع حديثها صوت تهليل وصراخ من بعض الرجال أرادت حنين الصراخ بهم فكفاهم طوال الليل والجميع يصرخ ...ولكن أصوات الصراخ كانت سعيدة نوعا ما ..لذلك تحرك أبيها فورا إلي الصوت فتبعته مترنحة ... لم تتبين حنين ما الأمر ...الرجال طوال الليل وهم يرفعون حطام القصر للبحث عن أحياء..أخرجوا السيدة وفاء منذ قليل وهرع بها أمجد إلي المستشفي..أما الآن فكانوا يبحثون عن باقي الخدام..أخرجوا بالفعل بعض الجثث ولكن كانت تبدوا و أنها قتلت من قبل سقوط القصر فوق الجميع ..مثل
تمددت حنين في فراشها للمرة الأولي منذ بضعة أشهر ... "ما كان يجب أن أذهب"قالتها حنين بصوت مرتفع دون أن تلاحظ تواجد أمها بجانب البابمنال: قلت لك اعتدلت حنين لتلقي نظرة علي أمها التي سارعت قائلة: أخيك قادم ..حنين: أيهم منال مقطبة جبينها: وحيد بالطبع حنين في استسلام: لا يهم ..إن عرف سامح بوجودي هنا فأنا ميتة لا محال منال في غضب: قلت لك مائة مرة أنا سأحميك ..طارق سيحميك ..و وحيد قادم ليكون معك حنين: وكأن هذا سيمنعه نظرت منال بغضب لأبنتها ثم غادرت ..اعتدلت حنين مرة أخري وظلت تستمع إلي أمها وهي تصرخ في وجه طارق ليجد حلا لمشكلتها..ابتسمت ثم تمددت مرة أخرى تراقب سقف غرفتها...عرفت الآن إجابة لسؤال لطالما أرقها..لما الفراعنة كانوا يرسمون علي أسقف معابدهم ..لابد أنهم كانوا مثلها..يتطلعون إلي السقف طوال اليوم ...خطرت لها فكرة مجنونة تعود لممارسة هوايتها في الرسم مرة أخري ولكن تلك المرة ستعلق رسوماتها علي السقف بذلك تجد شيئا تتطلع إليه..تذكرت لوحاتها البدائية المثبتة علي خزانة ملابسها..لوحات رسمتها وهي طفلة, الآن تشعر بغصة كلما تذكرت القرية..ما كان عليها العودة..أو ربما كان يجب عل
خرج سامح من السيارة ولكنه لم يتجه إلي القصر بل عاد ونظر بداخل أحدي السيارات التي كانت تتبعه ..."جيد..جيد..قطع نظيف"قالها سامح وهو يتفحص الجثة الملاقاة علي المقعد بجانب السائق "أين نضعه سيدي"أعتدل سامح وهو يمسح يديه بمنديل ثم قال: مع إخوته بالطبع ...لطالما كان بشار رجل يحب عائلتهأمسك رجلين بجسد بشار ثم أخرجوه من السيارة وذهبوا مبتعدين أقترب أحد الرجال بحذر من سامح وقال: سيدي..أنـ..أنها السيدة وفاءقطب سامح جبينه وقال: ما بها الرجل: أنها في حالة سيئة ..و لا تتوقف عن السؤال عن السيد أمجد سامح: حسنا..حسنا..سأذهب لها بنفسي الرجل: وماذا سنفعل ببقيتهم تطلع سامح في وجه الرجل ثم قال: ضعوا العم وجدي في مكتبي..أما طارق و ولده فضعوه في أي غرفة مغلقة***** أشعلت السيدة وفاء لفافة التبغ العاشرة بيد مرتعشة وأخذت بضعة أنفاس ثم تطلعت إلي وجهها في المرأة وصرخت ..لم تكن تتحمل المزيد فمنذ أول أمس وسامح أرغمها علي المكوث بغرفتها..تسمع صوت الصراخ بالخارج وتشم رائحة الدم ولكنها لا تستطيع الخروج..حاولت التواصل مع أمجد أو أيمن ولكن دون فائدة..حتى الخادمات اختفين و من يحضر لها الطعام رجل غليظ من
وضع أيمن سماعة الهاتف ثم نظر إلي أخيه أمجد: ما الأمر ..من كان معك علي الهاتف أيمن مقطبا جبينه: وحيدأمجد: حنين..هل حـهز أيمن رأسه بالنفي وقال: كلا..ليست حنين..ولكن..أظن العم وجدي وجد طريقة لأبطال اللعنات تهاوي جسد أمجد علي أقرب مقعد: مـ..ما الذي تقولهأيمن: سأخبرك في الطريق إلي القاهرة ...لنغادر الآن قالها أيمن ثم خرج مسرعا لتجهيز السيارة ...تذكر سامح وعمه برهان ..ما الذي سيفعله بهم "اللعنة" قالها أيمن لا يمكن لكلاهما ترك المكان..هل يذهب هو..أم يطلب من أمجد ذلك...استدار ليعود إلي أخيه فوجده مكانه علي المقعد لم يتحرك فقط صدره يعلو ويهبط وينظر بشرود إلي أرضية الغرفة ...أقترب منه وهو يخمن ما يدور في رأسه ..هل من الممكن أن تعود له ..هل ستسامحه بعد أن أجبرها علي رؤيته مع امرأة أخري...كل تلك الأمور وأكثر...الأمل شيء صعب حقا ...يتغللك كماء دافئ في يوم شديد البرودة ثم يجردوك منه ويتركوك عاريا في بحيرة مثلجة ليس لك أمل في النجاة"أمجد...لأذهب بمفردي ...أمكث أنت هنا لمراقبة العم برهان"رفع أمجد رأسه فجأة و قال: كلا..أريد رؤيتها أيمن: ربما من الأفضل ألا أمجد: أنا لا أتناقش معك..أنا سأذه
وضعت منال صحيفة عليها بعض أكواب الشاي أمام الضيف الغير متوقع و تبادلت مع زوجها النظرات فبادر طارق بالترحيب للمرة الخامسة بالعم وجدي أبتسم العم وجدي قائلا: لا داعي للتهذيب معي سيد طارق..لابد وأنك تكره القرية وكل ما يأتي منها فتح طارق فاه فلم يكن يتوقع أن يكون العم وجدي بهذه الصراحة ولكنه أسرع قائلا: العفو يا سيد وجدي ..أنا فقط ...لا أتقبل فكرة أن يكون كل ساكني القرية من المشركين بالله...العم وجدي: نعم ..بالطبع ..ولكني لست واحد منهم قطب طارق جبينه وقال: هل..أنت مسلم العم وجدي: لا يمكنك تلقيبي بالمسلم ..ولكني أؤمن بوجود الله ...وأحترم كل الأديان السماوية وكل ما جاء بهاأبتسم طارق وقال: وما فائدة الإيمان بشيء وأنت لا تتبع تعاليمهرفع العم وجدي رأسه فلمعت عويناته تحت الإضاءة الصفراء وقال: وهل ممارسة طقوس معينة يجعل مني مسلم حتى وإن كان لا يوجد إيمان بقلبيطارق: بالطبع لا ولكن لا يمكن أن أطلق علي نفسي مؤمن بالله إن لم اتبع تعليماته..وتعليماته تلك أرسلها علي لسان أنبيائه في شكل الأديان السماوية ..أبتسم العم وجدي وهم بقول شيء ما ولكن باب الحجرة تحرك وبرزت حنين ومن خلفها وحيد مقطبا جبينه
مر بعض الوقت ثم ظهر أيمن..كان يبدوا عليه التعب والتوترأقترب أيمن منها ثم امسك بقنينة ماء كانت أمامها وتجرع ما بها...ثم نظر إليها وقال: خذي بعض الطعام إلي غرفة أمجدقال تلك الكلمات ثم غادر مسرعا..تعجبت حنين من تصرفه..لقد أمرها آلا تغادر..ربما أمجد من طلب منه ذلك..ربما أخيرا سيتحدث معها.. ابتسمت حنين للمرة الأولي وشعرت بالسعادة تجتاحها...أمجد...نعم..كان يدعي أنه لا يهتم بها كي لا يثير الشكوك..الآن يمكنها التحدث معه وأخباره كيف كانت بدونه..يمكنها السقوط بين ذراعيه والبكاء أسرعت تضع الكثير من الأطعمة في الصحيفة أمامها ثم حملتها وغادرت المطبخ...صعدت الدرج مسرعة وهي تتفادى الاصطدام بأي من الضيوف الثمالي..غادر الكثير ولكن البعض بقي..رأت أحد الأسياد وهو يحتضن عبير ألقت نظرة فعرفت أن من بقي من الأسياد هو من يريد العبث طوال الليل مع نساء القرية..لم تعبأ بما يحدث حولها وتوجهت إلي غرفة أمجد...أدارت المقبض وفتحت الباب..كانت الغرفة مظلمة ولكنها استطاعت رؤيته يجلس علي الفراش و...شهقت حنين وتركت الصحيفة تسقط من يدها...أمجد يجلس فوق أحد النساء..تحديدا تلك المرأة الخاصة بإيهاب أبن عمه...نظر لها أمج







