Home / الرومانسية / اللقاء المجنون / الرابع والثمانون

Share

الرابع والثمانون

Author: Noona
last update publish date: 2026-06-28 09:39:42

على رمال شاطئ العريش، حيث تلتقي حافة الصحراء بموج البحر الأبيض المتوسط، كان المشهد يفيض بمهابة لا تولد إلا من رحم المعارك التاريخية. لم تكن برودة الليل السيناوي قادرة على كبح دفء الانتصارات المتتالية التي حققها الأبطال؛ من دهاليز السيدة عائشة ومجلس الدولة بالدقي، مروراً بزوارق المكس وبوابات أنفاق الإسماعيلية، وصولاً إلى هذا الشاطئ الذي شهد تحطم جيل التكنوقراط السادس للبارون كيسلر والكونت ألبيرت دو فوس.

كانت شمس السواركة، "شمس السيناوية"، تقف بشموخ بجوار سارة وعماد، بينما كانت السفينة "شرق الأفق" تُقاد تحت حراسة زوارق سلاح الحدود نحو الرصيف الحربي للميناء. في يد كريم رفعت، كان "دفتر الربط العشائري العثماني" المغلف بقماش الصوف الأزرق يمثل درعاً جغرافياً حاسماً أجهض محاولات سماسرة جنيف في تجميد أصول مصر الشرقية، والختم المرجعي الخديوي الخالص يلمع بين أصابع عماد تحت النجوم كأنه نجمة سقطت من السماء لتوثق ملكية الأرض لأصحابها.

أمسكت سارة بالحقيبة الجلدية المليئة بالوثائق الدفينة، والتفتت إلى عماد الذي كان ينظر إلى الأفق البعيد حيث تتداخل مياه البحر بعتمة الليل. همست له بصوت دافئ شجاع: "عماد.. تفتكر الكونت ألبيرت هيسكت بعد اللي جرى لابنه في مريوط وقريبهم هنا في العريش؟"

قبل أن يجيب عماد، اهتز هاتف كريم رفعت بعنف. كان الخط الساخن متصلاً مباشرة بهنجر وكالة البلح في القاهرة، حيث مريم عاصم وعالية المصرلي والشيخ فراج يديرون جبهة الإسناد الرقمي والتاريخي. انطلق صوت مريم متوتراً وحاداً عبر مكبر الصوت:

"كريم! عماد! سارة!.. اسمعوني كويس، الأخطبوط الدولي مغيرش خطته.. ده نقلها لمستوى تالت خالص! الكونت ألبيرت مطلعش على نيويورك زي ما ديبون قال.. طيارته غيرت مسارها فوق أجواء البحر المتوسط ونزلت حالا في **'جزيرة رودس اليونانية'**! هناك المقر السري للـ 'المحكمة التحكيمية الخاصة بالبحار والمضايق القديمة'.. منظمة دولية غامضة مأسسة من أيام عصبة الأمم، ودو فوس حرك قضية طارئة ومستعجلة الليلة لفرض 'حظر ملاحة مؤقت ومقيد' على السفن الخارجة من الموانئ المصرية، مستنداً على 'صكوك تفتيش قديمة' تعود لعام 1882 وقت التدخل البريطاني في مصر!"

لم تكن مفاجأة جنيف هي الوحيدة؛ فبينما كانت المجموعة تحلل الموقف وسط رمال العريش، تقدمت من صوب مبنى إدارة الميناء سيارة تابعة لوزارة الخارجية المصرية، ترجل منها رجلان من جهات سيادية وبصحبتهما امرأة يونانية في الأربعينيات من عمرها، ترتدي معطفاً طويلاً باللون الزيتي، وتحمل في يدها حقيبة دبلوماسية مصفحة ضد الاختراق الرقمي.. إنها **الدكتورة هيلين كورونا**، أستاذة القانون الدولي المقارن بجامعة أثينا، والمستشارة السابقة للمحكمة الأوروبية لحقوق الملكية التاريخية، والتي كانت على خلاف حاد وقديم مع عائلة دو فوس بشأن تهريب الآثار والوثائق من دول حوض البحر المتوسط.

تقدمت هيلين نحو عماد وسارة، وتحدثت بلغة عربية فصحى مشوبة بلكنة يونانية أرستقراطية محببة:

"مسيو عماد.. مدام سارة.. أنا جئت من أثينا خصيصاً لأني أعلم أنكم تملكون المفتاح التناظري الوحيد الذي يبطل جنون الكونت ألبيرت في رودس. 'محكمة المضايق القديمة' التي لجأ إليها دو فوس تعتمد على بروتوكول غامض يُدعى **'بروتوكول ليفاديا لعام 1888'**. هذا البروتوكول ينص على أن أي نزاع حول جغرافيا الموانئ الشرقية للمتوسط يتم حسمه بناءً على 'خرائط التطابق الهيدروغرافي' الأصلية التي رسمها الأدميرال البريطاني 'سيمور' قبل ضرب الإسكندرية. عائلة دو فوس اشترت النسخة الرقمية لتلك الخرائط وقامت بتعديلها لتثبت أن ميناء العريش وميناء بورسعيد يقعان ضمن 'مناطق الامتياز المائي المشترك'!"

نظرت سارة إلى هيلين بحدة وذكاء: "والنسخة الأصلية غير المعدلة فين يا دكتورة هيلين؟ أكيد مفيش منها نسخة على الكمبيوتر."

ابتسمت هيلين وسحبت من حقيبتها المصفحة مفتاحاً نحاسياً قديماً ذو أسنان معقدة: "النسخة الأصلية المطبوعة على ورق الكتان الإنجليزي المقاوم للمياه.. مدفونة في 'قبو دير القديس يوحنا' في جزيرة باتموس اليونانية، تحت رعاية عائلتي منذ عقود. الكونت ألبيرت أرسل رجاله الليلة لاقتحام الدير والاستيلاء عليها لتبديلها بالنسخة المزورة قبل جلسة التحكيم التي ستعقد في رودس بعد ساعات!"

أدرك عاصم الجارحي من القاهرة أن الوقت يداهقهم كالسيف. تداخل صوته عبر اللاسلكي بقوة وثبات هز أركان المكان:

"المعركة بقت عابرة للحدود بشكل كامل يا شباب. كريم.. خذ الدكتورة هيلين وشمس السيناوية واطلعوا على بورسعيد فورا.. هناك لانش توربيني سريع تابع للقوات البحرية مستنيكم في ترسانة بورسعيد عشان ينقلكم عبر المياه الدولية لجزيرة باتموس ورودس. عماد وسارة.. هترجعوا مع أحمد عاصم في العربية الربع نقل لـ **'بورسعيد'** عشان تديروا غرفة التنسيق التناظري من جوة مبنى القبة التاريخي لهيئة قناة السويس. لازم نربط الكشكول الأخضر والختم المرجعي بشفرة خرائط الكتان اللي هيلين هتحضرها!"

انطلقت الشاحنة الزرقاء مجدداً تلتهم الطريق الدولي الساحلي، متجهة غرباً من العريش نحو بورسعيد، مروراً ببالوظة والقنطرة شرق. كانت أجواء الفجر تتداخل مع سحب خريفية محملة ب الأمطار، بينما كان عماد يجلس في المقعد الخلفي بجوار سارة، يمسك بدفتره الجلدي الصغير وقلمه الجاف الأسود لا يتوقف عن النبض بالحبر، يكتب فصلاً جديداً يتجاوز حدود الجغرافيا المحلية:

> *"لا تقف الحكاية عند حدود الشواطئ، لأن من كتبوا صكوك السيادة لهذه الأرض، حفروا حروفهم في الصخر والكتان والملح. الكونت ألبيرت يظن أن جزر اليونان ومحاكمها القديمة ستمنحه صكاً لاستعباد موانئنا، لكنه يجهل أن البحر المتوسط، من الأنفوشي والمكس إلى رودس وباتموس، يحمل لغة واحدة يفهمها أبناء الحارة والبادية، لغة لا تترجم لمليارات البورصات، بل تُكتب بدم الإنتماء."*

نظرت سارة إلى السطور، وضغطت على يد عماد برقة ودفء وسط اهتزاز الشاحنة العنيف: "عماد.. تفتكر مين اللي مستني كريم وهيلين في جزيرة باتموس؟ الكونت ألبيرت أكيد بعت حد من أشرس وكلائه."

رد أحمد عاصم وهو يضغط على عجلة القيادة وعيناه تراقبان الطريق الممتد بجوار ملاحات بورسعيد: "حسب التقرير الأمني اللي جالي من إنتربول أثينا، الكونت وظّف **'المرتزق اللوجستي ماركوس فيدال'**.. الراجل اللي كان شغال في تأمين حقول الغاز بالبحر الأسود، ومعاه مجموعة مسلحة متخفية في زي صيادين يونانيين."

مع وصول الشاحنة إلى مدينة بورسعيد الباسلة، كانت أنوار "مبنى القبة" التاريخي—بقبابه الخضراء الثلاث العتيقة المطلة على مدخل قناة السويس الشمالي—تتلألأ على صفحة مياه القناة الهادئة. دخل عماد وسارة إلى الطابق العلوي للمبنى، حيث كان بانتظارهم مهندسو الاتصالات التابعين للهيئة، والذين جرى ربطهم عبر سيرفر داخلي مغلق بوكالة البلح بالقاهرة حيث مريم وعالية.

على الشاشات الكبيرة، كانت مريم تتبع خط سير اللانش التوربيني السريع الذي يحمل كريم وهيلين وشمس السيناوية في عرض البحر المتوسط متجهاً نحو الجزر اليونانية.

"عماد! سارة! اسمعوني،" هتفت عالية المصرلي من القاهرة عبر شاشة الاتصال. "أنا ربطت شفرة الختم المرجعي الخديوي بنظام 'البث التاريخي المشترك' مع المكتبة الوطنية في أثينا. لو كريم وهيلين نجحوا في الوصول لخرائط الكتان في دير باتموس ورفعوا الباركود التناظري الأصلي بتاعها، المنظومة هتعمل 'تطابق تلقائي الفوري' يسقط القضية المرفوعة في رودس في نفس اللحظة ويبطل خرائط الكونت المزورة!"

وفجأة، ظهرت على الشاشة إشارة حمراء تومض بعنف بالقرب من إحداثيات جزيرة باتموس اليونانية. صاحت مريم بذعر: "كريم وهيلين وصلوا شاطئ الدير.. بس فيه سفينتين صيد سريعتين بيحاصروهم! ماركوس فيدال بدأ الهجوم!"

خلف الجدران الحجرية الشاهقة لـ "دير القديس يوحنا" الأثري في جزيرة باتموس، والتي تعود لألف عام، كانت أنفاس الدكتورة هيلين كورونا وكريم رفعت تتلاحق. انفتح الباب الخشبي الضخم للقبو السفلي بواسطة المفتاح النحاسي المعقد، ليظهر صندوق من خشب الأرز العتيق يحتوي على خرائط الكتان البريطانية لعام 1882.

لكن في نفس اللحظة، رددت أصوات طلقات نارية في ساحة الدير الخارجية. كان ماركوس فيدال ورجاله المدججين بالسلاح الإلكتروني يحاولون اقتحام البوابات الأثرية.

"كريم! خذ شمس واطلعوا بالخرائط على المروحية اليونانية اللي نسقتها وزارة الدفاع!" صرخت هيلين وهي تسحب مسدساً صغيراً لتأمين المكان. "أنا هفضل هنا عشان أثبت للمحكمة إن الهجوم ده تم بأمر من الكونت ألبيرت!"

تقدمت شمس السيناوية بصلابة رمل سيناء، وحملت صندوق خشب الأرز بيديها المزينتين بالوشوم البدوية العتيقة: "احنا مبنسيبش أصحابنا يا هيلين.. ورجال المارنش في بورسعيد مستنيين الإشارة!"

بمهارة أمنية فائقة، نجح كريم رفعت في تشغيل وحدة بث متنقلة وتوجيه كشاف الرصد التناظري نحو صفحة خرائط الكتان الأصلية، لتظهر الخطوط الهيدروغرافية الحقيقية لميناء العريش وبورسعيد، والتي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن السيادة الكاملة والمطلقة للأرض والمياه هي لمصر، وأن خرائط الكونت ليست سوى تزوير رخيص جرى في دهاليز بروكسل.

في مبنى القبة ببورسعيد، وبمجرد اكتمال بث الإشارة التناظرية من باتموس، تحولت الشاشات الكبيرة إلى اللون الأخضر المستقر. وفي نفس اللحظة، انطلقت رسالة عاجلة من قاعة المحكمة التحكيمية في جزيرة رودس، حيث أصدر قضاة المحكمة قراراً تاريخياً فورياً برفض دعوى الكونت ألبيرت دو فوس بالكامل، والتحفظ على كافة أصول شركاته في البحر المتوسط بتهمة التزوير الدولي والقرصنة المسلحة!

صاح منصور الطوبجي وعالية ومريم في القاهرة بفرحة عارمة هزت أركان الوكالة، بينما كان عمال الترسانة البحرية في بورسعيد يطلقون صافرات السفن احتفالاً بنصر جديد تلاحمت فيه جغرافيا الوطن من أقصى الشرق إلى عمق المتوسط.

سقطت الأوراق من يد وكلاء الكونت في جنيف وروكسل، ونقلت التقارير الإخبارية لقطات حية للكونت ألبيرت دو فوس وهو يغادر برج الملاحة في جنيف ذليلاً، تحيط به قوات الأمن السويسرية للتحقيق معه.

ومع بزوغ نهار جديد فوق بورسعيد، وقف عماد وسارة على لسان الممشى السياحي التاريخي، والنسيم البارد يلفح وجهيهما بلطف ومبهج. كانت مياه القناة تلتمع بضوء الشمس الذهبي، تعلن تأمين الموانئ والمضايق بالكامل بفضل تلاحم دماء الحارة، وعراقة البادية، ويقين العلم والتاريخ.

أمسكت سارة بيد عماد وضغطت عليها برقة دافئة تفيض بالعاطفة والشغف اللامتناهي: "الحكاية دي ملهاش نهاية يا عماد.. طول ما الأرض دي بتنبض، وطول ما فيه ناس بيعرفوا يحموا ورقها القديم، هنفضل نكتب.. وهنفضل واقفين."

ابتسم عماد ونظر إلى سارة، ثم فتح دفتره الجلدي الصغير على صفحة بيضاء جديدة بالكامل تعكس نور الشمس الساطع، وبدأ قلمه ينبض بالحبر يخط حروفاً قوية وعميقة تروي ملحمة ممتدة عبر البحار والموانئ والمضايق والأجيال؛ ملحمة لا تعرف الكلل، ولا ترسم في الأفق أي نقطة ختام، تاركة دائماً وأبيرد الأبواب مفتوحة على كل الاحتمالات، حية كروح هذا الوطن العظيم..

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اللقاء المجنون   الثامن والتسعون

    انعكاسات ألوان الشفق الهادئ على المجال الريفي لليل خلفية شديدة الصعوبة والوضوح فوق المزرعة الشرقية. لم يكن هذا الليل كغيره من الليالي؛ لقد كان الصمت بسيطا الذي يعقب العازفة الكبرى، وسارت حركة قنوات الري المبطنة تنساب برقة شديدة كعزف منفرد يروي قصة التلاحم والاختبارات الكاملة الذي توافر في جنبات هذه الأرض الحرة. في راحة المنزل، غرفة نوم مفتوحة، ستائر تفيض ناعمة بالطمأنينة والرضا النفسي العميق. كان عماد يجلس بدقة إلى مقعده خشبي، ووضعها كشكوله جلدي على الركبيه، وبجانبه كانت سارة تلفيف جدائل شعرها الأسود الرائع، ووجههاي المطبخ يشع بنور البهجة الصافية والنضج الفريد الذي صهرته الأيام وحولته إلى طاقة بناء لا تعرف الكل. كان بارزا في مكان بارز في الجدول، وداخلها الختم المرجعي الخديوي الخالص الذي تحول كأداة لمطاردة الصراع إلى صك أبدي للأمن وسيادتها ومخازن الأطعمة للوطن. سارة بيد عماد برقة وعاطفة جياشة تلمس الوجدان، وضغطت عليها بنبضة تحمل كل معاني الارتباط الروحي والعهد غريني، وجلست إلى ريدتين صافي بنبرة عذبة منخفضة تنافس حفيف أوراق الشجر الكثيفة والليمون.. اللحظة دي هي البداية لكل حاجة حلمنا

  • اللقاء المجنون   السابع والتسعين

    أغلقت سارة دفتراً صغيراً من الورق المقوى كانت تسجل فيه مواعيد تفتح زهور الليمون في الباحة الخلفية، ورفعت عينيها نحو الأفق الممتد حيث تلتقي خطوط المزارع الخضراء بلون السماء البرتقالي الدافئ عند مغيب الشمس. لم يعد للوقت ذلك الإيقاع المتسارع الذي يفرض التوجس؛ بل باتت الساعات تنساب برقة وطمأنينة تامة تعكس عمق الاستقرار والانسجام الذي حققه الأبطال في واحتهم الريفية الهادئة بمحافظة الشرقية.كان عماد يجلس على المقعد الخشبي المريح، يتابع حركة مياه الترعة المبطنة التي تعكس الشفق برفق سيادي مبهر. كان كشكوله الجلدي مستقراً بين يديه، والقلم الجاف الأسود يتحرك بسلاسة ونضج يسجل تفاصيل هذا التطور الطبيعي والهادئ للأحداث والمشاعر. بجانبهما، استقرت الحقيبة الجلدية الشهيرة فوق منضدة خشبية من صنع منصور، ينبعث من جانبها عبق البخور البلدي برائحة الصندل والمستكة التي تملأ الوجدان بطاقة إيجابية مبهجة تذيب كل ذكريات الماضي وتفتح النفس لآفاق لامتناهية من الأمل.أمسكت سارة بيد عماد وضمتها إلى قلبها برقة وعاطفة جياشة تفيض بالود والشغف، ونظرت إلى ملامحه القمحية المستقرة وقالت بنبرة عذبة تنافس حفيف أوراق أشجار ال

  • اللقاء المجنون   السادس والتسعين

    تلفزيون أفق شرقي مختلط مع الشفق الفضي والوردي، حاملاً معه سمات ليلية ليلية أنعشت جنباً إلى جنب مع المنزل الريفي العتيق. غابت الشمس وراء ما يكفي من البحث موسع النخيل، تركت المكان لسكينة الخلفيات تلتهم الأرض فيها بالسماء في اخترع كامل. ولم تعد هناك سيارات ربع نقل تنطلق على عجلة، ولا أجهزة بث لاسلكية وبرامج؛ بل حل مكان ذلك وهي صوت كامل سواقي داخلي تدور داخلها، معلنةً الاشتراك في الطمأنينة على هذه الوجبة الغالية من أرض الدلتا. في المنزل المسطح في الحديقة، كان عماد يجلس مباشرة إلى خشبي عتيق، ماداً قدميه براحة لم يبدؤها منذ سنوات. الكشكول الجلدي الصغير كان مستقراً فوقها، لكن صفحاته لم تعد تسجل تجارب للخطط السيادية، بل أصبحت واحة تشهد المشاعر المتدفقة واللقاءات الإنسانية النبيلة. بجانبه، كانت سارة ترتدي ثوباً قطنياً ناصع البياض يتماشى مع صفاء روحها، ممسكة بوعاء فخاري صغير تنبعث منه رائحة البخور الممزوج بالمسك والعنبر، لتنشر في المكان جاءت واحة نفسية غمرت قلوب الجميع. كاتت سارة بيد عماد، وضغطت عليها برقة وعاطفة جياشة تفيض بالحب واليقين، وشعرت نبضات قلبيهما قد تخلصت ، من تشنج الأيام الخوالي،

  • اللقاء المجنون   الخامس والتسعون

    انسابت مياه الترعة المبطنة حديثاً أمام باحة المنزل الريفي بالشرقية كشريط من الفضة السائلة تحت أشعة الضحى الدافئة. تلاشت بالكامل أصوات صافرات التحكم اللوجستي، وحلت محلها زقزقة العصافير التي اتخذت من أشجار الجوافة والليمون ملاذاً آمناً. لم يعد هناك بروتوكولات عاجلة أو خطوط نقل تتطلب الحسم الفوري؛ بل ساد المكان هدوء عميق، هدوء حقيقي وواقعي يشبه طمأنينة الأرض بعد موسم حصاد وفير.كان عماد يجلس مسترخياً على مقعده الخشبي ذي المساند الخوصية، واضعاً كشكوله الجلدي المفتوح على ركبتيه. تحرك قلمه الجاف الأسود بسلاسة وبطء، لا ليسجل أرقاماً أو بنوداً قانونية، بل ليدوّن تفاصيل اللحظة؛ حركة أوراق الشجر، وانعكاس النور على صفحة الماء، ودفء النسمات التي تحمل عبير الياسمين البلدي. وبجانبه، كانت سارة تجلس على مقعد مقارب، تلف جدائل شعرها الأسود بعناية وهدوء، ملامحها القمحية تخلصت من كل أثر للتوجس القديم، وحلّت محلها سكينة روحية عميقة تفيض بالبهجة والرضا.أمسكت سارة بيد عماد، وضغطت عليها برقة وعاطفة جياشة تلوح في الأفق كشروق الشمس، ونظرت إلى عينيه الصافيتين قائلة بصوت هادئ ينافس حفيف أوراق الجميز العتيقة:"ع

  • اللقاء المجنون   الرابع والتسعون

    انطلق قطار البضائع السريع على الخط الحديدي الموازي للمدرسة، يطلق صافرته الرزينة التي تتردد أصداؤها عبر قنوات الري، معلناً بداية مرحلة جديدة من تدفق الموارد والإنتاج؛ مرحلة تخلو من الصراعات العبثية وترتكز بالكامل على التنمية اللوجستية والربط المؤسسي الواقعي.تنفس عماد بعمق وهو ينظر إلى الصفحة التي جف حبرها للتو في كشكوله الجلدي، ثم التفت إلى سارة التي كانت تتابع بعينيها حركة الشاحنات الخفيفة وهي تنقل الشحنة الأولى من طواجن الفخار المعقمة وزجاجات الزيت الحيوي المعتمدة إلى منافذ التوزيع الرسمية. لم يعد هناك مكان للارتجال؛ فالترابط بين التاريخ والواقع أصبح بروتوكولاً إدارياً صارماً تديره عقول تكنوقراطية شابة تؤمن بأن السيادة تُبنى بالعمل المنظم والتدقيق اليومي.أمسكت سارة بالملف الأزرق المخصص للتوثيق الجغرافي، ونظرت إلى عماد بعينين تشعان بطاقة وعزم متجدد وقالت بصوت هادئ يحمل ثقة المحارب الذي استقر في خندق البناء:"الخطوة الجاية يا عماد مش مجرد تدريب للطلاب؛ إحنا بنربط المنظومة التناظرية لـ 'مدرسة الأرض الطيبة' بشبكة الحماية اللوجستية الكبرى في شركة شرق الدلتا للنقل. الختم المرجعي اللي اعت

  • اللقاء المجنون   الثالث والتسعون

    أشرقت شمس الدلتا من جديد، دافئةً ووادعة، لتغمر البيوت الريفية المتباعدة في كفر الشيخ والشرقية بفيض من الضوء النحاسي الذي يغسل أوراق شجر الجوافة والليمون. لم تعد عقارب الساعة تلاحق الأبطال بنبضات الخطر، بل باتت تتحرك بتناغم شديد مع حركة الطبيعة وهدير المياه في الترع المبطنة حديثاً، والتي تمد الحقول بالخير والأمل المستدام.في باحة المنتدى، كان عماد يجلس مستنداً إلى جذع شجرة جميز عتيقة، واضعاً كشكوله الجلدي على ركبتيه. لم يعد حبر القلم الجاف الأسود يركض وراء الشفرات الرقمية أو خطوط الهروب، بل كان يتدفق بهدوء، كمن يسجل جردة حساب للروح بعد رحلة طويلة من الصمود والتحدي. وبجانبه، كانت سارة تلف جدائل شعرها الأسود بعناية، وقد ارتسمت على وجهها القمحي ملامح نضج فريد؛ نضج صهرته المعارك القديمة وحوله إلى طاقة سلام داخلي تشع بهجة ونوراً على كل من حولها.أمسكت سارة بيد عماد برقة وعاطفة تلوح في الأفق كشروق الشمس، وضغطت عليها بنبضة دافئة تحمل كل معاني الارتباط الروحي والعهد الأبدي، وهمست له بصوت منخفض ينافس حفيف الشجر:"عارف يا عماد.. التطور اللي حصل في مشاعرنا وحياتنا في الكام شهر اللي فاتوا بيخليني

  • اللقاء المجنون   الحادي والاربعون

    انحنت ليلى بجسدها إلى الأمام، وساد الغرفة صمت ثقيل لم يقطعه سوى النبض الأزرق الخافت الصادر عن الكشكول. نظرت إلى الشاشة حيث ملامح جدها الواهنة، ثم إلى الخريطة الرقمية للمدينة التي تومض باللون الأحمر كقلب يحتضر.التفتت نحو آدم ودانيال، وقالت بصوت هادئ لكنه يحمل حسمًا غير متوقع:"الماضي والمستقبل ليسا

  • اللقاء المجنون   الاربعون

    تراجعت ليلى خطوة إلى الوراء، متمسكة بالكشكول كأنه شريان الحياة الوحيد المتبقي لها. الصوت المتقطع لجدها كان يحوم في الهواء كشبح تحذيري. *«فخ في المنعطف الأخير»*... العبارة كانت تردد صداها في ذهنها، تتشابك مع صوت الخطوات الثقيلة التي كانت تقترب، موقعةً إيقاعاً مرعباً على الأرضية الخرسانية الباردة.حب

  • اللقاء المجنون   التاسع والثلاثون

    انحبست الأنفاس في صدورهم، وتلاقت النظرات بين ليلى وآدم ودانيال تحت الضوء المرتعش للكشافات. الصوت المنبعث من مكبرات القطار المهجور لم يكن مجرد تسجيل؛ كان حياً، يحمل بحّة العمر، وخوف اللحظة، والأنفاس المتلاحقة لجدها "شاكر" الذي ظن الجميع أنه ووري الثرى منذ سبع سنوات."ليلى... إذا كنتِ تسمعين هذا... ف

  • اللقاء المجنون   الثامن والثلاثون

    أمسك آدم بكتف ليلى ودفعها نحو الممر الأيمن الذي كان ينحدر لأسفل بشدة، بالتزامن مع انطلاق وميض خاطف من الطائرة المسيرة خلفهما. أطلقت "الدرون" مقذوفاً صغيراً أحدث ثقباً في الجدار الحجري وتطايرت الشظايا حولهما. ارتمى كلاهما على الأرض الزلقة، وتدحرجا لبضعة أمتار حتى استقرا في قاع تجويف مظلم غارق في رائ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status