Teilen

الثاني والثمانون

last update Veröffentlichungsdatum: 28.06.2026 09:31:52

على أطراف ملاحات برج العرب، حيث يتلاقى بياض الملح الناصع بحمرة الشفق السكندري الغارب، كانت الرياح الشمالية القادمة من البحر المتوسط تحمل برودة قارسة لم تفلح في إطفاء لهيب المعركة المستعرة. كان سيباستيان دو فوس مقيداً داخل سيارة حرس الحدود، بينما كانت الصناديق الحديدية التي تحتوي على عقود عام 1940 السرية تُنقل بعناية إلى شاحنة الدفع الرباعي التابعة لأحمد عاصم.

أمسك عماد بحقيبة الوثائق الجلدية التي باتت بمثابة كتاب مفتوح لتاريخ مصر السري. بجواره، كانت سارة تلف وشاحها الشبراوي بإحكام حول رقبتها، وعيناها تراقبان انعكاس النجوم الأولى في مياه الملاحات الوردية. لم تكن هذه الألوان سوى واجهة سريالية لشبكة أخطبوطية كلما بُتر لها ذراع في العاصمة، نبتت لها أذرع جديدة في الثغور والموانئ.

  

بينما كان كريم رفعت يراجع أجهزة الاتصال مع مريم عاصم وعالية المصرلي في القاهرة، انطلقت نغمة حادة ومستمرة من داخل أحد الصناديق الحديدية المصادرة. التفت منصور الطوبجي بسرعة وسحب هاتفاً خلوياً غريباً، ذو تصميم كلاسيكي مغلف بالبلاتين الأسود، ولم يكن يتصل عبر الشبكات العادية بل عبر ترددات قمر صناعي مشفر.

أخذ عماد الهاتف وضغط على زر الإجابة، لينطلق من السماعة صوت هادئ، مغرق في العجرفة والأرستقراطية، يتحدث العربية بلكنة فرنسية بالغة الدقة:

"أهنئكم يا أبناء القاهرة.. لقد أخذتم الصناديق، وحجزتم سيباستيان. لكنكم نسيتوا أن عقود 1940 ليست سوى 'ملاحق تنفيذية' لأصل أكبر. أنا **الكونت ألبيرت دو فوس**، وأحدثكم الآن من الطابق الأخير لبرج الملاحة في جنيف. في هذه اللحظة، يتوجه نحوكم قطار الزمن من الماضي.. قطار يحمل اسماً لطالما خشي جيل شاهين المصرلي سماعه: **المستشار وجدي السروجي**."

ارتجف الأستاذ رفعت في القاهرة عبر خط اللاسلكي المفتوح، وسقط القلم من يده: "وجدي السروجي؟! مش ممكن!.. الراجل ده كان رئيس المحاكم المختلطة بالإسماعيلية سنة 1952، واختفى يوم 26 يناير بعد حريق القاهرة مباشرة! قالوا إنه هرب لباريس ومعاه 'سجل التصديقات السري' الخديوي!"

تابع صوت الكونت ألبيرت ببرود جليدي: "السروجي لم يمت يا أستاذ رفعت. عائلتي أبقته حياً في سويسرا لثلاثة أجيال عبر مؤسساتنا الطبية، وهو الآن في طريقه إلى الإسكندرية، ومعه 'أصل الدفتر الحاضن'.. الدفتر الذي يثبت أن كل أوقاف السيدة عائشة ومصر القديمة وبولاق جرى رهنها كضمانات بنكية دولية قبل الثورة بستة أشهر! الجلسة الدولية في لاهاي ستُعقد بناءً على شهادته الحية الليلة!"

 

انقطع الاتصال، ليعود هدير الرياح وصوت محركات حرس الحدود. التفت عماد إلى سارة وعاصم الجارحي (عبر اللاسلكي): "وجدي السروجي.. لو الراجل ده وصل الإسكندرية ومعاه الدفتر الحاضن، يبقى الختم المرجعي اللي معانا ملوش قيمة، لإن الرهن الدولي بيلغي السيادة المحلية بموجب اتفاقيات بريتون وودز!"

صاح عاصم الجارحي بحزم القائد المخضرم: "أحمد.. خذ منصور الطوبجي وسيباستيان واطلعوا على القاهرة لتأمين مجلس الدولة فورا. عماد وسارة وكريم.. هتنزلوا على 'محطة مصر بالإسكندرية'. السروجي مش هييجي بالطيارة.. الراجل ده مريض ومسافر تحت حماية طبية دولية في 'عربة القطار الملكي القديم' اللي أعيد تشغيلها كقطار سياحي خاص جاي من مرسى مطروح!"

انطلقت سيارة الدفع الرباعي تلتهم الأسفلت نحو قلب الإسكندرية. اخترقت شوارع الدخيلة والمكس، لتدخل المدينة العتيقة وهي تعيش ليلة صاخبة. تداخلت أنوار المحلات في المنشية ومحطة الرمل مع ضباب البحر الكثيف الذي بدأ يزحف ليغطي المباني ذات الطراز الإيطالي والفرنسي.

في المقعد الخلفي، فتح عماد دفتره الجلدي الصغير. كان قلمه ينبض ب حبر اليقين، يخط أسطراً تتشابك فيها مصائر البشر بالتراب:

> *"كلما ظننا أننا أغلقنا باباً للماضي، انفتح سرداب يعيد إلينا أشباحاً اعتقدنا أن التراب قد وااراها. وجدي السروجي يعود من خلف جدار الموت والنسيان ليبيع المدينة لمن يدفع أكثر بالعملة الدولية. لكنهم يجهلون أن الحارة التي أنجبت شاهين المصرلي، ما زالت تملك في رحمها ناساً يحفظون العهد، وأن الورق القديم لا يحترق في قلوبنا أبداً."*

 

وصلت السيارة إلى ساحة محطة مصر بالإسكندرية في تمام الساعة العاشرة مساءً. كانت المحطة التاريخية، بسقفها الحديدي العملاق الذي يعود لعصر الخديوي إسماعيل، تضج بالحركة. وسط قطارات الضواحي والوجه القبلي، كان هناك رصيف معزول يقع في أقصى الشق الشرقي، تقف عليه عربة قطار خشبية فاخرة مطلية باللون الأخضر الملكي وتحمل شعار التاج الملكي البائد: **العربة رقم 7**.

كانت العربة محاطة برجال يرتدون بدلات سوداء صامتة يحملون أجهزة اتصال دقيقة تابعة لمنظمة التراث الموازي. تقدم كريم رفعت بحذر، مستغلاً هويته الأمنية، ليمهد الطريق لعماد وسارة.

تسلل الثلاثة عبر ممر ضيق مخصص لعمال الصيانة، وصعدوا إلى داخل العربة الملكية. تفوح في الداخل رائحة خشب الصندل العتيق، والمقاعد مبطنة بالقطيفة الحمراء. وفي نهاية العربة، داخل غرفة طبية متنقلة ومجهزة بأحدث أجهزة إنعاش القلب، كان يجلس رجل يقترب من المئة وعشرة أعوام!

وجهه كان عبارة عن خريطة من التجاعيد الجافة، لكن عينيه كانتا حادتين كخنجر مسموم، يرتدي طربوشاً قديماً وبدلة سوداء تعود لزمن الباشوات.. إنه **المستشار وجدي السروجي**.

بجوار السروجي، كانت تقف امرأة شابّة في الثلاثينيات، ترتدي نظارة طبية حادة وملابس رسمية صارمة.. إنها **الدكتورة علياء السروجي**، حفيدته والعقل القانوني الذي يدير ملف العائلة في جنيف.

"كنت أعلم أن أولاد رفعت والمصرلي سيأتون،" قال السروجي بصوت متحشرج يشبه حفيف الأوراق الميتة. "شاهين المصرلي كان يظن أنه أذكى من النظام الدولي عندما خبأ الكشكول الأخضر.. هو خبأ الأرض، لكنه نسى أنه وقع لي هنا.. في 'الدفتر الحاضن'.. على صك الاستدانة الذي مول قصور العائلة في جاردن سيتي."

رفعت علياء السروجي دفتراً ضخماً مجلداً بجلد الحوت الأسود ويحمل الأختام المدموغة للمحاكم المختلطة لعام 1951: "هذا الدفتر سيتم بثه الآن لايف عبر نظام 'التوثيق الرقمي السويسري السريع' لمحكمة التحكيم في لاهاي. اللعبة انتهت يا أستاذ عماد. التاريخ كتبه جدي، وأنا أقوم بتفعيله لحساب الكونت ألبيرت."

وقبل أن تلمس أصابع علياء زر الإرسال، انفتح باب العربة الخشبية ببطء، ليدخل رجل عجوز يرتدي ملابس عمال السكك الحديدية الزرقاء البسيطة، يحمل في يده كشافاً يدوياً قديماً وزيت تشحيم.. إنه **العم حامد التونسي**، أقدم عامل تحويلة في محطة مصر بالإسكندرية، والرجل الذي شهد خروج آخر قطار ملكي من المدينة سنة 1952.

نظرت علياء ب استنكار إلى العامل، لكن وجدي السروجي عندما رأى وجه حامد، شحب وجهه العتيق وتراجعت نبضات قلبه على شاشة المونيتور الطبي.

"أنت.. أنت حامد؟! التونسي البوسطجي؟!" تمتم السروجي برعب.

"أيوا يا وجدي باشا،" قال العم حامد بصوت ثابت يحمل أصداء التاريخ والأرض. "أنا حامد اللي شوفتك يوم 25 يناير 1952 وأنت بتسرق الدفتر ده من خزنة محكمة الإسماعيلية بعد ما حرقتوا مكاتب السجلات عشان تداروا على تزوير عيلة الأنصاري والسيوفي! أنت مأخدتش صك استدانة حقيقي يا باشا.. شاهين المصرلي مضى لك على ورق 'بياض خديوي' تحت تهديد السلاح من قناصل الإنجليز، وأنا معايا هنا في جيب جاکيتي 'محضر الشرطة الشرعي' اللي كتبه اليوزباشي صلاح ذو الفقار قبل الحريق بساعتين.. المحضر الأصلي اللي بيثبت إن وجدي السروجي حكم عليه بالطرد والتجريد من الرتب بتهمة الخيانة العظمى!"

اتسعت عينا سارة بذهول وفرحة عارمة، والتفتت إلى علياء السروجي: "يعني الدفتر اللي في إيدك ده.. دفتر حوت أسود مزور! صك استدانة باطل بموجب محضر جنائي رسمي مسجل في دفاتر الدولة قبل الثورة!"

حاولت علياء التراجع، لكن كريم رفعت تقدم وسحب الدفتر الأسود من يدها بقوة، بينما كانت مريم عاصم في القاهرة تخترق البث السويسري لترفع محضر الشرطة الشرعي الذي أملى العم حامد أرقامه السرية فورا عبر الهاتف.

سقط الطربوش من فوق رأس وجدي السروجي، وبدأ جهازه الطبي يطلق صيحات تحذيرية متتالية تعلن توقف عضلة القلب العتيقة، كأن التاريخ رفض بقاءه بمجرد ظهور الحقيقة وسط رصيف محطة مصر.

أسرعت علياء السروجي لإنقاذ جدها، بينما كانت قوات الشرطة العسكرية تدخل العربة رقم 7 للتحفظ على الدفتر والوثائق الجنائية المستعادة.

التفت عماد إلى سارة، وعيناهما تعكسان أنوار المحطة الصاخبة. أمصكت سارة بيده وقالت بنبرة مليئة بالود والعاطفة العميقة الشجاعة: "عملناها تاني يا عماد.. الأشباح مابتقدرش تعيش في النور."

لكن، وفي تلك اللحظة الحرجة، رن هاتف كريم رفعت مجدداً. كان الاتصال من أحمد عاصم في الطريق الصحراوي:

"كريم!.. عماد!.. اسمعوني كويس. الكونت ألبيرت دو فوس أعلن من جنيف إنه مش مستني قرار لاهاي. هو حرك الآن 'الجيل السادس' من الشركات القابضة في سنغافورة وهونج كونج وبدأوا في شراء أسهم 'شركة واجهة' مسجلة في مصر وبتمتلك حقوق تفتيش ومسح في **شمال سيناء ومنطقة العريش**! هما بينقلوا الصراع دلوقتي لخط الدفاع الشرعي للبلد بالكامل!"

تبادل عماد وسارة نظرة ممتلئة باليقين الدفين الذي لا يعرف الخوف أو الانكسار. سحب عماد دفتره الجلدي الصغير، وجلس على مقعد خشبي في رصيف المحطة، بينما كان القطار السياحي الملكي يستعد للمغادرة في عتمة الليل السكندري. وبدأ قلمه ينبض بالحبر يكتب فصلاً جديداً ممتداً عبر المدن والمحافظات والمضايق والأجيال؛ فصل لا يعرف الكلل، ولا يرسم في الأفق أي نقطة ختام، تاركاً دائماً وأبيرد الأبواب مفتوحة على كل الاحتمالات، حية كروح الحارة، وعصية على النسيان للأبد تحت سماء هذا الوطن اللامتناهي.

Lies dieses Buch weiterhin kostenlos
Code scannen, um die App herunterzuladen

Aktuellstes Kapitel

  • اللقاء المجنون   الرابع والثمانون

    على رمال شاطئ العريش، حيث تلتقي حافة الصحراء بموج البحر الأبيض المتوسط، كان المشهد يفيض بمهابة لا تولد إلا من رحم المعارك التاريخية. لم تكن برودة الليل السيناوي قادرة على كبح دفء الانتصارات المتتالية التي حققها الأبطال؛ من دهاليز السيدة عائشة ومجلس الدولة بالدقي، مروراً بزوارق المكس وبوابات أنفاق الإسماعيلية، وصولاً إلى هذا الشاطئ الذي شهد تحطم جيل التكنوقراط السادس للبارون كيسلر والكونت ألبيرت دو فوس.كانت شمس السواركة، "شمس السيناوية"، تقف بشموخ بجوار سارة وعماد، بينما كانت السفينة "شرق الأفق" تُقاد تحت حراسة زوارق سلاح الحدود نحو الرصيف الحربي للميناء. في يد كريم رفعت، كان "دفتر الربط العشائري العثماني" المغلف بقماش الصوف الأزرق يمثل درعاً جغرافياً حاسماً أجهض محاولات سماسرة جنيف في تجميد أصول مصر الشرقية، والختم المرجعي الخديوي الخالص يلمع بين أصابع عماد تحت النجوم كأنه نجمة سقطت من السماء لتوثق ملكية الأرض لأصحابها.أمسكت سارة بالحقيبة الجلدية المليئة بالوثائق الدفينة، والتفتت إلى عماد الذي كان ينظر إلى الأفق البعيد حيث تتداخل مياه البحر بعتمة الليل. همست له بصوت دافئ شجاع: "عماد

  • اللقاء المجنون   الثالث والثمانون

    على رصيف "محطة مصر" بالإسكندرية، حيث قطعت صافرة قطار الضواحي سكون البعيد الصاخب، كان الهواء مضغوطاً خانقاً من رائحة المازوت العتيق، بخار القطارات، واليود المالح المندفع من قارب الميناء. ورقة انطفأت شاشة المونيتور الطبي داخل "العربية الملكية رقم 7" معلنةً ليس فقط السيف الجسدي الأخير للمستشار وجدي السروجي، بل تسقط من أخطر أوراق الماضي التي تناولت بمذاقات حارة الرأس وثغورها لقربة قرن من الزمن. كان الدفتر الأسود المجلد بجلد الحوت قائماً في كريم رفعت، بينما كان العم حامد التونسي، بديلاً للعجوز، يؤيد كشافه يد وعيناه تفيضان بدموع اعجابه وينتظره لمدة سبعين سنة. بجواره، كانت سارة تلفهاول الشبراوي حولها الممسكة بحقيبة يد الوثائق الواسعة، وعيناها تلتمعان بذلك الإصرار العنيد الذي لم ينكسر في سراديب القاهرة ولا في داخل المكس. التفت عماد نحوها، وفي يده الذي يعود ما ينقل صوت أحمد عاصم المتوتر عبر الطريق الناقلة: "عماد.. سارة.. اسمعوني كويس! الكونت ألبيرت دو فوس مش بيلعب في المحاكم وبس. لامع اللي تجت لنا من سينت وهونغكون بتقول إن 'الجيل السادس' من الشركات الواجهة بدأت في تفعيل بنود ما شهري مالي عل

  • اللقاء المجنون   الثاني والثمانون

    على أطراف ملاحات برج العرب، حيث يتلاقى بياض الملح الناصع بحمرة الشفق السكندري الغارب، كانت الرياح الشمالية القادمة من البحر المتوسط تحمل برودة قارسة لم تفلح في إطفاء لهيب المعركة المستعرة. كان سيباستيان دو فوس مقيداً داخل سيارة حرس الحدود، بينما كانت الصناديق الحديدية التي تحتوي على عقود عام 1940 السرية تُنقل بعناية إلى شاحنة الدفع الرباعي التابعة لأحمد عاصم.أمسك عماد بحقيبة الوثائق الجلدية التي باتت بمثابة كتاب مفتوح لتاريخ مصر السري. بجواره، كانت سارة تلف وشاحها الشبراوي بإحكام حول رقبتها، وعيناها تراقبان انعكاس النجوم الأولى في مياه الملاحات الوردية. لم تكن هذه الألوان سوى واجهة سريالية لشبكة أخطبوطية كلما بُتر لها ذراع في العاصمة، نبتت لها أذرع جديدة في الثغور والموانئ.بينما كان كريم رفعت يراجع أجهزة الاتصال مع مريم عاصم وعالية المصرلي في القاهرة، انطلقت نغمة حادة ومستمرة من داخل أحد الصناديق الحديدية المصادرة. التفت منصور الطوبجي بسرعة وسحب هاتفاً خلوياً غريباً، ذو تصميم كلاسيكي مغلف بالبلاتين الأسود، ولم يكن يتصل عبر الشبكات العادية بل عبر ترددات قمر صناعي مشفر.أخذ عماد الهات

  • اللقاء المجنون   الحادي والثمانون

    على متن ناقلة النفط العملاقة "موجة الشمال"، وفي قلب المياه الدافئة للبحر الأحمر، كانت أنفاس الجميع تتلاحق مع ضربات المحركات الضخمة التي استعادت توازنها بفضل قبضة الربان بحر السواحلي الحديدية على الدفة. تحركت السفينة لتستقيم في مسارها الملاحي الآمن، بعيداً عن الصخور البحرية التي كادت أن تخنق شريان التجارة العالمية.كان الختم المرجعي الخديوي، المستقر فوق منصة البث الدولية (AIS) بجانب الخريطة الحريرية المستخرجة من قاع الميناء الشرقي، يشع ببريق ذهبي دافئ تحت أشعة الشمس التي غمرت الأفق. لم يكن هذا البريق مجرد زينة، بل كان صك السيادة والأمان الذي التقطته خوادم المحاكم الدولية في جنيف وبورصة نيويورك كإشارة سيادية حية لا تقبل التأويل.التفت عماد نحو سارة، التي كانت تستند إلى إطار النافذة الزجاجية لغرفة القيادة. فركت عينيها المرهقتين من سهر الليالي المتواصلة بين قبو برج القاهرة، وأزقة المكس، وحقول كفر الشيخ، وصولاً إلى هذا الجبل الحديدي العائم. تلاقت نظراتهما، ولم يكن الصمت بينهما دليلاً على الراحة، بل كان إدراكاً مشتركاً بأن الست نجوى والبارون كيسلر، اللذين يقفان الآن مقيدين في زاوية الغرفة ت

  • اللقاء المجنون   الثمانون

    لم تكن موتورولا قاعة التحكم في أنفاق الإسماعيلية مجرد واجهة مختصرة لغليان ميكرومتر تمتد على طول القناة وصولاً إلى البحر الأحمر. تلاشت أنوار الشاشات الحمراء للثبات على اللون الأخضر السيادي بعد أن أطبق الختم المرجعي الخديوي فكيه على التآكل الميكانيكي القديم، مجهضاً محاولة الدكتور شريف المؤيدين لقطع سيناء رقمياً. لكن الكلمات الأخيرة للحق الفرنسي، سيريل ديبون، تحرك عن الست نجوى والبارون كيسلر نحو باب المندب الضيق، وتردد في الفضاء كقنبلة موقوتة دافئة أُلقيت في جنوب مياه. التفت عماد إلى سارة، التي كانت تمسح الحبات المختلطة برذاذ بحر مضغوط عن جبهتها. لم يكن هناك متسع للتخاطيف الأنفاس؛ فالرواية التي كاتبها بدمائهما وحركاتهم لم تعد ملكاً لهما، بل أصبحت القطاراً جامحاً يندفع عبر الجغرافيا والتاريخ دون محطة الوصول النهائية. " بينما كان منصور الطوبجي والشيخ فراج يقودان شريف الأنصاري المقيد نحو سيارات الحراسة العسكرية، انفتح الباب الجانبي لغرفة التحكم بدخول شخصية لم يرها أحد من قبل في القاهره المعز أو ثغور القراصنة. رجل فارع، لبس، لَفحت بشرته شمس البحر الأحمر حتى اكتسب لونًا نحاسيًا عتيقًا، ار

  • اللقاء المجنون   التاسع والسبعون

    وقف عماد وسارة على لسان قلعة قايتباي، والرياح السكندرية العاتية تلفح وجهيهما برذاذ مالح مع التقدم المختلف الاختلاف. نقشت الفجر المشرقة تسحر المجال لنهار قاهري وأسكندري الجديد، لكنه نهار لا يشبه ما سبقه. حدث آخر حدث على صخور النحاس كان ينبض بأس حار التاريخ وأسراره؛ الختم المرجعي الخديوي الخالص تلألأ تحت شعاع الشمس الأول، وبجواره الخريطة الحريرية التي فتحت شرياناً جديداً من الشك واليقين: **أنفاق لوجستية سرية تحت قناة السويس.** لم يتمكن الحكم من المحكمة الإدارية العليا في مجلس الدولة بالدقي نهاية8888، بل كان مجرد سياج قانوني المحلي حَمى مقابر الصالحين وسور العيون مؤقتاً، في حين أن الأخطبوط الدولي كان يتغير جلوده في عواصم ديفيد والمال. جاء سيريل ديبون اتصالاً مشفراً جديداً من غرفة العمليات المشتركة في باريس، وبدت ملامحه سامية أكثر تشنجاً: "مسيو عماد.. مدام سارة.. تجاوزت كيسلر والست نجوى. منظمة "التراث العالمي الموازي" بدأت تبث تقارير مغلوطة عبر شركات رائدة غربية تزعم وجود "عدم استقرار جيولوجي وأثري" يهدد سلامة الفيديو الدولي في قناة السويس، بعد ذلك تم تحديده بجلسة في جنيف لفرض. "وصاية

  • اللقاء المجنون   الفصل الرابع

    المشروع كسر الدنيا، والفندق بدأ يرجع له الروح. وفي ليلة ساحرة، والنجوم مالية سما شرم الشيخ، كانت ليلى واقفة بتجهز طلبات لزبائن، وآدم واقف جنبها بيساعدها ويناولها الأطباق بانسجام تام وكأنهم بقوا "تيم" مستحيل يتفرق.آدم (بص لليلى بهدوء): "تعرفي يا ليلى.. الخسارة اللي خسرتها دي، طلعت أكبر مكسب في حيا

  • اللقاء المجنون   الفصل الثالث

    بالليل، دانا وعمر عملوا حفلة صغيرة على الشاطئ لليللى. وآدم كان واقفًا بعيدًا بي يبتسم وهو بيشرب العصير. شيري .. إحنا خلاص مفيش حاجة بيننا، ياريت يفهمي ده". وسابها ومشي في اتجاه ليلى. آدم وصل لليللي اللي كانت واقفة قدام البحر والهوا بيطير شعرها: آدم: "مبروك يا شيف.. طلعتي بتعرفي تتصرفي تحت ا

  • اللقاء المجنون   الفصل الثاني

    دانا وعمر.. فرقة الإنقاذ والمصايببره الثلاجة، الحفلة بدأت، ودانا وعمر بيدوروا على آدم وليلى في كل مكان.دانا: "يا عمر ليلى تليفونها مقفول، والتورتة مظهرتش.. البنت دي جرالها حاجة!"عمر (بيمزح): "تلاقيها هربت بالتورتة وأكلتها لوحدها.. أو تلاقي آدم طردها وخلص منها.لكن عمر لاحظ إن عربية المطبخ والعما

  • اللقاء المجنون   الفصل الأول

    البداية في وسط زحمة القاهرة وصوت الكلاكسات اللي مبيفصلش "ليلى"، بنت طموحة، دمها خفيف، وبتعشق حاجة اسمها حلويات. حلمها الوحيد في الحياة إنها تسيب دور "المساعدة" وتصنف كشيف حلويات عالمي. كانت ماشية بتجري في الشارع وشايلة قفص كرتون فيه .."تورتة دبلومة" متعوب عليها بقالها يومين، ورايحة تسلمها لزبون م

Weitere Kapitel
Entdecke und lies gute Romane kostenlos
Kostenloser Zugriff auf zahlreiche Romane in der GoodNovel-App. Lade deine Lieblingsbücher herunter und lies jederzeit und überall.
Bücher in der App kostenlos lesen
CODE SCANNEN, UM IN DER APP ZU LESEN
DMCA.com Protection Status