分享

السادس والستون

作者: Noona
last update publish date: 2026-06-26 03:20:58

دوى صوت الطلقة الأولى في جوف النفق، فلم يكن مجرد فرقعة معدنية، بل كان انفجاراً مكتوماً مزق الصمت المزمن للجدران الحجرية. ارتد الصدى عن الحجر الجيري العتيق، حاملاً معه رائحة البارود المحترق التي اختلطت برائحة العفن وطين القرون الماضية.

تراجع المستشار عاصم خطوة إلى الخلف، يده التي تقبض على المسدس الأوتوماتيكي كانت ثابتة بثبات غريب، لكن عروق جبهته الناتئة كانت تنبض بعنف. نظر إلى كريم، ابنه الروحي ورفيق المعركة، وقال بنبرة انصهر فيها الخوف بالأمر الملتزم:

> "كريم! مفيش وقت للمشاعر دلوقتي.. الطلقة دي كانت مجرد جس نبض، هما عرفوا إحنا فين بالظبط. اسحب سارة وأبوك واطلعوا لفوق، البير ده هو تذكرتكم الوحيدة للحياة!"

لكن كريم لم يتحرك. انخلع قلبه وهو يرى والده، الأستاذ رفعت، يستند بجسده الهزيل على الحائط الرطب، وصدره يعلو ويهبط في نوبة ربو حادة أثارتها رطوبة النفق وغبار الرصاص. انحنى كريم فوق والده، ممسكاً بكتفيه بوعي ممزق بين غريزة الابن وحتمية القائد:

"مش هسيبك هنا يا فندم.. مش بعد كل السنين دي، مش بعد ما فهمت إنت كنت بتعمل إيه عشاننا. لو هنموت، يبقى وشنا ليهم، مش ضهرنا!"

في تلك اللحظة، تجلت "سارة" بشخصية جديدة تماماً؛ الفتاة التي كانت قبل ساعات تخشى صوت خطى "الست نجوى" على السلم الخشبي، انتزعت نفسها من نوبة الذعر. مسكت القضيب الحديدي بقبضة بيضاء من شدة الضغط، واقتربت من عماد الذي كان يحاول حماية الحقيبة الجلدية بجسده. نظرت في عينيه، ولم تكن هناك دموع، بل كان هناك بريق جاف وحاد كالشفرة:

"عماد.. ارفعني. أنا أصغركم حجماً، أنا اللي هقدر أعدي من بين أسياخ الحديد المدفونة في شجر الجميز فوق. ارفعني وأنا هسحبكم واحد ورا التاني. مش وقت الكلام يا عماد.. ارفعني!"

شعر عماد برعشة تسري في عموده الفقري؛ لم يكن هذا مجرد تحول، كان انبعاثاً لامرأة ولدت من رحم الخطر. انحنى على ركبتيه، وشبك يديه معاً لتصنعا درجة سلم لـ سارة. وبكل ما أوتي من قوة استمدها من الأدرينالين المتدفق في عروقه، رفعها نحو فوهة البير الأسود الممتد كحلق عملاق نحو السماء.

تعلقت سارة بأسياخ الحديد الصدئة التي تعترض فوهة البير. كانت حواف الحجر الحادة تجرح كفيها، والدماء الدافئة بدأت تسيل على ساعديها، لكنها لم تطلق صرخة واحدة. بدأت تحرك جسدها بمرونة التهديد، تدفع بجذعها بين جذور شجر الجميز العتيق الذي تغلغل في جدران البير عبر عقود من الزمن.

في الأسفل، استمرت المواجهة الصامتة. أضواء كشافات رجال "الجنرال مراد" بدأت تقطع الظلام، ترسم ظلالاً مشوهة وعملاقة على الجدران الدائرية للبير. جاء صوت قعقعة أحذيتهم العسكرية، مصحوباً بأوامر حازمة وهمسات قاسية.

التقى المستشار عاصم بعيني الأستاذ رفعت في الظلام. كان رفعت يبتسم ابتسامة شاحبة متألمة، لكنها مليئة بوعي المنتصر. همس رفعت لعاصم بصوت متحشرج:

> "فاكر يا عاصم.. لما كنا في المحكمة سنة ٩٨، والكل قال إن القضية خسرانة؟ إحنا مبنخسرش يا صاحبي.. إحنا بس بنغير مكان المحكمة. والمحكمة النهاردة تحت الأرض."

ضحك عاصم ضحكة مكتومة، ممتزجة بصوت إطلاق نار جديد. أطلق كريم رصاصتين أخريين نحو الممر المظلم ليتيح لـ سارة مزيداً من الوقت. صرخ كريم بصوت يملأه الحماس والذعر:

"سارة! عملتي إيه؟ الرجالة بقوا على بعد عشرين متر!"

جاء صوت سارة من الأعلى، مخنوقاً ومصحوباً بتساقط التراب والحصى:

"الشبكة الحديدية مصدية.. أنا بكسر اللحام القديم بحجر.. ثواني.. ثواني يا كريم!"

سمع الجميع صوت انكسار معدني ثقيل، وتلا ذلك تدفق هواء نقي وبارد، هواء قادم من أزقة السيدة عائشة، محمل برائحة بخور المقامات العتيقة وضوضاء القاهرة التي لا تنام أبداً. سارة صرخت بنبرة انتصار:

"الفتحة اتفتحت! عماد.. اطلع ورايا بسرعة!"

أصر عماد أن يكون الأستاذ رفعت هو التالي. تسلق عماد بضع درجات حجرية بارزة، وبمساعدة كريم وعاصم من الأسفل، استطاعوا رفع جسد الشيخ الضعيف. كانت يدا سارة المدماتان تمتدان من الأعلى، تمسكان بملابس رفعت وتجرانه بكل ما أوتيت من قوة مستمدة من غريزة البقاء.

بينما كان رفعت يُسحب للأعلى، كان عماد يقف على حافة حجرية ضيقة داخل البير، ينظر لأسفل نحو كريم وعاصم. تلاقت عيناه بعيني كريم. كان كريم يمثل السلطة التنفيذية، القوة الحامية، بينما كان عماد يمثل الكلمة، الفكر، السجل الحركي لهذه الحكاية.

قال كريم بنبرة حادة وواضحة:

"عماد.. لو حصل لي حاجة.. الحقيبة دي مش لازم تقع في إيد مراد. الحقيبة دي فيها عقود 'وقف شاهين المصرلي'.. لو العقود دي اختفت، نص منطقة الدرب الأحمر والجمالية هتتحول لأبراج خرسانية، والناس هتترمى في الشارع. إنت كاتب.. اكتب الحكاية دي بدمك لو الحبر خلص!"

شعر عماد بثقل الأمانة يتساقط على كتفيه كالجبل. لم يعد كاتب الروايات الرومانسية الذي يفتش عن سحر العبارات؛ لقد أصبح جزءاً من مادة التاريخ الخام. صرخ بعزم:

"هتطلع تكتبها معايا يا كريم.. مش هسيبك!"

في تلك اللحظة بالذات، ظهر أول رجال الجنرال مراد عند مدخل البير الفضي. كان رجلاً ضخم الجثة، يرتدي ملابس سوداء تكتيكية، وقناعاً يخفي ملامحه، ويمسك ببندقية آلية قصيرة. لم يتردد؛ وجه سلاحه مباشرة نحو كريم.

لكن رصاصة المستشار عاصم كانت أسرع. استقرت الرصاصة في كتف المهاجم، ليرتد للخلف صارخاً، لكن صرخته تلاشت تحت دوي وابل من الرصاص الأعمى الذي أطلقه بقية رجال مراد المتقدمين في الممر.

فوق الأرض، في شقة فاخرة تطل على حديقة الأزهر، كان اللواء مراد يجلس في شرفته، يحتسي قهوته المرة وعيناه تراقبان مآذن القاهرة الساحرة في الليل. كان جهاز اللاسلكي الموضوع على الطاولة الزجاجية أمامه يبث أصوات الرصاص المكتوم والصرخات القادمة من باطن الأرض.

إلى جواره، كانت "الست نجوى" تقف متوترة، تعبث بأساورها الذهبية الكثيرة التي تحدث رنيناً مزعجاً. وجهها الذي تكسوه مساحيق التجميل الثقيلة كان يبدو مشوهاً تحت ضوء القمر الخافت. قالت بنبرة يملأها الحوف والغل:

"يا سيادة اللواء.. الولاد دول لو خرجوا بالورق.. أنا هروح في داهية. العقود القديمة دي تثبت إن العمارة بتاعتي، وبتاعت أبويا من قبلي، متباعة بعقود مزورة من سنة ٦٧. الشركات الإماراتية اللي عايزة تشتري الأرض هتنسحب لو عرفوا إن فيه نزاع قضائي على الملكية الملكية!"

نظر إليها مراد بنظرة باردة، نظرة جعلت الكلمات تجف في حلقها. قال بصوت منخفض، كأنه يهمس بسر عسكري:

> "نجوى.. إنتي لسه فاكرة إن الموضوع موضوع عمارتك المعفنة دي؟ الموضوع أكبر من أوهامك الصغيرة. إحنا بنعيد تخطيط عاصمة بحالها. الورق اللي تحت الأرض ده بيحدد مين يملك ومين يترمي في العشوائيات الخرسانية الجديدة. عاصم ورفعت بيلعبوا في أساسات الخطة.. وعشان كده، هما مش هيخرجوا من البير ده صاحيين. حتى لو اضطريت أردم البير عليهم باللي فيه."

ضغط على زر اللاسلكي وقال ببرود قاتل:

"مجموعه ٢.. صبوا الخرسانة السريعة في مدخل السرداب الملكي من ناحية العمارة. اقفلوا عليهم خط الرجعة تماماً. ومجموعة ١.. طهروا البير. مفيش أسرى."

في باطن البير، تحول الموقف إلى جحيم حقيقي. الخرسانة السريعة الجفاف بدأت تتدفق من الممر الخلفي بطلب من قيادة مراد، محدثة صوتاً طينياً ثقيلاً يسد منافذ الهواء ويهدد بقطع الأكسجين عمن في الداخل. الغبار كان خانقاً، وأصوات الرصاص أصبحت متلاحقة كالمطر.

كريم أصيب بشظية في ذراعه الأيسر، لكنه لم يتوقف عن إطلاق النار لغطاء انسحاب عماد. صرخ المستشار عاصم وهو يدفع كريم نحو جذور الجميز:

"اطلع يا كريم! أنا قفلت زاوية الرؤية عليهم بالكتلة الحجرية دي. اطلع وإلا الخرسانة هتقفل البير من تحت!"

تعلّق كريم بالجذور، وبدأ يتسلق بذراع واحدة مصابة، يعاونه ألم حاد يغذي إصراره. كان عماد يمد يده من الأعلى، ممسكاً بملابس كريم ويجره بكل قوته. كانت سارة والأستاذ رفعت قد أصبحا فوق الأرض بالفعل، في فناء مهجور يقع خلف مسجد السيدة عائشة، وسط تلال من القمامة وأنقاض البيوت القديمة المهدمة.

كانت السماء فوقهم واسعة، مرصعة بالنجوم، لكن النجوم كانت تبدو بعيدة وباردة. استنشق رفعت الهواء النقي، وبدأ يسعل بعنف وهو يحتضن الحقيبة الجلدية. سارة كانت تلتفت يميناً ويساراً، عيناها تفتشان عن أي تهديد في الفناء المظلم.

وفجأة، ظهر كريم من فوهة البير، يليه عماد. كانا مغطيين بالتراب والدماء الشاحبة. التفت كريم مباشرة إلى الفوهة وصاح:

"سيادة المستشار! عاصم! اطلع بسرعة، يدي في يدك!"

لكن من عمق البير، جاء صوت المستشار عاصم هادئاً، مستقراً، وبعيداً بشكل مرعب:

> "يا كريم.. الخرسانة وصلت لرجلي.. والحديد صدى في جسمي من زمان. خد أبوك وسارة وامشوا. الورق معاكم.. الحقيقة معاكم. أنا حكمت في قضايا كتير في حياتي.. بس دي القضية الوحيدة اللي واثق من حكمها. ايروا.. ايروا ومتلتفتوش وراكم."

انقطع صوته، وتلا ذلك دوي انفجار مكتوم داخل البير؛ يبدو أن عاصم قد فجر قنبلة يدوية قديمة كانت بحوزته لتدمير سقف النفق السفلي بالكامل، ودفن الممر ورجال مراد وتحت ركام التاريخ.

انفجرت سارة بالبكاء، لكن عماد جذبها بعنف من يدها:

"مفيش وقت للعياط يا سارة! عاصم ضحى بنفسه عشان نعيش.. يلا!"

تحركت المجموعة الأربعة في الأزقة الضيقة والملتوية لمنطقة السيدة عائشة. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحاً، والأزقة شبه خالية إلا من بعض الكلاب الضالة وضجيج عربات النقل البعيدة على الطريق الدائري. كان الأستاذ رفعت يتحرك بصعوبة، يستند على كتف ابنه كريم الذي كان ينزف من ذراعه.

قال عماد وهو يقودهم عبر حارة ضيقة تنتهي بورشة رخام مغلقة:

"احنا مش هنقدر نروح شقتي ولا شقة سارة، ولا حتى مكتب المستشار عاصم. مراد مركب عيون في كل الحتت دي. لازم نستخبى في مكان مفيش مخلوق يتوقعه."

نظرت إليه سارة وهي تمسح دماء كفيها بملابسها:

"مكان زي إيه يا عماد؟ احنا ملناش حد في القاهرة بره الحارة دي."

ابتسم عماد ابتسامة تحمل كل مكر الكتاب وصناع الحيل:

"المقابر.. مدافن الإمام الشافعي. ترب جدي هناك، التربي راجل طيب وكان بيحب قراءاتي القديمة. هناك مفيش كاميرات مراقبة، ومفيش حد بيفتش ورا الأحياء وسط الأموات."

وصلوا إلى المدافن مع خيوط الفجر الأولى. كانت الشواهد الرخامية البيضاء والرمادية تظهر وسط ضباب الصباح الخفيف كأشباح صامتة. استقبلهم التربي القديم، "العم مصطفى"، بوجل ووجوم عندما رأى دمائهم وملابسهم الممزقة، لكنه عندما عرف عماد، فتح لهم باب حوش قديم مبني من الحجر الأصفر الفاطمي، يحتوي على غرفتين صغيرتين للزوار.

أقعد كريم والده على سرير خشبي قديم، وبدأ يحاول تضميد جرح ذراعه بقطعة قماش نظيفة قدمها له العم مصطفى. كانت سارة تجلس إلى جوار عماد في زاوية الغرفة. كانت الأجواء مشحونة برائحة الموت والتراب البارد، لكن المشاعر بينهما كانت تنبض بحياة عنيفة وجديدة.

أمسك عماد بيد سارة المدمومة. نظر إلى الجروح والخدوش التي تشوه بشرتها الرقيقة، وشعر بغصة في حلقه. همس لها:

"أنا آسف يا سارة.. أنا اللي جريتك للحكاية دي. كنت فاكر إنني بكتب رواية.. مكنتش أعرف إنني بكتب صك تدمير حياتك الهادية."

نظرت إليه سارة، وعيناها تشعان بعمق لم يره فيهما من قبل. وضعت يدها الأخرى فوق يده، وقالت بصوت دافئ وثابت:

> "متتأسفش يا عماد. حياتي قبل الليلة دي كانت هي الموت الحقيقي. كنت عايشة تحت رحمة الست نجوى، خايفة من بكرة، خايفة من الإيجار، خايفة من الضعف. الليلة دي.. أنا حسيت إن لي قيمة. حسيت إن جدران بيتي تستاهل الدم اللي سال ده. أنا بحبك يا عماد.. ومش ندمانة على أي لحظة."

انحنى عماد وقبل جبينها، في لحظة تلاحمت فيها الأرواح وسط المقابر، معلنة ولادة حب لم يصنعه المجاز، بل صنعته المعركة المشتركة من أجل الهوية والوجود.

على الطاولة الخشبية الصغيرة في وسط الغرفة، فتح الأستاذ رفعت الحقيبة الجلدية بحذر شديد، كأنما يفتح تابوتاً فرعونياً. كانت الأوراق صفراء، مهترئة الأطراف، تحمل أختاماً ملكية حمراء وتواقيع بخط الثلث العتيق.

اقترب كريم وعماد من الطاولة. أشار رفعت بإصبعه الارتعاشي إلى وثيقة معينة، مكتوبة بمداد أسود ثقيل:

> "شوفوا هنا.. ده 'وقف خديجي' يعود لسنة ١٩١٢. الوقف ده بيشمل كل الأراضي الممتدة من عين الصيرة لحد باب الوزير. الأرض دي كلها محبوسة للفقراء والمنفعة العامة الحقيقية.. مش منفعة الاستثمار العقاري المشبوه. الست نجوى وأبوها زوروا حجة بيع من الوقف ده في الخمسينات، والجنرال مراد بيستخدم التزوير ده عشان يهدم المنطقة كلها ويبني 'كومباوندات' وسلاسل فنادق."

قال كريم وهو يضغط على ذراعه المصابة:

"يعني معانا الدليل القاطع اللي يوديهم حبل المشنقة بتهمة التزوير والاستيلاء على أراضي الدولة والآثار؟"

هز رفعت رأسه بأسى:

"القانون ورق يا ابني.. بس القوة هي اللي بتحمي الورق ده. مراد معاه السلاح، السلطة، والإعلام. لو خرجنا بالورق ده للعلن بشكل غلط، هيتم اتهامنا بسرقة وثائق قومية وتخريب منشآت، والورق ده هيتعدم في مكاتبهم. لازم نلعب اللعبة بنفس ذكائهم.. بل وأذكى."

بينما كانوا يتبادلون الآراء، رن هاتف كريم المحمول. كان رقماً غير مسجل، وطويلاً بشكل غريب. نظر كريم إلى عماد بحذر، ثم فتح الخط ووضع الهاتف على مكبر الصوت.

جاء صوت نسائي، حاد، واثق، ويتحدث بنبرة إنجليزية تشوبها لكنة مصرية مميزة:

"كريم رفعت؟ أنا اسمي مريم عاصم.. أنا بنت المستشار عاصم، وبكلمكم من باريس."

تسمر الجميع في أماكنهم. ساد صمت رهيب لم يقطعه إلا حفيف أشجار المقابر في الخارج. قالت مريم بصوت حزين ولكن قوي:

> "أنا عرفت باللي حصل لوالدي.. هو كلمني قبل ما يدخل السرداب بساعتين، وقالي إن لو الخط انقطع، يبقى هو أدى واجبه. والدي مكنش شغال لوحده يا كريم. هو كان عضو في لجنة قضائية سرية تابعة لجهة سيادية بتجمع ملفات الفساد العقاري اللي بيمارسها الجنرال مراد وشبكته لحساب جهات أجنبية. أنا معايا الأكواد الرقمية اللي والدي سابها لي، والملفات اللي معاكم هي المفتاح الوحيد لفك شفرة الأكواد دي."

تنفس عماد بعمق وقال:

"يعني إحنا مش لوحدنا؟ فيه حد تاني في البلد دي عايز يحارب مراد؟"

ردت مريم:

"مراد مش دولة.. مراد ورم سرطاني جوه الدولة. والدي ضحى بنفسه عشان يكشف الورم ده. اسمعوني كويس.. رجال مراد بيفتشوا عنكم دلوقتي بطائرات بدون طيار (درونز) حرارية فوق منطقة الخليفة والسيدة. المدافن مش أمان بالكامل. لازم تتحركوا فوراً لمبنى القنصلية الفرنسية القديم في وسط البلد.. هناك مفيش حد يقدر يلمسكم، وأنا هكون هناك في انتظاركم بعد ١٢ ساعة."

انقطع الاتصال. نظر الجميع لبعضهم البعض؛ الخريطة اتسعت فجأة، والصراع الذي بدأ بخناقة على شقة إيجار قديم في عقار عتيق، تحول إلى معركة استخباراتية وقضائية تمس سيادة بلد وتاريخه ومستقبله.

في الخارج، بدأ صوت أذان الظهر يتردد في سماء القاهرة، ممتزجاً بصوت بعيد ومقلق.. صوت أجنحة طائرة بدون طيار تقترب من سماء المقابر، باحثة عن أجساد تنبض بالحرارة والحياة وسط الموت.

أغلق رفعت الحقيبة الجلدية، ووقف كريم مستنداً على عماد، بينما أمسكت سارة بالقضيب الحديدي مرة أخرى، وعيناها مثبتتان على بوابة الحوش المهجور. لم تكن هناك نهاية في الأفق، بل مسارات جديدة تتشابك، وأقلام تكتب بدم الصمود فصلاً تلو الآخر في كتاب القاهرة المفتوح على كل الاحتمالات.

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • اللقاء المجنون   الحادي والسبعون

    مع تحطم الباب الحديدي خلفهم، انطلق صدى المعادن المقذوفة في رطوبة السرداب كصاعقة أنذرت باقتراب النهاية أو بداية غرق جديد في باطن الأرض. لم يعد هناك مجال للتراجع؛ فالطريق إلى قصر العيني سُدّ تماماً برجال الدكتورة فريدة الأنصاري، والطريق إلى المدافن العتيقة فوق الأرض بات تحت رحمة طائرات مراد المعلقة كالأفاعي في سماء الفجر."امشوا ورايا ونزلوا رؤوسكم!" هتف أحمد عاصم وهو يرفع مصباحه الزيتي عالياً، ليوجه الضوء نحو فجوة ضيقة انشقت في الجدار الجانبي للممر الأوسط. كانت المياه الكبريتية التي تحدث عنها "العم مصطفى" قد بدأت تتسرب بالفعل، لتصنع بركاً طينية لزجة تعوق حركة الأقدام الراكضة.سحب عماد سارة التي كانت تعرج قليلًا جراء المجهود، بينما كان كريم يسند الأستاذ رفعت بكل ما تبقى في جسده من طاقة عنيدة. وسط الهرب، التفت عماد لأحمد عاصم وسأله وصوته يتردد بين الجدران الضيقة:"لو مريم محبوسة في باريس.. إيه اللي يخلي الشفرة تفتح الباب الرابع هنا في مصر؟!"رد أحمد دون أن يلتفت، وهو يدفع بكتفه باباً خشبياً قديماً كاد يتدلى من مفصلاته الصدئة:"لأن السيستم مربوط ببعضه يا عماد! مريم لما اخترقت السيرفرات هن

  • اللقاء المجنون   السبعون

    اندفع الثلاثة إلى البهو كمن يخرج من الحريق، ليتسمروا في أماكنهم عند عتبة باب الخشبي الضخم للقنصلية. لم تكن هناك قوات شرطة، ولا سيارات رباعية الدفع تابعة لمراد. أولا من ذلك، كانت ميامي سيارتان كاديلاك سوداوان بزجاج معتم العمال، وبجوار المحرك وقف ثلاثة رجال تكريما لسيدتي غريبة تحمل شارات فضية منقوشة عليها "هيئة الأوقاف المشتركة – حماية الأصول الدولية". كان الأستاذ الأسود يرفعت صراحةً على مقعد خشبي قديم في الزاوية، وبجواره امرأة في أواخر الأربعينيات، ترتدي نظارات طبية بإطار ذهبي صارم، وشعرها لطيف ودقيق وراءها. كانت متمسكة بملف جلدي الأحمر، وتنظر إلى رفعت بنظرة مستسلمة من أي تعاطف. "أنتوا لسة عايشين؟" قالت المرأة بنبرة صوت رخيمة ومستقرة، وهي تغلق الملف الجلدي بضربة واحدة أحدثت صدى في البهو. "أنا دكتورة 'فريدة من الأنصار'.. مفتش اللجنة العامة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار المتروك. اللواء مراد والست نجوى كانوا مجرد موظفين تنفيذيين عندنا لمقاومة منطقة أفريقيا، وتجاوزوا صلاحياتهم باللجوء للسلاح والبلطجة.. وعشان كده النظام استغنى عنهم." تقدم عماد خطوة بخطوة، وحقيبة وأوراق أصلية مشدودة في مت

  • اللقاء المجنون   التاسع والستون

    لم يخرج اللواء مراد والست نجوى مكلّمين بالكلابشات الحديدية من الأمام أسوار الفرنسية القديمة نهايةً للإعصار، بل كان مجرد هدوء مؤقت في مركز العاصفة التي بدأت خيوطها تنبثق من أزمنة بعيدة لم يكن عماد أو كريم يتوقعان أن يطرقها أبوابها. بينما كانت سيارات الشرطة الرسمية تبتعد بنجوى ومراد، دلف إلى حديقة الغواصة رجل لم تلحظه العيون وسط المعمعة. كان يجب أن يكون معطفاً موثوقاً لا يتناسب مع حرارة الجو، ويمسك في يده بركة من عظم الكهرمان، ملامحه هادئة فجأة يفرحة، وعيناه يتحمل نظرة صقر عجوز يعرف مخابئ الطّرائد كلها. وقف على قدمين من الأستاذ رفعت، الذي كان مستلقياً على العشب الجاف يحاول التقاط أنفاسه بمساعدة سارة وكريم. تطلع الرجل العجوز إلى رفعت، وحركه حبات سبحته علوم صوت شديد رتيب قاطع صخب المكان، ثم قال بنبرة أجشة: "لسة زي ما إنت يا رفعت..تفت بككر إنك لما راس محترف، البطن هتموت. مراد ونجوى مكنوش إلا مجرد 'قشرة'.. السراديب اللي إنتوا طلعتوا دي، لـ فيها خصوصية المكانين." انتفض الأستاذ رفعت رغم ألمه، واتسعت عيناه بنظرة رعب لم يظهرها حتى عندما أطلقت طبنجة مراد متشوقة إليها. همس بصوت يرتجف: "يوسف؟

  • اللقاء المجنون   الثامن والستون

    لم يكن رنين الهاتف الأرضي في عمق القنصلية الفرنسية المهجورة مجرد صوت؛ كان بمثابة نبض غريب انبعث في جسد ميت. أحدث الرنين صدىً تردد بين الجدران المغطاة بورق حائط مقشر يعود لسبعينيات القرن الماضي، وتسلل عبر النوافذ الزجاجية المتسخة ليتشابك مع أنفاس عماد وسارة والأستاذ رفعت المتلاحقة، وهم يقفون على أرض "دبلوماسية" لا تحميهم إلا بالاسم، بينما يفصلهم سور حديدي واحد عن جحيم مطبق.على الرصيف الخارجي، كان الزمان قد تجمد بالنسبة لكريم. كان ظهره مسنوداً إلى حديد السور، يده السليمة تضغط على جرح ذراعه النازف، وعيناه مثبتتان على فوهة طبنجة اللواء مراد التي لم تكن تهتز مليمترًا واحدًا.ابتسم مراد ابتسامة باردة، ولمحت عيناه الحبر الأزرق الذي ما زال يلطخ يده من أثر القلم المكسور في مكتبه، كأنه يرى في ذلك الحبر نبوءة بانتهاء الحقبة الحالمة التي يمثلها الأستاذ رفعت وكتبة الأوهام مثل عماد. قال مراد بصوت منخفض، كأنه يلقي حكماً تاريخياً:"أبوك عاش طول عمره يفتش في الدفاتر القديمة يا كريم، وفاكر إن العقود المحررة من مئات السنين تقدر توقف بلدوزر عايز يبني مستقبله. المستقبل ملوش قلب يا ابن رفعت.. المستقبل للي

  • اللقاء المجنون   السابع والستون

    كان صوت أجنحة بدون طيار (الدرون) وكفحيح أفعى معدنية معلقة في سماء الفجر الجديدة. في باطن حوش المقابر العتيق، فادنتاس الأنف؛ فالظل الذي بدأه هيكلها، يمر من فوق فتحات السقف، يمسح الشواهد الحجرية والممرات الترابية بضوء أحمر غير مرئي، متنقل عن دفء الأجساد في وسط الموتى. أطفأ كريم مصباح هاتف عماد بسرعة، ليعود المكان إلى ظلمة حالكة إلا من خيوط الستار الأولى التي بدأت ت بروتوكول عبر شقوق البابي المتهالك. همس كريم وهو يضغط على عدده النازفة البداية: > "الدرون دي مش بتاعة الشرطة.. دي درون تكتيكية، تبعًا لأنظمة الأمن الخاصة اللي بيديرها مراد. حيث تحددوا مكاننا بالبصمة الحرارية. لو فضلنا هنا أقل من دقيقة كمان، الكوماندز بتوعه هيكونوا محاصرين المدافن بالكامل." > استقام الأستاذ في جامعة ساوثرنه، وبدت عليه علامات مرهقة للغاية، لكن كانتا تشعان بذكاء حاد لم طفئه المرض. احتضنت كمية كبيرة وقال بصوت خفيض: "العم التربي يعرف سراديب المقابر دي زي كف إيده. المدافن دي مش مجرد أحواش بروتين، دي شبكة ممرات تحت الأرض أتبنت في العصر المملوكي لذلك مصطفى يريد بين مقابر الصالحين وبيوت المجاورين. مصطفى... إحنا م

  • اللقاء المجنون   السادس والستون

    دوى صوت الطلقة الأولى في جوف النفق، فلم يكن مجرد فرقعة معدنية، بل كان انفجاراً مكتوماً مزق الصمت المزمن للجدران الحجرية. ارتد الصدى عن الحجر الجيري العتيق، حاملاً معه رائحة البارود المحترق التي اختلطت برائحة العفن وطين القرون الماضية.تراجع المستشار عاصم خطوة إلى الخلف، يده التي تقبض على المسدس الأوتوماتيكي كانت ثابتة بثبات غريب، لكن عروق جبهته الناتئة كانت تنبض بعنف. نظر إلى كريم، ابنه الروحي ورفيق المعركة، وقال بنبرة انصهر فيها الخوف بالأمر الملتزم:> "كريم! مفيش وقت للمشاعر دلوقتي.. الطلقة دي كانت مجرد جس نبض، هما عرفوا إحنا فين بالظبط. اسحب سارة وأبوك واطلعوا لفوق، البير ده هو تذكرتكم الوحيدة للحياة!"> لكن كريم لم يتحرك. انخلع قلبه وهو يرى والده، الأستاذ رفعت، يستند بجسده الهزيل على الحائط الرطب، وصدره يعلو ويهبط في نوبة ربو حادة أثارتها رطوبة النفق وغبار الرصاص. انحنى كريم فوق والده، ممسكاً بكتفيه بوعي ممزق بين غريزة الابن وحتمية القائد:"مش هسيبك هنا يا فندم.. مش بعد كل السنين دي، مش بعد ما فهمت إنت كنت بتعمل إيه عشاننا. لو هنموت، يبقى وشنا ليهم، مش ضهرنا!"في تلك اللحظة، تجلت

  • اللقاء المجنون   الفصل الخامس

    [١٧/‏٥ ٧:٠٠ م] انجاز2: جيوفاني (بالمصري المكسر): "أنا دوقت حلويات بتاع أنتِ يا ليلى.. هذا طعام سحر! وأنا شوف إدارة وتنظيم بتاع آدم.. ده شغل محترفين... أنا عندي عرض ليكم.."العرض كان عبارة عن تمويل ضخم لافتتاح أكبر "أكاديمية ومطعم حلويات عالمي" في قلب شرم الشيخ، ويكونوا هما الشركاء بالإدارة والاسم،

  • اللقاء المجنون   الفصل الرابع

    المشروع كسر الدنيا، والفندق بدأ يرجع له الروح. وفي ليلة ساحرة، والنجوم مالية سما شرم الشيخ، كانت ليلى واقفة بتجهز طلبات لزبائن، وآدم واقف جنبها بيساعدها ويناولها الأطباق بانسجام تام وكأنهم بقوا "تيم" مستحيل يتفرق.آدم (بص لليلى بهدوء): "تعرفي يا ليلى.. الخسارة اللي خسرتها دي، طلعت أكبر مكسب في حيا

  • اللقاء المجنون   الفصل الثالث

    بالليل، دانا وعمر عملوا حفلة صغيرة على الشاطئ لليللى. وآدم كان واقفًا بعيدًا بي يبتسم وهو بيشرب العصير. شيري .. إحنا خلاص مفيش حاجة بيننا، ياريت يفهمي ده". وسابها ومشي في اتجاه ليلى. آدم وصل لليللي اللي كانت واقفة قدام البحر والهوا بيطير شعرها: آدم: "مبروك يا شيف.. طلعتي بتعرفي تتصرفي تحت ا

  • اللقاء المجنون   الفصل الثاني

    دانا وعمر.. فرقة الإنقاذ والمصايببره الثلاجة، الحفلة بدأت، ودانا وعمر بيدوروا على آدم وليلى في كل مكان.دانا: "يا عمر ليلى تليفونها مقفول، والتورتة مظهرتش.. البنت دي جرالها حاجة!"عمر (بيمزح): "تلاقيها هربت بالتورتة وأكلتها لوحدها.. أو تلاقي آدم طردها وخلص منها.لكن عمر لاحظ إن عربية المطبخ والعما

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status