Home / الرومانسية / اللقاء المجنون / الثامن والاربعون

Share

الثامن والاربعون

Author: Noona
last update publish date: 2026-06-20 03:12:57

انفتح الباب الحبري المعلق في الفراغ، ولم يكن خلفه نور أو ظلام، بل كان خلفه "اللاشيء"؛ مساحة بيضاء مرعبة خالية من الأسطر، تشبه صفحة بكر لم تلمسها ريشة كاتب بعد. اندفعت الدوامة السائلة من الحبر والرماد نحو ذلك الانفتاح، جارفةً معها جسدي مالك وعماد اللذين فقدا القدرة على المقاومة. في تلك اللحظة، لم يعد مالك يشعر بأطرافه كأجزاء بشرية؛ كان السلك الفضي قد تغلغل تماماً في جهازه العصبي، وبات يشعر بكل نبضة من نبضات الكتاب كأنها ضربة مطرقة داخل جمجمته.

تحول السقوط إلى حالة من الثبات المعلق. وجدا نفسيهما يطفوان في ذلك البياض المطلق، لكن الغرفة المتداعية لم تختفِ كلياً، بل تحولت إلى شظايا هندسية متناثرة حولهما: قطعة من المقعد الخشبي، إطار نافذة مكسور، وبقايا الخارطة المحترقة التي تحولت إلى سحابة من الجزيئات الرمادية الرمزية تحوم حول مالك كدرع واقٍ.

نظر مالك إلى عماد. كان المشهد فاجعاً؛ لقد فقد عماد ملامحه الآدمية بالكامل، وتحول إلى كيان أسطواني من الورق المضغوط تتسرب من مسامه خطوط كوفية قديمة بلون أسود قاتم. ومع ذلك، كان الصوت البشري لا يزال ينبعث من داخله، ليس عبر الهواء الذي لم يعد موجوداً، بل عبر السلك الفضي المشترك بينهما:

> "نحن في الهامش الآن يا مالك... في الفراغ الذي يفصل بين فكرة الكاتب والسطر التالي. هنا، إذا توقفتَ عن التفكير في هويتك، سيمحوك البياض وتحل محلك قصة أخرى."

أدرك مالك أن النجاة في هذا المكان لا تعتمد على القوة البدنية، بل على قوة السرد. الكتاب لم يكن مجرد جماد، بل كان كياناً واعياً يتغذى على الحكايات، وحرق الخارطة أجبره على ابتلاع شخوصه ليحافظ على بقائه. تماسك مالك، وحاول استدعاء صورته في مرآة منزله، اسمه الكامل، وتفاصيل غرفته القديمة. ومع كل فكرة واضحة يستحضرها، كانت هالة الرماد الفضي حوله تشتد بريقاً، لتدفع حبر الكشكول إلى الوراء.

لكن الكشكول المفتوح، والذي كان يطفو على بُعد أمتار قليلة، بدأ يقلب صفحاته بسرعة جنونية أصدرت صوتاً يشبه هبوب عاصفة رعدية في وادٍ سحيق. ومع كل صفحة تنطوي، كانت تخرج من الورق أشكال هلامية سوداء، تجسيدات لضحايا سابقين؛ رجال بملابس من عصور غابرة، ونساء بوجوه مطموسة، كلهم يمدون أيديهم الحبرية نحو مالك، يطالبونه بإفلات السلك الفضي ليرتاحوا من قيد الخلود المكتوب.

صرخ مالك، وانبعثت من حنجرته كلمات تجسدت فوراً كأحرف مضيئة باللون الرمادي في الفراغ البنيوي:

"لن أكون الحبر الجديد! إذا كان هذا الكتاب يحتاج إلى غلاف بشري ليعبر عن قوته، فإني أعلن نفسي غلافاً متمشياً مع الرماد، لا مع السطور!"

في تلك اللحظة، استجاب القلم المعلق في الفراغ لحركة وعي مالك. بدأ القلم يكتب بسرعة موازية لسرعة الكشكول، لكنه لم يكن يكتب كلمات؛ كان يرسم إحداثيات جغرافية معقدة، خطوط طول وعرض تتشابك فوق المساحة البيضاء، محاولاً إعادة بناء الخارطة المحترقة من ذاكرة مالك. كانت تلك محاولة انتحارية لإعادة فرض "قانون الزمن" على الكيان الذي يحاول الانفلات من القيود.

بدأ البياض المحيط بهما يتشقق. الرموز الهندسية التي رسمها القلم بدأت تحفر مجاري عميقة في الفراغ، وتدفق فيها الحبر الأسود المنبعث من عماد ليتحول إلى أنهار داكنة تفصل بين جزر من الورق الأبيض. تحول المشهد إلى ما يشبه لوحة جغرافية حية ثلاثية الأبعاد، حيث يمثل كل نهر حكاية، وكل جزيرة ورقية فصلاً لم يكتمل.

تحرك عماد —أو الكيان الورقي الذي كانه— نحو مالك ببطء، وكانت الخطوط السوداء على جسده تهتز بعنف كأوتار ممزقة. قال بصوت مزدوج يجمع بين وهن صديقه وجبروت الكيان:

"أنت تعيد بناء السجن يا مالك... لكنك تجعل نفسك السجّان والسجين معاً. انظر إلى يدك!"

نظر مالك إلى يده اليمنى التي تقبض على السلك الفضي، فتملكه الرعب. لم يعد الحبر هو ما يتسرب إليها، بل إن جلده نفسه بدأ يتحول إلى مادة شبيهة بالجلد الذي تُجلّد به الكتب القديمة؛ مادة سميكة، داكنة، منقوشة بزخارف ذهبية باهتة. السلك الفضي كان يغوص عميقاً تحت عظام معصمه، ليصبح جزءاً من تركيبه البيولوجي. لقد نجح في مقاومة المحو، لكن الثمن كان ذوبانه التدريجي في بنية الكتاب نفسه.

في المقابل، بدأ النصف البشري لعماد يظهر مجدداً، وكأن تحول مالك إلى غلاف للكتاب قد خفف العبء عن كاهل صديقه. بدأت ملامح عماد الحقيقية تعود ببطء، وعيناه الدامعتان نظرتا إلى مالك بذهول وحزن:

"مالك... ماذا فعلت؟ لقد نقلت اللعنة إليك... الكتاب يغير جلده الآن، وأنت هو الغلاف الجديد..."

لم يلتفت مالك لكلمات عماد؛ فالوعي التحليلي لديه كان قد اندمج مع الوعي الميتافيزيقي للكتاب. أصبح يرى الماضي والحاضر والمستقبل كخطوط متوازية على صفحة واحدة. رأى نفسه وهو يدخل الغرفة أول مرة، ورأى شخصاً آخر في مكان وزمان مختلفين يمسك بكشكول مشابه ويبدأ في القراءة. أدرك أن حلقة الحبر لا بداية لها ولا نهاية، وأن ما يفعله الآن ليس إلا فصلاً مطولاً في مخطوطة أزلية.

ارتفعت حدة الجلبة في الفراغ. الأنهار الحبرية بدأت تفيض، والجزر الورقية تلاطمت كأمواج بحر هائج. القلم المعلق انكسر فجأة إلى نصفين، لكن النصفين استمرا في الكتابة بشكل مستقل، مما خلق مسارين زمنيين متوازيين ومتناقضين في نفس اللحظة:

 * **المسار الأول:** يظهر فيه مالك وهو يجلس وحيداً في الغرفة الشاحبة، يكتب بهدوء في كشكول أسود، وعيناه خاويتان من الحياة، بينما جسد عماد ليس سوى رماد متناثر على الأرض.

 * **المسار الثاني:** يظهر فيه عماد وهو يركض في ممر مستشفى مظلم، حاملاً بين يديه كشكولاً يشع بنور فضي، بينما يتردد صدى صوت مالك من صفحاته مستغيثاً.

تداخلت الرؤيتان في عقل مالك حتى لم يعد يعرف أيُّهما الواقع وأيُّهما المكتوب. امتدت الخيوط الفضية والسوداء لتنسج شبكة ضخمة معلقة في الفراغ، تربط بين شظايا الغرفة، وجسد عماد العائد للحياة، وجسد مالك الذي أضحى نصفه غلافاً كتابياً ونصفه الآخر من الرماد.

ومع تلاطم الأمواج الحبرية واشتداد العاصفة الورقية، انفتح شق ثالث في قاع الفراغ الأبيض، شق ينبعث منه صوت تقليب صفحات جديدة تماماً، صفحات لم تُصنع من ورق الكشكول، بل من نسيج مختلف تماماً، وكأن كياناً آخر، أكثر ضخامة ورعباً، قد استيقظ على صدى المعركة الممزقة بين الحبر والرماد، وبدأ يمد ظلاله الطويلة نحو ساحة الصراع المعلقة...

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • اللقاء المجنون   الحادي والسبعون

    مع تحطم الباب الحديدي خلفهم، انطلق صدى المعادن المقذوفة في رطوبة السرداب كصاعقة أنذرت باقتراب النهاية أو بداية غرق جديد في باطن الأرض. لم يعد هناك مجال للتراجع؛ فالطريق إلى قصر العيني سُدّ تماماً برجال الدكتورة فريدة الأنصاري، والطريق إلى المدافن العتيقة فوق الأرض بات تحت رحمة طائرات مراد المعلقة كالأفاعي في سماء الفجر."امشوا ورايا ونزلوا رؤوسكم!" هتف أحمد عاصم وهو يرفع مصباحه الزيتي عالياً، ليوجه الضوء نحو فجوة ضيقة انشقت في الجدار الجانبي للممر الأوسط. كانت المياه الكبريتية التي تحدث عنها "العم مصطفى" قد بدأت تتسرب بالفعل، لتصنع بركاً طينية لزجة تعوق حركة الأقدام الراكضة.سحب عماد سارة التي كانت تعرج قليلًا جراء المجهود، بينما كان كريم يسند الأستاذ رفعت بكل ما تبقى في جسده من طاقة عنيدة. وسط الهرب، التفت عماد لأحمد عاصم وسأله وصوته يتردد بين الجدران الضيقة:"لو مريم محبوسة في باريس.. إيه اللي يخلي الشفرة تفتح الباب الرابع هنا في مصر؟!"رد أحمد دون أن يلتفت، وهو يدفع بكتفه باباً خشبياً قديماً كاد يتدلى من مفصلاته الصدئة:"لأن السيستم مربوط ببعضه يا عماد! مريم لما اخترقت السيرفرات هن

  • اللقاء المجنون   السبعون

    اندفع الثلاثة إلى البهو كمن يخرج من الحريق، ليتسمروا في أماكنهم عند عتبة باب الخشبي الضخم للقنصلية. لم تكن هناك قوات شرطة، ولا سيارات رباعية الدفع تابعة لمراد. أولا من ذلك، كانت ميامي سيارتان كاديلاك سوداوان بزجاج معتم العمال، وبجوار المحرك وقف ثلاثة رجال تكريما لسيدتي غريبة تحمل شارات فضية منقوشة عليها "هيئة الأوقاف المشتركة – حماية الأصول الدولية". كان الأستاذ الأسود يرفعت صراحةً على مقعد خشبي قديم في الزاوية، وبجواره امرأة في أواخر الأربعينيات، ترتدي نظارات طبية بإطار ذهبي صارم، وشعرها لطيف ودقيق وراءها. كانت متمسكة بملف جلدي الأحمر، وتنظر إلى رفعت بنظرة مستسلمة من أي تعاطف. "أنتوا لسة عايشين؟" قالت المرأة بنبرة صوت رخيمة ومستقرة، وهي تغلق الملف الجلدي بضربة واحدة أحدثت صدى في البهو. "أنا دكتورة 'فريدة من الأنصار'.. مفتش اللجنة العامة للعلوم والتكنولوجيا والابتكار المتروك. اللواء مراد والست نجوى كانوا مجرد موظفين تنفيذيين عندنا لمقاومة منطقة أفريقيا، وتجاوزوا صلاحياتهم باللجوء للسلاح والبلطجة.. وعشان كده النظام استغنى عنهم." تقدم عماد خطوة بخطوة، وحقيبة وأوراق أصلية مشدودة في مت

  • اللقاء المجنون   التاسع والستون

    لم يخرج اللواء مراد والست نجوى مكلّمين بالكلابشات الحديدية من الأمام أسوار الفرنسية القديمة نهايةً للإعصار، بل كان مجرد هدوء مؤقت في مركز العاصفة التي بدأت خيوطها تنبثق من أزمنة بعيدة لم يكن عماد أو كريم يتوقعان أن يطرقها أبوابها. بينما كانت سيارات الشرطة الرسمية تبتعد بنجوى ومراد، دلف إلى حديقة الغواصة رجل لم تلحظه العيون وسط المعمعة. كان يجب أن يكون معطفاً موثوقاً لا يتناسب مع حرارة الجو، ويمسك في يده بركة من عظم الكهرمان، ملامحه هادئة فجأة يفرحة، وعيناه يتحمل نظرة صقر عجوز يعرف مخابئ الطّرائد كلها. وقف على قدمين من الأستاذ رفعت، الذي كان مستلقياً على العشب الجاف يحاول التقاط أنفاسه بمساعدة سارة وكريم. تطلع الرجل العجوز إلى رفعت، وحركه حبات سبحته علوم صوت شديد رتيب قاطع صخب المكان، ثم قال بنبرة أجشة: "لسة زي ما إنت يا رفعت..تفت بككر إنك لما راس محترف، البطن هتموت. مراد ونجوى مكنوش إلا مجرد 'قشرة'.. السراديب اللي إنتوا طلعتوا دي، لـ فيها خصوصية المكانين." انتفض الأستاذ رفعت رغم ألمه، واتسعت عيناه بنظرة رعب لم يظهرها حتى عندما أطلقت طبنجة مراد متشوقة إليها. همس بصوت يرتجف: "يوسف؟

  • اللقاء المجنون   الثامن والستون

    لم يكن رنين الهاتف الأرضي في عمق القنصلية الفرنسية المهجورة مجرد صوت؛ كان بمثابة نبض غريب انبعث في جسد ميت. أحدث الرنين صدىً تردد بين الجدران المغطاة بورق حائط مقشر يعود لسبعينيات القرن الماضي، وتسلل عبر النوافذ الزجاجية المتسخة ليتشابك مع أنفاس عماد وسارة والأستاذ رفعت المتلاحقة، وهم يقفون على أرض "دبلوماسية" لا تحميهم إلا بالاسم، بينما يفصلهم سور حديدي واحد عن جحيم مطبق.على الرصيف الخارجي، كان الزمان قد تجمد بالنسبة لكريم. كان ظهره مسنوداً إلى حديد السور، يده السليمة تضغط على جرح ذراعه النازف، وعيناه مثبتتان على فوهة طبنجة اللواء مراد التي لم تكن تهتز مليمترًا واحدًا.ابتسم مراد ابتسامة باردة، ولمحت عيناه الحبر الأزرق الذي ما زال يلطخ يده من أثر القلم المكسور في مكتبه، كأنه يرى في ذلك الحبر نبوءة بانتهاء الحقبة الحالمة التي يمثلها الأستاذ رفعت وكتبة الأوهام مثل عماد. قال مراد بصوت منخفض، كأنه يلقي حكماً تاريخياً:"أبوك عاش طول عمره يفتش في الدفاتر القديمة يا كريم، وفاكر إن العقود المحررة من مئات السنين تقدر توقف بلدوزر عايز يبني مستقبله. المستقبل ملوش قلب يا ابن رفعت.. المستقبل للي

  • اللقاء المجنون   السابع والستون

    كان صوت أجنحة بدون طيار (الدرون) وكفحيح أفعى معدنية معلقة في سماء الفجر الجديدة. في باطن حوش المقابر العتيق، فادنتاس الأنف؛ فالظل الذي بدأه هيكلها، يمر من فوق فتحات السقف، يمسح الشواهد الحجرية والممرات الترابية بضوء أحمر غير مرئي، متنقل عن دفء الأجساد في وسط الموتى. أطفأ كريم مصباح هاتف عماد بسرعة، ليعود المكان إلى ظلمة حالكة إلا من خيوط الستار الأولى التي بدأت ت بروتوكول عبر شقوق البابي المتهالك. همس كريم وهو يضغط على عدده النازفة البداية: > "الدرون دي مش بتاعة الشرطة.. دي درون تكتيكية، تبعًا لأنظمة الأمن الخاصة اللي بيديرها مراد. حيث تحددوا مكاننا بالبصمة الحرارية. لو فضلنا هنا أقل من دقيقة كمان، الكوماندز بتوعه هيكونوا محاصرين المدافن بالكامل." > استقام الأستاذ في جامعة ساوثرنه، وبدت عليه علامات مرهقة للغاية، لكن كانتا تشعان بذكاء حاد لم طفئه المرض. احتضنت كمية كبيرة وقال بصوت خفيض: "العم التربي يعرف سراديب المقابر دي زي كف إيده. المدافن دي مش مجرد أحواش بروتين، دي شبكة ممرات تحت الأرض أتبنت في العصر المملوكي لذلك مصطفى يريد بين مقابر الصالحين وبيوت المجاورين. مصطفى... إحنا م

  • اللقاء المجنون   السادس والستون

    دوى صوت الطلقة الأولى في جوف النفق، فلم يكن مجرد فرقعة معدنية، بل كان انفجاراً مكتوماً مزق الصمت المزمن للجدران الحجرية. ارتد الصدى عن الحجر الجيري العتيق، حاملاً معه رائحة البارود المحترق التي اختلطت برائحة العفن وطين القرون الماضية.تراجع المستشار عاصم خطوة إلى الخلف، يده التي تقبض على المسدس الأوتوماتيكي كانت ثابتة بثبات غريب، لكن عروق جبهته الناتئة كانت تنبض بعنف. نظر إلى كريم، ابنه الروحي ورفيق المعركة، وقال بنبرة انصهر فيها الخوف بالأمر الملتزم:> "كريم! مفيش وقت للمشاعر دلوقتي.. الطلقة دي كانت مجرد جس نبض، هما عرفوا إحنا فين بالظبط. اسحب سارة وأبوك واطلعوا لفوق، البير ده هو تذكرتكم الوحيدة للحياة!"> لكن كريم لم يتحرك. انخلع قلبه وهو يرى والده، الأستاذ رفعت، يستند بجسده الهزيل على الحائط الرطب، وصدره يعلو ويهبط في نوبة ربو حادة أثارتها رطوبة النفق وغبار الرصاص. انحنى كريم فوق والده، ممسكاً بكتفيه بوعي ممزق بين غريزة الابن وحتمية القائد:"مش هسيبك هنا يا فندم.. مش بعد كل السنين دي، مش بعد ما فهمت إنت كنت بتعمل إيه عشاننا. لو هنموت، يبقى وشنا ليهم، مش ضهرنا!"في تلك اللحظة، تجلت

  • اللقاء المجنون   الثالث والثلاثون

    الظلام في الممر لم يكن مجرد غياب للضوء، بل كان كثيفًا، لزجًا، كأنه يملك أصابع تحاول التشبث بأقدامهما لتبطئ من تلك السرعة الجنونية. أنفاس يوسف كانت تخرج متقطعة، حارقة، بينما صوت ارتطام الحقيبة بظهره يدق بانتظام مرعب، مثل بندول ساعة يعلن اقتراب النهاية. خلفهما، لم يكن الصوت مجرد وقع أقدام؛ كان صدى لش

  • اللقاء المجنون   الثاني والثلاثون

    انتهى يوسف من العبوة الرابعة. مسح جبينه بظاهر يده الملوثة بمسحوق رمادي جاف، تاركاً خطاً داكناً عبر جبهته. لم ينظر إلى آدم، بل أشار بسبّابته نحو حقيبة الظهر القماشية المهترئة القابعة عند زاوية الطاولة. فهم آدم الإشارة فوراً؛ تقدم بخطوات حذرة، تكاد لا تلامس الأرضية الخشبية التي تئن تحت أي ثقل، وبدأ ف

  • اللقاء المجنون   الحادي والثلاثون

    ​لم تكن شمس ذلك الصباح تشبه أي شمس عرفوها من قبل. كانت تنسل من بين شقوق السحب الرمادية المحملة بغبار المعارك، لتلقي بنورها الباهت على حطام المدينة التي طالما ظنوا أنها ستكون مقبرتهم الجماعية.​أفلت آدم يد سارة ببطء، لكن نظراته ظلت معلقة بوجهها الذي غطته آثار السخام والتعب. تراجع خطوة إلى الوراء، مل

  • اللقاء المجنون   الثلاثون

    اخترق الأزيز الحاد صمت الغرفة الخانق، وتصاعدت وتيرته كأنه صرخة بعث ميكانيكية في وسط الموت المحتوم. تجمدت أصابع سارة فوق لوحة التحكم التي كانت لا تزال دافئة من أثر إرسال الشفرة الأخيرة. بين ركام الأجهزة المتفحمة والغبار المتصاعد، كان صوت اللاسلكي يبدو غير حقيقي، قادمًا من عالم آخر لم يطأه الخراب بعد

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status