INICIAR SESIÓN
رن المنبه أكثر من مرة عند الساعة السابعة صباحاً، لينتزع "سارة" من
حلمٍ وردي كانت فيه ترتدي سماعة الطبيب وتفتتح مشفاها الخاص! أزاحت الغطاء بسرعة، واستقامت جلستها على السرير. ألقت نظرة سريعة على المرآة المكسورة في زاوية الغرفة، لتتراجع خطوة للوراء بدهشة مصطنعة: — "يا إلهي.. هل هذا شعر بشر أم عش عصفور اصابته صاعقة رعدية؟!" كانت تشبه المجاذيب بكل ما للكلمة من معنى؛ بجامة سوداء فضفاضة، وتيشيرت أحمر بائس، وشعر منكوش يطير في كل الاتجاهات بعد ليلة طاحنة من الدراسة والتحضير للامتحان. سحبت ربطة شعر سوداء على عجل وقيدت بها تلك الفوضى، فاليوم ليس كأي يوم؛ إنه يوم الامتحان الذي اعتادت أن تحصد فيه الدرجات الكامله، أو ما يقاربها على الأقل. هرولت إلى المطبخ الصغير، وبدأت تحضير وجبتها المفضلّة التي تراها أنخب من وجبات الملوك: بيض بالطماطم! كانت قلاية الصاج المكسورة اليد تئزّ على النار، بينما سارة تقلب البيض بحركات استعراضية وهي تثرثر لنفسها: — "نحتاج بعض الملح.. وقليلاً من الصبر، ورشة توابل تعوضنا عن شقاء الليالي!" غسلت وجهها، وأدت صلاتها بشرود خفيف يدعو بالنجاح، ثم ارتدت صدريتها السوداء، وقميصها الأبيض الذي أعلن الاستسلام وأصبح يميل للصفرة لكثرة الغسل والغليان في مسحوق الغسيل الرخيص. توجهت نحو غرفة والدتها "عبير" لتوقظها، وبابتسامة عريضة تتحدى التعب همست: — "صباح الخير يا أمي العزيزة! إفطاركِ المفضل ينتظركِ، وأنا في طريقي إلى المدرسة.. لا تنسيني من صالح دعواتكِ اليوم!" ابتسمت الأم بحنان وقبلت جبهتها: "الله يوفقكِ يا بنيتي ويفتحها بوجهكِ." وفجأة، انطلقت في الشارع صفارة الحافلة القاسية، تصرخ كأنها إنذار بوقوع كارثة: طووووط! — "وصل الباص! سأذهب الآن!".. ارتدت حذائها العتيق وخرجت تركض كمن يفرّ من حبل المشنقة. الزي والمدرسات المترفات خرجت سارة وهي تلملم شالها وتحاول تخبئة وجهها بين كتفيها. لم تكن تملك صديقة واحدة؛ كانت شبه منبوذة، تلاحقها نظرات زميلاتها اللاتي يحضرن يومياً بأزياء الماركات، وتصفيفات الشعر العصرية، والعطور التي تفوح في أرجاء الممر. كانت تعلم أن اندماجها مع هذا الوسط المترف مستحيل.. فهي ابنة العوز والفقر. كلما اقتربت من حلقة دراسية لتشارك في حديثهن، ساد صمت مفاجئ، أو تعمدت إحداهن تغيير الموضوع مع نظرات تهكم سريعة وتبادل للغمزات، ليأخذن بذبجها واغتيال معنوياتها فور ابتعدها. لم يكن أمامها بد سوى أن تتخذ من الكتب مؤنساً، ومن الدراسة صدِيقاً وفياً لا يخون. قطعت على نفسها عهداً أبدياً: "سأصبح طبيبة.. سأداوي أرواح الناس قبل أجسادهم!" عجيب كيف تحول هذا العالم إلى غابة بلا رحمة! يعاملون الثياب والمظهر وكأنهما بطاقة الهوية الوحيدة للإنسان. همست لنفسها بألم وهي تصعد حافلة المدرسة: "أعلم أن المظهر مهم.. ولكن هل نملك المال ولم نصلح به حالنا؟! ألم يخطر ببالهن أننا لا نملك الخيار؟! بدل أن يمدوا يد العون، جعلوا من فقرنا مادة للسخرية!" تذكرت قبل أيام كيف تقربت منها إحدى الشاطرات قائلة بخبث: "سارة، سنصبح صديقتين! كلما مشيتُ ستمشين معي.. أتعلمين لماذا؟ لأنكِ قبيحة وثيابكِ رثة، وبجواركِ سأبدو كالملكات!" رغم قسوة الكلمات، قبلت سارة برفقتها حينها فقط لتهرب من جحيم الوحده.. لكنها عندما سمعتها تتباهى بتلك الجملة أمام الفتيات، انسحبت بصمت وكرامة. سدرية من البالة! عادت سارة إلى البيت في الظهيرة وهي تخنق عبرتها، لا تطيق الحياة ولا ثقل روحها، لكنها وهي تضع يدها على باب المنزل، قامت بضغط حواف شفاهها للأعلى بقوة، وصنعت ابتسامة مزيفة كي لا تشعر أمها بشيء، فأمها ترى فيها بطلتها وسعادتها الوحيدة. فتحت الباب لتفاجأ بأمها تستقبلها بوجنتين محمرتين من الفرح: — "أهلاً سارة! عدتِ؟ انظري ماذا جلبتُ لكِ اليوم من السوق!" رفعت الأم قطعت ثماش رائعة.. سدرية جديدة! ذات قماش ناعم وتفصيل أنيق. شهقت سارة بفرح حقيقي هذه المرة: "أمي! إنها رائعة جداً! لونا وتنسيقاً.. لا أستطيع الانتظار لأرتديها غداً أمام صديقاتي!" كانت تصر على تدليعهن بـ "صديقاتي" علّ الأيام تلطف قلوبهن تجاهها. تابعت الأم وهي تمسح عرق جبينها بابتسامة رضا: — "لقد استلم أباكِ عملاً جديداً في البناء اليوم، وأعطوه مقدمة مالية. ذهبتُ للسوق كالمجنونة! اشتريتُ لكِ هذه السدرية، وأدوات للمطبخ، والأهم.. اشتريتُ لأبيكِ قميصاً بيجياً مطعماً بالأسود وبنطالاً أسود جديداً من شركة (مواما)، ليترك بنطاله المهترئ القديم! ولم يتبقَّ معي مال لأشتري حزاماً، لكنني وجدت هذه السدرية بسعر ممتاز جداً.. الشكر لله يا ابنتي، غداً أفضل!" ابتسمت سارة وقبلت يد أمها: "الله استجاب دعاءكِ يا أمي! أستاذة المادة لم تحضر اليوم وتأجل الامتحان لغد.. وأنا أوعدكِ، عندما أصبح دكتورة، سأشتري لنا أكبر تلفاز بالمنطقة، وسآخذ أبي لأفضل مستشفى في العالم!" طَرقات مرعبة على الباب.. وخبران كالصاعقة! وفجأة.. طُرق الباب بقوة جنونية هزت جدران البيت! طاخ! طاخ! طاخ! فزعت سارة وركضت نحو الباب بقلق: "من يطرق بهذا الشكل المفزع؟!" فتحت الأم الباب لتجد جارتهن "ليلى" واقفة، تتنفس بصعوبة ووجهها محتقن: — "يا عبير! أين أنتِ؟! جئتكِ بأخبار عاجلة وسريعة تهز المنطقة!" دخلت ليلى وجلست وهي تلتقط أنفاسها: — "هناك خبران اليوم.. واحد سيئ، والآخر جيد! السيئ أن هناك سرقة كبيرة حدثت في منزل المقاول بالمنطقة.. سرقوا منه مبلغ 100 دولار!" نزل الخبر كالصاعقة على قلب الأم! 100 دولار؟! إنه نفس المبلغ بالضبط الذي عاد به زوجها يوم أمس كـ "مقدمة عمل"! اصفرّ وجه الأم، وتصبب العرق من جبينها، وأمسكت طرف ردائها بقوة وهي تصارع شكاً مرعباً كاد يقتلها! تابعت الجارة ليلى غير أبهة بذهول الأم: — "أما الخبر الجيد.. فهناك عائلة غنية جداً من البلدة، يبحثون عن عروس لابنهم الشاب.. ولكنه مسكين، يعاني من إعاقة ولا يستطيع المشي! ولأنكم عائلة فقيرة وحالكم مستور، أرسلوني لآخذ رأيكم بطلب يد سارة!" انتفضت الأم عبير وفي سرها تغلي كالبركان: "لولا كابوس السرقة هذا وشكي القاتل بزوجي، لطردتكِ من بيتي الآن يا ليلى!" قدمت سارة كوباً من الشاي البارد المتبقي للجارة بوفار خجل، حتى غادرت. مشى الأُم بخطوات ثقيلة ومترددة نحو غرفة ابنتها، تجر أذيال الخيبة والحيرة بين سعادة ابنتها ومستقبلها، وبين فقرهم المذل والحاجة التي تنهكهم. وجدت سارة مفترشة كتبها على الأرض، تغوص بين الأوراق. — "كيف حالكِ يا حبيبتي؟" رفعت سارة رأسها بابتسامة متعبة: "لستُ بخير يا أمي.. أشعر بحماس ممزوج برعب قاتل للامتحان غداً!" ابتسمت الأم بصمت ولم تخبرها بشيء.. كتمت الخبر في صدرها. وفي الليل، خيّم الصمت على البيت.. الأب كان سعيداً وموافقاً على عرض الزواج ويرى فيه الخلاص من الفقر، بينما الأم تبكي في سرها وقالت لزوجها بجفاء: "لو كان لديّ عشر بنات لاعطيتُ واحدة منهن لهذا الشاب المعاق من باب الرحمة.. ولكنني لا أملك سوى سارة! أريد لها الأفضل!" البالة.. وقاعة الامتحان! جاء الصباح كشبح يركض.. ارتدت سارة سدريتها الجديدة، وخرجت باتجاه المدرسة بكامل حيوستها ونشاطها، ودعوات أمها ترن في أذنها. لكن تلك النضارة لم تدم طويلاً.. فور دخولها باحة المدرسة، حاصرتها مجموعة من الفتيات يتقدمهن "سيفدا"، الفتاة الأكثر تعجرفاً وثراءً! طوّقن سارة بنظرات فاحصة ساخرة، وقالت سيفدا بصوت عالٍ وضحكة مستفزة أعدمت سكون المكان: — "أوه! انظروا إلى سارة! سدرية جديدة؟ هههه.. ولكنها ليست بجودة أزيائنا بالطبع!" ثم اقتربت سيفدا وشذّت عينها نحو خياطة السدرية وقالت بشماتة: — "أوه تذكرت! لقد رأيت هذه السدرية بالذات يوم أمس ملقاة على طاولة سوق البالة (الملابس المستعملة)! يبدو أنكِ اشتريتها بضع دراهم يا سارة!" تعالت ضحكات الفتيات كأعيرة نارية تصيب قلب سارة! شغلت حرارة الاحراج وجهها، واشتعل الغضب في أعماقها كالجمر.. لكنها رفعت رأسها، واختطفت ابتسامة مصطنعة شديدة الصمود، وتجاهلتهن ببرود قاتل، بينما كان قلبها يتطلع ويتلهف للدخول إلى قاعة الامتحان ليثبت من هي سارة الحقيقية! خطت أولى خطواتها إلى الداخل... وراء الباب المغلقكانت أنفاس "سارة" تتصاعد ببطء وهي تتأمل أباها الجالس في زاوية صالة البيت، يرتشف الشاي الدافيء برفقة أمها. لم يكن خروج أبيها من المستشفى بعد تلك الأزمة الصحية العابرة مجرد خبرٍ سار، بل كان بالنسبة لها ميلاداً جديداً وردّاً لروحها؛ فهذان الأبوان هما كل ما تملك في هذه الدنيا، سندها الذي تخشى عليه حتى من نسمة الهواء. وبينما كانت تتأمل ابتسامتهما الباهتة التي تتلمس التعافي، امتدت يد "سرمد" لتضع كوباً من القهوة على الطاولة القريبة منها. همس بنبرته الرخيمة الجادة التي تحمل في طياتها حناناً يخصها هي فقط: مابك ياسارة ،لاباس فأباك بخير انت متوترة كثيرا "الآن حان دوركِ لتتنفسي .... استعدي، سنخرج اليوم لنستعيد أنفاسنا بعيداً عن أروقة المشافي وجدران القلق. لم تكتم سارة فرحتها؛ فقد كانت بحاجة ماسة لهذه الاستراحة. ارتديت فستاناً بسيطاً وأنيقاً باللون الأسود المائل للسطوع، خياطته ناعمة تعكس ملامحها الرقيقة، ونسقت معه شالاً بلون العاج أضفى عليها هالة من الوقار والجمال العفوي. أما سرمد، فقد أطلّ بأناقته المعهودة؛ قميص كحلي داكن مع سترة خفيفة سوداء أبرزت عرض كتفيه وجديته، وتزين بساعته
الهروب نحو الواجبلم تكن سارة من النساء اللواتي يستسلمن للدموع أو يقفن مكتوفي الأيدي عندما يتعلق الأمر بحياة والدها. وما إن خرجت من غرفة المكتب وتركت سرمد وراءها تائهًا في صمته، حتى توجهت بخطوات حاسمة نحو خاﻧتها الخاصة. فتحتها وسحبت كل ما تملكه من مصاغ ذهبي — هدايا زواجها وذكرياتها الثمينة — ووضعتها في حقيبتها الصغيرة دون أن ترف لها عين."الذهب يَعوض، أما الأب فلا يعوض!"هكذا همست لنفسها بصوت يقطر عزيمة وقوة. ارتدت عباءتها بسرعة، ولم تلتفت للوراء، متجاهلة نداءات سرمد المكتومة التي حاول بها استوقافها وهما على عتبة الباب. خرجت من البيت منتفضة الكرامة، وألغت كل مسافات الخوف، مستقلة سيارة أجرة نقلتها مباشرة إلى المستشفى الخاص حيث يرقد والدها. مفاجأة الطوارئوصلت سارة إلى ردهة الطوارئ بالمستشفى، وهي تلهث من شدة التوتر والخوف. كانت أمها "عبير" جالسة على المقاعد البلاستيكية الباردة، تضم كفيها بدموع حارقة وتتلو الأدعية بصوت خافت. وما إن رأت ابنتها حتى هرعت إليها وأجهشت بالبكاء:"سارة... يا بنيتي، الوضع سيء جداً! الأطباء يقولون إن السكر تسبب في مضاعفات خطيرة في قدمه، وإنهم بحاج
في منتصف نهار خريفي شاحب، كانت سارة تجلس في صالة المعيشة تحاول استعادة بعض السكينة بعد الأيام الطويلة من الخوف والقلق. رفعت هاتفها حين أبصرت اسم أمها "عبير" يضيء الشاشة، لكن الصوت الآتي من الطرف الآخر لم يكن صوت أمها الدافئ المعطاء، بل كان نبرة خائفة تتكسر في حلقها العبرات. الأم عبير (بصوت يرتجف بكاءً): "سارة... يا بنيتي، الحقيني! والدكِ ساءت حالته كثيراً... تعرفين أن السكر متعب لجسده، وبعد تلك السقطة اللعينة وترضرض قدمه، لم يستطع المشي إطلاقاً وبقي ملازماً للفراش طوال الأيام الماضية... واليوم انتفخت قدمه وتدهورت صحته تماماً! نحن الآن في الطريق إلى مستشفى خاص، والأطباء يطالبون بتكاليف باهظة فوراً لإدخاله العناية والفحوصات العاجلة..." سقطت الكلمات على مسامع سارة كوقع الخناجر. أدركت في تلك اللحظة حقيقة الوضع الخطر الذي يهدد حياة والدها، وتعلم تمام العلم أن أمها الكريمة لا تملك من المال ما يغطي هذه المصاريف العاجلة، وأن الوقت ليس في صالحهم أبداً. انقبض قلبها، وحبست دموعها بصعوبة وهي تطمئن أمها: "لا تقلقي يا أمي... اهدئي أرجوكِ، سأتصرف فوراً، سأؤمن المال وألحق بكم إلى المست
لم يعد ذلك الزوج الهادئ المحب الذي يغمر البيت بالسكينة، بل تحول فجأة إلى محقق صارم ومفتش يدقق في أصغر تفاصيل الحياة، وكأنه يحمل مجهراً ينقب به عن الأخطاء! بدأ الأمر تحت ستار دافئ من "الحب والاهتمام الزائد". كان يصرّ على أن تصنع هي قهوته بنفسها، وأن تجهز ثيابه، وتطهو وجباته بنفسها دون تدخل أي من الخادمات. حبيبتي سارة، أنا لا أستلذ بالطعام إلامن يديك الناعمتين، الخدم لايعرفون كيف يجهزون القهوة مثلك! ابتسمت سارة في البداية، وظنت أن هذه الرغبة ليست إلا فيضاً من العاطفة والشغق. لكن السرعان ما تحول "الحب" إلى دواعي الخدمة المطلوبة على مدار الساعة، بل وإلى سلسلة لا تنتهي من الشكاوى والتوجيهات القاسية! لم يعد يعجبه شيء؛ إن أعدت القهوة قال إنها باردة قليلاً، وإن أعادتها قال إنها مرّة! وإن رتبت قميصه زعم أن الياقة بها انثناءة لا تُرى بالعين المجردة! بل إن الأمر تعدى حدود العقل عندما بدأ يتدخل في رعاية طفلهما الصغير بطريقة جنونية. كان يصرخ بذهول كلما رأى سارة تطعم الطفل أو تفحصه: سارة! لماذا تضعين يدك على رأسه هكذا؟ألا ترين كيف ينظر؟ هل تشعرين بحرارة؟ لماذا تهتمين به بهذه الطريقة
نظر سرمد إلى سارة نظرة حازمة ومقررة. رأى في عينيها مزيجاً من الألم والترقب، فقرر ألا يترك مجالاً للشك أو التردد. أمسك بمعطفه وبمفتاح سيارته بسرعة وألقى الهاتف أمام سارة قائلاً بلهجة صارمة لا تقبل التشكيك: سارة، الثقة التي بيننا ليست رخيصة لتهدمها مكالمة من شخص مريض نفسيا. تعالي معي، اذهبي معي الان لترين بعينيك كيف سأنهي هذه المهزلة للأبد وبشكل قاطع، ولتعلمي أن قلبي لم يكن يوما ألا لك وحدك. تأملته سارة لبرهة.رأت الصدق اليقيني يلمع في عينيه، ورأت إصرار شرسا على حمايتها وحماية بيتها من عبث العابثين. مسحت دموعها بسرعة، وارتدت عباءتها قائلة بحزم: "سأذهب معك يا سرمد. لن أسمح لأي شبح قديم أن يسرق مني مستقبلي معك. ولكن ليكن في علمك، إن ظهر أن لك يداً في هذا، فلن أعود إلى هذا البيت أبداً." وانطلقا معاً في سيارته بسرعة البرق، في رحلة ليلية مشحونة بالدراما والتوتر، قاصدين المكان الذي تواجدت فيه ميادة. كانت نبضات قلب سارة تسابق عجلات السيارة، بينما كان سرمد يقود بتركيز فولاذي، وعقله مشغول بشيء واحد فقط: سحق هذا الماضي المزعج وإلى الأبد. وصلا إلى الموقع المنشود؛ كان مقهى هادئاً قرب
الماض يعود كانت الأجواء في ذلك المنزل تنبض بالدفء والاستقرار، وكأنها لوحة فنية رسمتها أيدي الحب الخالص. على الأريكة المخملية الكبيرة، كانت سارة جالسة بالقرب من زوجها الحبيب سرمد، يتقاسمان تفاصيل يوم هادئ بعد وجبة غداء لذيذة تناولاها معاً في أجواء مفعمة بالمرح والأحاديث العذبة. كان سرمد، كعادته، يحب أن يترك هاتفه يلهو قليلاً بين مقاطع الفيديو القصيرة على تطبيق "تيك توك"، حيث ترك الهاتف بجانبها على الوسادة، مستغرقاً في تكرار مقطع خفيف لطيف، مبني على أقصى درجات الثقة المطلقة التي بُنيت بينهما طيلة سنوات زواجهما. لم تكن هناك أي أسرار، ولا كلمات خفية، ولا حتى حاجز خوف بسيط بينه وبينها؛ فكل زاوية في هذا الهاتف كانت بمثابة كتاب مفتوح أمام عيني سارة، التي كانت تكتفي بابتسامة حانية وهي تراه مندمجاً في تفاصيل عمله وهواتفه. نهض سرمد من مكانه برشاقة، ملوحاً بيديه بابتسامة دافئة وقال بصوته العذب: "حبيبتي سارة، سأذهب لغسل يدي سريعاً وأعود إليكِ لنكمل خططنا لنزهة المساء." أومأت له سارة برأسها، وعيناها تودعانه بحب غامر، وراحت تتابع مقطع الفيديو الذي كان يعيد نفسه مراراً وتكراراً على ال







