FAZER LOGINالفصل الثالث
"الإهانة الأولى"
كانت فيروز واقفة قدام مراية أوضتها الصغيرة، تبص لنفسها بتوتر واضح وهي تعدل ياقة القميص الأسود الخاص بالكافيه للمرة العاشرة.
الـuniform كان بسيط… بنطلون أسود وقميص أبيض وفوقه مريلة بلون بني غامق.
لكن رغم بساطته، كانت حاسة إنه غريب عليها.
غريب زي كل حاجة حصلت مؤخرًا.
سمعت صوت دينا من برا وهي تخبط على الباب بخفة:
— خلصتي يا فيروز؟
فتحت الباب ببطء.
أول ما شافتها دينا، ابتسمت بحماس:
— الله! قمر أهو.
احمرت خدود فيروز فورًا وهي تنزل عينيها للأرض:
— متكسفنيش.
طلعت مدام ناهد من المطبخ وقتها، وبمجرد ما شافتها وقفت تتأملها ثواني بابتسامة حنونة.
— ربنا يحفظك يا بنتي.
الكلمة لمست قلبها كالعاده.
أما أسر، فكان واقف عند باب الشقة بيظبط ساعته قبل ما ينزل.
رفع عينيه ناحيتها للحظة.
وسكت.
مش عارف ليه… لكن شكلها كان مختلف النهارده.
يمكن عشان لأول مرة يشوفها خارجة للحياة فعلًا.
قال بهدوء وهو يفتح الباب:
— خلي بالك من نفسك.
رفعت عينيها له بسرعة، قبل ما تهز راسها بخجل:
— حاضر.
بعد نص ساعة…
كانت واقفة وسط الكافيه بتوتر قاتل.
صوت ماكينة القهوة، الناس، الطلبات، الكراسي اللي بتتحرك…
كل حاجة كانت سريعة أكتر مما تتخيل.
كريم، مدير المكان، كان واقف قدامها بيشرح بسرعة:
— الترابيزات دي مسؤوليتك، والأوردر بيتكتب هنا، وبعدها تاخديه للكاشير… سهلة يعني.
هزت راسها بسرعة وهي بتحاول تحفظ كل كلمة.
لكن الحقيقة؟
هي كانت تايهة.
خايفة تغلط.
خايفة حد يزعق.
خايفة يكتشفوا إنها مش قد الشغلانة.
مرت أول ساعتين بصعوبة.
مرة تنسى أوردر.
ومرة تغلط في اسم مشروب.
ومرة تتلخبط في الحساب.
لكنها كانت بتحاول.
تحاول بكل قوتها.
باب الكافيه اتفتح وقتها، ودخل شابين.
واحد منهم كان بيتكلم في الموبايل بضيق واضح، والتاني بيضحك وهو بيحاول يهديه.
رفعت فيروز عينيها تلقائيًا… واتجمدت لحظة.
الشاب اللي قدام كان طويل، لابس قميص رمادي وساعة شكلها غالية جدًا.
ملامحه حادة بطريقة ملفتة، ونظراته فيها برود وثقة زيادة عن اللزوم.
كان واضح جدًا إنه من النوع اللي متعود ياخد كل حاجة بسهولة.
أما صاحبه، فكان أهدى شوية وبيتكلم بهزار طول الوقت.
قربوا من الترابيزة، ورمت فيروز عينيها بعيد بسرعة وهي تحاول تركز في شغلها.
لكن قلبها بدأ يدق بتوتر بدون سبب مفهوم.
سمعت كريم يناديها:
— فيروز! خدي الأوردر ده لترابيزة سبعة.
هزت راسها بسرعة وأخدت الصينية.
قهوة.
وعصير.
وكوباية مية.
أخدت نفس عميق وهي تتحرك ناحية الترابيزة.
لكن أول ما قربت…
سمعت صوت عالي من ترابيزة تانية:
— يا آنسة!
اتفزعت وبصت بسرعة ناحية الصوت.
وفي ثانية…
الصينية اختلت من إيديها.
والقهوة الساخنة انسكبت بالكامل على قميص الشاب الرمادي.
الصمت نزل على المكان كله.
فيروز اتجمدت.
وعينيها اتوسعت برعب وهي باصة للقهوة على هدومه.
أما هو فوقف فجأة بعصبية وهو يبص لقميصه المبلول.
— إنتي إيه؟! مبتشوفيش؟!
صوته العالي ضربها بقوة.
ارتبكت فورًا وهي تتراجع خطوة:
— أنا آسفة والله… مخدتش بالي…
لكن آدم كان أصلًا متعصب من قبل ما يدخل.
يومه سيئ.
وشغله ضاغط عليه.
وآخر حاجة كان ناقصاها إن هدومه تتبهدل بالشكل ده.
فقال بعصبية وحدّة:
هو أي الى بيحصل دة الكافية بقا زفت بقى يشغل اى حد وخلاص؟!
بدأت الناس تبص عليهم.
وفيروز حسّت إن الأرض بتتهز تحتها.
الإحراج ضربها في قلبها بعنف.
خصوصًا إنها أصلًا بتحاول من أول اليوم متغلطش.
إيديها بدأت تترعش وهي تهمس بسرعة:
— والله غصب عني…
لكن آدم قاطعها بحدة:
— غصب عنك إيه؟! شايفة اللي عملتيه؟!
صاحبه تدخل بسرعة وهو يقوم من مكانه:
— خلاص يا آدم، حصل خير.
لكن آدم رد بعصبية وهو بيبص للقهوة على هدومه:
— خير إيه بس؟!
كل كلمة كانت بتنزل على فيروز كأنها صفعة.
الدموع بدأت تلمع في عينيها رغمًا عنها.
حاولت تخبيهم بسرعة، لكنها فشلت.
وأسوأ حاجة؟
إن الناس كلها كانت بتبصلها.
بنفس النظرات اللي طول عمرها هربانة منها.
نظرات الشفقة والتقليل والإهانة.
وفجأة، مقدرتش تستحمل أكتر حطت الصينية المرتعشة على أقرب ترابيزة، واستدارت بسرعة قبل ما حد يشوف دموعها وهي ماشية ناحية غرفة الموظفين سمعت صوت كريم بيناديها، لكنها مكملتش.
أول ما دخلت الغرفة الصغيرة وقفلت الباب…انهارت.
دموعها نزلت بعنف وهي حاطة إيديها على وشها.
ليه دايمًا بتحس إنها أقل؟
ليه أي غلطة صغيرة تحسسها إنها لا تستحق مكانها؟
حاولت تهدي نفسها بالعافية، لكن صوت آدم الغاضب كان لسه بيرن في ودانها "هو أي حد بقى يشتغل وخلاص؟"
الجملة وجعتها أكتر مما المفروض.
كأنها رجعتها لطفلة الملجأ الصغيرة اللي الناس كانت دايمًا تبصلها بدونية.
وفجأة…
اتفتح باب الكافيه بعنف برا.
وبعد ثواني، سمعت صوت آدم الغاضب بوضوح:
— راحت فين البنت دي؟!
اتجمدت فيروز مكانها.
وقلبها وقع بخوف.
الفصل الثالث والستون"باريس... بعينيكِ"ما إن أُغلق باب الجناح خلفهما...حتى التفت آدم إلى فيروز، وأمسك يدها وهو يبتسم.— جاهزة؟ابتسمت بحماس طفولي.— جدًا.اقترب منها، ثم فتح باب الجناح لها بإيماءة مسرحية.— اتفضلي يا مدام آدم.ضحكت وهي تنحني بمبالغة.— شكرًا يا أستاذ آدم.خرجا من الفندق، وكان الهواء الباريسي منعشًا، والشمس تزين السماء بلون ذهبي هادئ.وقفت فيروز لحظة أمام الفندق، تدير رأسها في كل الاتجاهات.المباني القديمة...الشرفات المليئة بالزهور...المقاهي الصغيرة...والناس الذين يسيرون في هدوء.أطلقت زفرة إعجاب.— ياااه...كل حاجة هنا تحسها طالعة من فيلم.ابتسم آدم وهو يراقب انبهارها أكثر من مراقبته للمكان نفسه.— عجباكيهزت رأسها بحماس.— جدًا.ثم التفتت إليه فجأة.— هو إحنا هنركب إيه؟رفع مفتاح السيارة أمامها.— العربية مستنيانا.
الفصل الثاني والستون يوم من العمردخلت فيروز الحمام بسرعة وقفلت الباب وراها. سندت ضهرها عليه وهي حاطة إيدها على قلبها اللي بيدق جامد. — يا رب... هو أنا إزاي عملت كده؟فتحت الدش ووقفت تحته، والمية السخنة نازلة على جسمها. غمضت عينيها وبتحاول تهدى... بس كل ما تفتكر نظراته وضحكته وكلامه، وشها يحمر أكتر.خلصت وطفت المية... مدت إيدها تدور على هدوم... مفيش. اتجمدت مكانها. — يا نهار أبيض... نسيت آخد هدوم معايا لما جريت! اتوترت ولفت البشكير الأبيض الكبير عليها بسرعة، ومسكته بإيديها الاتنين من قدام. شعرها مبلول وبينقط على كتفها. قربت من الباب وخايفة تخرج، ندهت بصوت واطي: — آدم؟رد من بره وهو قاعد على السرير: — أيوه يا فيروزتي؟ خلصتي؟— آدم... أنا نسيت آخد هدوم معايا. — عايزاك تجيبلي روب الحمام من الدولاب... عشان نسيته.سمعته بيضحك. — من امتى وانتى بتنسي كدا وبعدين انتى مش محتاجة الهدوم فى حاجة طول ما احنا فى شهر العسل — آدم ب
الفصل الحادي والستون"صباح... مختلف"تسللت أشعة الشمس الذهبية بخجل عبر الستائر البيضاء...لتغمر الجناح بدفءٍ هادئ.كان كل شيء ساكنًا...إلا صوت أنفاسهما المنتظمة.حركت فيروز جفونها ببطء...ثم فتحت عينيها تدريجيًا.استغرقت لحظات حتى استوعبت المكان.السقف...الستائر...الشرفة الزجاجية التي تُطل على باريس...ثم...شعرت بذراع قوية تحيط بخصرها برفق.اتسعت عيناها قليلًا.وأدارت رأسها ببطء...لتجده نائمًا بجوارها.بل...كانت مستندة إلى صدره، ورأسها فوق كتفه، بينما يده ما تزال تحتضنها بعفوية حتى أثناء نومه.تسارعت نبضات قلبها.واحمر وجهها فجأة.همست لنفسها بخجل شديد:— يا نهار أبيض...أنا... نمت كده؟ ازايأغمضت عينيها ثانية للحظة...وكأنها تحاول إقناع نفسها أن ما حدث كان حلمًا.لكنها عندما فتحتهما من جديد...وجدته ما يزال أمامها.ابت
الفصل التاسع والخمسون بعد أن انتهيا من العشاء... عادا إلى الجناح بهدوء. كانت أضواء باريس تتسلل من خلف الستائر... فتمنح الغرفة دفئًا خاصًا. خلعت فيروز حذاءها وجلست على طرف الأريكة... ثم نظرت إلى آدم وهي تبتسم. — تعرف؟ ابتسم وهو يصب كوبين من العصير. — إيه؟ — أنا حاسة إن اليوم ده عدى بسرعة أوي. ناولها أحد الكوبين. — عشان كنتِ مبسوطة. أخذته منه وهي تومئ برأسها. — فعلًا... يمكن دي أول مرة من فترة طويلة أنسى كل حاجة. جلس بجوارها... ثم قال وهو يتأمل ملامحها: — وده اللي كان نفسي فيه. سكتت لحظة...
الفصل الثامن والخمسون ظلّت فيروز واقفة مكانها... وابتسامتها لا تفارق وجهها. كانت تتنقل بين أرجاء الجناح كطفلة اكتشفت عالمًا جديدًا. تقترب من النافذة الزجاجية الكبيرة... وتنظر إلى أضواء المدينة المتلألئة في الخارج. ثم تعود إلى السرير المزين بالورود... فتلتقط إحدى البالونات وتدفعها للأعلى وهي تضحك. ابتسم آدم وهو يراقبها للحظات. ثم قال: — هدخل آخد دوش سريع... والسفر هدّ حيلي. أومأت برأسها. — ماشي. أغلق باب الحمام خلفه... وبقيت هي تتأمل تفاصيل المكان. فتحت صندوق الشوكولاتة... وأخذت قطعة صغيرة. — وااو... دي طعمها حلو أوي. ثم اقت
الفصل السابع والخمسون "حلم... أصبح حقيقة" كانت الطائرة تشق الغيوم بهدوء... بينما بدأت فيروز تشعر أن خوفها الأول قد اختفى شيئًا فشيئًا. نظرت من النافذة... فرأت السحب البيضاء تمتد بلا نهاية. ابتسمت دون أن تشعر. ثم التفتت إلى آدم. — صحيح... رفع رأسه من المجلة التي كان يقلب صفحاتها. — همم؟ — هو إحنا رايحين فين؟ ابتسم بخبث... ثم أغلق المجلة ووضعها جانبًا. — توقعي. قطبت حاجبيها وهي تفكر. — معرفش. ثم هزت رأسها. — أصل... أنا عمري ما كنت أحلم إني أسافر أصلًا... ولا جه في خيالي. نظر إليها باهتمام. — ليه يعني؟ خفضت عيني
الفصل الخامس عشر"تشوش القلب"بعد ما الباب اتقفل وهدوء الأوضة رجع تاني، فضلت فيروز ساكتة مكانها للحظات طويلة.إيديها كانت ماسكة طرف الغطا، وعينيها معلقة في الفراغ.لكن عقلها… مكانش ساكت خالص.صورة آدم وهو بيقولها "متخافيش" كانت بترجع في دماغها كل شوية.ونظرة عينيه وهو بيبصلها من غير ما يرمش… كانت م
الفصل الرابع عشر"قرب غريب"بصت دينا لآدم بسرعة وهي تمسح دموعها بخفة وقالت بامتنان واضح:— أكيد اتفضل… إحنا أصلًا لازم نشكرك على اللي عملته.لفت فيروز وشها ناحيتها باستغراب خفيف وقالت بتعب:— تشكريه على إيه؟ردت دينا فورًا وهي تبصلها بعتاب:— هو اللي لحقك وجابك المستشفى يا هبلة.سكتت فيروز لحظة.وع
الفصل الثالث عشر"سر لأول مرة يبان"الجو في الكافتيريا كان متوتر بشكل خانق.البنات متجمعين حوالين فيروز، وصوت لارا العالي كان مالي المكان، بينما دينا بتحاول تبعدهم عنها بعصبية وهي بتزعق:— ابعدوا عنها! انتو اتجننتوا؟!لكن واحدة من البنات مسكت دينا من دراعها تمنعها تدخل، والتانية كانت لسه بتشد شعر ف
الفصل الثاني عشر"بداية مواجهة"رجعت فيروز البيت مع أسر وهي أهدى شوية من وقت ما خرجت من الكافيه، لكن جواها لسه موجوعة.طول الطريق كانت ساكتة، وأسر كمان ما حاولش يضغط عليها بالكلام.كان سايق بهدوء، وكل شوية يبصلها بسرعة يطمن إنها بقت أحسن.ولما وصلوا البيت، نزلت فيروز وراه بهدوء.أول ما دخلوا، قامت







