Home / الرومانسية / الوريثة المفقودة / الفصل السابع: الرجل الذي لم يكن يجب أن يكون هنا

Share

الفصل السابع: الرجل الذي لم يكن يجب أن يكون هنا

Author: H.E.D
last update publish date: 2026-03-18 02:51:36

لم يكن الصوت الذي سمعوه في الجهة الخلفية من البيت مجرد وهم سببه التوتر.

كان واضحًا.

خطوة… ثم أخرى.

ثقيلة بما يكفي لتقول إن هناك أحدًا يتحرك فعلًا، وحذرة بما يكفي لتقول إن هذا الشخص لا يريد أن يُرى.

تجمدت ياسمين مكانها، والتصقت عيناها بالممر الضيق المؤدي إلى مؤخرة المنزل.

أما مازن، فرفع هاتفه أكثر، موجّهًا ضوءه إلى العتمة، وقال بصوت خافت أقرب إلى الهمس:

"حسنًا… هذه ليست مصادفة جميلة."

لم ترد لارا.

كانت لا تزال ممسكة بالرسالة، تقرأ سطرها في ذهنها مرة بعد أخرى، كأن الكلمات تغيّر معناها كلما أعادت النظر فيها:

"إذا وصلتِ إلى هذا البيت، فلا تثقي بسليم السيوفي… لأنه أقربهم إلى الحقيقة، وأقربهم إلى الخطر."

أقربهم إلى الحقيقة؟

وأقربهم إلى الخطر؟

رفعت عينيها ببطء نحو سليم.

كان واقفًا على بعد خطوات منها، ملامحه مشدودة، ونظره ثابت في اتجاه الصوت. لم يسألها عمّا تقرأ، ولم يحاول أخذ الرسالة منها مجددًا. وكأن وجود شخص آخر في البيت صار أكثر إلحاحًا من كل شيء.

قال سليم بصوت منخفض، لكنه حاسم:

"ابقوا هنا."

رد مازن فورًا:

"لن يحدث. إذا كان هناك أحد يراقبنا من الداخل، فلن أتركك تأخذ المشهد كله وحدك."

ألقى عليه سليم نظرة سريعة، قصيرة، لكنها فهمها جيدًا.

ثم قال:

"أنت معي. ياسمين، ابقي قرب الباب. لارا—"

قاطعتْه قبل أن يُكمل:

"لن أبقى هنا وحدي."

التفت إليها.

كانت ما تزال تمسك الرسالة، لكن وجهها لم يعد مرتبكًا فقط… بل متحفزًا، كأن شيئًا في هذا المكان لا يخيفها بقدر ما يستدعيها.

قال ببرود:

"هذا ليس طلبًا."

"وليس قرارك وحدك." ردت بهدوء.

مرّت ثانية مشدودة.

ثم قال مازن بنصف ابتسامة، محاولًا كسر التوتر من دون أن يلغيه:

"رائع. نحن على وشك مطاردة شبح، والاثنان قررا بدء معركة نفوذ الآن."

لم يبتسم أحد.

تنفست ياسمين بصعوبة وقالت:

"من فضلكم… لا تتركوا الباب بعيدًا."

أجابها سليم هذه المرة من دون قسوة:

"لن نبتعد كثيرًا."

ثم تحرك.


كان الممر المؤدي إلى الجزء الخلفي من البيت ضيقًا، وجدرانه الحجرية أقرب من اللازم.

تدلت من السقف مصابيح قديمة غير مضاءة، وعلى الأرض امتدت سجادة داكنة فقدت لونها الأصلي من كثرة السنوات. كل خطوة فوقها كانت تُطلق صوتًا مكتومًا، كأن البيت نفسه يبتلع الحركة.

تقدم سليم أولًا، وخلفه مازن، ثم لارا رغم اعتراضه السابق، بينما بقيت ياسمين مترددة في مقدمة الصالون قبل أن تقرر اللحاق بهم مسافة قصيرة وهي تردد لنفسها أنها لن تبتعد، وأنها فقط لا تريد أن تُترك وحدها.

في نهاية الممر، كان هناك باب نصف مفتوح.

توقف سليم.

رفع يده قليلًا، إشارة إلى أن يصمت الجميع.

سمعوه مرة أخرى.

حركة خفيفة.

ثم صوت خشب يحتك بالأرض.

كأن شخصًا نقل شيئًا أو اصطدم بطاولة صغيرة.

دفع سليم الباب ببطء.

انفتح على غرفة خلفية واسعة نسبيًا، كانت تبدو كمكتب قديم أو غرفة معيشة خاصة.

رفوف كتب على الجدار الأيسر، ومكتب خشبي عريض في الزاوية، وستائر ثقيلة تغطي نافذة مطلة على الحديقة الخلفية. في الجهة المقابلة، كان باب آخر مفتوحًا يقود إلى مطبخ صغير أو مخزن.

لكن الغرفة… لم تكن فارغة.

كان هناك رجل.


وقف قرب النافذة، وقد التفت نحوهم فور دخولهم.

كان في أواخر الخمسينات أو بداية الستينات، طويلًا، نحيفًا قليلًا، يرتدي معطفًا بنيًا قديمًا فوق ملابس رمادية بسيطة. شعره الأبيض المائل إلى الفضي كان غير مرتب، ووجهه يحمل قسوة من تعب طويل لا من طبع حاد.

وفي يده اليمنى… مصباح يدوي صغير.

شهقت ياسمين من خلفهم.

أما مازن، فقال أول ما رآه:

"إذًا الشبح له لحم وعظام."

لكن الرجل لم يبدُ مذعورًا بقدر ما بدا… مستسلمًا.

كما لو أنه كان يعرف أن هذه اللحظة ستأتي، فقط لم يكن يعلم متى بالضبط.

قال سليم ببرود واضح:

"من أنت؟"

لم يجب الرجل فورًا.

بل نظر أولًا إلى لارا.

نظرة طويلة، ثقيلة، لم تكن نظرة غريب إلى غريبة.

كان فيها ألم… وشيء أقرب إلى الاعتراف المؤجل.

ثم قال بصوت أجش:

"وصلتِ أخيرًا."

شعرت لارا أن الكلمات ضربت مكانًا حساسًا فيها، مكانًا لا تعرفه تمامًا لكنها تعرف أنه موجود.

تقدمت خطوة.

"هل تعرفني؟"

أغمض الرجل عينيه لحظة، ثم فتحهما من جديد.

"أعرف أكثر مما يجب."

تدخل سليم فورًا، نبرته أكثر حدة:

"سأكرر السؤال مرة واحدة فقط. من أنت؟"

التفت الرجل إليه ببطء.

وفي عينيه مرّ شيء يشبه الحذر… أو ربما الذنب.

"اسمي فؤاد."

سأل مازن:

"فؤاد ماذا؟"

تردد.

ثم قال:

"فؤاد النجار."

قطب سليم حاجبيه.

الاسم لم يكن مألوفًا بشكل مباشر، لكنه لم يكن غريبًا تمامًا أيضًا.

قالت لارا:

"أنت الذي كتبت الرسائل؟"

نظر إليها الرجل، ثم أنزل المصباح اليدوي إلى جانبه.

"بعضها."

قال مازن:

"بعضها؟ ممتاز. هذا يعني أن عندنا أكثر من شخص يدفن الرسائل في الجدران."

لكن سليم لم يلتفت إليه.

كان يحدق في الرجل.

"كيف دخلت إلى هنا؟"

"بالمفتاح."

"ومن أعطاك المفتاح؟"

"لم يعطني أحد. كان عندي منذ زمن."

تقدمت لارا خطوة أخرى.

"ما علاقتك بهذا البيت؟"

أجابها بعد لحظة:

"كنت أعتني به."

قال مازن ساخرًا:

"عناية ممتازة. رائحة الغبار تكاد تبكي من الوحدة."

لكن الرجل تجاهله.

ظل ينظر إلى لارا فقط.

كأنه يرى فيها وجهًا آخر خلف وجهها. وجهًا ضاع منه ثم عاد فجأة بعد أن كبر.

قالت لارا ببطء:

"هل تعرف من أنا؟"

تحرك فكّه كأن الإجابة مؤلمة.

"نعم."

"إذن قلها."

تأخر.

ثم قال أخيرًا:

"أنتِ الطفلة التي خرجت من هذا البيت في ليلة لم يعد بعدها شيء كما كان."

ساد الصمت.

حتى مازن لم يجد تعليقًا سريعًا.

أما ياسمين، فقد وضعت يدها على فمها، كأن الجملة خرجت أقسى مما توقعت.

قال سليم ببطء شديد:

"أُخرجت من هذا البيت؟"

هزّ الرجل رأسه.

"نعم."

"بواسطة من؟"

رفع فؤاد عينيه نحو سليم هذه المرة، ثم نظر إلى لارا من جديد.

"ليس هنا."

قال سليم:

"بل هنا. الآن."

"ليس بهذه الطريقة." رد فؤاد، وفي صوته لأول مرة شيء يشبه الرجاء. "هناك أشياء إذا قيلت دفعة واحدة ستؤذي أكثر مما تشرح."

أجابه سليم ببرود جارح:

"أنا لا أهتم براحتك."

"ولا أنا أهتم بها." قال الرجل. "لكنني أهتم بما ستعرفه هي."

التفتت لارا إلى سليم للحظة، ثم عادت إلى فؤاد.

"أنت كتبت: لا تثقي بسليم السيوفي."

لم ينكر.

قال فقط:

"نعم."

اتسعت نظرة ياسمين، بينما استدار مازن فورًا نحو سليم، متفحصًا ردة فعله.

لكن سليم لم يتغير كثيرًا.

وهذا وحده كان مقلقًا.

قالت لارا:

"لماذا؟"

أخذ فؤاد نفسًا عميقًا.

"لأن الحقيقة حول سليم… ليست بسيطة."

قال سليم بصوت منخفض، صارم:

"اختر كلماتك جيدًا."

أجابه فؤاد بنظرة ثابتة.

"وأنت أيضًا."

مرّت لحظة قصيرة، مشدودة إلى حد الانقطاع.

ثم قال مازن:

"حسنًا، هذه النقطة تحديدًا تحتاج شرحًا عاجلًا."

لكن فؤاد لم يشرح مباشرة.

بل اتجه ببطء نحو المكتب القديم، ووضع المصباح فوقه، ثم سحب درجًا سفليًا بصعوبة. أخرج منه ملفًا بنيًا قديمًا، مربوطًا بخيط أسود.

شهقت لارا دون سبب واضح.

الملف لم يكن مألوفًا لها بعقلها… لكنه كان يضغط على شيء ما في ذاكرتها.

رفع فؤاد الملف بيده، ثم قال:

"قبل أن أسلّم هذا… أريد أن أفهم شيئًا."

نظر إلى لارا.

"من أخبرك بالمجيء؟"

أجابت فورًا:

"وصلتني رسالة."

"ومن أرسلها؟"

"لا أعرف."

"هل كنتِ وحدك عندما قرأتها؟"

قطبت حاجبيها.

"نعم."

أخفض الرجل رأسه كأن الإجابة لم تُرِحه.

سأله سليم:

"ما الذي يهم في هذا؟"

رد فؤاد بحدة مفاجئة:

"لأن هذا يعني أن أحدهم عاد ليتحرك."

ساد الصمت مرة أخرى.

قالت ياسمين بصوت متوتر:

"عاد؟ من؟"

أجابها الرجل دون أن ينظر إليها:

"الشخص الذي كان يجب أن يبقى مدفونًا مع ما فعله."

شعر الجميع ببرودة تسري في المكان.

اقترب سليم من المكتب.

"أعطني الملف."

لكن فؤاد لم يمدّه إليه.

بل التفت إلى لارا.

"هذا لكِ."

مدّ الملف نحوها.

ترددت لحظة… ثم أخذته.

كان أثقل مما يبدو.

كأن داخله أوراقًا كثيرة، أو ربما سنوات كاملة.

قال سليم بحدة خفية:

"افتحيه."

لكن فؤاد قال فورًا:

"ليس هنا."

استدار سليم إليه.

"توقف عن تكرار هذه العبارة وكأنها تمنحك سلطة."

قال الرجل بصوت خافت:

"أنا لا أملك سلطة. لو كنت أملكها، لما ضاعت طفلة أصلًا."

تجمدت لارا.

كان في الجملة اعتراف غير مباشر.

ليس باعتراف الجاني… لكن باعتراف الشاهد الذي فشل.

رفعت عينيها إليه.

"أين كنت يوم اختفائي؟"

لأول مرة، بدا فؤاد عجوزًا حقًا.

كأن السؤال سرق منه سنوات إضافية في ثانية واحدة.

"كنت هنا."

ابتلعت لارا ريقها.

"وفعلت ماذا؟"

همس:

"أخطأت."


لم يعد الهواء في الغرفة يكفي.

شعرت ياسمين أن قلبها يدق بسرعة مؤلمة.

أما مازن، فترك سخريته جانبًا أخيرًا، لأن الرجل أمامه لا يشبه محتالًا بسيطًا. كان يشبه ذاكرة تمشي على قدمين، وذاكرة كهذه لا تأتي بلا ثمن.

قال سليم ببطء:

"ستشرح كل شيء. الآن."

لكن قبل أن يجيب فؤاد—

جاء الصوت من الخارج.

في الحديقة الخلفية.

صوت محرك سيارة توقف بسرعة.

ثم انطفأ.

نظر الجميع نحو النافذة في اللحظة نفسها.

وتحوّل وجه فؤاد إلى لون شاحب مفاجئ.

همست لارا:

"ماذا؟"

رد بصوت خرج بالكاد:

"لقد وجدونا."

تقدم سليم خطوة إلى النافذة، وأزاح طرف الستارة قليلًا.

رأى أضواء سيارة داكنة، ورجلين يخرجان منها بسرعة متعمدة.

ثم… رأى ما جعل يده تشتد على القماش.

لم يكونا غريبين تمامًا.

كان أحدهما يعمل منذ سنوات في شركات السيوفي.

أما الآخر…

فكان الحارس الشخصي لناهد.

استدار ببطء نحو الباقين.

وسقطت الحقيقة الأولى، باردة وحادة:

"أمي أرسلت رجالها إلى هنا."

وفي تلك اللحظة، أدركت لارا أن الخطر لم يكن في الماضي وحده…

بل في البيت الذي عادت إليه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
بين الذنب والانتقام يولد الحب
......... احداث مشوقة جدا
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • الوريثة المفقودة   الفصل الخمسون: ما يبقى عندما نختار أن نحمي لا أن نهرب

    لم تكن اللحظة التي أعلن فيها سليم قراره لحظة درامية بالصورة التي يتخيلها الناس عن النهايات لم يكن هناك صراخ ولا اندفاع ولا حتى انهيار واضح بل كان كل شيء هادئًا بشكل مقلق كأن العالم نفسه توقف لثوانٍ ليرى ما الذي سيحدث بعد ذلك القرار لأن ما قيل لم يكن مجرد نية بل كان التزامًا لن يعود عنه وقف سليم في مكانه ولم يتحرك لم يحاول أن يبدو أقوى ولم يحاول أن يشرح أكثر لأنه يعرف أن الكلمات لن تغيّر شيئًا الآن ما سيحدث لن يُفهم إلا بعد أن يبدأ وكان يدرك تمامًا أن ما اختاره ليس طريقًا قصيرًا ولا تضحية لحظة بل حالة مستمرة لن تنتهي بسهولة نظر إلى يزن الذي كان لا يزال يحاول استيعاب ما سمعه وكأن عقله يرفض أن يقبل أن هذا الشخص الذي يقف أمامه يقرر أن يحمل شيئًا لم يطلبه أحد منه لم يكن يرى فيه بطلًا بل إنسانًا يتخذ قرارًا صعبًا بطريقة هادئة وهذا ما جعله أكثر تأثيرًا قال يزن بصوت منخفض لكنه مليء بالرفض أنت لا تستطيع أن تقرر هذا وحدك لم يغضب سليم ولم يعارض بشكل

  • الوريثة المفقودة   الفصل التاسع والأربعون: القرار الذي لا يعود

    لم تكن اللحظة التي تلت ظهور الرجل من السيارة السوداء لحظة مواجهة مباشرة كما توقع يزن بل كانت أثقل من ذلك بكثير لأنها لم تحمل تهديدًا واضحًا ولا حركة سريعة بل حملت نوعًا من الحضور الذي يجعل كل شيء حوله يتباطأ كأن الزمن نفسه يعيد ترتيب أولوياته ليمنح هذه اللحظة مساحة أكبر من غيرها وقف الرجل على مسافة محسوبة لا هي قريبة بما يكفي لتُفهم كاعتداء ولا بعيدة بما يكفي لتُفسر كحياد وكان ينظر إليهما بطريقة لا تحمل استعجالًا ولا قلقًا بل معرفة وهذا وحده كان كافيًا ليجعل يزن يشعر أن الخطر الحقيقي لم يبدأ بعد قال الرجل بصوت هادئ لكنه واضح كأن كلماته تصل قبل أن تخرج كاملة من فمه أنتما أسرع مما توقعت لكن ليس بما يكفي لم يتحرك سليم ولم يرد فورًا لأنه كان يحاول أن يقرأ ليس فقط ما يقوله الرجل بل ما لا يقوله كان يحاول أن يفهم إن كان هذا الشخص جزءًا من سامي أم منافسًا له أم شيئًا ثالثًا لم يظهر بعد وكان هذا الاحتمال الأخير هو الأكثر إزعاجًا لأنه يعني أن اللعبة اتسعت أكثر مما كانوا يظنون قال سليم أخيرًا من أنت ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة لا تحمل ت

  • الوريثة المفقودة   الفصل الثامن والأربعون: حين أصبح الاختيار مواجهة

    لم يكن الهدوء الذي سبق اللحظة التالية هدوءًا حقيقيًا بل كان أشبه بسكون يتجمع قبل الانكسار كأن الهواء نفسه ينتظر أن يحدث شيء لا يمكن إيقافه بعد أن يبدأ جلس سليم على حافة الرصيف دون أن يبدو عليه توتر واضح لكن داخله لم يكن هادئًا لم يكن خائفًا بالمعنى المباشر لكنه كان يرى أكثر مما يجب وهذا وحده كان كافيًا ليجعله يدرك أن ما سيحدث لن يكون مواجهة بسيطة ولن يكون قرارًا يمكن التراجع عنه بسهولة كان يرى الحركة قبل أن تكتمل ويرى النية قبل أن تتحول إلى فعل وهذا النوع من الإدراك لا يمنح راحة بل يضع صاحبه أمام احتمالات كثيرة في نفس اللحظةكان يزن بجانبه يحاول أن يبدو متماسكًا لكنه لم يكن كذلك بالكامل لم يكن معتادًا على هذا النوع من الإحساس لم يكن معتادًا أن يشعر بأن العالم حوله ليس كما كان وأن الناس الذين يمرون أمامه ليسوا مجرد أشخاص بل احتمالات تتحرك في اتجاهات محددة كأن كل شيء أصبح قابلًا للقراءة بشكل مرعب وهذا ما جعله يسأل بصوت منخفض دون أن ينظر إلى سليم هل سنقاتللم يبتسم سليم ولم ينكر قال سنواجهالصمت الذي تلا الجملة لم يكن ف

  • الوريثة المفقودة   الفصل السابع والأربعون: اللحظة التي يصبح فيها الهروب اختيارًا

    لم يكن الطريق الذي سلكه سليم عشوائيًا، لكنه أيضًا لم يكن خطة مكتملة، بل كان أقرب إلى سلسلة قرارات سريعة تتخذ بناءً على إحساس لا يمكن تفسيره بالكامل، إحساس بأن أي مكان يبدو مناسبًا… هو في الحقيقة متوقع، وأن النجاة في هذه المرحلة لا تعتمد على الاختفاء فقط، بل على كسر التوقع نفسه، كأن أفضل طريقة للهروب لم تعد الابتعاد، بل الانحراف.كان يقود بصمت، وعيناه لا تركزان على الطريق وحده، بل على ما وراءه، على المسارات الممكنة، على السيارات التي تتحرك، على الإيقاع العام للشارع، كأنه لا يرى فقط ما هو موجود، بل ما يمكن أن يحدث بعد ثوانٍ، وهذه القدرة التي كانت في البداية ميزة، بدأت تتحول إلى عبء، لأن كثرة الاحتمالات لا تعطي وضوحًا دائمًا، بل أحيانًا… تعطي تشويشًا.قال يزن فجأة، وهو ينظر إلى الأمام بتركيز غير مريح: “إذا أكملنا بهذا الاتجاه… سيكون هناك حاجز بعد خمس دقائق.”لم ينظر سليم إليه، لكنه خفف السرعة

  • الوريثة المفقودة   الفصل السادس والأربعون: أول من عرف أن شيئًا ما بدأ من جديد

    لم يكن الشاب الذي وقف أمام سليم في تلك الليلة يعرف أن حياته انقسمت قبل دقائق فقط إلى نصفين لا يلتقيان أبدًا، نصف قديم عاشه دون أن يلتفت إليه كثيرًا، بأخطائه الصغيرة، بتعبه المعتاد، بأيامه المتشابهة التي كانت تمر من دون أن تترك أثرًا كبيرًا، ونصف آخر بدأ الآن، في اللحظة التي رفع فيها رأسه ونظر إلى رجل لا يعرفه، لكنه شعر نحوه بشيء لم يشعر به من قبل، شيء لا يشبه الألفة، ولا الخوف المباشر، ولا حتى الفضول، بل يشبه التعرف، كأن شيئًا داخله قال له قبل أن يتكلم لسانه إن هذا الشخص ليس غريبًا تمامًا، وإن ما يحدث له الآن مرّ بهذا الرجل قبله، وربما ترك فيه أثرًا لم يغادره.كان الشارع هادئًا على نحو غريب، ليس لأنه خالٍ من الناس فقط، بل لأن كل شيء حولهما بدا وكأنه يتراجع قليلًا، أصوات السيارات البعيدة، الضوء المنعكس من واجهات المحلات المغلقة، الهواء البارد الذي يمر بين المباني، كأن المشهد كله ترك مسافة لهذا اللقاء تحديدًا، وكأن العالم يعرف، بطريقته الخاصة، أن شيئًا لا يمكن التراجع عنه بدأ هنا.

  • الوريثة المفقودة   الفصل الخامس والأربعون: الشخص الذي لم يكن يعلم أنه أصبح مركزًا

    لم يكن العثور على “العقدة الجديدة” يشبه أي بحث سابق قام به سليم، لم يكن هناك موقع جغرافي واضح، ولا حساب يمكن تتبعه، ولا حتى نمط سلوكي يمكن عزله بسهولة كما في السابق، لأن ما كان يبحث عنه هذه المرة لم يعد كيانًا خارجيًا، بل تحولًا داخليًا في شخص آخر، شخص لم يختر ذلك، ولم يُجهَّز له كما حدث معه، بل وقع في المسار دون أن يعرف، وهذا تحديدًا ما جعله أخطر.جلس سليم دون أن يتحرك كثيرًا، لكنه لم يكن ساكنًا، كان تركيزه يتحرك بدلًا عنه، كأن عقله لم يعد يتبع تسلسلًا واحدًا، بل يرى طبقات متوازية، احتمالات متعددة، خطوطًا تتقاطع ثم تنفصل، وكلما اقترب من شيء، كان يشعر به قبل أن يفهمه، وهذا الإحساس لم يكن مريحًا، بل ثقيلًا، لأنه لم يعد يميز بسهولة بين ما هو له… وما هو أثر لما مرّ عبره.قالت لارا وهي تراقبه بقلق لم تحاول إخفاءه هذه المرة “هل وجدته؟”لم يجب فورًا.ثم قا

  • الوريثة المفقودة   الفصل السادس: المفتاح الذي قاد إلى الظل

    لم يعد أحد ينظر إلى المفتاح على أنه قطعة معدن قديمة.في الغرفة المغلقة منذ عشرين عامًا، وتحت هذا السقف الذي احتفظ برائحة طفلة اختفت دون وداع، بدا المفتاح وكأنه الكلمة الأولى في اعتراف طويل لم يبدأ بعد.كان صغيرًا نسبيًا، من النحاس الداكن، له رأس بيضاوي ونقش دقيق على طرفه العلوي يشبه زهرة رباعية أو

  • الوريثة المفقودة   الفصل الخامس: الرسالة التي لا يجب أن تُقرأ

    لم تكن الجملة على الورقة عادية.لم تكن مجرد كلمات… بل كانت تحذيرًا."إذا فتحت هذه الغرفة… فهذا يعني أنني فشلت."ظلّت معلقة في أذهانهم، وكأنها لا تخص الماضي فقط… بل الحاضر أيضًا.وقف سليم في منتصف الغرفة، والورقة بين يديه، يقرأها مرة أخرى.نفس الخط… نفس الثبات… لا ارتعاش، لا تردد."ليست كتابة طفلة."

  • الوريثة المفقودة   الفصل الرابع: الصوت الذي لا يُنسى

    لم يتحرك أحد.كانت الجملة التي قالتها لارا لا تزال معلقة في الهواء، كأنها لم تُنطق بعد بشكل كامل."لم أكن وحدي في هذه الغرفة."نظر الجميع إليها، لكن كل واحد منهم سمعها بطريقة مختلفة.ياسمين شعرت بالخوف.مازن شعر بالفضول.الجدة… شعرت بشيء أقرب إلى اليقين.أما ناهد، فكان في عينيها شيء آخر تمامًا: إنك

  • الوريثة المفقودة   الفصل الثالث: الغرفة التي لم تُنسَ

    لم يكن الصمت الذي تلا قرار سليم عاديًا.كان صمتًا يشبه ما يحدث قبل أن تُفتح أبواب قديمة… أبواب لم تُغلق لأنها انتهت، بل لأنها كانت تخفي شيئًا لا يجب أن يُرى.وقف كبير الخدم مترددًا عند المدخل، وكأن الكلمات التي سمعها لم تُفهم بعد."سيدي… تقصد… الغرفة العلوية؟""نعم." قالها سليم دون أن يرفع صوته.لك

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status