Se connecterلم يكن الصوت الذي سمعوه في الجهة الخلفية من البيت مجرد وهم سببه التوتر.
كان واضحًا.
تجمدت ياسمين مكانها، والتصقت عيناها بالممر الضيق المؤدي إلى مؤخرة المنزل.
لم ترد لارا.
"إذا وصلتِ إلى هذا البيت، فلا تثقي بسليم السيوفي… لأنه أقربهم إلى الحقيقة، وأقربهم إلى الخطر."
أقربهم إلى الحقيقة؟
رفعت عينيها ببطء نحو سليم.
كان واقفًا على بعد خطوات منها، ملامحه مشدودة، ونظره ثابت في اتجاه الصوت. لم يسألها عمّا تقرأ، ولم يحاول أخذ الرسالة منها مجددًا. وكأن وجود شخص آخر في البيت صار أكثر إلحاحًا من كل شيء.
قال سليم بصوت منخفض، لكنه حاسم:
رد مازن فورًا:
ألقى عليه سليم نظرة سريعة، قصيرة، لكنها فهمها جيدًا.
قاطعتْه قبل أن يُكمل:
التفت إليها.
قال ببرود:
"وليس قرارك وحدك." ردت بهدوء.
مرّت ثانية مشدودة.
ثم قال مازن بنصف ابتسامة، محاولًا كسر التوتر من دون أن يلغيه:
لم يبتسم أحد.
تنفست ياسمين بصعوبة وقالت:
أجابها سليم هذه المرة من دون قسوة:
ثم تحرك.
كان الممر المؤدي إلى الجزء الخلفي من البيت ضيقًا، وجدرانه الحجرية أقرب من اللازم.
تقدم سليم أولًا، وخلفه مازن، ثم لارا رغم اعتراضه السابق، بينما بقيت ياسمين مترددة في مقدمة الصالون قبل أن تقرر اللحاق بهم مسافة قصيرة وهي تردد لنفسها أنها لن تبتعد، وأنها فقط لا تريد أن تُترك وحدها.
في نهاية الممر، كان هناك باب نصف مفتوح.
توقف سليم.
رفع يده قليلًا، إشارة إلى أن يصمت الجميع.
سمعوه مرة أخرى.
حركة خفيفة.
دفع سليم الباب ببطء.
انفتح على غرفة خلفية واسعة نسبيًا، كانت تبدو كمكتب قديم أو غرفة معيشة خاصة.
لكن الغرفة… لم تكن فارغة.
كان هناك رجل.
وقف قرب النافذة، وقد التفت نحوهم فور دخولهم.
شهقت ياسمين من خلفهم.
لكن الرجل لم يبدُ مذعورًا بقدر ما بدا… مستسلمًا.
قال سليم ببرود واضح:
لم يجب الرجل فورًا.
بل نظر أولًا إلى لارا.
نظرة طويلة، ثقيلة، لم تكن نظرة غريب إلى غريبة.
ثم قال بصوت أجش:
شعرت لارا أن الكلمات ضربت مكانًا حساسًا فيها، مكانًا لا تعرفه تمامًا لكنها تعرف أنه موجود.
أغمض الرجل عينيه لحظة، ثم فتحهما من جديد.
تدخل سليم فورًا، نبرته أكثر حدة:
التفت الرجل إليه ببطء.
"اسمي فؤاد."
سأل مازن:
تردد.
قطب سليم حاجبيه.
قالت لارا:
نظر إليها الرجل، ثم أنزل المصباح اليدوي إلى جانبه.
قال مازن:
لكن سليم لم يلتفت إليه.
"بالمفتاح."
"ومن أعطاك المفتاح؟"
"لم يعطني أحد. كان عندي منذ زمن."
تقدمت لارا خطوة أخرى.
أجابها بعد لحظة:
قال مازن ساخرًا:
لكن الرجل تجاهله.
ظل ينظر إلى لارا فقط.
قالت لارا ببطء:
تحرك فكّه كأن الإجابة مؤلمة.
"إذن قلها."
تأخر.
ساد الصمت.
حتى مازن لم يجد تعليقًا سريعًا.
أما ياسمين، فقد وضعت يدها على فمها، كأن الجملة خرجت أقسى مما توقعت.
قال سليم ببطء شديد:
هزّ الرجل رأسه.
"نعم."
"بواسطة من؟"
رفع فؤاد عينيه نحو سليم هذه المرة، ثم نظر إلى لارا من جديد.
قال سليم:
"ليس بهذه الطريقة." رد فؤاد، وفي صوته لأول مرة شيء يشبه الرجاء. "هناك أشياء إذا قيلت دفعة واحدة ستؤذي أكثر مما تشرح."
أجابه سليم ببرود جارح:
"ولا أنا أهتم بها." قال الرجل. "لكنني أهتم بما ستعرفه هي."
التفتت لارا إلى سليم للحظة، ثم عادت إلى فؤاد.
لم ينكر.
قال فقط:
اتسعت نظرة ياسمين، بينما استدار مازن فورًا نحو سليم، متفحصًا ردة فعله.
لكن سليم لم يتغير كثيرًا.
قالت لارا:
أخذ فؤاد نفسًا عميقًا.
قال سليم بصوت منخفض، صارم:
أجابه فؤاد بنظرة ثابتة.
مرّت لحظة قصيرة، مشدودة إلى حد الانقطاع.
ثم قال مازن:
لكن فؤاد لم يشرح مباشرة.
بل اتجه ببطء نحو المكتب القديم، ووضع المصباح فوقه، ثم سحب درجًا سفليًا بصعوبة. أخرج منه ملفًا بنيًا قديمًا، مربوطًا بخيط أسود.
شهقت لارا دون سبب واضح.
رفع فؤاد الملف بيده، ثم قال:
نظر إلى لارا.
أجابت فورًا:
"ومن أرسلها؟"
"لا أعرف."
"هل كنتِ وحدك عندما قرأتها؟"
قطبت حاجبيها.
أخفض الرجل رأسه كأن الإجابة لم تُرِحه.
سأله سليم:
رد فؤاد بحدة مفاجئة:
ساد الصمت مرة أخرى.
قالت ياسمين بصوت متوتر:
أجابها الرجل دون أن ينظر إليها:
شعر الجميع ببرودة تسري في المكان.
اقترب سليم من المكتب.
لكن فؤاد لم يمدّه إليه.
بل التفت إلى لارا.
"هذا لكِ."
مدّ الملف نحوها.
ترددت لحظة… ثم أخذته.
كان أثقل مما يبدو.
قال سليم بحدة خفية:
لكن فؤاد قال فورًا:
استدار سليم إليه.
قال الرجل بصوت خافت:
تجمدت لارا.
كان في الجملة اعتراف غير مباشر.
رفعت عينيها إليه.
لأول مرة، بدا فؤاد عجوزًا حقًا.
كأن السؤال سرق منه سنوات إضافية في ثانية واحدة.
"كنت هنا."
ابتلعت لارا ريقها.
همس:
لم يعد الهواء في الغرفة يكفي.
شعرت ياسمين أن قلبها يدق بسرعة مؤلمة.
قال سليم ببطء:
لكن قبل أن يجيب فؤاد—
جاء الصوت من الخارج.
في الحديقة الخلفية.
صوت محرك سيارة توقف بسرعة.
نظر الجميع نحو النافذة في اللحظة نفسها.
وتحوّل وجه فؤاد إلى لون شاحب مفاجئ.
همست لارا:
رد بصوت خرج بالكاد:
"لقد وجدونا."
تقدم سليم خطوة إلى النافذة، وأزاح طرف الستارة قليلًا.
رأى أضواء سيارة داكنة، ورجلين يخرجان منها بسرعة متعمدة.
ثم… رأى ما جعل يده تشتد على القماش.
لم يكونا غريبين تمامًا.
كان أحدهما يعمل منذ سنوات في شركات السيوفي.
أما الآخر…
فكان الحارس الشخصي لناهد.
استدار ببطء نحو الباقين.
وسقطت الحقيقة الأولى، باردة وحادة:
"أمي أرسلت رجالها إلى هنا."
وفي تلك اللحظة، أدركت لارا أن الخطر لم يكن في الماضي وحده…
بل في البيت الذي عادت إليه.
لم يكن الطريق الذي دخلوه طريقًا عاديًا، كان ضيقًا إلى حد أن الأشجار على الجانبين بدت وكأنها تنحني لتراقبهم، وكانت الأرض غير ممهدة، تتكسر تحت العجلات، وكل اهتزاز في السيارة كان ينعكس داخلهم بشكل أقوى، كأن ما يحدث في الخارج لم يعد منفصلًا عما يحدث في داخلهم، وكأن الحقيقة نفسها بدأت تأخذ شكلًا ملموسًا، شيئًا يمكن الاصطدام به.لكن رغم كل ذلك، لم يعد أي منهم يفكر في المطاردة فقط، لأن ما قيل قبل دقائق كان كافيًا ليعيد تشكيل كل شيء، كل ذكرى، كل علاقة، كل نظرة كانت تُفهم بطريقة معينة وأصبحت الآن تحمل معنى آخر، معنى أكثر ظلامًا.ناهد لم تعد مجرد امرأة قوية تسيطر على البيت، ولم تعد مجرد زوجة الأب التي تحاول الحفاظ على النظام بأي ثمن، بل أصبحت فجأة احتمالًا، احتمالًا مرعبًا، أن تكون هي من خططت لكل شيء، أن تكون هي من وضعت البداية، وأن كل ما عاشوه بعدها لم يكن سوى نتيجة.قبض سليم على المقود، لكنه هذه المرة لم يكن يقود فقط، بل كان يفكر
لم يكن الطريق أمامهم واضحًا كما كان قبل دقائق، ولم يكن الظلام في الخارج مجرد غياب للضوء، بل أصبح انعكاسًا لما يحدث داخل السيارة، داخل عقولهم، داخل تلك الفجوة التي بدأت تتسع بين ما كانوا يعرفونه وما بدأ يظهر الآن، فجأة، وبقوة لا تسمح بالهروب أو التأجيل.السيارة التي كانت تلاحقهم لم تعد مجرد تهديد بعيد، بل أصبحت قريبة إلى درجة أن أضواءها كانت تملأ الزجاج الخلفي بالكامل، كأنها تريد ابتلاعهم، لا مجرد مطاردتهم، ومع كل محاولة اقتراب كانت تضغط أكثر، وكأن من يقودها لا يهتم إن كانت هذه المطاردة ستنتهي بحادث، أو بكشف، أو بشيء أسوأ بكثير.لكن رغم ذلك، لم يكن أي منهم يفكر في الخطر الخارجي بقدر ما كان يفكر في ما قيل قبل لحظات، في الاسم، في الجملة، في الاحتمال الذي لم يكن أحد منهم مستعدًا لمواجهته.ناهد.ثم الفكرة الأكثر رعبًا.أن الهدف لم تكن الطفلة.
لم يكن هناك شيء طبيعي في تلك اللحظة، لا في سرعة السيارة، ولا في صوت المحرك الذي ارتفع كأنه يحاول الهروب قبلهم، ولا في الأضواء التي تلاحقهم خلف الزجاج كأنها عيون لا ترمش، لكن كل ذلك لم يكن أهم من الورقة التي تمسكها لارا بين يديها، الورقة التي أصبحت فجأة أثقل من كل شيء، أثقل من الخوف نفسه، لأن ما كُتب فيها لم يكن مجرد اسم، بل كان بداية انهيار فكرة كاملة عاشوا عليها لعشرين عامًا.كانت أنفاسها غير منتظمة، وعيناها تتحركان بين السطر والآخر كأنها لا تصدق ما تقرأه، أو ربما تحاول أن تجد تفسيرًا مختلفًا، تفسيرًا أقل قسوة، أقل خيانة، لكنها لم تجد، لأن الحروف كانت واضحة، قاسية، لا تقبل التأويل، اسم مكتوب بخط ثابت، دون ارتباك، دون شك، وكأن من كتبه كان يعرف تمامًا أن هذه اللحظة ستأتي، وأن هذا الاسم سيُقرأ يومًا ما.قال سليم دون أن يلتفت إليها، لكنه كان يسمع كل شيء في صوتها قبل أن تنطق به "من؟" وكانت الكلمة قصيرة، لكنها خرجت مشدودة، وكأنها تحمل داخلها أكثر مما تحتمل.
لم يكن الاصطدام مجرد ضربة على هيكل السيارة…بل كان إعلانًا بأن الهروب لم يعد خيارًا بسيطًا.اهتزت السيارة بعنف، وانحرفت قليلًا قبل أن يستعيد سليم السيطرة عليها بصعوبة.صرخت ياسمين، تمسكت بالمقعد أمامها بكل قوتها."سليم!"لكن سليم لم يجب.كانت عيناه مثبتتين على الطريق،ويداه مشدودتان على المقود كأنهما تحاولان كسر الحديد نفسه.في المرآة…الأضواء اقتربت أكثر.قال مازن بحدة:"سيصدموننا مرة ثانية."رد سليم بسرعة:"لن أعطيهم الفرصة."ضغط على البنزين.المحرك صرخ.السيارة اندفعت للأمام…لكن المطاردة لم تتراجع.بل ازدادت شراسة.في الخلف—السيارة الأخرى غيرت مسارها،اقتربت من الجانب هذه المرة."يسار!" صرخ مازن.لف سليم المقود بسرعة،فتفادت السيارة الضربة بالكاد.لكنهم لم يكونوا يهربون فقط…كانوا يُحاصرون.في الداخل—لم يعد الخطر خارج السيارة فقط.كان بينهم.
لم تكن مجرد زيارة.حين قال سليم:"أمي أرسلت رجالها إلى هنا"…لم يكن يُخبرهم بشيء جديد،بل كان يفتح بابًا لم يكونوا مستعدين لعبوره.في تلك اللحظة،تغيّر كل شيء.لم يعد البيت القديم مجرد جدران متآكلة تخفي أسرارًا…بل صار مصيدة.تجمدت لارا في مكانها،وكأن الأرض سحبت منها القدرة على الحركة."لماذا؟" همست.لكن السؤال سقط في الفراغ.لأن الإجابة لم تعد مهمة.السؤال الحقيقي كان:ماذا تعرف ناهد؟اقترب مازن من النافذة بحذر،جسده مشدود كوتر مشدود أكثر مما ينبغي.
لم يكن الصوت الذي سمعوه في الجهة الخلفية من البيت مجرد وهم سببه التوتر.كان واضحًا.خطوة… ثم أخرى.ثقيلة بما يكفي لتقول إن هناك أحدًا يتحرك فعلًا، وحذرة بما يكفي لتقول إن هذا الشخص لا يريد أن يُرى.تجمدت ياسمين مكانها، والتصقت عيناها بالممر الضيق المؤدي إلى مؤخرة المنزل.أما مازن، فرفع هاتفه أكثر، موجّهًا ضوءه إلى العتمة، وقال بصوت خافت أقرب إلى الهمس:"حسنًا… هذه ليست مصادفة جميلة."لم ترد لارا.كانت لا تزال ممسكة بالرسالة، تقرأ سطرها في ذهنها مرة بعد أخرى، كأن الكلمات تغيّر معناها كلما أعادت النظر فيها:"إذا وصلتِ إلى هذا البيت، فلا تثقي بسليم السيوفي… لأنه أقربهم إلى الحقيقة، وأقربهم إلى الخطر."أقربهم إلى الحقيقة؟وأقربهم إلى الخطر؟رفعت عينيها ببطء نحو سليم.كان واقفًا على بعد خطوات منها، ملامحه مشدودة، ونظره ثابت في اتجاه الصوت. لم يسألها عمّا تقرأ، ولم يحاول أخذ الرسالة منها مجددًا. وكأن وجود شخص آخر في البيت صار أكثر إلحاحًا من كل شيء.قال سليم بصوت منخفض، لكنه حاسم:"ابقوا هنا."رد مازن فورًا:"لن يحدث. إذا كان هناك أحد يراقبنا من الداخل، فلن أتركك تأخذ المشهد كله وحدك."ألقى







