LOGINكان الوقتُ قد تجاوز منتصف الليل بساعات طويلة، و السكون التام يلف أرجاء الجناح الدافئ استلقت علياء على السرير، واضعةً رأسها فوق صدر يوسف العاري العريض، بينما كانت أصابعه الطويلة تتخلل شعرها الأسود المنساب بنعومة تامة و هدوء لم تعهده من قبل تحت الضوء الخافت للمصباح الجانبي، شعرت علياء بأن الجدران التي فصلت بينهما لسنوات قد تلاشت بالكامل، و لم يبقَ سوى هذا النبض المشترك و الأمان الذي غسل روحها من عناء الأيام المرة . رفعت عينيها الواسعتين ببطء لتتأمل معالم وجهه المسترخي، و قالت بصوت خافت، ناعم، و بسيط لامس سكون الغرفة رفعت علياء عينيها إليه و قالت بهدوء: — يوسف... أريد أن أسألك شيئاً. ابتسم و هو يمرر أصابعه بين خصلات شعرها. — اسألي ما تشائين. ترددت قليلاً قبل أن تقول: — لماذا أعطيت ملفات والد سليم لسارة؟ كنت تعلم أنها ستستخدمها ضده. ساد الصمت للحظات. ثم تنهد يوسف و قال: — لأنني كنت أريد معرفة الحقيقة. عقدت حاجبيها و قالت — أي حقيقة؟ أجاب بهدوء: — عندما عدت و رأيتك مع سليم، كنت سعيدة يا علياء. و رغم كل ما شعرت انا به وقتها، قررت ألا أتدخل. نظرت إل
عادت السيارة الفخمة لتخترق البوابات الحديدية الشاهقة لقصر يوسف، لكن هذه المرة، لم يكن الجو المحيط بالمكان يحمل ذات البرودة و الوحشة السابقة. ترجلا معاً، و خطت علياء داخل الصالة الواسعة بخطوات هادئة، ممسكة بكف يوسف الدافئة التي لم تترك أصابعها منذ أن غادرا حدود الجنوب. صعدا السلالم المؤدية إلى الجناح الخاص بيوسف، حيث كان السكون التام يلف المكان. فور أن انغلق الباب خلفهما، انقطع صخب العالم الخارجي بالكامل، و تلاشت كل الضغوط، ليحضر السلام الذي طال انتظاره لسنوات طويلة. التفت يوسف بكامل قامته نحوها. نزع معطفه الداكن ورماه جانباً، تلتفت علياء لتخلع معطفها الثقيل، لكن يوسف يسبقها. تلامس أصابعه كتفيها برقة و هو يساعدها، و يبقى واقفا خلفها مباشرة. يشعر برعشتها الخفيفة، ليرفع يديه ببطء و يحيط خصرها من الخلف، و يدفن وجهه في انحناءة عنقها، يتنفس عطرها الذي حلم به لسنوات يهمس يوسف "أنتِ هنا.. أليس كذلك؟ لستُ حلمًا سأستيقظ منه بعد قليل لأجد نفسي في غرفتي الباردة وحيدا تضع علياء يديها فوق يديه المحيطتين بخصرها، و تغمض عينيها و هي تشعر بضربات قلبه
انغلق الباب الخشبي لبيت العامّة خديجة وراءهما، و حلّ سكون الصباح مجدداً فوق مسارات بلدة الجنوب. صعدت علياء إلى مقعد السيارة و هي تشعر بخفة غريبة في صدرها، كأن الحجر الذي ربض فوق أنفاسها لسنوات قد تفتت بالكامل بعد أن تبرأت من عقدة ذنبها القديمة. أدار يوسف المحرك، و انطلقت السيارة بهدوء وسط الحقول الممتدة. التفت نحوها بنظرة خاطفة، وارتسمت على شفتيه تلك الابتسامة المخملية الدافئة التي تذيب جليد الصمت، و قال بنبرة هادئة حملت تسلية عذبة " الان.... قابلتي حبيبتي" التفتت إليه علياء بسرعة، تجمع ملامحها بين الدهشة و محاولة قراءة ما خلف كلماته. صمتت لثوانٍ، ثم سالته بنبرة مرتعشة لكنها مليئة بالفضول : :"وكيف وجدتها؟ هل كانت كما تركتها.. أم أن الغياب غيّر ملامح الروح؟" ابتسم يوسف ابتسامة تحمل مرارة السنين و شوقها. يهدئ من سرعة السيارة، و يلتفت إليها بكامل جوارحه ليرد عندما عدتُ من الخارج قبل سنوات وبدأتُ ببناء إمبراطوريتي، كان أول شيء فعلته هو أنني جئتُ إلى هنا، إلى هذه البلدة بالذات، باحثاً عنكي. كنتُ أضع عيني في الأفق وأتوقع الكثير؛ قلتُ لنفسي ربما أص
نظرت العجوز خديجة إلى علياء بدموع حارة انهمرت فوق تجاعيد وجنتيها، و قالت بصوت أبحّ و مخنوق باللوعة:— والدكِ يا علياء... "حسن الحسيني"، كان يعشق الأرض، و يعشقكِ أنتِ بالذات أكثر من روحه. في عامكِ التاسع، و تحديداً بعد أيام معدودة من رحيل الصبي يوسف وعائلته خارج حدود البلدة، كنت منهاره في ذلك الوقت لرحيل يوسفو لكن حدث ما كسر ظهرنا جميعاً .توقفت علياء عن التنفس، و شعرت بفراغ عامها التاسع يضيق حول عنقها كالمقصلة. و فتحت شفتيها لتسأل بصوت مخنوق و مشتت:— الحادث الذي مات فيه ابي ؟يا عمتي خديجه... أنا لا أذكر شيئاً واضحاً عن تلك الأيام. مجرد ضباب لم تحدثني امي يوما كيف مات ابي كلما سالتها كانت تدمع عيناها و تصمت و لما شعرت بحزنها لم اعد اسالها أرجوكِ، يا عمتي اخبريني تنفست علياء بعمق و قالت أخبريني كيف مات أبي؟تنهدت العجوز بمرارة، و نظرت الي يوسف ثم إلى علياء بشفقة ناصعة:
انفتح الباب الخشبي العتيق ببطء شديد. وظهر وجه العجوز خلفه. كانت امرأة تجاوزت السبعين من عمرها، حفرت السنوات أخاديدها فوق وجهها النحيل، وغطى الشيب شعرها بالكامل تحت شال صوفي أبيض. رفعت عينيها الضعيفتين نحو الزائرين. في البداية نظرت إلى يوسف. ثم انتقلت نظرتها إلى علياء الواقفة بجانبه. وفجأة... تجمدت. اتسعت عيناها شيئاً فشيئاً. واهتزت شفتاها كأنها تحاول نطق اسم مستحيل. سقطت العصا الخشبية من يدها وارتطمت بالأرض. — مستحيل ... خرجت الكلمات منها كهمس مرتعش. حدقت في وجه علياء طويلاً. حتى بدأت علياء تشعر بعدم الارتياح. ثم رفعت العجوز يدها المرتعشة نحوها. — علياء...؟ ارتجف قلب علياء. لا تعرف لماذا. ولا كيف. لكن سماع اسمها من هذه المرأة الغريبة أشعرها بشيء غير مريح. شيء قديم. وموجع. — نعم... قالتها بحذر. فانهمرت الدموع من عيني العجوز فجأة. — يا إلهي... ثم اقتربت خطوة. — لقد كبرتِ كثيراً. تبادلت علياء و يوسف نظرة سريعة. و رأت في عينيه هدوءاً غريباً. كأنه كان يتوقع كل هذا. تنحنح يوسف بخفة. و انحنى ليلتقط العصا من الأرض. ثم أعادها إلى يد العجوز بلطف. — صباح الخير
انفتح باب الغرفة الخشبية أخيراً بعد أن أدار مالك المفتاح من الخارج.صدر صرير خافت من المفصلات القديمة، وكأنه يعلن انتهاء ليلة لم تكن عادية بالنسبة لأي واحد منهم.رفع مالك بصره نحو علياء و يوسف داخل الغرفة، لكنه لم ينطق بكلمة.لم يكن بحاجة إلى ذلك.فالصمت الذي يملأ المكان كان أثقل من أي حديث.خرج يوسف أولاً.ثم تبعته علياء.بينما تأخر مالك قليلاً قبل أن يغلق الباب خلفهم.كان الممر الخشبي المؤدي إلى غرف النزل هادئاً بشكل غريب.حتى خطواتهم بدت مكتومة.سارت علياء دون أن تنظر إلى يوسف.ودون أن تتحدث.كانت كلمات السابقه ما تزال تتردد داخل رأسها كأصداء بعيدة لا تتوقف.طفولتها.هذه البلدة.الصبي الذي زعم...... يوسف أنه كان يعرفها و هي طفلهالدمية الخشبية.و الفراغ الغريب الذي اكتشفته فجأة داخل ذاكرتها.شعرت وكأن أحدهم فتح شقاً صغيراً في جدار قديم داخل عقلها.شقاً لم يسمح بعد للحقيقة بالظهور...لكنه سمح للشك بالدخول.وذلك كان كافياً ليحرمها الراحة.عندما وصلت إلى باب غرفتها توقفت.أخرجت المفتاح ببطء.ثم التفتت دون إرادة.كان يوسف ما يزال واقفاً في الطرف الآخر من الممر.لم يحاول الاقتراب.ولم ي







