Masukوجهه.
وسيم بشكل غير منطقي. ملامح حادة وباردة، وعينان ثابتتان تحملان ذلك النوع من النظرات الذي يجعل الشخص يشعر وكأنه مكشوف بالكامل. ابتلعت ريقها بصعوبة. “يا إلهي…” اتسعت ابتسامته الخفيفة بالكاد. “يبدو أنكِ لم تلاحظيني.” شعرت بالحرج يضربها أخيرًا. هذا أسوأ شيء حدث لها منذ شهور. دخلت مكتب رجل غريب. خلعت حذاءها. ثم بدأت بإهانة الشركة أمامه. ممتاز يا علياء. “أنا… آسفة.” قالتها بسرعة وهي تنحني لتلتقط حذاءها. “كنت أظن المكتب فارغ.” “واضح.” احمرّ وجهها أكثر. كان هادئًا بشكل مستفز. لا يبدو غاضبًا. ولا منزعجًا. بل بدا وكأنه يستمتع بالمشهد فعلًا. ارتدت حذاءها بسرعة، ثم حملت حقيبتها وهي تتجه نحو الباب. “سأخرج فقط وكأن شيئًا لم يحدث.” “متأخرة على المقابلة؟” توقفت يدها فوق المقبض. ثم التفتت نحوه بحذر. “واضح لهذه الدرجة؟” “أنتِ تبدين كشخص مستعد لقتل موظف موارد بشرية.” ضحكت رغماً عنها. ضحكة قصيرة خرجت قبل أن تتمكن من منعها. وللمرة الأولى منذ دخولها، لاحظت التغيير الخفيف في نظرته. وكأنه لم يتوقع منها أن تضحك. “بصراحة؟” قالت وهي ترفع حاجبًا. “هذا احتمال وارد.” راقبها الرجل بصمت لثوانٍ. كانت مختلفة. هذا أول ما خطر بعقله. لا تشبه النساء اللواتي يقابلُهن يوميًا. لا تتصنع الرقة. ولا تحاول إثارة إعجابه. بل حتى إنها لا تبدو مهتمة أصلًا بمن يكون. وهذا وحده كان نادرًا بما يكفي لجذب انتباه سليم الألفي بالكامل. “وظيفة ماذا؟” سألها فجأة. رفعت علياء كتفيها وهي تتنهد. “مساعدة إدارية لأحد المديرين.” ثم أضافت بسخرية: “إذا وصلت أصلًا للمقابلة قبل سن التقاعد.” ظهرت ابتسامة خافتة على زاوية شفتيه. ابتسامة صغيرة جدًا… لكنها كانت حقيقية. شيء لم يحدث كثيرًا داخل هذه الغرفة. راقبها وهي تعود للمقعد دون أن تشعر، ثم تبدأ بترتيب الأوراق داخل حقيبتها بعصبية. كانت جميلة. بشكل خطير. ليس ذلك الجمال البارد والمبالغ فيه الذي اعتاد رؤيته في الحفلات الراقية… بل جمال حي. فوضوي قليلًا. وحقيقي بشكل مزعج. شعرها الطويل بدا وكأنه تمرد على محاولاتها لترتيبه، وعيناها الواسعتان كانتا مليئتين بالحياة رغم توترها الواضح. “وأنت؟” رفع حاجبه ببطء. “أنا؟” “أيوه أنت.” أشارت نحوه بقلمها دون تفكير. “طالما سمحتلي أحتل مكتبك خمس دقايق يبقى لازم أعرف أنت مين.” راقبها بصمت قصير. أي شخص آخر داخل الشركة كان سيرتجف قبل أن يسأله هذا السؤال بهذه العفوية. أما هي… فبدت وكأنها تتحدث مع شخص عادي تمامًا. قال أخيرًا: “أعمل هنا.” ضيقت عينيها بشك. “إجابة غامضة جدًا.” “وربما لا أحب الأسئلة الكثيرة.” “وربما أنا فضولية.” مرة أخرى… تلك الابتسامة الصغيرة ظهرت فوق شفتيه. شعرت علياء بالانتصار بطريقة سخيفة. على الأقل الرجل ليس تمثالًا متحركًا بالكامل. تجولت عيناها بالمكتب مجددًا. ثم صفرت بخفة. “على فكرة… إذا ده مكتب موظف عادي، فأنا اخترت التخصص الخطأ فعلًا.” نظر إليها سليم للحظة طويلة، قبل أن يسأل بهدوء: “ما الذي تتوقعينه من الشركة؟” سؤال غريب. لكنه جعلها تفكر فعلًا. عضّت شفتها السفلى قليلًا قبل أن تقول: “لا أعرف… فرصة ربما.” “فرصة؟” “أن أبدأ شيئًا يخصني.” قالت وهي تنظر نحو النافذة. “تعبت من الشعور أن حياتي واقفة.” ساد الصمت للحظات. لكنه لم يكن صمتًا مريحًا. كان ذلك النوع من الصمت الذي يجعل الشخص يشعر أن الطرف الآخر يراه أكثر مما يجب. ثم فجأة… دُفع باب المكتب بعنف. دخلت امرأة أنيقة تبدو في منتصف الثلاثينات وهي تلهث بوضوح. “سيدي، الاجتماع سيبدأ خلال—” توقفت الكلمات داخل حلقها فور أن وقعت عيناها على علياء. ثم شحب وجهها بالكامل. “آنسة علياء؟!” رمشت علياء بارتباك. “أنتِ تعرفينني؟” لكن المرأة لم تنظر إليها أصلًا. كانت تنظر إلى الرجل خلف المكتب برعب حقيقي. “أنا آسفة جدًا سيدي… السكرتيرة الجديدة أخطأت بالطابق و—” توقفت علياء فجأة. انتظري. “سيدي؟” التفتت ببطء نحو الرجل الجالس بهدوء خلف المكتب. ثم نحو المكتب الضخم. ثم نحو المرأة المرتبكة. وفجأة… شعرت بمعدتها تهبط حرفيًا. لا. لا يمكن. رفع الرجل عينيه إليها أخيرًا، قبل أن يقول بصوت هادئ كفاية ليقتلها من الإحراج: “يبدو أنكِ أخيرًا عرفتِ من أكون.” اتسعت عينا علياء بصدمة. “أنت… أنت سليم الألفي؟!” ولأول مرة منذ سنوات طويلة… ضحك سليم الألفي فعلًا.دلف يوسف الكيلاني إلى داخل المطعم الهادئ بكامل قامته الفارهة وهيبته الطاغية . و ما إن وصل إلى الطاولة المستديرة، حتى تبددت كل ملامح الجدية الصارمة عن وجهه، و حلّ مكانها ذلك النقاء الدافئ الذي يخبئه خصيصاً لعالم علياء ما إن لمحته علياء حتى ارتسمت ابتسامة تلقائية على وجهها. اقترب من الطاولة بخطوات هادئة، و ما إن وصل حتى صافح نور و دينا بابتسامة ودودة. جلس يوسف بجانب علياء، وضغط على كفها برفق تحت الطاولة ليمنحها أمانه الصامت، وقال. و الان اخبراني. : — اريد ان اسمع الكثير من الأسرار اليوم. نظرت علياء اليه و دون أن تنتبه. كان وجوده كافياً ليخفف التوتر الذي ظل يلاحقها منذ مغادرتها الأتيليه. و سرعان ما تحولت الجلسة إلى حديث مليء بالذكريات. قالت نور: — هل أخبرتك يوماً كيف كانت علياء في الجامعة؟ رفع يوسف حاجبه باهتمام. — لا، لكني متحمس لسماع الفضائح. احتجت علياء فوراً:— لا توجد فضائح. ضحكت دينا وقالت:— بالطبع توجد. ثم التفتت إلى يوسف: — كانت تخيف نصف الطلبة في الكلية. — دينا! قال يوسف و هو يبتسم: — في الواقع لن اندهش. فهي تخيفني احيانا و غمز ل علياء ضحكوا
جلست علياء في زاوية المطعم الهادئ برفقة نور و دينا. كانت أكواب الشاي الساخن أمامهن ، بينما تحاول نور إعادة الأجواء المرحة بالحديث عن فساتين الزفاف و الذكريات القديمة في الجامعة. — أتذكران عندما طردتنا الدكتورة من المحاضرة؟ ضحكت دينا و قالت: — طردتكِ أنتِ فقط، نحن كنا ضحايا أبرياء نلنا العقاب بسببك — أبرياء؟! أنتما من دفعتاني للكلام أصلاً. ابتسمت علياء مجاملة، لكنها لم تكن تتابع الحديث فعلاً. لاحظت نور ذلك فقالت: — علياء... ما زلتِ تفكرين في ما حدث؟ رفعت علياء رأسها سريعاً. — لا شيء مهم. بادلتها نور نظرة لا تصدقها. — حقا لا شيء مهم لنطلب. الطعام اشعر بالجوع الشديد. ردت علياء ،و في نفس اللحظه اهتز هاتفها فوق الطاولة. ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهها فور أن رأت الاسم المضيء على الشاشة.... يوسف. قالت بابتسامه عريضه و بفخر ل اصدقائها :_ زوجي يتصل ابتسمت نور و دينا عندما رئوا سعادتها التقطت الهاتف سريعاً و أجابت بنعومه : — مرحباً. جاءها صوت يوسف هادئاً كعادته: — مرحباً يا جميلتي ... كيف تسير مهمة البحث عن فستان الزفاف؟ ارتاحت ملامحها دون أن تشعر فور سماع صوت
بعد دقائق قليلة، انفتحت الستارة المخملية للأتيليه بعجلة، و دخلت نور وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة. رفعت حقيبتها في الهواء و قالت و هي تلهث: — أقسم أن هذه المدينة قررت الانتقام مني اليوم... لم أرَ ازدحاماً كهذا منذ سنوات. لكن كلماتها توقفت فجأة. تجمدت في مكانها. كانت تتوقع أن ترى علياء تدور أمام المرآة بسعادة، أو تضحك وهي تجرب أول فستان زفاف في حياتها. لكن المشهد الذي رأته كان مختلفاً تماماً. وقفت علياء أمام المرآة كتمثال من الجليد. وجهها شاحب. عيناها ثابتتان على نقطة مجهولة. و فوق المقعد القريب كان هناك فستان أبيض آخر لم تره من قبل. شعرت نور بانقباض في صدرها. اقتربت بسرعة.— علياء؟ لم يصلها رد. فأمسكت بذراعها.— علياء... ماذا حدث؟ انتبهت علياء أخيراً لوجودها. رفعت رأسها ببطء. لكن نظرتها كانت مختلفة باردة حادة. و مليئة بأفكار تدور بسرعة داخل عقلها. قالت نور بقلق أكبر: — أخفتني... ماذا جرى هنا؟ صمتت علياء للحظة. كانت لا تزال تسمع صوت سليم يتردد داخل رأسها. "الأيام القادمة ستجبركِ على العودة." "ستأتين بنفسك." لم تكن الكلمات نفسها هي ما أخافها. بل الثقة المطلقة ال
يبدو هذا الفستان جميلاً وناعماً عليكِ يا علياء... لكنني في الواقع أفضّل هذا الثوب الذي أحمله بيدي، و أراه يضفي سحراً يليق بكِ بأكثر بكثير سيليق بزفاف عائلة الالفي انزعجت علياء بالكامل، و اشتعل بداخلها غيط حانق جرد الحجرة من سلامها الصباحي . التفتت نحو جسده بكامل قامتها، و ضمت ذراعيها بقوة فوق صدرها بحذر شديد، وقالت بصوت جليدي حاد قطعت به وقاحته: — سليم؟! لتذهب انت و عائله الالفي للجحيم ؟ و كيف تجرؤ على اقتحام خصوصيتي و تتبعي إلى هذا المكان؟! اخرج فوراً! ابتسم سليم ابتسامة صغيرة، باردة بؤس و خالية من أي ود، و تقدم خطوة واحدة ألغت المسافات، و قال بتهكم واستعلاء مرير: — ومنذ متى يحتاج الرجل لإذن ليتحرك في مدينته؟ ألا يحق لي كزوج أن أختار مع عروسي الثوب الأبيض الذي سترتديه ليلة زفافنا الكبرى؟ ضاقت عينا علياء بغضب ضارٍ، و شعرت برعب مكتوم من فرط ثقته المخيفة، و هتفت بضيق ونفاد صبر: — زفافنا؟! أنت حتماً فقدتَ عقلكَ وجنونك أطاح بما تبقى من إنسانيتك! سارة البلتاجي دُفنت منذ يومين ، و أنت تقف الليلة لتهذي بكلمات مريضة! انصرف من أمامي الآن و دعني و ش
كان الأتيليه هادئاً و أنيقاً جدا تملؤه فساتين الزفاف البيضاء المعلقة بعناية على الجوانب. وقفت علياء تتجول بين الفساتين و هي تتأمل التفاصيل بابتسامة خفيفة، تساعدها احدي العاملات في الاتيليه بينما تنتظر وصول نور. رن هاتفها فجأة. ابتسمت عندما ظهر اسم صديقتها نور على الشاشة. علياء — أخيراً، أين أنتِ؟ جاءها صوت نور متوتراً وسط ضوضاء السيارات: نور — لا تقتليني، أرجوكِ! أنا عالقة في زحمة مرورية كارثية. هناك حادث على الجسر و كل شيء متوقف. ضحكت علياء بخفه — اهدئي، اعدك انا لم أصل إلى مرحلة القتل بعد. زفرت نور ارتياح :— متأكدة؟ علياء بهدوء: — نعم لا تقلقي نور :— إذاً امنحيني نصف ساعة فقط. علياء :— خذي وقتكِ وتحركي بهدوء، لا أريدكِ أن تتهوري بسبب فستان. تنهدت نور براحة:— لهذا أحبك. علياء :— وأنا أيضاً، الآن ركزي على الطريق. أغلقت المكالمة و أعادت الهاتف إلى حقيبتها. نظرت حولها مرة أخرى. ثم قالت لنفسها:— طالما أن نور ستتأخر، فلأبدأ وحدي. اختارت فستاناً بسيطاً و أنيقاً، لا يبالغ في الزخارف و لا يبدو متكلفاً. و بعد دقائق، ساعدتها العاملات على ارتدائه.
في صباح اليوم التالي، غمرت أشعة الشمس الجناح الواسع، فبدت الأجواء مشرقة ومريحة على غير العادة. كان يوسف يقف أمام المرآة يرتدي سترته الرسمية و يستعد للذهاب إلى الشركة، بينما يحتسي آخر رشفة من قهوته بهدوء. في تلك اللحظة، انفتح باب الحمام و خرجت علياء بخطوات سريعة و مليئة بالحماس. التفت يوسف نحوها، فتوقفت يده في الهواء للحظة و هو يتأملها كانت مختلفة تماماً عن الأيام الماضية. وجهها مشرق. و عيناها تلمعان بالحيوية. و ترتدي ملابس أنيقة تدل بوضوح على أنها تستعد للخروج. ابتسم يوسف و قال و هو يرفع حاجبه: — صباح الخير... ما كل هذا النشاط؟ اقتربت منه علياء وهي تبتسم. — لماذا؟ هل يمنع القانون أن أستيقظ سعيدة؟ ضحك يوسف. — لا، لكني اعتدت أن أراكِ تحتاجين ثلاث فناجين قهوة قبل أن تتحدثي مع أي إنسان. ضحكت و هي تعدل ياقة قميصه. — هذا كان قديماً. — إذن أخبريني، ما سر هذه الابتسامة؟ رفعت رأسها نحوه وقالت بحماس واضح: — لأنني اتخذت قراراً مهماً. — أخشى من القرارات المهمة عندما تصدر منكِ بهذا الحماس. ضربته بخفة على ذراعه. — يوسف! ضحك واستسلم: — حسناً، تفضلي. وضعت يديها على







