LOGINاتسعت عيناه برعب وقلق حقيقيين، فانحنى أمامها بسرعة على ركبتيه وجذبها إليه قائلاً بصوت متهدج:
• لين... ماذا بكِ؟ تكلمي، أخفتِني! هل أنتِ مريضة؟ رفعت رأسها بصعوبة بالغة، ونظرت إليه بعينين ذابلتين، وهمست بين أنفاسها المتقطعة والباكية: • بطني... يؤلمني كثيراً... لا أحتمل... ازداد قلقه وتملكه الذعر، ومد يديه ليقودها قائلاً بحزم وخوف: • هيا، سنذهب إلى المستشفى حالاً، سأحملكِ! هزت رأسها بالنفي بسرعة وهي تحاول التقاط أنفاسها وسط خجلها الشديد منه: • لا... لا داعي للمستشفى... إنها... الدورة الشهرية فقط. تجمد ريان في مكانه للحظة، واستوعب طبيعة الأمر، وفهم سبب الألم الشديد، لكن رؤيتها تبكي وتتألم بهذه الطريقة المأساوية لم تطمئن قلبه أبداً. قال بنبرة هادئة ودافئة للغاية، خالية من أي أثر لغضب الأمس: • حتى لو كان السبب معروفاً وطبيعياً، لا يجب أن تتحملي هذا الألم الفظيع وحدكِ وأنتِ على البلاط البارد. ثم انحنى، وحملها برفق شديد بين ذراعيه العريضتين، كأنها قطعة من الزجاج الثمين يخشى عليها أن تنكسر من أقل لمسة. شهقت لين بخفة من المفاجأة، وقالت بنبرة خجولة وصوت مبحوح: • ريان... أنزلني أرجوك، أستطيع المشي... هز رأسه رافضاً بقوة ودون نقاش: • لا، أنتِ بالكاد تستطيعين التقاط أنفاسكِ، فكيف بالوقوف؟ خرج بها من الحمام، ووضعها برفق ولطف على السرير الوثير، ثم جذب الغطاء السميك عليها ودثرها بالبطانية بعناية. جلس بجانبها على حافة السرير، وسألها بصوت خافت وهو يمسح خصلات شعرها المبللة بدموعها: • هل يحدث لكِ هذا الألم الشديد في كل مرة؟ أومأت برأسها بضعف وهي تمسح بقايا دموعها بكمها: • أحياناً... لكنه يكون شديداً ومرعباً في بعض الأشهر كهذا الشهر. انعقد حاجباه بأسف وضيق على حالها، وقال بعتاب رقيق: • ولماذا لم تخبريني من قبل لأحضر لكِ مسكنات؟ ابتسمت ابتسامة باهتة ومكسورة رغم الألم: • لأن هذا شيء طبيعي وتمر به كل الفتيات... ولا أحب أن أقلق أحداً أو أكون عبئاً. نظر إليها بصمت لثوانٍ، وعيناه تفيضان بالحب والحنان، ثم أمسك يدها الصغيرة برفق وقبل باطنها قائلاً: • لكنني أقلق عليكِ في كل ثانية... سواء أخبرتِني أم لا، أنتِ لستِ عبئاً بل كلي. خفضت لين عينيها خجلاً وقد بدأت دقات قلبها تتسارع بنبض دافئ، بينما بقي ريان إلى جوارها ولم يبتعد. مد يده العريضة برفق، ووضع كفه الدافئة فوق أسفل بطنها مباشرة، محاولاً تدفئة المكان بحرارة جسده لتخفيف التقلصات. كانت كفّه دافئة للغاية كالموقد، ومع مرور الدقائق وحركات يده الدائرية اللطيفة، بدأ الوجع يهدأ شيئاً فشيئاً وتسترخي عضلاتها. أغمضت لين عينيها براحة لم تعهدها، واستسلمت لنوم عميق وآمن وهي تشعر لأول مرة منذ فترة براحة غريبة واطمئنان شديد بين يديه. بعد عدة ساعات، أيقظها رنين هاتفها المستمر. فتحت عينيها ببطء شديد، فوجدت ريان ما يزال نائماً إلى جوارها بعمق، ويده الدافئة لا تزال مستقرة بحنان فوق بطنها دون أن يشعر أو يحركها. ابتسمت بخفة مأخوذة بمنظره الوسيم وهو نائم، وهمست برقة: • يبدو أنك نمت هكذا طوال الوقت لأجلي... أبعدت يده برفق شديد وحذر حتى لا توقظه من نومه، ثم التفتت والتقطت هاتفها من فوق الطاولة الجانبية. كان المتصل صديقتها المقربة نور. أجابت بصوت منخفض وهامس: • صباح الخير نور. جاءها صوت نور المتذمر والصاخب كالعادة عبر السماعة: • صباح الخير يا خائنة! أين أنتِ؟ أرجوكِ تعالي إليّ حالاً، أنا وحدي قرب الشاطئ الغربي، لقد مللت من الجلوس والانتظار بمفردي، وبعد ساعة ونصف لديّ مقابلة عمل مهمة جداً في الشركة القريبة. تعالي اجلسي معي وسلّيني حتى يحين موعدها، أرجوكِ! كادت لين أن ترفض وتعتذر بسبب تعبها وألم بطنها، لكنها فجأة تذكرت كلام خالد عنها البارحة، وابتسمت ابتسامة ماكرة وخبيثة، وكأن فكرة جهنمية قد خطرت ببالها في هذه اللحظة. قالت بنبرة غامضة: • سأحاول... انتظريني ولا تتحركي من مكانكِ. أغلقت الهاتف بسرعة، ثم بحثت في قائمة الأسماء بلهفة عن اسم خالد واتصلت به فوراً. ما إن أجاب خالد بصوت يظهر فيه الإرهاق وتعب العمل حتى قال بتنهيدة مستسلمة: • ماذا تريدين يا ابنة عمي في هذا الصباح الباكر؟ أشعر أنكِ كلما اتصلتِ بي سأخسر شيئاً أو تقع مصيبة فوق رأسي. ضحكت لين بخفة وقالت بمكر: • ابن عمتي العزيز... أظن أنك ستهديني سيارة فاخرة قريباً جداً مكافأة لي. تنهد خالد باستسلام وضيق وقال: • أنا لا ينقصني في هذا الصباح إلا أنتِ ومزاحكِ الثقيل. لديّ الكثير من العمل المتراكم في الشركة والمستندات، ابتعدي عني اليوم أرجوكِ. ضحكت لين أكثر وقالت بنبرة مستفزة: • حسناً كما تريد... إذن سأتصل بنور وأخبرها ألا تنتظرك، وأنك مشغول بملفاتك اللعينة. وفور سماعه اسم "نور"، اعتدل خالد في جلسته وتغيرت نبرته تماماً وصاح بسرعة ولهفة: • لحظة... لحظة! نور؟ ما بها نور؟ أين هي؟ عضّت لين شفتها بقوة حتى لا تضحك بصوت عالٍ وتوقظ ريان، ثم قالت ببراءة مصطنعة ومتقنة: • لا شيء... فقط اتصلت بي للتو، وهي الآن تجلس وحدها تماماً عند الشاطئ، وتقول إنها تشعر بالملل والخوف قليلاً قبل مقابلة العمل... لكن بما أنك مشغول ولديك عمل متراكم فلا بأس، سأتركها وحدها هناك. صمت خالد لثانيتين كأنه يستوعب المفاجأة، ثم قال بسرعة واندفاع مضحك: • ومن قال إنني مشغول؟ لقد انتهى عملي كله للتو وأغلقت الملفات! رفعت لين حاجبها وقالت وهي تكتم ضحكتها بجهد: • حقاً؟ قبل دقيقة واحدة فقط كنت تقول إن لديك الكثير من العمل والمسؤوليات ولا وقت لديك.أومأت نور موافقة دون تردد، ولملمت ملفات المشروع بدقة ثم انطلقت. ومع حلول الليل، وصلت إلى الفندق الفخم الذي سيقام فيه الاجتماع في إحدى قاعاته الخاصة. وما إن دخلت القاعة حتى انقبض قلبها؛ فقد لاحظت أنها المرأة الوحيدة بين عدد كبير من الرجال. كانت الطاولات مليئة بكؤوس الخمر، والضحكات المرتفعة الصاخبة تملأ المكان بطريقة مريبة.حافظت نور على هدوئها المهني وجلست في مكانها، ثم فتحت الملفات وبدأت تشرح تفاصيل المشروع بكل احترافية وثبات. لكن لم يمضِ وقت طويل حتى قطع حبل أفكارها اقتراب أحد المستثمرين الشباب؛ كان حسن المظهر وثرياً، إلا أن نظراته المتفحصة كانت تحمل شيئاً دنيئاً جعلها تشعر بالاشمئزاز.ابتسم الرجل ابتسامة جانبية خبيثة وقال وهو يزيح أوراقها:_ "آنستي الجميلة... الحياة ليست عملاً وجدية فقط. هيا، اشربي معنا نخب هذه الصفقة أولاً." أجابته نور بثبات ونبرة جافة:_ "آسفة، أنا لا أشرب الخمر، وأنا هنا بصفتي مساعدة السيد خالد لمناقشة تفاصيل المشروع فقط. أرجو أن نحافظ على حدود الاحترام بيننا."ضحك الرجل بسخرية مستفزة، ثم اقترب منها أكثر وهمس بصوت منخفض ومقزز:_ "ا
لكن لين لم تتحمل رؤية صديقة عمرها وتوأم روحها في هذا الموقف المحرج؛ فنهضت من مكانها بسرعة فائقة وقبل الجميع، واندفعت نحو السلم لتمسك بيد نور بحنان، وضد ضحكات الخالات، نظرت لين إليهن بنظرة حازمة أسكتت الجميع، ثم التفتت إلى نور وقالت لها ضاحكة بنبرة ممتلئة بالحب والدفء لتنقذها:_ "يا إلهي يا نور! ما زلتِ تعشقين قميص الدب هذا؟ أقسم أنكِ تبدين الليلة الماضية واليوم كألطف عروس رأيتها في حياتي! تعالي، الجوع كافر وأنا لن أتناول إفطاري بدون صديقتي المقربة."في هذه الأثناء، وقف خالد هو الآخر بهدوء تام وبسرعة بديهته المعهودة، مكملاً ما فعلته لين ليفرض احترام زوجته أمام العائلة، وقال بنبرة رجولية دافئة:_ "لين معها حق يا نور، لا داعي للهروب.. تبدين بخير، والجوع لا ينتظر تغيير الملابس. اجلسي بجانبي."أنزلت كلمات لين وخالد السكينة على قلب نور المسكينة. تنهدت بارتياح وذهبت مع لين التي سحبتها من يدها وجعلتها تجلس بجانب خالد، بينما تولت لين سكب العصير لها ووضع الفطائر في طبقها وهي تغمز لها بمرح لتنسيها الإحراج.صعدت نور إلى الأعلى بسرعة البرق بمجرد أن انتهى الفطور لتتخلص من بقا
استدار ريان متوجهاً نحو الشرفة الكبيرة بخطوات ثقيلة، موليّاً إياها ظهره ليتيح لها فرصة ستر نفسها، بينما كان يقبض بيده على سياج الشرفة الحديدي بعنف، محاولاً إطفاء النيران التي تكاد تحرق صدره، منتظراً اللحظة التي سيتواجهان فيها وجهاً لوجه دون أقنعة. أما في غرفة خالد، فقد انقضت دقائق التوتر الثقيلة قبل أن تنفتح أبواب الحمام ببطء. خرجت نور وهي ترتدي ملابسها المريحة البسيطة، وكانت دقات قلبها تتسارع بفعل الخوف والحرج الشديد الذي كان يملأ كيانها في هذه الليلة الأولى لهما معاً. نظرت بطرف عينيها نحو الغرفة الهادئة، فوجدت خالداً مستلقياً على السرير بجسده الرياضي المرتخي، يراقب شاشة هاتفه بهدوء تام دون أن يرفع عينيه لكي لا يزيد من إحراجها. ابتلعت نور ريقها، وتوجهت نحوه بخطوات مترددة، ثم وقفت قريباً من طرف السرير وسألته بنبرة خافتة تكاد تُسمع: _ "أين سأنام؟" أهبط خالد هاتفه قليلاً، ونظر إليها بنظرات دافئة خالية من أي ضغط أو مكر، وأجابها بصوته الرزين المريح: _ "إن أردتِ، نامي على السرير وأنا معكِ، أو يمكنني أن آخذ وسادتي وأنام أنا على الأريكة.
انتهى الحفل الصاخب وأُغلقت قاعة الاحتفال الكبرى، ليتوجه كل شخص إلى غرفته تاركاً خلفه أضواء الثريات الكريستالية المتلألئة. كانت لين تمشي في ممرات القصر الطويلة بخطوات متثاقلة، ينهش التعب جسدها من أثر السهرة الطويلة والإشراف على الضيوف، لكن الإرهاق الأكبر كان في عقلها وقلبها؛ حيث كانت أفكارها مبعثرة ومحترقة بسبب ريان، كلماته الحادة، وقبلته العاصفة التي ما زالت تستشعر حرارتها على شفتيها.دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، متنهدةً بارتياح ظاهري بحثاً عن ملاذ آمن يخفف عنها عبء هذه الليلة. بدأت لين في تغيير ملابسها ونزعت فستانها الأنيق بالفعل، وفجأة، ومن دون سابق إنذار أو طرقة باب واحدة، انفتح الباب واندفع ريان إلى داخل الغرفة كالإعصار!جفلت لين وتراجعت خطوة إلى الخلف، واتسعت عيناها بصدمة وخوف حاولت جاهدة إخفاءه، وحملت فستانها بسرعة تحاول أن تغطي به جسدها وقليلاً من عريها المفاجئ أمام نظراته المتفحصة. لكن ريان لم يمنحها فرصة للتفكير؛ تقدم بخطوات واسعة وحاسمة، وعيناه تشتعلان ببريق مظلم يمزج بين الغيرة والتملك، ولم يتوقف حتى حاصرها تماماً بين جسده الضخم والجدار، حارماً إياها من أي مف
وفي هذه الأثناء، وسط الحشود والمهنئين وأضواء الثريات الكريستالية المتلألئة، كان هناك إعصار آخر يدور في الخفاء؛ إذ كانت لين تبدو كالحورية الليلة، ترتدي فستاناً أنيقاً يبرز جمالها الهادئ وتتنقل بوقار لتشرف على راحة الضيوف، ولم تكن تعلم أن هناك عينين صقريتين لريان يراقب كل التفاتة منها وكل ابتسامة توزعها على الحاضرين. ثلاثة أيام من النوم على الأريكة واحتراق عقله بلغز "أليكس" جعلت ريان يصل لقمة جنونه وغليان دمه غيرَةً وتملكاً. استغل ريان لحظة وقوف لين بمفردها قريباً من ممر الشرفة الهادئ، فتقدم بخطوات سريعة وحاسمة وحاصرها بجسده الضخم خلف أحد الأعمدة الكبيرة، هامساً بنبرة رجولية حادة تفيض بالوعيد: "ثلاثة أيام يا لين.. ثلاثة أيام تظنين فيها أنكِ انتصرتِ ببرودكِ؟ انظري إليّ عندما أحدثكِ، فمهما طال صمتي وكبريائي، لن يتغير واقع أنكِ الليلة وكل ليلة.. ملكي أنا وحدي!" التقت عيناهما في مواجهة نارية صامتة، لين تخفي برودها دقات قلبها العنيفة، وريان يحاول بكبريائه إخفاء حيرته وعذابه. لم تمنحْه لين جواباً، بل رفعت ذقنها بكبرياء ونظرت في عينيه بنظرة باردة تحدّت بها ثورته، وكأنها تخبره أن كل
ألقى ريان نظرة سريعة نحو لين، فوجدها ترتشف عصيرها ببرود شديد، وعلى شفتيها الكرزيتين ابتسامة سخونة ونصر لا تخفى عليه، وكأنها تستمتع برؤيته يتخبط في صدماته وإحراجه واحدة تلو الأخرى.حاول ريان تدارك الموقف وتغطية ملامح الذهول، فتنحنح وعدل من جلسته وقال بصوت رجولي هادئ محاولاً استعادة وقاره:_ "أوه.. مبارك لكِ يا نور، صدمتني المفاجأة فقط لأنني لم أكن أعلم بالترتيبات.. وخالد رجل شهم وس يصونكِ حتماً. أهلاً بك يا مصطفى مجدداً في بيتك، اعذرني على سوء الفهم قبل قليل.. فـ ضغوط العمل في الشركة جعلتني مشتت الذهن بعض الشيء اليوم."نظر إليه مصطفى بذكاء كأنه فهم خلفيات تلك الغيرة لكنه مرر الموقف بلطف قائلاً: "لا عليك يا سيد ريان، مقدر تماماً.".وفجأة، قطع هذا التوتر الصامت رنين هاتف ريان المصحوب باهتزاز قوي. شعر براحة داخلية لأن هذا الاتصال جاء في وقته لينقذه من نظرات لين الساخرة التي كانت ترتشف عصيرها ببرود تام وتراقب تخبطه بنصر خفي.استأذن ريان بصوت رجولي جاف، ووقف مبتعداً عن الطاولة ببضع خطوات ليجيب على الهاتف. كان المتصل مساعده الشخصي الذي كلفه بالبحث، وجاء صوته جاداً وسريعاً عبر الخط:_ "سي







